الفقر وأرقامه: هل كان الارتباك ضروريًا؟

الإثنين 22 نيسان 2019
تصوير سييرا ويست.

من المرجح أن تكون الحكومة قد صنعت مشكلتها بيديها؛ فقد درجت دائرة الإحصاءات العامة منذ عام 2002 على إجراء مسوحات منتظمة، مرة كل سنتين، تحت عنوان «مسح نفقات ودخل الأسرة الأردنية». وجرت العادة أن تعتمد الدائرة على النتائج في استخراج الأرقام الخاصة بالفقر، وخاصة تحديد خَطّي الفقر «المدقع» و«المطلق»، إضافة إلى نِسَب الفقر على المستوى الوطني وعلى مستويات المحافظات والأقضية، وهو ما كان يمكّنها من تحديد المواقع الأكثر فقرًا. قبل ذلك كان المسح يجري بشكل غير منتظم، مع أنه كان يُعتمد لحسابات الفقر أيضًا.

لو تتبعنا نشر هذه الدراسات، فإن أول دراسة رسمية «كبرى» للفقر تعود إلى عام 1987 ونشرت في عام 1989 وأشرف عليها كباحث رئيسي محمد الصقور الذي كان حينها أمينًا عامًا لوزارة التنمية قبل أن يصبح وزيرها. ثم أشرف على الدراسة الثانية التي نشرت عام 1993، وعرفت تلك الدراستان في أدبيات الفقر المحلية والدولية الخاصة بالأردن، منسوبة إلى «الصقور وأخرين».

ولعل الأردن كان من أوائل الدول على مستوى العالم الثالث التي درست الفقر وضمنته في الأرقام الكلية منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين، إذ أشار الصقور، في مقابلة سابقة، إلى أنه فريقه خاطب حينها البنك الدولي بهدف الحصول على دراسات يمكنه الاستفادة منها، فلم يحصل حينها إلا على دراستين صغيرتين من دول شرق آسيا. وبادرت الحكومة آنذاك إلى إنشاء أول مؤسسة متخصصة تعمل في مجال مكافحة الفقر وهي صندوق المعونة الوطنية. وقد ذكر الصقور الذي يعد أبرز مؤسسي الصندوق، أن الملك الراحل حسين لفت انتباههم وسألهم عن بعض ظواهر اجتماعية صعبة لاحظها في جولاته في البلد وطلب منهم مراعاتها، غير أن الصقور أشار إلى أنه وفريق الباحثين اعتمدوا على الخبرات الوطنية، بمن فيها أساتذة الجامعة الأردنية. وقد حدّد صندوق المعونة هدفه الرئيسي في مساعدة الفقراء الذين لا يستطيعون العمل، مثل المعاقين والمسنين والأسر التي تديرها مطلقات وأرامل. ويتذكر الصقور أنه وفقًا لتعريفات ذلك الزمن (مطلع ثمانينات القرن العشرين) فإن نسبة الفقر التي كان تستدعي التدخل وصلت إلى 4-5%.

بعد انفجار الأزمة الاقتصادية عام 1989، بدأت القصة تأخذ مسارات أخرى؛ فطيلة عقد التسعينيات، كانت النسبة المعتمدة والمعلنة للفقر المطلق هي 21% بل إن دراسة عام 1993 تضمن رقمًا خطيرًا يشير إلى أن نسبة الفقر المدقع (أي فقر الغذاء) وصلت إلى 6.6% من الأسر الأردنية، وهو ما يعني وجود هذه النسبة المرتفعة من نقص التغذية!

أما حديثًا، فقد أجري آخر مسح معلن في العام 2010 وأعلنت نتائجه كالمعتاد عام 2012. وكانت نسبة الفقر المطلق بحسبه في عموم الأردن 14.44%. وكالمعتاد أيضًا، باشرت دائرة الإحصاءات بإجراء المسح التالي الذي كان يفترض أن يُعلَن عن نتائجه في العام 2014. وقد جرى فعلًا الإعلان عن إنجاز المسح واستخراج أرقامه، ولكن الحكومة ممثلة بوزارة التخطيط (وهي الوزارة المسؤولة عن دائرة الإحصاءات) امتنعت فجأة عن الإفصاح عن النتائج. وكسبب مُعلن للعموم لهذا الامتناع، قيل وقتها إن المسح أجري قبل توسع اللجوء السوري وقبل ظهور نتائج الإحصاء العام للسكان، وبالتالي فإن النتائج لو أعلنت ستكون قاصرة عن الإحاطة الكاملة بظاهرة الفقر، لأن الظروف تقتضي شمول اللاجئين، وذلك وفق تصريحات صحفية. غير أن قضية شمول اللاجئين ستختفي بعد ذلك من خطاب الحكومات.

مع هذا، ففي ذلك الحين، تسرّبت نسبة الفقر المطلق التي توصل إليها ذلك المسح إلى بعض وسائل الإعلام ثم ورد عرضًا في إحدى الوثائق الرسمية التي حملت عنوان «خطة التحفيز الاقتصادي»، وبلغت تلك النسبة 20%.

بعد ذلك بدأت سلسلة من الارتباكات، وشكل إخفاء الأرقام ميدانًا للأسئلة الكثيرة والشكوك.

في زمن لاحق، وفي سياق الردود على الأسئلة المشككة، أعلنت الدائرة أنها بصدد تغيير منهجية المسح، بل أعلنت أن الأرقام ستحدّث بشكل ربعي، أي كل ثلاثة شهور. ثم تراجعت عن ذلك لصعوبته، بينما أكدت على ثبات مسألة تغيير المنهجية.

في آب 2017، أعلنت الدائرة عن البدء بإجراء المسح، وبعد عام أعلن عن الانتهاء منه وعن أن استخراج النتائج ستستغرق أسابيع، لأن التقنيات الحديثة لجمع المعلومات سوف تمكّن العاملين من سرعة الإنجاز. حينها أخذ مدى وعود الإفصاح عن النتائج يتقلص إلى أسبوع أو أسبوعين، وبعد عدة مرات من التأجيل، أعلنت الدائرة أن نهاية تشرين ثاني 2018 حدًا أقصى للموعد. وبعد زمن وتحت الضغط، وتسربت أنباء عن خلاف بين الضريبة والإحصاءات، ثم أعلن رئيس الوزراء في قاعة مجلس الأمة أن سيعلن النتائج خلال أسبوع أو اثنين. واستمرت الوعود إلى أن أعلن مؤخرًا عن يوم 25 نيسان الحالي كموعد نهائي لإعلان النتائج، وفي هذه الأثناء كان رئيس الوزراء قد أفصح عرضًا في مؤتمر صحفي عن أن نسبة الفقر في الإحصاء بلغت 15.7% المطلق وهو ما أثار نقاشًا في وسائل الإعلام المختلفة.

ما الذي يعنيه الرقم؟ ولماذا لا يصدقه الجمهور؟

الواقع إن حساب الأرقام عملية تقنية بحتة، إذ تتعامل منهجية الإحصاء مع مواطن في مختبر، وتقيس عدد السعرات الحرارية التي يحتاجها للبقاء على قيد الحياة لكي تحسب رقم الفقر المدقع، ثم تحسب سلة من الخدمات والاحتياجات الرئيسية لتقيس رقم الفقر المطلق، ولإجراء الحساب على مستوى الأسرة توصلت في آخر الدراسات إلى حجم الأسرة المعيارية، متوسط حجم الأسرة وهو 5.4 فردًا. وعلى هذا، فإن الأرقام تخدم كمؤشرات لصاحب القرار والمخطط ولا تكعس بالضرورة الحياة المعاشة فعليًا، لأن شروط المواطن المخبري تلك لا تتوفر في الواقع.

من الطبيعي أن يتشكل لدينا معنيان رئيسيان مختلفان للفقر، أحدهما يخص الباحثين وخبراء الإحصاء المشتغلين على المستويات الكلية، والثاني هو المعاش يوميًا في أوساط الجمهور، حيث يعرف الفرد نفسه فقيرًا وفقًا لحسابات أخرى لا علاقة لها بما تقوم به دائرة الإحصاءات. لهذا فإن كثيرًا من الدول ذات الدخل المرتفع أخذت تعتمد مفهوم «الفقر النسبي»، الذي يعرّف الفقراء نسبة إلى باقي المجتمع وما هو مقبول فيه.

وقد حصل في نهاية عقد التسعينيات أن كلّفت الحكومة رسميًا الباحث محمد حسين باقر من لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) بإجراء دراسة لتقدير الفقر في الأردن، وكانت منهجية الباحث تقتضي زيادة عدد العوامل المراعاة لحساب الفقر، إذ تقتصر الدراسات على عنصر الدخل المالي ومستوى الوصول إلى بعض الخدمات الأساسية، بينما أدخلت دراسة باقر 12 عنصرًا تتضمن بعض الجوانب النفسية والاجتماعية والثقافية، وذلك وفق المنهجية المتبعة في «الإسكوا»، وبناء على ذلك، توصل البحث إلى رقم 27% كنسبة فقر، وهو ما امتنعت الحكومة عن إعلانه حينها، إلى أن أفصح وزير التنمية الأسبق محمد خير مامسر بعد خروجه من الوزارة عن تلك الدراسة في مقابلات صحفية.

براءة الإحصاءات

من المفارقات أن السؤال الإعلامي عن الفقر يتوجه بشكل حصري أحيانًا إلى دائرة الإحصاءات، وهذا واحد من مظاهر الخلل في العمل الإعلامي، غير أن المفارقة الملازمة تكمن في تطوع الدائرة وحماسها في كثير من الحالات لتقديم إجابات.

الواقع أن دائرة الإحصاءات ليست مسؤولة سوى عن عنصر فني يتمثل بالأرقام والنسب، وهي ليست معنية بتفسير الفقر أو تفسير الأرقام أو تحديد مدى صدق تمثيلها للفقر بالمعنى الذي يطلبه الجمهور. حيث أن الدائرة تلتزم بتعريفات إجرائية تحددها الحكومة، وبالذات وزارة التخطيط. فالدائرة تحوّل التعريفات إلى عناصر قابلة للقياس والإحصاء، بينما تقوم الجهات الأخرى الرسمية والأهلية باعتماد تعريفات وعناصر أخرى.

إن العلاقة بين «الإحصائي» و«الاجتماعي» معكوسة إلى حد ما في الحالة الأردنية، إذ أن الأصل أن يحدد «الاجتماعي» المواصفات والخصائص التي يريد إحصاءها، وبعدها يقوم «الإحصائي» باختيار منهجيته وبناء نماذجه للحساب. وفي أحاديث سابقة أفصح الدكتور حسين الشخاترة وهو من أبرز مدراء دائرة الإحصاءات عن أن المسح الذي تجريه الدائرة ليس مخصصًا لغايات دراسة الفقر كظاهرة اجتماعية اقتصادية.

من المؤسف أن الأداء الحكومي في السنوات الأخيرة بعد امتناع عن إعلان نتائج مسح عام 2014 عرّض للشكوك سمعة الدائرة التي بنتها عبر السنين كبيت خبرة على المستوى الوطني والإقليمي.

قد يكون من حق الحكومة كإدارة عامة للبلد أن تؤجل أو تخفي أو تختار التوقيتات الملائمة للإعلان أو عدم الإعلان عن أية بيانات، لكن ينبغي أن لا تسمح بتوجيه اللوم والشكوك إلى الدوائر الفنية ذات الصلة، ذلك أن تقلّب الثقة العامة بالحكومات أمر مفهوم في الممارسة العامة، غير أن التلاعب بالثقة بالمؤسسات ذات الصلة يعد أمرًا خطيرًا وذلك بالنظر لأثره على المدى الطويل.