الحكومة والمعلمون: من الذي يجب أن يُسأل عن كفاءته؟

من اعتصام المعلمين في عمان للمطالبة بعلاوة، يوم 5 أيلول 2019. تصوير خليل مزرعاوي، أ ف ب.

رأي

الحكومة والمعلمون: من الذي يجب أن يُسأل عن كفاءته؟

الجمعة 13 أيلول 2019

«لا نستطيع أن نكافئ المعلّم المتميّز بنفس سويّة المعلّم غير المتميّز»، يقول رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز في مؤتمره الصحفي للتعليق على اعتصام المعلمين الذي أنهى أسبوعه الأوّل وقت نشر هذا المقال.

إن كنت تسأل عن تلك المكافأة التي يتحدث عنها الرزاز، فهي ما يطالب به المعلمون المضربون منذ 2014: زيادة علاوتهم على رواتبهم الأساسية من 100% إلى 150% وهو أمر كانت الحكومة وافقت عليه بشكل غير رسمي ولم تنفذه مذاك، وفق النقابة. هذه الرواتب الأساسية هي جزء من رواتب إجمالية يتلقاها المعلمون يبلغ معدلها مع العلاوات، 521 دينارًا. 

مضمون ما يقوله رئيس الحكومة الأردنية يعني إذن أن مرتبًا يقارب 500 دينار أردني للمعلم يستوجب من الأخير أن يثبت أهليته وكفاءته لنيله. لكن ما هي قيمة الـ500 دينار في الأردن حتى يعتبرها الرزاز، ووزير التربية، وعموم الطبقة السياسية الأردنية مكافأة تحتاج من المعلمين والمواطن الأردنيين عمومًا إثبات براعتهم، وكفاءتهم، وقدرتهم لنيلها، وعلى مدى سنوات مع تجاهل معتاد لارتفاع معدلات التضخم؟ ثم هل حقًا تعتبر الكفاءة معيارًا في الثقافة السياسية والخدمية الأردنية؟ هل ينطبق الأمر على النخبة الحاكمة التي جرى تدويرها على المناصب رغم فشلها في تحسين نوعية الحياة للمواطنين؟ ولم كل هذا التشنج في التعامل مع اعتصام مطلبي ليس جديدًا على الأردن في العقدين الأخيرين؟

العيش على تخوم الفقر

تشير آخر مسوحات الإحصاءات العامة ذات الشأن التي أجريت بين عامي 2008 و2010 ونشرت نتائجها عام 2012، إلى أن خط الفقر للأسرة الأردنية يتوقف تحت 400 دينار، بالتحديد عند 366 دينارًا شهريًا. يبدو أن هذا هو الرقم الذي تعتمده الحكومات الأردنية حتى اليوم في تحديد موقفها من الزيادات والعلاوات والمرتبات رغم كونه «غير مقنع وصادم وأكثر من ذلك، غير منصف» كما وصفته حكومة الرزاز نفسها العام الماضي.  

اليوم من غير المعروف إن كانت مرتبات في حدود الـ366 دينارًا، 500، أو حتى 1000 دينار كافية في الأردن وسط تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بشكل شبه جذري في العقد الأخير. اليوم تصاعد الدين الأردني من 55% عام 2008، ليصل الآن لنسبة 96% أو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفعت البطالة إلى أعلى مستوياتها خلال عقد لتصل لنسبة 18.6% في 2018، كما تزايد عدد سكان البلاد من نحو ستة ملايين في 2008 ليتجاوز الملايين العشرة الآن وفق أرقام الإحصاءات العامة. 

خلال تلك العشر سنوات منذ آخر الأرقام عن خط الفقر، تغيرت أربعة أنظمة عربية، وشهدت فيها حدودنا الشمالية إغلاقًا دام لسنوات في ظل الحرب في سوريا، وتعامل الأردن خلالها مع موجات غير مسبوقة من اللجوء وصلت لحدود المليون من سوريا فقط أثرت على قطاعات السياحة والخدمات والعقار بشكل غير مسبوق. عشر سنوات، تزامنت بداياتها مع ارتدادات أزمة الرهن العقاري العالمية في 2007 التي انعكست على سائر الاقتصادات في العالم. 

ثم ماذا لو اعتمدنا تلك المؤشرات ومثلها كأساس لتحديد كفاءة وأهلية الطبقة السياسية الأردنية، وتباعًا مشروعية ما تتقاضاه من رواتب وامتيازات ومكافآت، كما تطالبنا هي؟ لِمَ على المعلمين وبقية ذوي الدخول المحدودة أن يثبتوا أهليتهم لينالوا مرتبات على حدود خط الفقر، في حين يتقاضى أعضاء النخبة الأردنية دخولهم، التي تزيد أضعافًا عن ذلك، دون أن يطالبوا بإثبات هذه الكفاءة، رغم توالي عجزهم عن تحسين الأوضاع الاقتصادية في البلاد، بل والذهاب بها نحو الأسوأ عبر مراكمة الديون والعجوزات؟

في النقاش الرسمي والشعبي الدائرة الآن بخصوص التعليم العمومي، تبدو الحاجة ماسة لمراجعة سائر السردية الرسمية حول المفاهيم الأساسية للنقاش: مفهوم الفقر، والغنى والكماليات والأساسيات والرواتب العادلة وغير العادلة. يبدو أن ثمة انفصالًا بين ما ينبغي أن يعنيه اصطلاح العيش الكريم في 2019، وما يعنيه بالنسبة للسلطات الأردنية. 

الطبيعي أن تتضمن قدرة الشعوب على العيش الكريم تمكنهم من توفير تعليم أبنائهم، إسكانهم، معالجتهم وتغذيتهم وتلبية حاجاتهم الروحية والفكرية دون استدانة وإفلاس وقلق من المستقبل وبنوعية ممتازة مقابل ما يدفعونه من ضرائب. بعد تحقق ذلك، يمكن تخصيص الكفاءة والقدرة معيارًا لمن يريد الوصول في مستوى دخله وعيشه أبعد من ذلك. 

بالنسبة للسلطات الأردنية، يبدو الأمر مختلفًا. تبدو أساسيات العيش الإنساني مجرد كماليات تتطلب من عامة الناس التفوق على أنفسهم وإثبات أهليتهم لنيلها.

أبعاد سياسية

النظر إلى رد فعل السلطات المتشنج تجاه حراك المعلمين يتيح الاستنتاج أن هذا الملف ليس مهنيًا فقط، بل هو مهني بأبعاد سياسية صرفة. ربما ليست مبالغة القول إنه سياسي أولًا ثم مهني. فما يمكن فهمه من تصريحات أعضاء النقابة، أن ثمة ضغطًا سياسيًا يقف خلف الإصرار الرسمي على ما يعرف بالمسار المهني الخاص بتطوير أداء المعلمين والذي ترفضه النقابة بشكله الحالي، خصوصًا بعد أن جرى ربط هذا المسار بهيئات وجهات مستقلة وتحويل جزء من التدريب والإشراف عليها رغم وجود «جيوش من المشرفين» في الوزارة، صاحبة الولاية الدستورية على الشأن التعليمي في البلاد، حسب النقابة. 

بهذا المعنى، يبدو نجاح المعلمين إذا ما حدث، ذا دلالة رمزية كبيرة بوصفه معززًا لدور هيئة تمثيلية منتخبة (النقابة) مقابل هيئة غير منتخبة في إدارة واحد من أهم الملفات في البلاد. يمكن تخيل ما سيمثله مثل هكذا نجاح من رمزية على المستوى الشعبي.

ترحيل للمسؤولية

تحويل وتحوير النقاش بخصوص الخدمات العامة باتجاه المواطنين (المعلمين هنا) وتحديهم بتطوير قدراتهم كشرط لنيل مرتبات على حدود خط الفقر يعكس في واقعه نهجًا تطبقه السلطات على بقية الملفات. يتلخص هذا النهج بتحميل المواطن مسؤولية تردي الأوضاع هربًا من مواجهة السؤال عن مسؤوليتها هي، أي تلك السلطات، عن ذلك.

بالإمكان رصد عدد من المشاهدات للتدليل على تلك الذهنية في إدارة ملف التعليم العمومي. مثال ذلك ما يجري من إغراق لمعلمي القطاع العام بالدورات ما بعد انتهاء الدوام المدرسي لرفع أدائهم، ثم تنظيم المسابقات بينهم، وتوزيع الجوائز على «المتميزين» منهم، وهي جميعًا إجراءات مطلوبة، لكنها ليست كافية، وإذا ما طالب هؤلاء المعلمون بنقابة حرة للتعبير عنهم أو بتحسين مرتباتهم، يتحول التعاطي الرسمي على الفور إلى النقيض تمامًا: شجب وتضييق واعتقالات كما شاهدنا في الأيام الماضية.

يحدث ذلك في ظل ما يشبه التجاهل لواقع غياب الأساسيات عن المدارس العمومية: غياب تدفئة في الشتاء وتبريد في الصيف، وغياب غرفة صفية تفي بالأعداد المتزايدة للطلبة، حيث تكتظ الغرفة الواحدة بأكثر من 31 طالبًا بالمعدل في مدارس الوزارة في عمان، أو غياب عددٍ كافٍ من المعلمين في المناطق الطرفية والقرى البعيدة عن العاصمة. 

تتجاهل السلطات الأردنية أن أوضاع المعلمين مضافةً إلى كل ذلك تتسبب بتشتيت قدرة الأخيرين على إيلاء التركيز المطلوب في مهنتهم، وتدفعهم للبحث عن أعمال إضافية أخرى لإعالة أسرهم في بلد ترتفع فيه كلف المعيشة بشكل مضطرد يفوق الزيادات الطفيفة على المرتبات.

لا يبدو هذا الانفصال الرسمي عن الواقع مستغربًا لدى ملاحظة علاقة النخبة الحاكمة نفسها بالتعليم العمومي. خلافًا لما يحدث في غالبية المجتمعات الحية والديمقراطية، تلقى بعض أعضاء النخبة الحاكمة الأردنية، ومنهم الرزاز نفسه، تعليمهم المدرسي في القطاع الخاص أو في الخارج، ومن لم يفعل منهم يحرص على إرسال أبنائه للمدارس الخاصة، كما باتت تفعل نسب متزايدة من الأردنيين بعد تراجع نوعية التعليم العمومي. 

تعد تلك الظاهرة مثيرة للاهتمام فعلًا، فهي من جهة تشير إلى انعدام ثقة النخبة الحاكمة بنوعية التعليم الحكومي، ومن أخرى، تضع علامة استفهام كبيرة حول مدى جديتها وحرصها على تحسين وتجويد نوعية مخرجاته. لذا من غير المفهوم كيف تطالب السلطات الأردنية مواطنيها الثقة بمساعيها إصلاح التعليم العمومي ودعمه، فيما لا تبدو هي واثقة من نوعيته ولا يبدو أنها ترضاه لنفسها، لأبنائها وبناتها!

رسائل في كل الاتجاهات

شئنا أم أبينا، منذ اليوم له، شمل هذا الإضراب الطلبة والطالبات. أصبح الأخيرون جزءًا منه. هم الآن يراقبون مسار الأحداث، ويتطلعون إلى معلميهم ومعلماتهم، مرشديهم ومرشداتهم، أمثلتهم العليا في دفاعهم عن حقوقهم. انكسار المعلمين سيمثل انكسارًا لعشرات الألوف من طلبتهم وطالباتهم ممن شملهم هذا الحراك المطلبي. سيرسل لهم رسالة محملة باللاجدوى، واليأس والإحباط. نجاح المعلمين في تمرير مطالبهم العادلة، في المقابل، سيعزز مكانتهم في عيون ونفوس هؤلاء ثقتهم بجدوى الحراك السلمي والدفاع عن الحقوق. بالنسبة للطلبة، يمثل الإضراب تدريبًا عمليًا فريدًا في التربية المدنية ستبقى خلاصته معهم بقية مشوارهم العلمي والعملي.

على مستوى الشارع، يذكّر احتجاج المعلمين بأن المساعي الشعبية لبناء بلد يفخر به مواطنوه لا تتعلق فقط بتغير الحكومات أو تعديل القوانين والدساتير. يذكّر بأن الإشكال ليس سياسيًا فقط، وأن التغيير في السياسة يبقى قاصرًا إن لم يأت في سياق رؤية ناضجة متكاملة لإحداث تغيرات نوعية مشابهة في الاجتماع والثقافة والاقتصاد تتواءم مع حاجات الناس. يذكّر هذا الاحتجاج بأن الحلم بأردن أفضل يستوجب القدرة على بناء تعليم وطبابة وخدمات عمومية يفخر بها الناس، ثم لا يترددون بإرسال أبنائهم وبناتهم إليها مطمئنين، ليروهم بعدها يديرون البلاد.