السوريّون في إسطنبول: إلى أين وصلت الأزمة؟

الإثنين 16 أيلول 2019
طفلة سورية تنتظر فيما تستعد حافلة لنقل لاجئين إلى سوريا، اسطنبول، 6 آب 2019. تصوير أوزان كوسيه. أ ف ب.

شهدت مدينة إسطنبول التركية، في حزيران الماضي، منافسة محتدمة في جولة إعادة الانتخابات لاختيار رئيس لبلدية اسطنبول الكبرى. وقد حضرت قضية اللاجئين بوضوح لافت في الحملات الانتخابية، حيث تنافس المرشحان في عدة مناسبات لتقديم مقترحات لحل هذه القضية التي أصبح التعامل معها يميل إلى اعتبارها «مشكلة أمنية». فبينما ركز مرشح المعارضة إمام أوغلو على ضرورة العمل على عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم لافتًا النظر إلى موضوع اللاجئين غير المسجلين في إسطنبول والمقيمين فيها، أشار مرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدرم في تصريح له قبل يوم واحد من انتخابات الإعادة إلى أن السوريين في تركيا يقيمون تحت بند الحماية المؤقتة ما يعني بأن وجودهم هنا مؤقت، مؤكدًا نيته بدء العمل دون تأخير من بعض المناطق ذات الكثافة السكانية السورية العالية في اسطنبول والتي «هُدد فيها السلام والهدوء والأمن الاجتماعي» على حد تعبيره، مثل منطقة الفاتح وأسان يورت وكوتشوك تشكمجه وغيرها. 

كما قال يلدرم إنه سيتم إرسال المخالفين إلى الجنوب التركي في البداية، لتتم إعادتهم إلى بلدهم من هناك لاحقًا. وعرّج على تصريح سابق لوزير الداخلية التركي سليمان صويلو طلب فيه من سكان اسطنبول مهلة ستة أشهر لإحلال النظام فيما يتعلق بوجود اللاجئين مشيرًا إلى وجود خطط لدى الوزرة لترحيل 50 ألف لاجئ غير شرعي حتى نهاية العام. في خطاب لا يختلف كثيرًا عما طرحته أحزاب المعارضة. 

وفي تمّوز الماضي، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد صرّح في اجتماع الهيئة التنفيذية المركزية لحزب العدالة والتنمية الذي عُقد لتقييم نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة بأنه سيتم اتخاذ خطوات جديدة فيما يتعلق بملف اللاجئين السوريين في تركيا، مشيرًا إلى أنه سيتم العمل على تشجيع اللاجئين على العودة إلى بلادهم، وأن الخارجين على القانون منهم سيتم ترحيلهم، بالإضافة إلى أنه سيتم تحصيل أجرة على الخدمات الطبية التي يتلقونها، والتي كانت مجّانية في السابق.

سنوات من غض الطرف

تستضيف تركيا ما يزيد عن 4.9 مليون أجنبي يعتبر نحو 4 مليون منهم لاجئين من جنسيات مختلفة تحت بند الحماية المؤقتة الذي صادق البرلمان على قانونه عام 2013، وبحسب هذا القانون فإن تركيا لا تعتبر هؤلاء «لاجئين» بالمعنى المتعارف عليه دوليًا، وإنما يتم استضافتهم بصفة مؤقتة تحت بند الحماية المؤقتة لحين توطينهم في بلد ثالث. يشكل السوريون النسبة الأكبر من هؤلاء حيث يبلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين لدى الحكومة التركية قرابة 3 مليون و600 ألف لاجئ، ما يشكل نسبة 4.44% من مجموع السكان في تركيا. 

قانونيًا، تقول الحكومة إن هذه الحملة تأتي «لمكافحة الهجرة غير الشرعية» وتنظيم ملف اللاجئين والعمالة الأجنبية غير الشرعية في اسطنبول، وإنها ارتكزت بشكل رئيس على الإلزامية التي يفرضها قانون الحماية المؤقتة على إقامة اللاجئين المسجلين في المدن التي تم تسجيلهم فيها وعدم الخروج منها إلا بإذن رسمي من السلطات، وأيضًا على ضرورة الحصول على إذن عمل رسمي للعمل في إطار القانون وبشكل شرعي في البلاد.

إلّا أنه وعند العودة للخلف قليلًا، نكتشف أن السلطات التركية كانت غضت الطرف عن هذه الضرورات القانونية منذ بدأت موجة اللجوء، خاصة وأن نسبة كبيرة من اللاجئين السوريين كان قد تم تسجيلهم في البداية في المدن الحدودية في الجنوب الشرقي لتركيا، وهي المدن التي تعرف بقلة فرص العمل فيها وهجرة سكانها منها بحثًا عن فرصٍ أفضل. 

إن غض الحكومة التركية الطرف عن هذا الأمر، وإن كان إيجابيًا في منحه فرصة لآلاف اللاجئين في التنقل للبحث عن مصادر دخل في مناطق مختلفة لتحسين حياتهم، إلا أنه شمل أيضًا غض الطرف عن ظروف وطبيعة عمل هؤلاء اللاجئين، إذ لم تقم السلطات بحمايتهم من استغلال أرباب العمل وطمعهم، لتضطر نسبة كبيرة منهم إلى العمل بوصفهم عمالة رخيصة لساعات طويلة بلا أجور عادلة أو تأمين عمل ودون أي حقوق أخرى.

وعلى ذكر النشاط الاقتصادي للاجئين السوريين في تركيا، تقول الإحصائيات أن حوالي 31 ألف سوري قد حصلوا حتى أواخر آذار 2019 على أذونات عمل تسمح لهم بالعمل بشكل قانوني في مقابل عشرات الآلاف بل وربما مئات الآلاف من اللاجئين الذين يعملون دون الحصول عليه. 

أمّا مخيمات اللاجئين، التي أقامتها الحكومة التركية في المناطق الحدودية، فيعيش فيها 67 ألف لاجئًا فقط من مجموع اللاجئين السوريين. وقد شهدت هذه المخيّمات في السنوات الأخيرة تقلّصًا في أعداد قاطنيها، لتغلق الحكومة التركية عددًا منها، بعد أن انتقلت النسبة العظمى من اللاجئين للعيش في المدن التركية المختلفة لأسباب اقتصادية ومعيشية بالمقام الأول. وتعتبر إسطنبول رغم بعدها الملحوظ عن الحدود مع سوريا أكبر مدينة من حيث عدد اللاجئين السوريين المسجلين، حيث يقطنها قرابة نصف مليون لاجئ مسجلٍ، بالإضافة إلى ما يقدر بمئات الآلاف من اللاجئين المسجلين في مدن أخرى أو غير المسجلين والمقيمين في المدينة.

وقد أشارت وزارة الداخلية التركية في تصريحٍ لها في تموز 2019 وفي سياق الحديث عن عودة السوريين إلى المناطق التي تسيطر عليها تركيا والمعارضة المدعومة تركيًا في الشمال السوري بأن عدد اللاجئين السوريين العائدين إلى سوريا، منذ نهايات عام 2016، قد بلغ 337 ألف و729. 

اللاجئون السوريّون في السياسة الداخلية التركية

سياسيًا كانت قضية اللاجئين، ومنذ السنوات الأولى للثورة السورية، جزءًا من جدل السياسة الخارجية التركية حول كيفية التعامل مع الوضع في سوريا. تحوّل هذا الجدل مع الوقت، خاصة مع انهيار التقديرات الحكومية المتعلقة بالأعداد المتوقعة للاجئين ومدة استمرار الحرب في سوريا، إلى أزمة داخلية تجاوزت الخلاف حول تصورات السياسة الخارجية لتحمل أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية داخلية.

ترافق مع هذه الأزمة خوض تركيا لعدة استحقاقات انتخابية مصيرية طاحنة غيرت شكل النظام السياسي، بالإضافة لاقتصادٍ تعصف به قلاقل يُلاحَظ أثرها على الحياة اليومية يومًا بعد يوم خاصة على صعيد قوة العملة ونسب التضخم والبطالة ليساهم ذلك كلّه في رفع مستويات الاستقطاب سياسيًا واجتماعيًا، وهو الأمر الذي انعكس تدريجيًا على قضية اللاجئين لتصبح هذه القضية أحد المواضيع الرئيسة في الحملات الانتخابية المتلاحقة والمنافسة بين السلطة ممثلة بحزب العدالة والتنمية وحلفائه، والذي لطالما تغنى بدعم اللاجئين وبسردية «المهاجرين والأنصار» التي بدأت تفقد مع الوقت بريقها داخليًا. وعلى الطرف الآخر المعارضة التي داوم بعض ممثليها وأطيافها على توظيف قضية اللاجئين لحصد الأصوات من خلال تأجيج الكراهية والمشاعر القومية. 

في ظل هذه الصورة بالغة التعقيد، وبعد حملات من التحريض على اللاجئين السوريين، انحنت الحكومة التركية للموجة العارمة، من خلال البدء في «مكافحة الهجرة غير الشرعية» وتنظيم أمور اللاجئين خاصة بعد نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة.

بدأت هذه الحملة، التي تقول السلطات إنها ليست موجهة ضد جنسية معينة بل ضد الهجرة والعمالة غير الشرعية بصورة عامة، بلقاء وزير الداخلية التركي سليمان صويلو ووالي إسطنبول ومدير دائرة الهجرة فيها مع صحفيين سوريين وعرب بتاريخ 13 تموز الماضي، في اجتماع تناول أوضاع السوريين من مختلف النواحي. حيث أشار الوزير صويلو في هذا الاجتماع إلى أن السلطات بصدد اتخاذ إجراءات أكثر صرامة بخصوص المخالفين في إسطنبول، لتبدأ السلطات التركية دون أي سابق إنذار، ودون منح المخالفين فرصة لتصويب أوضاعهم حملة شرسة تخللها انتشار مكثّف للقوى الأمنية التركية في مختلف أنحاء اسطنبول للتفتيش على بطاقات الإقامة وبطاقات الحماية المؤقتة للاجئين والأجانب في المدينة في سعي لفرض القوانين التي تم غض الطرف عنها من جديد.

تسببت هذه الحملة التي ركزت بشكل أساسي على الشباب بانتشار الذعر بين اللاجئين وعائلاتهم، خاصة في ظل انتشار أخبار على وسائل التواصل الاجتماعي عن حالات ترحيل سوريين، وثقتها منظمات حقوقية، إلى المدن التي كانوا مسجلين فيها أحيانًا، وأحيانًا أخرى إلى سوريا، بعد إجبارهم على توقيع أوراق «عودة طوعية». 

ردّت السلطات التركية على هذه الاتهامات بأنها مجرّد «تجاوزات فردية»، ليصرح الوزير صويلو لاحقًا، وبعد أن نالت هذه الأخبار صدى واسعًا، إن تركيا ملتزمة بعدم ترحيل أي لاجئ إلى سوريا تحت بند الحماية المؤقتة، وإن غير المسجلين منهم سيتم إرسالهم إلى المخيمات، في ظل الحديث أيضًا عن نية السلطات فتح التسجيل لهم في مدن محددة. 

بعد هذه الأخبار، أعلنت ولاية إسطنبول بعد قرابة 10 أيام من بداية هذه الحملة، عن منح السوريين المخالفين مهلة حتى تاريخ 20 أغسطس 2019 (أقل من شهر من تاريخ الإعلان) لتسوية أوضاعهم والعودة إلى المدن التي تم تسجيلهم فيها لتتوقف الحملة خلال هذه المهلة المعلنة.

ورغم أن هذه خطوة في الاتجاه الصحيح، إلّا أن الفترة الممنوحة للاجئين من أجل تصويب أوضاعهم، قصيرة جدًا، بحيث لا تمكّن اللاجئين من تغيير حياتهم جذريًا بعد سنوات من الاستقرار الوظيفي وربما الأسري في المدينة.

وعشيّة انتهاء المهلة، أعلن الوزير صويلو تمديد هذه المهلة حتى 30 تشرين الأول المقبل، الأمر الذي ساهم في منح مئات بل وربما آلاف الأفراد والعائلات متنفسًا، وسعة زمنية لمحاولة التأقلم مع القرارات الجديدة.

ومع نهايات شهر آب، أعلنت ولاية إسطنبول أنها قد أرسلت 16 ألف مهاجر غير شرعي من جنسيات مختلفة إلى مراكز الإعادة التي تتابع إجراءات إعادتهم، ومضيفة أنه تم إرسال 4500 سوري غير مسجل إلى مراكز الإيواء المؤقتة مع استمرار عودة السوريين المقيمين في إسطنبول والمسجلين في مدن أخرى إلى تلك المدن. كما أعلنت عن تسجيل خمس فئات من السوريين المخالفين في مدينة إسطنبول واستثنائهم من قرار الإعادة في حال مواءمتهم للشروط المطلوبة وإثبات أوضاعهم بالوثائق، من بينهم الطلّاب وأصحاب المشاريع وغيرهم. 

أخيرًا، يشي توقيت هذه الحملة بارتباطها الوثيق بنتائج انتخابات اسطنبول الأخيرة التي أشعرت القيادة الحالية بخطرٍ لا يمكن تجاهله، خاصة بعد نزيف الأصوات الذي عاشته فيها. ويستشفّ من هذه الحملة سعيها لإشعار شريحة غاضبة من المواطنين في إسطنبول بأن الدولة التركية تتفهم حساسياتهم وتعمل على حل هذه «المشكلة». بيد أن هذه الإجراءات بشكلها الأول، وإضافة إلى خلقها لمشاكل جديدة نظرًا لخطورتها وحساسيتها، فإنها لن تغيّر الكثير على أرض الواقع ولن تساهم كثيرًا في إخماد حالة الاحتقان في مدينة عملاقة يزيد عدد الأجانب فيها من لاجئين مسجلين ومقيمين عن مليون شخص. والحل للمشكلة التي تكوّنت خلال سنوات عديدة إنما هو في العلاج البطيء، وعبر خطوات بعيدة المدى.