روسيا أوكرانيا

إيمانويل تود: الحرب العالمية الثالثة بدأت بالفعل

جندي أوكراني يشاهد قاذفة صواريخ متعددة الدفع عيار 220 ملم من طراز بوريفي في تشرين الثاني 2022. تصوير أناتولي ستيبانوف. أ ف ب.

إيمانويل تود: الحرب العالمية الثالثة بدأت بالفعل

الخميس 19 كانون الثاني 2023

ترجمة بتصرّف لمقابلة نُشِرت بالفرنسية في جريدة لو فيغارو، في 12 كانون الثاني 2022.

إيمانويل تود هو عالم أنثروبولوجيا ومؤرخ وباحث في المستقبليات. ألف كتبًا أصبح العديد منها من كلاسيكيات العلوم الاجتماعية، مثل «السقوط النهائي» أو «الوهم الاقتصادي» أو «ما بعد الإمبراطورية». صدر كتابه الأخير «الحرب العالمية الثالثة بدأت بالفعل»، عام 2022 في اليابان.

فيغاروا: لماذا تَنشر كتابًا عن الحرب في أوكرانيا في اليابان وليس في فرنسا؟

إيمانويل تود: اليابانيون كالأوروبيين معادون لروسيا. لكنهم بعيدون جغرافيًا عن الصراع، لذلك ليس لديهم شعور مُلحّ بالفزع، أو علاقتنا العاطفية بأوكرانيا. وهناك في اليابان، يبدو وضعي مختلفًا على الإطلاق. هنا في فرنسا، تلاحقني سمعة سطحية بأنني «متمرد تخريبي»، بينما أنا في اليابان عالم أنثروبولوجيا ومؤرخ وعالم جيوسياسي محترم، يتحدث في جميع الصحف والمجلات الكبرى، وتنشر كتبه. يمكنني التعبير عن نفسي هناك في جو هادئ، وهو ما فعلته أولًا في المجلات، ثم بنشر هذا الكتاب، الذي هو عبارة عن مجموعة من المقابلات. وعنوانه «الحرب العالمية الثالثة بدأت بالفعل» وبيعت منه حتى اليوم مئة ألف نسخة.

«الحرب العالمية الثالثة بدأت بالفعل»، لماذا هذا العنوان؟

لأن هذا ما حدث في الواقع، فقد بدأت الحرب العالمية الثالثة. صحيح أنها بدأت «صغيرة» وتحمل معها مفاجأتين. فقد ذهبنا إلى هذه الحرب بفكرة أن الجيش الروسي كان قويًا جدًا وأن اقتصاده كان ضعيفًا جدًا. وكنا نظن أن أوكرانيا سوف تُسحق عسكريًا، وأن الغرب سيسحق روسيا اقتصاديًا. لكن ما حدث هو العكس. فأوكرانيا لم تُسحق عسكريًا حتى لو فقدت 16% من أراضيها؛ كما لم تُسحق روسيا اقتصاديًا. فبينما أتحدث إليكم، ارتفع الروبل بنسبة 8% مقابل الدولار و18% مقابل اليورو قياسًا لليوم السابق لبدء الحرب. لذلك كان هناك نوع من سوء الفهم. لكن من الواضح أن الصراع، الذي ينتقل من حرب إقليمية محدودة إلى مواجهة اقتصادية عالمية، بين الغرب كله من جهة وروسيا المدعومة من الصين من جهة أخرى، قد أصبح حربًا عالميةً. حتى وإن بدا العنف العسكري أقل حدةً قياسًا للحروب العالمية السابقة.

ألا تبالغ؟ فالغرب ليس منخرطًا عسكريًا بشكل مباشر في الحرب

لكننا نقدّم الأسلحة. نحن نقتل الروس، حتى إن لم نعرّض أنفسنا [للخطر]. لكن مع هذا يبقى انخراطنا نحن الأوروبيين اقتصاديًا بالدرجة الأولى، ونشعر بدخولنا الحقيقي في الحرب من خلال التضخم والندرة اللذين نعيشهما.

لقد ارتكب بوتين خطأً كبيرًا في البداية، وهو خطأ ذو أهمية سوسيو-تاريخية هائلة. فالذين اشتغلوا على أوكرانيا تخطيطًا عشية الحرب لم يروها بوصفها ديمقراطية ناشئة، ولكن كمجتمع متحلل ودولة فاشلة في طور التكوين. ويتساءل المرء عمّا إذا كانت أوكرانيا قد فقدت 10 ملايين أو 15 مليون نسمة منذ استقلالها. لا يمكننا أن نقرّر، لأن أوكرانيا لم تجر تعدادًا سكانيًا منذ عام 2001، وهي علامة تقليدية لمجتمع يخاف من الواقع. أعتقد أن حسابات الكرملين كانت أن هذا المجتمع المتحلل سوف ينهار عند الصدمة الأولى، أو يرفع شعار «مرحبًا بأمي» في وجه روسيا المقدسة. لكن ما كشفته الحرب هو أن هذا المجتمع المتحلل، إذا غذته الموارد المالية والعسكرية الخارجية، يمكن أن يجد في الحرب نوعًا جديدًا من التوازن، أو حتى أفقًا للمستقبل وأملًا. لم يستطع الروس التنبؤ بذلك. والحقيقة أن لا أحد كان يستطيع التنبؤ بذلك.

ولكن ألم يستخف الروس بالواقع، لا سيما بقوة المشاعر الوطنية الأوكرانية، أو حتى قوة الدعم الأوروبي لأوكرانيا، رغم حالة التحلل الحقيقي للمجتمع، هل تقلل من شأن ذلك؟

لست أدري. أنا أعمل على ذلك، ولكن كباحث، أعترف بأن هناك أشياء لا أعرفها. وبالنسبة لي، من الغريب أن أحد المجالات التي لدي القليل من المعلومات بشأنها هو أوكرانيا. يمكنني أن أقدم معرفةً، على أساس البيانات القديمة، أن نظام الأسرة في «روسيا الصغيرة» [أوكرانيا] كان نوويًا، وأكثر فردية من النظام في روسيا الكبرى، الذي كان بدوره أكثر مجتمعية وجماعية. ولكن ما أصبحت عليه أوكرانيا اليوم، مع التحركات السكانية الضخمة، والاختيار الذاتي لأنواع اجتماعية معينة من خلال البقاء هناك أو عن طريق الهجرة قبل وأثناء الحرب، لا أستطيع أن أفيدكم بشأنه.

لكن إحدى المفارقات التي أواجهها هي أن روسيا لا تشكل مشكلة فهم بالنسبة لي. هذا هو المكان الذي أكون فيه بعيدًا عن بيئتي الغربية. أفهم مشاعر الجميع، حيث من المؤلم بالنسبة لي أن أتحدث كمؤرخ بارد. لكن عندما نفكر في يوليوس قيصر الذي حبس فرسن جتريكس في أليزيا ثم أخذه إلى روما للاحتفال بانتصاره، فإننا لا نتساءل عما إذا كان الرومان أشرارًا أو ناقصين في القيم. إذا فكرنا بالعواطف، كغربيين، سوف نرى بوضوح غزو الجيش الروسي الأراضي الأوكرانية والقصف والوفيات والدمار الذي لحق بالبنية التحتية للطاقة، وتجمّد الأوكرانيين طوال فصل الشتاء. لكن بالنسبة لي، يمكن قراءة سلوك بوتين والروس بشكل مختلف وسأخبرك كيف.

ذهبنا إلى هذه الحرب بفكرة أن الجيش الروسي كان قويًا جدًا وأن اقتصاده كان ضعيفًا جدًا. وكنا نظن أن أوكرانيا سوف تُسحق عسكريًا، وأن الغرب سيسحق روسيا اقتصاديًا. لكن ما حدث هو العكس.

أعترف بأنني فوجئت ببداية الحرب ولم أصدق ذلك. أمّا فيما يتعلق بالجذور العميقة التي أدت إلى الصراع، أوافق على تحليل الجيوسياسي الأمريكي «الواقعي» جون ميرشايمر، والذي يقدم التصور التالي: أوكرانيا، التي استولت قوات الناتو (الأمريكيون والبريطانيون والبولنديون) على جيشها منذ عام 2014 على أقل تقدير، كانت بحكم الأمر الواقع عضوًا في الناتو. في المقابل كان الروس واضحين في أنهم لن يتسامحوا أبدًا مع عضوية أوكرانيا في الناتو. لذا فإن هؤلاء الروس يشنون -كما أخبرنا بوتين في اليوم السابق للهجوم- حربًا دفاعية ووقائية من وجهة نظرهم. ويضيف ميرشايمر أنه لن يكون لدينا أي سبب للابتهاج بالصعوبات المحتملة للروس لأنه، نظرًا لأن هذه المسألة وجودية بالنسبة لهم، فكلما كان الأمر أصعب، كانت ضرباتهم أشد. يبدو لي أن هذا التحليل صحيح. لكن أود أن أضيف تكملةً ونقدًا لتحليل ميرشايمر.

عندما يقول إن أوكرانيا كانت بحكم الأمر الواقع عضوًا في الناتو، فإنه لا يذهب بعيدًا بما فيه الكفاية. فقد أصبحت ألمانيا وفرنسا شريكين ثانويين في الناتو ولم تكونا على علم بما كان يحصل على المستوى العسكري في أوكرانيا. لذلك جرى انتقاد السذاجة الفرنسية الألمانية لأنهما لم تصدقا احتمالية الغزو الروسي، وذلك لأنهما لم تعرفا أن الأمريكيين والبريطانيين والبولنديين يمكن أن يسمحوا لأوكرانيا بأن تكون قادرة على إشعال حرب أوسع. المحور الأساسي لحلف الناتو اليوم هو واشنطن – لندن – وارسو – كييف.

أما بالنسبة للنقد: ميرشايمر، بوصفه «أمريكيًا جيدًا»، يبالغ في تقدير بلده. فهو يعتبر أن الحرب في أوكرانيا إذا كانت بالنسبة للروس وجوديةً، فهي بالنسبة للأمريكيين مجرّد «لعبة» من ألعاب القوة الكثيرة، مثل فيتنام والعراق وأفغانستان، مجرد كارثة أخرى بين كثيرات، لا يهم. البديهية الأساسية للجيوسياسة الأمريكية هي: «يمكننا أن نفعل ما نريد لأننا آمنون وبعيدون، بين محيطين، ولن يحدث لنا شيء على الإطلاق». لن يكون هناك شيء وجودي بالنسبة لأمريكا. القصور التحليلي هو ما يقود بايدن اليوم إلى هذا الاندفاع المتهور.

تبدو أمريكا هشة، حيث تدفع مرونة الاقتصاد الروسي النظامَ الإمبرياليَّ الأمريكي نحو الهاوية. إذ لم يتوقع أحد أن يقف الاقتصاد الروسي في وجه «القوة الاقتصادية» للناتو، وأعتقد أن الروس أنفسهم لم يتوقعوا ذلك.

إذا قاوم الاقتصاد الروسي العقوبات إلى أجل غير مسمى وتمكّن من إنهاك الاقتصاد الأوروبي، بينما حافظ على تماسكه، مدعومًا من الصين، فإن الضوابط النقدية والمالية الأمريكية في العالم ستنهار، وستنهار معها إمكانية قيام الولايات المتحدة بتمويل عجزها التجاري الضخم مقابل لا شيء. لذلك فإن هذه الحرب صارت للأمريكيين، مثلما هي للروس، حربًا وجودية، لا يمكنهم الانسحاب منها. وهذا هو السبب في أننا في حرب لا نهاية لها، وفي مواجهة يجب أن تكون نتيجتها انهيار أحدهما. وحدهم الصينيون والهنود والسعوديون، مبتهجون.

لكن يبدو أن الجيش الروسي لا يزال في وضع سيئ للغاية، حيث يذهب البعض إلى حد التنبؤ بانهيار النظام، ألا تعتقد ذلك؟

لا، في البداية يبدو أن شعورًا بالتردد كان سائدًا عند الروس، شعور بأنهم قد استُغِلوا، بأنه لم يُحذّروا. لكن اليوم يبدو أن الروس قد استعادوا توازنهم ضمن حالة الحرب. يستفيد بوتين من شيء ليست لدينا أي فكرة عنه، وهي سنوات العشرية الأولى من القرن، «سنوات بوتين»، والتي كانت بالنسبة للروس سنوات العودة إلى التوازن والحياة الطبيعية. على العكس من ذلك، أعتقد أن ماكرون بات يمثّل للفرنسيين اكتشاف عالم خطير لا يمكن التنبؤ به، أو استعادةً للخوف. كانت سنوات التسعينيات حقبة معاناة غير مسبوقة لروسيا، فيما شكلت العشرية التي تلتها عودة إلى الوضع الطبيعي، ليس فقط من حيث مستويات المعيشة، حيث رأينا معدلات الانتحار والقتل تنخفض، وقبل كل شيء، مؤشري المفضل، وهو معدل وفيات الرضع، انخفض إلى ما دون المعدل الأمريكي.

هذه الحرب صارت للأمريكيين، مثلما هي للروس، حربًا وجودية، لا يمكنهم الانسحاب منها. وهذا هو السبب في أننا في حرب لا نهاية لها، وفي مواجهة يجب أن تكون نتيجتها انهيار أحدهما.

في أذهان الروس، يجسد بوتين هذا الاستقرار. لذلك فإن الروس العاديين، شأنهم شأن رئيسهم، راسخو الاعتقاد بأنهم يشنون حربًا دفاعية. إنهم يدركون أنهم ارتكبوا أخطاءً في البداية، لكن استعدادهم الاقتصادي الجيد رفع من ثقتهم، ليس في مواجهة أوكرانيا (مقاومة الأوكرانيين قابلة للتفسير بالنسبة لهم، فهم شجعان مثل الروس، فالغربي لن يقاتل أبدًا بشكل جيد، بحسب الذهنية الروسية)، ولكن في مواجهة ما يسمونه «الغرب الجماعي»، أو «الولايات المتحدة وأتباعها». لذلك فإن الأولوية الحقيقية للنظام الروسي ليست النصر العسكري على الأرض، بل عدم فقدان الاستقرار الاجتماعي الذي تحقق في السنوات العشرين الماضية.

لذا يشنّ [الروس] هذه الحرب على جبهة الاقتصاد، وخاصة «اقتصاد الناس». لأن روسيا ما زالت تعاني من مشكلتها الديموغرافية المديدة، بمعدل خصوبة يبلغ 1.5 طفل لكل امرأة. في غضون خمس سنوات سيتم تفريغ فئات عمرية بأكملها. وفي اعتقادي، يجب أن يكسبوا الحرب خلال خمس سنوات، وهي المدة المعتادة لحرب عالمية. لذا فهم يشنون هذه الحرب على جبهة الاقتصاد، ويعيدون بناء اقتصاد حرب جزئي، لكنهم يريدون الحفاظ على العامل البشري. وهذا ما يفسر الانسحابات الروسية من خيرسون، بعد منطقتيْ خاركيف ومحيط كييف. نحن نحسب الكيلومترات التي استعادها الأوكرانيون، لكن الروس يحسبون النتائج على نحو آخر، إنهم ينتظرون سقوط الاقتصادات الأوروبية، نحن جبهتهم الرئيسية. من الواضح أنني قد أكون مخطئًا، لكنني أعيش مع فكرة أن سلوك الروس قابل للقراءة، لأنه عقلاني وصلب. المجهول هو في مكان آخر.

تعتقد أن الروس ينظرون إلى هذا الصراع على أنه «حرب دفاعية»، لكن أحدًا لم يحاول غزو روسيا، وحتى اليوم بعد الحرب، لم يكن لحلف الناتو تأثير كبير في الشرق على دول البلطيق

كي أجيب على سؤالك، أقترح تمرينًا نفسيًا جغرافيًا، يمكن القيام به عن طريق النظر إلى الصورة الكبيرة. إذا نظرنا إلى خريطة أوكرانيا، نرى أن دخول القوات الروسية جرى من الشمال والشرق والجنوب، وهنا في الواقع، لدينا رؤية لغزو روسيّ، حيث لا توجد كلمة أخرى يمكن أن تصف ما حدث.

ولكن إذا ابتعدنا بشكل كبير، نحو تصور واسع للعالم، فيما يتعلق بواشنطن أساسًا، نرى أن مدافع وصواريخ الناتو تتلاقى من بعيد نحو اتجاه ساحة المعركة، وهي حركة أسلحة بدأت قبل الحرب. إن كانت باخموت تبعد 8400 كيلومتر عن واشنطن فإنها لا تبعد سوى 130 كيلومترًا عن الحدود الروسية. لذلك أعتقد أن قراءةً لخريطة العالم تسمح بالنظر في الفرضية القائلة بأنه «نعم، من وجهة النظر الروسية، هي حرب دفاعية».

حسب رأيك، فإن دخول الروس في الحرب يفسر أيضًا بالتراجع النسبي للولايات المتحدة

في كتابي «ما بعد الإمبراطورية»، الذي نُشِر في عام 2002، ناقشتُ تراجع الولايات المتحدة على المدى الطويل وعودة القوة الروسية. ومنذ العام 2002، واجهت أمريكا سلسلة من الإخفاقات والنكسات. غزت العراق، لكنها تركت إيران لاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط. ثم فرّت من أفغانستان. كما أن الرقابة الأمريكية الأوروبية بالأقمار الصناعية على أوكرانيا لم تمثّل زيادة في الديناميكية الغربية، بل امتدادًا لموجة بدأت حوالي عام 1990، تميزت بالمشاعر المناهضة لروسيا من قِبل بولندا ودول البطليق. في هذا السياق من الارتداد الأمريكي اتخذ الروس قرارًا بإخضاع أوكرانيا، لأنهم شعروا أخيرًا أن لديهم الوسائل التقنية للقيام بذلك.

الأولوية الحقيقية للنظام الروسي ليست النصر العسكري على الأرض، بل عدم فقدان الاستقرار الاجتماعي الذي تحقق في السنوات العشرين الماضية.

لقد قرأت منذ وقت قريب كتابًا لوزير الشؤون الخارجية الهندي، سوبرامانيام جايشانكار، «الطريق الهندية»، والذي نشر قبل الحرب مباشرة، يشرح فيه الضعف الأمريكي، ويرى أن المواجهة بين الصين والولايات المتحدة لن تخرج بمنتصر ولكنها ستعطي مساحة لدولة مثل الهند، والعديد من الدول الأخرى. أود أن أضيف: ولكن ليس للأوروبيين. في كل مكان نرى ضعف الولايات المتحدة، ولكن ليس في أوروبا واليابان، لأن أحد آثار تراجع النظام الإمبراطوري هو أن الولايات المتحدة تعزز قبضتها على محميّاتها الأصلية.

إذا قرأنا كتاب بريجينسكي[1] «رقعة الشطرنج الكبرى»، نرى أن الإمبراطورية الأمريكية تشكلت في نهاية الحرب العالمية الثانية من خلال غزو ألمانيا واليابان، اللتين لا تزالان محميّتين حتى اليوم. ومع تراجع النظام الأمريكي، فإن ذلك يُثقِل كاهل النخب المحلية الحاكمة في المحميات أكثر فأكثر (وهنا أضمّ أوروبا كلها). سيكون في طليعة من يفقد سيادته الذاتية والوطنية -أو مَن فقدوها فعلًا- الإنجليز والأستراليون. أنتج الإنترنت في العالم الأنجلوساكسوني تفاعلًا إنسانيًا مع الولايات المتحدة من الشدة والتأثير بحيث يمكن القول إن النخب الأكاديمية والإعلامية والفنية قد جرى احتواؤها. في القارة الأوروبية نحن محميّون إلى حد ما بفضل لغاتنا الوطنية، ولكن استقلاليتنا تسقط بشكل كبير وسريع، مقارنةً بالماضي. دعونا نتذكر أنه خلال حرب العراق، عقد شيراك وشرودر وبوتين مؤتمرات صحفية مشتركة ضد الحرب.

يشير العديد من المراقبين إلى الناتج المحلي الإجمالي الروسي بالكاد يساوي الناتج الإسباني. ألا تبالغ في تقدير قوة روسيا الاقتصادية؟

في الواقع، يمثل الناتج المحلي الإجمالي لروسيا وبيلاروسيا 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي الغربي، وهو عمليًا لا شيء. يتساءل المرء كيف يمكن لهذا الناتج المحلي الإجمالي الضئيل التأقلم والاستمرار في إنتاج الصواريخ. والسبب هو أن الناتج المحلي الإجمالي هو مقياس وهمي للإنتاج. إذا طرحنا من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي نصف نفقاتها الصحية المبالغ في تقدير كلفتها، ثم «الثروة الناتجة» عن نشاط شركات المحاماة، بفضل سجونها الأكثر امتلاءً في العالم، ثم اقتصاد الخدمات اللامحدود بما في ذلك 15 ألف أو 20 ألف اقتصاديًا بمتوسط راتب يبلغ 120 ألف دولار، ندرك أن جزءًا كبيرًا من هذا الناتج المحلي الإجمالي وهمي.

في كل مكان نرى ضعف الولايات المتحدة، ولكن ليس في أوروبا واليابان لأن أحد آثار تراجع النظام الإمبراطوري هو أن الولايات المتحدة تعزز قبضتها على محميّاتها الأصلية.

تعيدنا الحرب إلى الاقتصاد الحقيقي، فهي تسمح لنا بفهم الثروة الحقيقية للأمم، والقدرة الإنتاجية، وبالتالي القدرة على الحرب. لكن لنعد إلى المتغيرات المادية. في عام 2014، فرضنا أول عقوبات كبيرة ضد روسيا، لكنها زادت إنتاجها من القمح من 40 مليون طن إلى 90 مليون طن في عام 2020. بينما انخفض إنتاج القمح الأمريكي، بين عامي 1980 و2020، من 80 مليون طن إلى 40 مليون طن وذلك بفضل النيوليبرالية. كما أصبحت روسيا أكبر مصدر لمحطات الطاقة النووية. في عام 2007، كشف الأمريكيون أن خصمهم الاستراتيجي كان في حالة من الاضمحلال النووي لدرجة أن الولايات المتحدة سيكون لديها قريبًا القدرة على توجيه الضربة الأولى ضد روسيا دون أن تستطيع الرد. اليوم، الروس متفوقون نوويًا بصواريخهم التي تفوق سرعتها سرعة الصوت.

روسيا لديها قدرة حقيقية على التكيّف. عندما نريد السخرية من الاقتصادات المركزية فإننا نؤكد على خشبيتها، وعندما نمجّد الرأسمالية فإننا نثني على مرونتها، ونحن هنا على حق. ليكون اقتصاد ما مرنًا من الضروري أن يضم آليات سوقية ومالية ونقدية، لكن قبلًا عليك أن تفعّل سكّانًا نشطين يعرفون كيف يفعلون الأشياء. تضم الولايات المتحدة اليوم أكثر من ضعف عدد السكان في روسيا (2.2 ضعفًا في الفئات العمرية للطلاب). لكن النسبة مختلفة تمامًا ضمن فئة الشباب في مرحلة التعليم العالي. في الولايات المتحدة، يدرس 7% الهندسة، بينما في روسيا 25%. وهذا يعني أنه مع وجود عدد أقل من الأشخاص الذين يدرسون بمقدار 2.2 مرة، يقوم الروس بتدريب المهندسين بنسبة 30%. فيما تسد الولايات المتحدة الفجوة من خلال الطلاب الأجانب، الصينيين أساسًا والهنود تاليًا. هذا المورد البديل ليس آمنًا ويتضاءل بالفعل. وهنا تكمن المعضلة الأساسية للاقتصاد الأمريكي: لا يمكنه التنافس مع الصين إلا من خلال استيراد العمالة الصينية الماهرة. من جانبه، قبِل الاقتصاد الروسي بقواعد عمل السوق (بل إن الحفاظ عليها يشكّل هاجسًا لدى بوتين)، ولكن مع دور كبير جدًا للدولة، كما أنه يدين بمرونته لتدريب المهندسين الذين لديهم القابلية للتأقلم في القطاعين الصناعي والعسكري.

على العكس من ذلك، يعتقد البعض أن فلاديمير بوتين قد استفاد من ريوع المواد الخام، دون أن يتمكن من تطوير اقتصاده

لو كان الأمر كذلك، لما وقعت هذه الحرب. أحد الأشياء اللافتة في هذا الصراع، والذي يجعله غير محسوم النتائج حتى اليوم، أنه يثير -مثل أي حرب حديثة- مسألة التوازن بين التقنيات المتقدمة والإنتاج الضخم. ليس هناك شك في أن الولايات المتحدة تملك بعض التقنيات العسكرية الأكثر تقدمًا، والتي لعبت في بعض الأحيان أدوارًا حاسمة في النجاحات العسكرية الأوكرانية.

ولكن عندما ندخل في حرب استنزاف طويلة الأمد، ليس فقط من حيث الموارد البشرية ولكن أيضًا من حيث الموارد المادية، فإن القدرة على الاستمرار تعتمد على صناعة إنتاج أسلحة أقل تطورًا. وهذا يقودنا إلى مسألة العولمة والمشكلة الأساسية للغرب: «لقد نقلنا الكثير من أنشطتنا الصناعية لدرجة أننا لا نعرف ما إذا كان إنتاجنا الحربي يمكن أن يواكب احتياجاتنا». هذه مشكلة معترف بها، في وسائل الإعلام الكبرى، سي إن إن، ونيويورك تايمز، وحتى في البنتاغون، يتساءلون عمّا إذا كانت أمريكا ستتمكن من إعادة تشغيل خطوط الإنتاج لهذا النوع أو ذاك من الصواريخ. لكن من غير الواضح أيضًا ما إذا كان الروس قادرين على مواكبة وتيرة مثل هذا الصراع. فنتيجة الحرب وحلها ستعتمد على قدرة كلا النظامين على إنتاج الأسلحة.

حسب رأيك، هذه الحرب ليست عسكرية واقتصادية فحسب، بل هي أيضًا حرب أيديولوجية وثقافية

أتحدث هنا بشكل أساسي بصفتي عالم أنثروبولوجيا. كانت هناك هياكل عائلية مجتمعية أكثر كثافة في روسيا، وقد بقيت بعض قيمها. هناك شعور روسي وطني لا يمكن تصوره هنا في الغرب، يغذيه العقل الباطن لـ«أمة عائلية». عندما نفكر بالجغرافيا السياسية فإن اهتمامنا يكون منصبًا على الطاقة والجيوش، وما إلى ذلك من علاقات القوة. ولكن هناك أيضًا توازن القوة الأيديولوجي والثقافي، وهو ما يسميه الأمريكيون «القوة الناعمة».

امتلك الاتحاد السوفياتي شكلًا معينًا من القوة الناعمة وهو الإيديولوجيا الشيوعية، والتي أثرت على جزء من إيطاليا، والصين، وفيتنام، ويوغوسلافيا، والطبقة العاملة الفرنسية، لكن الشيوعية أرعبت العالم الإسلامي بأسره بإلحادها، كما لم تلهم شيئًا مميزًا بالنسبة للهنود خارج ولاية البنغال الغربية وكيرالا. لكن روسيا اليوم تعيد وضع نفسها على أنها النموذج الأصلي للقوة العظمى، ليس فقط «مناهضة الاستعمار»، ولكن أيضًا الأبوية والمحافظة على الأعراف التقليدية، وهذا يمكن أن يكون عامل جذب أكثر قوة. يشعر الأمريكيون اليوم بخيانة المملكة العربية السعودية لهم، التي ترفض زيادة إنتاجها النفطي، رغم أزمة الطاقة التي سببتها الحرب، وهي في الواقع تقف جزئيًا إلى جانب الروس، من أجل المصلحة الذاتية طبعًا. لكن من الواضح أن روسيا بوتين، التي أصبحت محافظة أخلاقيًا، باتت متعاطفة مع السعوديين.

تبدو لي الصحف الغربية مسلية بشكل مأساوي، فهي مستمرة في القول بأن «روسيا معزولة». لكن عندما ننظر إلى الأصوات داخل الأمم المتحدة، نرى أن 75% من العالم لا يتبع الغرب، والذي يبدو حينئذٍ صغيرًا جدًا.

  • الهوامش

    [1] مفكر استراتيجي ومستشار للأمن القومي لدى الرئيس الأميركي جيمي كارتر بين عامي 1977 و1981.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية