الضمان الاجتماعي وغياب العدالة: كيف يُقتطع من أجور الفقراء لدعم رواتب الأغنياء

متنقلون في إحدى باصات عمان. تصوير سييرا ويست.

الضمان الاجتماعي وغياب العدالة: كيف يُقتطع من أجور الفقراء لدعم رواتب الأغنياء

الأحد 19 كانون الثاني 2020

تعتمد أنظمة الضمان الاجتماعي في كل أنحاء العالم مبدأ التضامن كأساس لعملها وكمؤشر لتحقيق العدالة والمساواة في هذه النظم. يعتمد مبدأ التضامن على مساعدة الضعفاء والفقراء من خلال المساواة بين الأشخاص المتساوين بالفرص والإمكانات من جهة، والعدالة بمراعاة اختلافات الأشخاص بالفرص والإمكانيات، بمنح كل شخص ما يستحقه. لا تكتفي أنظمة الضمان الاجتماعي بالاهتمام بتطبيق العدالة بين منتسبيها فقط، لكنها أيضًا أساس لتحقيق العدالة الاجتماعية لجمهور أوسع يصل -في حالاته القصوى- لكل أفراد المجتمع. كما يعكس الضمان في الوقت نفسه اهتمام المجتمع، بقياداته الاجتماعية والسياسية والفكرية، بالعدالة الاجتماعية. 

لم ينل مفهوم العدالة الاجتماعية الاهتمام الكافي في العالم العربي إلا خلال ثورات الميادين العربية منذ عام 2011 بعد غياب طويل، نتيجة اهتمام العرب بقضايا التحرر الوطني وفي مقدمتها قضية فلسطين دون ربطها بالقضايا الاجتماعية من جهة، ومن جهة ثانية نتيجة تجاهل الأنظمة غير الديمقراطية التي قادت تنمية غير متكافئة، وتمكّن الدول الريعية من تقديم أنواع متعددة من هذا الفتات. لم تطرح الجماهير العربية شعار العدالة الاجتماعية على نطاق واسع إلا بعد أن طفح الكيل بها، بعد عقود طويلة من معاناتها نتيجة تركز الغنى في قمة الهرم الاجتماعي، وبعد عقود طويلة من البطالة المرتبطة دائمًا بالفقر.

ظهر الضمان الاجتماعي في الأردن في ظل هذا الغياب، حيث صيغ أول قانون للضمان الاجتماعي عام 1978 دون مشاركة شعبية تستطيع نقاش أسس العدالة الاجتماعية التي يفترض أن يستند إليها الضمان. وأدى غياب الحكومة عن المساهمة في تمويل الضمان الاجتماعي إلى المزيد من تجاهل أسس العدالة الاجتماعية في الضمان، نتيجة عدم قدرة الحكومة على فرض هذه الأسس.

اهتم التعديل الأول لقانون الضمان عام 2001 في جوهره بشمول موظفي الحكومة مما أدى لرفع مستوى رواتب التقاعد لهم ولفئة من مرتفعي ومتوسطي الدخل من المشتركين في الضمان. وجاءت التعديلات المتتالية اللاحقة للقانون لمعالجة الآثار المالية لتكلفة رفع رواتب التقاعد، وأعطيت الأولوية لمسألة الديمومة المالية عبر رفع قيمة الاشتراكات ورفع سن التقاعد وإلغاء التقاعد المبكر..إلخ.

وبالرغم من ذلك، فقد انتبه المهتمون بالضمان (من داخل المؤسسة ومن خارجها) لوجود ثغرات في هذا القانون تنافي قيم التضامن والعدالة، ونبّهوا لجملة من هذه الثغرات التي تُمّكن الأقوياء والأغنياء والقادرين من استغلالها بشكل غير عادل للحصول على رواتب مرتفعة جدًا. وقد قدم الكثير من المخلصين والذين يملكون حسًا عاليًا لمسألة العدالة الاجتماعية العديد من التوصيات لمعالجة هذه الثغرات، لم يُستجب إلا لجزء بسيط جدًا منها. 

يناقش هذا المقال العدالة الاجتماعية في نظام الضمان الاجتماعي الأردني، حيث يتناول الديمومة من منظور اجتماعي، لا من منظور مالي. تهتم الديمومة المالية بتوازن تكلفة الاشتراكات الكلية مع النفقات (المنافع) الكلية للضمان، أما الديمومة الاجتماعية فتهتم بتوازن الكلفة مع المنافع لشرائح محددة من المشتركين، مع الأخذ بعين الاعتبار حاجة هذه الشرائح لهذه المنافع. ومن الطبيعي أن يتم تقسيم المشتركين حسب مستوى الدخل لدراسة هذا التوازن، بحيث يمكننا التحقق من وجود أو غياب العدالة الاجتماعية في الضمان الاجتماعي الأردني. وسيتم التركيز على تطبيق قواعد العدالة في رواتب تقاعد الشيخوخة مع إشارات سريعة للتأمينات الأخرى.

رواتب تقاعد الشيخوخة

تعتمد معظم أنظمة الضمان الاجتماعي أجرَ المشترك كأساس لاحتساب الراتب التقاعدي، حيث يحصل متقاعد الشيخوخة على نسبة محددة من أجره كراتب تقاعدي تعتمد على عدد سنوات اشتراكه بالضمان. لكن هذه المعادلة لا تحقق العدالة الاجتماعية بين المشتركين، لأنها لا تراعي الفرق في العمر المقدر لحياة المتقاعدين. فقد أثبتت دراسات أن الأغنياء يعيشون أكثر بعشر سنوات على الأقل من الفقراء بالمتوسط، مما يعني أن الأكثر غنى سيحصلون على راتب التقاعد لفترة أطول من الأكثر فقرًا. لمواجهة هذه المعضلة، لجأت مؤسسات الضمان في العالم لعدة آليات، منها: 

أولًا: ربط معدلات الاشتراك مع ارتفاع الأجر، بنفس الطريقة التي تحتسب فيها ضريبة الدخل، بمعنى أن تكون قيمة الاشتراك تصاعدية حسب الأجر.
ثانيًا: تقسيم راتب التقاعد إلى جزئين ثابت (أي مبلغ مقطوع) ومتغير (حسب الراتب أثناء العمل وسنوات الاشتراك).
ثالثًا: وضع حد أدنى وحد أقصى للراتب التقاعدي، بحيث لا يزيد الحد الأقصى عن الحد الأدنى إلا بنسبة محددة.
رابعًا: تخفيض عامل المنفعة (وهي نسبة تساهم في تحديد الراتب) مع ارتفاع قيمة الراتب التقاعدي، وليس لشريحة فقط.

تحقيق مزيد من العدالة تقتضي وضع شريحة ثالثة أو ثالثة ورابعة مع تخفيض آخر لاحتساب عامل المنفعة عن كل سنة اشتراك. 

طبق الضمان الأردني جزئيًا الآليتين الثالثة والرابعة، بوضع حد أدنى للراتب التقاعدي، لكن هذه الحد الأدنى كان منخفضًا جدًا، إذ بلغ في البداية 50 دينارًا شهريًا، ولم يكن يلبي حاجات المتقاعد المعاشية الأساسية، مما اضطر الضمان لرفع هذا الحد الأدنى لـ100 دينار، ومنح زيادة قدرها 50 دينارًا لكل المتقاعدين، مما يرفع المجموع لـ150 دينارًا وهي أقل من الحد الأدنى لخط الفقر. 

كما وضع الضمان حدًا أقصى للزيادة العائلية، (يبلغ 100 دينار للمعال الأول و25 دينارًا لكل من المعالين الثاني والثالث) وحدًا أقصى لزيادة التضخم (يبلغ 20 دينارًا مرتبطة بالتضخم)، ثم وزع هذه الزيادة الأخيرة بالتساوي بين المتقاعدين، بمعنى أنها تأتي كمبلغ مقطوع وليس نسبة.

من جهة ثانية، لجأت المؤسسة لوضع حد أقصى للأجر الخاضع للضمان، وحاولت إقناع الناس بأن هذا الإجراء يحقق نوع من العدالة ويقلص من الفوارق بين الرواتب المتدنية والمرتفعة. إذ وضعت حدًا أعلى للأجر الخاضع قدره 5000 دينار (عُدّل لـ3000 دينار تزداد مع التضخم) ومنحت العسكريين حدًا أقصى بمقدار 5000 دينار خاضعة لزيادة التضخم. لكن هذا الإجراء ليس له علاقة بوضع حد لراتب التقاعد، الذي يتضمن تحويل أجزاء من رواتب التقاعد لمصلحة الفقراء لمراعاة الفارق في توقع الحياة كما ذكرنا سابقًا. فالأغنياء لم يخسروا كثيرًا من مزاياهم نتيجة هذا الإجراء، والمبالغ التي تزيد عن الحد الأقصى سيحصلون عليها من تعويض نهاية الخدمة من صاحب العمل، كون الجزء من الأجر غير الخاضع للضمان يخضع لقانون العمل. 

وأعتقد أن هذا الإجراء، الذي أتى نتيجة توصيات صندوق النقد والبنك الدوليين، قد جاء للحد من الخسارات المالية التي تسببها للضمان الرواتب المرتفعة جدًا والتي وصل بعضها لأكثر من 17 ألف دينار شهريًا، لمواجهة أزمة الديمومة المالية للضمان، بل أنه إجراء التفافي جاء لمنع وضع سقف أعلى لراتب التقاعد، لتحقيق العدالة المنشودة. كما جاء هذا التعديل (الموصى عليه من صندوق النقد) تمهيدًا لاستبدال نظام الضمان بصناديق ادخارية تشرف عليها شركات التأمين الخاصة للمبالغ التي تزيد عن الحد الأقصى للأجر الخاضع، وكان متوقعًا أن تكون هذه المبالغ في متناول هذه الشركات مع توقعات انخفاض قيمة الدينار الأردني. وقد قدرت دراسة لخبير البنك الدولي غوستافو ديماركو عام 2010 أن تبلغ هذه الادخارات ما نسبته 16% من الدخل القومي الإجمالي في غضون بضعة سنوات. لكن الأزمة الاقتصادية العالمية وثورات الميادين العربية وضعف القطاع التأميني الأردني الخاص حالت دون تطبيق واعتماد صناديق الادخار هذه.

لجأ الضمان الأردني أيضًا لوضع معادلة جديدة لحسبة الراتب التقاعدي من خلال تقسيم الأجر الخاضع للضمان إلى شريحتين؛ الأولى لأول 1500 دينار من الأجر حيث يحسب الراتب التقاعدي بواقع 2.5% عن كل سنة اشتراك، و2% عما يزيد عن ذلك. وهو إجراء يقترب من تحقيق العدالة لكنه لا يحققها بالكامل، حيث أن هذا التخفيض لا يشمل أول 1500 دينار من الأجر بل ما يليها، بمعنى أنه ما من تدرج قبل الوصول لعتبة الـ1500 دينار، كما أنه لا يتدرج بالتخفيض للأجور بعد ذلك، وقد نتج ذلك جزئيًا بسبب وضع حد أقصى للأجر الخاضع. فتحقيق مزيد من العدالة تقتضي وضع شريحة ثالثة أو ثالثة ورابعة مع تخفيض آخر لاحتساب عامل المنفعة عن كل سنة اشتراك. 

من جهة أخرى، يحصل متقاعد الشيخوخة على راتب تقاعدي يعتمد مقداره معدل أجر المشترك في آخر ثلاث سنوات (كانت سنتين عُدلت فيما بعد لثلاث سنوات)، على أن لا يزيد هذا المعدل عن 60% في آخر 5 سنوات (عُدلت لأربع)، مع وجود استثناءات تم إلغاؤها فيما بعد. وهذه المعادلة لا تتفق مع العدالة الاجتماعية كما سيأتي بالتفصيل فيما يلي، لذلك تخلصت منها الكثير من دول العالم وذلك باعتماد معدل أجور المشترك بما لا يقل عن 30 سنة وأحيانًا 35 سنة، وباعتماد العديد من الآليات التي سيتم ذكرها لتحقيق مبدأ العدالة والمساواة بين المشتركين.

إن طريقة احتساب الراتب التقاعدي باعتماد معدل آخر ثلاث سنوات من الاشتراك تمنح الفئات التي ارتفع أجرها خلال سنوات الاشتراك ميزة الحصول على راتب تقاعدي أعلى بكثير من الفئات التي لم يرتفع أجرها، مما يجعلها تحصل على عائد أعلى بكثير من قيمة الاشتراكات التي دفعتها خلال فترة الشمول. ولتوضيح هذا الفرق الهائل، المنافي لكل قيم العدالة والمساواة، نكتفي بدراسة مثالين من الفئة الأكثر زيادة في الأجر مقابل الفئة الأقل زيادة، وبافتراض مدة اشتراك في الضمان قدرها 30 سنة، مع العلم أن الكثير يتقاعدون بسنوات مختلفة، حيث يمكن تعميم نتائج دراسة الشريحتين المتطرفتين بتدرج الفروقات حسب بقية الشرائح. وسيتم حساب راتب التقاعد (للتبسيط) دون تضمين زيادة الخمسين دينار ولا الزيادة العائلية لأن تأثيرهما محدود جدًا.

الفئة الأولى هي فئة المشتركين الذين تتضاعف أجورهم بنسبة 10% سنويًا كما في حالات الاشتراك الاختياري، علمًا بأن معظم الرواتب المرتفعة جدًا تزداد بأكثر من معدل 10% سنويًا. لو فرضنا أن الشخص ابتدأ بأجر خاضع للضمان يساوي 200 دينار، فإن هذه الزيادة السنوية تسمح بتضاعف أجره خلال 30 سنة اشتراك، ليصبح معدل أجره خلال آخر ثلاث سنوات، أي الذي سيحتسب عليه راتبه التقاعدي، حوالي 2900 دينار، مما يعني أنه دفع للضمان ما يساوي حوالي 69 ألف دينار خلال هذه الفترة، وأن القيمة المستقبلية بعد مرور الـ30 سنة تصل إلى حوالي 110 آلاف دينار بعائد استثماري يساوي 5% سنويًا. 

يحصل هذا الشخص على راتب تقاعدي يساوي 1500 × 2.5% × 30 سنة = 1125 دينار عن الـ1400 الأولى + 1500 × 2% × 30 = 840 دينار عمّا تبقى، بحيث يصبح مجموع راتبه دون زيادة 1965 دينار، أو حوالي 23,600 دينار سنويًا، مما يعني استعادة ما دفعه خلال أول ثلاث سنوات من تقاعده (بدون فوائد). أما إذا حسبنا العائد الاستثماري بواقع 5% سنويًا فسترتفع هذه السنوات إلى خمس. 

أما بالنسبة للفئة الثانية، فيرتفع أجرها بمعدل 2% سنويًا، ويشمل ذلك معظم المنتسبين للضمان من ذوي الأجور المنخفضة، بل أن بعضهم يستمر بتقاضي الحد الأدنى للأجور طيلة حياته العملية.[1] يرتفع أجر هذه الفئة من العمال ليصل لحوالي 350 دينار بعد مرور 30 سنة اشتراك بالضمان، مما يعني أنه دفع للضمان ما يساوي حوالي 17 ألف دينار خلال هذه الفترة، وأن القيمة المستقبلية لمجموع ما دفعه تساوي 35 ألف دينار. 

يحصل هذا الشخص على راتب تقاعدي يساوي 340×2.5%× 30 = 260 دينار شهريًا، بما يساوي حوالي 3150 دينار سنويًا، مما يعني استعادة ما دفعه للضمان خلال 5.4 سنوات تقاعد دون حساب العائد الاستثماري، ترتفع مع عائد استثماري 5% سنويًا إلى أكثر من 11 سنة.

ويمثل الجدول التالي هذه الفروقات بين الفئتين:

بلغ عدد المتقاعدين من الضمان تراكميًا ممن تقل رواتبهم التقاعدية عن 300 دينار (250 دينار + زيادة 50 دينار) حوالي 40 ألف متقاعد، في حين أن وصل عدد من تزيد رواتبهم عن ألف دينار حوالي 5,500 متقاعد، وذلك استنادًا للتقرير السنوي للمؤسسة لعام 2018.

إن الخسارة التي مني بها الضمان، والتي تسبب بها أصحاب الرواتب المرتفعة الذين تتضاعف أجورهم بنسب مرتفعة (عشرات الآلاف لكل متقاعد)، قد عوضتها المكاسب التي جناها الضمان من أصحاب الرواتب المنخفضة (عدة آلاف من كل متقاعد)، وكان ذلك بسبب التصميم الخاطئ لقانون الضمان والتمييز لصالح الأقوياء وضد مصالح الفقراء.

تعويض الدفعة الواحدة

حصل 40 ألف مشترك في عام 2018 على تعويض الدفعة الواحدة مقابل 16 ألفًا حصلوا على راتب تقاعدي من الضمان في عام 2018. أي أن ثلث المشتركين فقط حصلوا على راتب تقاعدي، وأن ثلثيهم لم يحصل إلا على تعويض دفعة واحدة. ووصل عدد المتقاعدين (من كل أنواع التقاعد) تراكميًا لحوالي 225 ألف متقاعد، بينما حصل أكثر من نصف مليون مشترك على التعويض، ومعظمهم من الضعفاء والفقراء: أكثر من نصفهم من العمال الوافدين، وحوالي ثلثهم من النساء وأغلبية البقية (حوالي 10%) بسبب الوفاة أو العجز أو الشيخوخة، وهم الأشخاص الذين لم يتمكنوا من الاشتراك بالضمان لمدة كافية للحصول على راتب تقاعدي أو توفوا أو عجزوا أو وصلوا سن الشيخوخة وهم خارج الخدمة. 

حصل هؤلاء على تعويض أقل بكثير مما دفعوا: دفعوا للضمان لتأمين الشيخوخة والعجز والوفاة 17.5% من أجورهم الخاضعة، لكن الضمان دفع لهم 10% أو 12% 15% من مجموع هذه الأجور حسب فترات اشتراكهم. فلنحسب كم خسر (وكم ربحت المؤسسة) المشترك من الفئة الوسطى الذي عوض بــ12% من مجموع أجوره بفرض أنه اشترك لعشر سنوات فقط، وأن معدل راتبه كان بحدود 200 دينار شهريًا فقط:

مجموع الاشتراكات المدفوعة = 200 دينار شهريًا × 17.5% × 12 شهر × 10 سنوات = 4200 دينار.

وتكون القيمة المستقبلية لهذه الاقتطاعات بعائد استثماري 5% = 5,500 دينار، مباشرة بعد العشر سنوات، وترتفع لأكثر من ذلك بعدها بواقع 5% عن كل سنة يحتفظ بها الضمان قبل دفعه للمشترك.

معدل قيمة الدفعة الواحدة = 12% من مجموع هذه الأجور = 200 × 12% × 12 × 10 = 2880 دينارًا. أي أن هذا المشترك حصل فقط على ثلثي ما دفعه من اشتراكات، أو نصف ما حصل عليه الضمان من اشتراكات واستثمارات. 

أي أن الضمان حصل على مكسب = 5500 – 2880 = 2620 دينارًا عن كل مشترك حصل على تعويض الدفعة الواحدة. ومجموع ما كسبه الضمان من هذه الفئة = 2660 × 500 ألف مشترك = مليار و300 مليون دينار أردني. 

في شمول الأشد فقرًا

تقتضي العدالة أن يشمل نظام الضمان الاجتماعي جميع المحتاجين للضمان، وخصوصًا الضعفاء منهم، وصولًا لكافة الأردنيين، وأن يبدأ التطبيق على أشد الناس حاجةً للضمان إذا لم يتمكن من تطبيقه فورًا على الجميع. لكن الضمان (نتيجة عدم مساهمة الحكومة في تمويله) بدأ بالعكس، حيث أن مبدأ التدرج في الشمول قد اعتمد على أسس سهولة تطبيق القانون على المشتركين الجدد بدلًا من البدء بالأشد حاجة. إذ بدأ التدرج من شمول المنشآت الكبيرة، ومعظم العاملين فيها هم وضع مستقر نسبيًا، حيث كانوا يتمتعون بكثير من مزايا تأمينات الضمان، كالتأمين الصحي، وتأمين الأمومة، وتأمين إصابات العمل. وكانوا يحصلون على تعويضات مالية مجزية في حالات الشيخوخة والوفاة والعجز استنادًا إلى التشريعات النافذة في الأردن ومنها قانون العمل أو الاتفاقات التي عقدتها هذه المنشآت مع النقابات العمالية فيها. ثم تدرجت المؤسسة للأقل عددًا إلى أن توقفت طويلًا بعد شمول المنشآت التي يزيد عدد العمال فيها عن خمسة عمال، وتوصلت أخيرًا لشمول جميع العمال تحت مظلة الضمان، وأضافت أيضًا شمول أصحاب العمل والعاملين لأنفسهم. 

تقتضي العدالة أن يشمل نظام الضمان الاجتماعي جميع المحتاجين للضمان، وخصوصًا الضعفاء منهم، وصولًا لكافة الأردنيين، وأن يبدأ التطبيق على أشد الناس حاجةً للضمان إذا لم يتمكن من تطبيقه فورًا على الجميع.

من الصعب الحصول على أرقام دقيقة وموضوعية حول معظم الإحصاءات الأردنية، وخصوصًا في مجال العمالة. لكننا نستطيع بما توفر لدينا منها أن نؤكد أن الضمان لا يشمل حاليًا كل الأردنيين ولا كل العمال، والوضع الحالي أنه لم يصل لفئات كبيرة من المجتمع هي الأشد حاجة للضمان، بحيث كانت النتيجة حرمان الأضعف من منافع الضمان في حين يتمتع الأقوى والأغنى ليس فقط بمنافع الضمان، بل بمزايا ومنافع أخرى لم يشملها الضمان لتاريخه.[2]

فأولًا، يشمل الضمان حوالي ثلثي العمال في القطاع المنظم. ويتركز الثلث غير المشمول في المنشآت الصغيرة التي يعمل فيها أقل من خمسة عمال وذلك نتيجة الصعوبات اللوجستية وتهرب صغار أصحاب العمل من شمولهم، علمًا بأن معظم العاملين في هذا القطاع هم من الأقل أجرًا في الأردن. 

كما لم يشمل الضمان العاملين في القطاع غير الرسمي، الذي يقدر عددهم بأكثر من نصف مليون عامل، وهم أيضًا من الفئات الأقل أجرًا، ولا العاطلين عن العمل، والذين يقدر عددهم بمئات الآلاف، وهم من الفئات الأشد فقرًا في الأردن.

كذلك، يعكس ضعف شمول النساء بالضمان (حيث يشكلن 28% من المشمولين بالضمان) حال المرأة الأردنية، فالعاملات في منازلهن لا يُشملن لارتفاع قيمة الاشتراكات، خاصة مع غياب الدعم الحكومي للضمان، بالإضافة لارتفاع عدد العاملات منهن في المنشآت الصغيرة وفي القطاع غير الرسمي.

وأخيرًا، لم يشمل الضمان فعليًا العمال الزراعيين الذين لا يوجد تقدير دقيق لعددهم. أما العمال الوافدون، فهم الأقل نسبةً بالشمول بالضمان، حيث يعمل أكثريتهم دون تصريح رسمي، أو في القطاعات غير الرسمية. إذ يشمل الضمان حوالي 160 ألف عامل وافد من أصل أكثر من 750 ألفًا، بنسبة تقارب الـ21% منهم.

أما البرامج التأمينية الأخرى في الضمان، ومنها تأمين العجز والوفاة المكملين لتأمين الشيخوخة والتأمينات الأخرى وفي مقدمتها تأمين إصابات العمل، فتعاني من مظاهر متعددة من إهمال العدالة الاجتماعية. هذا إلى جانب غياب تطبيق التأمين الصحي وتأمين المنح العائلية وتأمين البطالة، حيث تعتبر هذه التأمينات من أساسيات تطبيق العدالة الاجتماعية وهذا واضح جدًا، حيث أن الضعفاء والفقراء هم أكثر من يعاني من المرض ومن عبء الأسر الكبيرة ومن البطالة. ومن الملاحظ أن الكثير من تفاصيل التعديلات المتتالية للقانون قد أضرت أيضًا بهذه العدالة، حيث يتضاعف التمييز ضد الضعفاء والفقراء مع رفع سن التقاعد والتقاعد المبكر، وحيث يعاني هؤلاء من هذه التعديلات أضعاف ما سيعاني منه الأقوياء والأغنياء. ومن الواضح أن هذه الدراسة القصيرة غير كافية لدراستها جميعًا.

كما ذكرنا في بداية هذا المقال، فإن الفضل في إعادة قضية العدالة الاجتماعية كقضية مركزية في اهتمامات الجماهير العربية (ومنها الأردنية) يعود لثورات الميادين العربية التي رفعت شعار «خبز، حرية، عدالة اجتماعية» في مقدمة الأجندة التي يهتم بها المجتمع الأردني. حيث شهد الأردن تحركات جماهيرية واسعة للمطالبة بتطبيق هذه العدالة بشكل مباشر أحيانًا وبشكل غير مباشر أحيانًا أخرى. وأنا على يقين أن هذا الاهتمام بالعدالة سيعود للواجهة مجددًا وبقوة أكبر مع اكتساب هذه الجماهير التي تعرضت لأسوأ أشكال غياب هذه العدالة لمزيد من الوعي بضرورة تطبيق هذه العدالة الاجتماعية واستحالة العيش بدونها، وإن غدًا لناظره قريب.

  • الهوامش

    1. يتبين ذلك من خلال تحليل توزيع الرواتب التقاعدية حسب فئات الرواتب، حيث يشكل من تقل رواتبهم التقاعدية عن 250 دينار (بدون زيادة الـ50 دينار) حوالي 40 ألف متقاعد شيخوخة، أو ما نسبته أكثر 60% من متقاعدي الشيخوخة.

    2. فبعض أصحاب المناصب المهنية العليا يستفيدون من قروض إسكان بفوائد مخفضة جدًا، وصناديق ادخار تساهم فيها شركاتهم، ويتمتعون بخصومات متعددة، وأحيانا تذاكر سفر مجانية، وغير ذلك الكثير.