الولايات المتحدة ومنطق الحرب

الأربعاء 02 آذار 2022
عجوز أوكراني يمر بجانب بيت مهدم في كييف، في 2 آذار 2022. تصوير آريس ميسنيس، أ ف ب.

قد تدفع صدمة النخب الأمريكية والأوروبية إزاء التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا للاعتقاد بأن ما حصل كان مفاجئًا لها. رغم تحذيرات أمريكية على مدى أسابيع من غزوٍ مرتقب، تخبرنا ماكينات الإعلام الغربي أن «طموحات بوتين التوسعية» ورغبته باستعادة «الإمبراطورية السوفييتية» هي السبب الأساسي فيما يجري، وأن هذه الدوافع غير عقلانية ومدفوعة بـ«جنون العظمة»، ولا علاقة لها بالغرب. لا شك أن روسيا هي من أخذ قرار الحرب التي أعلنتها في الرابع والعشرين من شباط 2022. لكن بالنسبة لصناع القرار الأمريكي، لا شيء ممّا حدث يفترض أن يكون صادمًا.

منذ أن بدأت إدارة بيل كلينتون بالضغط من أجل توسيع الناتو شرقًا (رغم الوعود التي قدمتها الولايات المتحدة لغورباتشوف عام 1991 بعدم توسعه مقابل توحيد ألمانيا وسحب الجيش الأحمر من أوروبا الشرقية والتي أنكرتها لاحقًا)، حذّر العديد من المسؤولين الغربيين والمحللين من تيار «الواقعية السياسية» في الغرب، من تبعات هذا التوسع على العلاقة مع روسيا. بالنسبة لهؤلاء، لم يكن هناك سبب حقيقي للصدام مع روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي، التي يرون أنها ستتحرك وفقًا للإملاءات الواقعية التي تفرض عليها أن تتعامل مع توسع الناتو كتهديد. في منتصف التسعينيات، قال زبغنيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي سابقًا في إدارة جيمي كارتر، والمعروف بعدائه الشديد للروس (وهو من أصل بولندي)، إنه «إذا عُزلت روسيا أو رُفضت، فستملؤها النقمة وستصبح نظرتها لذاتها أشد عداء لأوروبا وللغرب».[1]

مرّ الناتو منذ تفكك الاتحاد السوفييتي بخمس جولات من التوسع، أدت إلى تضاعف عدد أعضائه، وكان كل الأعضاء الجدد في الشرق. بعد موافقة مجلس الشيوخ على أولى هذه الجولات عام 1998، ضم الناتو كلًا من التشيك والمجر وبولندا. حينها، اعتقد الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان (الذي يُعدّ أبرز منظر لسياسة الاحتواء تجاه الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة) أن الروس سيردون حين تسمح قدراتهم بذلك، معتبرًا الخطوة «خطأ مأساويًا لم يكن له أي سبب على الإطلاق». بعد ثلاث سنوات، جرت جولة ثانية أكبر من التوسع شملت بلغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا، تلتها توسعات أخرى في أعوام 2009 و2017 و2020، ضُمت وفقها ألبانيا وكرواتيا والجبل الأسود ومقدونيا الشمالية على التوالي.

مع تفجر أنباء الحرب، عاد كثيرون إلى تحليلات أحد هؤلاء «الواقعيين»، التي تفيد بأن لا شيء مما يحدث ينبغي أن يفاجئ الأمريكيين، بل أنهم يتحملون المسؤولية الأولى عما آلت إليه الأمور. في ورقة منشورة بُعيد أزمة 2014 في أوكرانيا، يقول المنظر في العلاقات الدولية جون ميرشايمر إن ما يحرك روسيا ليس أية اعتبارات أيديولوجية أو أوهام توسعية، بل التهديد الاستراتيجي الذي يمثله انتقال تحالف عسكري كان عدوها اللدود إلى حدودها الغربية. «قد لا تحب واشنطن موقف موسكو، لكن عليها أن تفهم المنطق الكامن وراءه. إنها الجيوسياسة 101». ما يعزز قدرة واشنطن على فهم ذلك هو أن لديها سياسة مماثلة يجسدها «مبدأ مونرو» الأمريكي، القاضي بعدم السماح لأي قوة عظمى بنقل قوات عسكرية إلى نصف الكرة الغربي. «إذا أصبحت الصين قوية حقًا وهددت بتشكيل تحالف مع كندا والمكسيك، وربما حتى نشر قوات عسكرية في تلك البلدان، فإن ذلك سيقود الولايات المتحدة إلى الجنون. لن نتسامح مع ذلك».

هناك ثلاث حزم من السياسات الغربية في أوكرانيا يرى ميرشايمر أنها قادت إلى تصعيد 2014، الذي انتهى بضم روسيا لشبه جزيرة القرم: توسع الناتو شرقًا، وتوسيع الاتحاد الأوروبي، والتدخل في النظام السياسي وإعادة الهندسة الاجتماعية (بتعزيز الصراعات الداخلية). منذ مؤتمر ميونخ للأمن عام 2007، صرح بوتين بأن على التحالف أن يكف عن التوسع، معتبرًا ذلك تهديدًا وجوديًا لروسيا. بعد أقل من عشرة أشهر، أعلن الناتو في مؤتمره في بوخارست أنه يؤيد تطلعات جورجيا وأوكرانيا في الانضمام إليه. شجع الناتو جورجيا على مهاجمة الانفصاليين في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عام 2008، لترد روسيا بالتدخل المباشر فيهما.

«كان ينبغي للغزو الروسي لجورجيا في آب 2008 أن يبدد أي شكوك متبقية بشأن تصميم بوتين على منع جورجيا وأوكرانيا من الانضمام إلى الناتو»، يقول ميرشايمر، لكنه لم يفعل. استمر هذا النهج الأمريكي حتى جاءت الشرارة في تشرين الثاني عام 2013، حين رفض الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش صفقة اقتصادية كبيرة كان يتفاوض بشأنها مع الاتحاد الأوروبي، وقرر قبول عرض روسي مضاد. أدى ذلك لتصاعد المظاهرات المعارضة التي دعمتها الولايات المتحدة بأشكال مختلفة، والتي انتهت بفرار يانوكوفيتش إلى روسيا وتنصيب أرسيني ياتسينيوك، الموالي للغرب، رئيسًا للوزراء. كان التدخل الأمريكي في اختيار الأخير واضحًا، بعدما تسربت مكالمة هاتفية بين السفير الأمريكي في كييف جيفري بيات ومساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند، عبرا فيها عن اتفاقهما على أن «ياتس» يجب أن يتولى السلطة. بعد وقت قصير، دخلت القوات الروسية إلى شبه جزيرة القرم، معلنة ضمها لروسيا.

كما يحدث اليوم، فسّر مسؤولون ومحللون غربيون خطوة روسيا على أنها تعبير عن «نزعة توسعية» كامنة في ذهن بوتين، وأنه لن يتوقف عند هذا الحد ما لم يتم إيقافه. لكن ميرشايمر يقول إنه رغم أن بوادر نوايا بوتين ظهرت بالتأكيد قبل 22 شباط 2014، «لكن لا يوجد أي دليل عملي على أنه كان عازمًا على الاستيلاء على شبه جزيرة القرم، ناهيك عن أي منطقة أخرى في أوكرانيا، قبل ذلك التاريخ».

تكرر هذا التسلسل بتشابه غريب منذ عام 2019، حين عدّلت أوكرانيا دستورها لجعل الحصول على عضوية الناتو والاتحاد الأوروبي استراتيجيتها الوطنية الأساسية. عام 2020، صنف الناتو أوكرانيا وخمس دول أخرى (من بينها الأردن) كـ«شركاء ذوي فرص متقدمة». وفي نهاية العام الماضي، تقدمت روسيا بمسودة معاهدة سُلِّمت لدبلوماسي أميركي في موسكو، طالبت فيها بتعهدات بوقف توسّع حلف الناتو شرقًا وتجميد توسيع البنى التحتية له، مثل منظومات السلاح والقواعد العسكرية، في أراضٍ سوفييتية سابقة، ووقف تزويد أوكرانيا بالمعدات العسكرية، ووقف نصب الصواريخ متوسطة المدى في أوروبا. عبّر بوتين عن أن روسيا لا يمكن أن تقبل بوجود صواريخ أميركية في أوكرانيا يمكن أن تصل موسكو في دقائق. لكن مجددًا، تجاهلت الولايات المتحدة هذه المطالب. كان توسع الناتو والتصعيد الذي خلقه في أكثر من مرحلة أشبه بنبوءة تحقق ذاتها.

أبعد من «خطأ استراتيجي»

رغم كل هذه المؤشرات على أن توسع الناتو شرقًا سيقود -أو على الأقل قد يقود- إلى مواجهة عسكرية مع روسيا، ظلت الولايات المتحدة تسير على نفس المسار. كانت كل القرارات الأساسية لتوسيع الناتو أمريكية بالدرجة الأولى. البعض في الولايات المتحدة اعتبر ذلك خطأ استراتيجيًا، لكن هذا «الخطأ» متسق تمامًا مع ضرورات مادية وأيديولوجية أمريكية.

أولًا، على المستوى الداخلي، يدعونا الباحث الاقتصادي الأمريكي مايكل هدسون إلى فهم السياسة الخارجية الأمريكية لا كنتاج سياسات الحزبين الديمقراطي والجمهوري وإنما، على نحو أكثر واقعية، كنتاج لثلاث تجمعات أساسية من المصالح، متداخلة بشكل وثيق مع الطبقة السياسية الأمريكية: المجمع الصناعي العسكري، ومجمع النفط والغاز، والمجمع المصرفي العقاري. فمنذ ورود أول الأنباء عن هجوم روسي، ارتفعت أسهم الشركات الحربية مثل رايثون ولوكهيد-مارتن وبوينغ، التي تمثل الحرب بالنسبة لها فرصة ذهبية لرفع المبيعات. من جهة أخرى، سعى مجمع النفط والغاز (مضافًا إليها التعدين) منذ سنوات لاحتكار السوق الغربي وعزل النفط والغاز الروسيين، مع تهديد مشروع نورد ستريم 2 بربط اقتصادات أوروبا الغربية بروسيا أكثر من أي وقت مضى. أمّا المجمع المصرفي العقاري، فيسعى على المستوى الدولي لدفع خصخصة الاقتصادات الأجنبية وحصر امتياز التمويل في أيد أمريكية. بالنسبة لهذه التجمعات الثلاث، كان توسع الناتو على مدى السنوات، بما يمثله من تصعيد احتمالات الحرب مع روسيا، في مصلحتها.

ثانيًا، كان توسع الناتو في التسعينيات ضرورة لبقائه بحد ذاته. فبعد انهيار «الكتلة الشرقية» وحلّ حلف وارسو، فقد الناتو مبرر وجوده، ولم يعد التهديد الأكبر له خطرًا أمنيًا بقدر كان احتمالية تقلص ميزانيته، في إطار ما سمي «عوائد السلام» التي رُوج لها كمكسب مادي من انتهاء الحرب الباردة نتيجة ما يوفره ذلك في الإنفاق العسكري. أدرك مسؤولو الناتو الحاجة للتكيف سريعًا، ففي عام 1996، صرح رئيس الناتو كارستن فويغت بأن التوسع «ضرورة لضمان الدور المستقبلي للتحالف وأهميته» ولضمان «أن يُرى التحالف باعتباره حيًا ومتجاوبًا مع حاجات اليوم». عبّر رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي سابقًا، السيناتور ريتشارد لوغار، عن هذه الحاجة الملحة عام 1993 بالقول إن على الناتو «أن يتوسع وإلا سيفلس».[2] 

بطبيعة الحال، لم تكن الولايات المتحدة ستترك الناتو يواجه مثل هذا المصير. فخلال الحرب الباردة، وفّر الناتو لها آلية لقيادة المعسكر الغربي. وبعد انتهائها، حافظ توسيعه على نفوذ الولايات المتحدة في أوروبا وعزز صورتها كقائدة للعالم، كما وفّر أيضًا آلية للتدخل خارج مناطق الناتو. لم تكن الولايات المتحدة ستترك الناتو وراءها باعتباره إرث حقبة بائدة. عام 1993، نصت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي على أن نجاح الولايات المتحدة في الداخل «سيعتمد أكثر -وليس أقل- على نفس نوع القيادة العالمية التي مارستها في النصف الثاني من القرن العشرين».[3]

يقود هذا إلى بعد ثالث للتمسك الأمريكي بتوسع الناتو والإصرار على تصعيد المواجهة مع روسيا، يتمثل في مبدأ التفوق المؤسس في السياسة الخارجية الأمريكية. عبرت وثيقة «أهداف وبرامج الأمن القومي للولايات المتحدة»، التي أصدرتها وزارة الخارجية الأمريكية عام 1947 (وبقيت مصنفة سرية للغاية حتى عام 1975)، عن هذا المبدأ بوضوح: «أن نسعى لما يقل عن القوة المهيمنة يعني أن نختار الفشل. إن [امتلاك] القوة المهيمنة يجب أن يكون هدف السياسة الأمريكية».[4] على مدى العقود التالية، ظلت هذه الفكرة تتكرر في الوثائق الرسمية المتعلقة بالأمن القومي، حاملة معها تعبيرات عن قناعة بأن الولايات المتحدة بلد فريد ذو نظام متفوق، وأنه «لا غنى عن القيادة الأمريكية للعالم».[5] 

منذ انتهاء الحرب الباردة، اعتبرت الولايات المتحدة الهيمنة على العالم حقًا مكتسبًا. فقد شكل انتصارها بالنسبة لها دليلًا أفضليتها سياسيًا واقتصاديًا وقيميًا

منذ انتهاء الحرب الباردة، اعتبرت الولايات المتحدة الهيمنة على العالم حقًا مكتسبًا. فقد شكل انتصارها بالنسبة لها دليلًا على أحقيتها بالزعامة وأفضلية نظامها، ليس السياسي والاقتصادي فحسب، بل القيمي كذلك. إذا كان الأمريكيون قد أعلنوا أن التاريخ انتهى بـ«انتصارهم الأيديولوجي»، وأن المستقبل لا مكان فيه لأيديولوجيات أخرى، فإن الوجه السياسي لهذا الاعتقاد هو أن لا مكان لأنظمة سياسية مغايرة أو معادية أو غير خاضعة للهيمنة الأمريكية. في هذا الإطار، لا يمكن للولايات المتحدة أن ترى بروز قوى غير متحالفة معها إلا كتهديد لها، بغض النظر عن مدى قوة هذه الأطراف.

قد يعبر الأمريكيون عن مبدأ التفوق والزعامة كـ«مسؤولية أخلاقية»، في استدعاء ساطع لـ«عبء الرجل الأبيض».[6] لكنْ لهذه العقيدة أساس مادي، فالولايات المتحدة تدرك أن فقدانها للهيمنة سيغير شكل العالم وسينعكس حتمًا على الداخل الأمريكي، وعلى هذا الأساس تفسر أي تهديد لهيمنتها الكونية على أنه خطر على أمنها القومي، سواء أتى من روسيا أو الصين أو غيرهما. تقول استراتيجية الأمن القومي المؤقتة، التي أصدرتها إدارة بايدن عام 2021، إن «مصير أميركا، اليوم أكثر من أي وقت مضى، مرتبط بشكل لا يمكن فصله بما يحدث بعيدًا عن سواحلنا (..) علينا أن نقر بحقيقة أن توزيع القوة حول العالم يتغير، بشكل يخلق تهديدات جديدة» وبأن «التحالفات والمؤسسات والاتفاقيات والأعراف التي تضمن النظام العالمي الذي ساهمت الولايات المتحدة في تأسيسه باتت في موضع اختبار».

بالمحصلة، هناك اليوم اتجاهان أساسيان في الدوائر المقربة من صناع السياسة الخارجية الأمريكية حيال ما يجب أن تفعله الولايات المتحدة في أوكرانيا: الأول يرى أنه يجب مواجهة روسيا، لكن مع التعامل مع التهديد الذي تمثله بشكل استراتيجي، وإعطاء الأولوية للصين التي تفوق روسيا كتهديد، خاصة باعتبار أن اقتصاد الأخيرة لا يمثل سوى عشر الاقتصاد الصيني، فضلًا عن أنه أقل تنوعًا، وأن جيشها أصغر وأقل تحديثًا، إلى جانب الاختلافات العديدة الأخرى بين النموذجين، سياسيًا واقتصاديًا وتنمويًا وأيديولوجيًا. أما الثاني، فيرى أنه يجب على الولايات المتحدة مواجهة البلدين معًا، وأن التراجع أمام روسيا سيدفعها لاستسهال الخيار العسكري، وأنه لا يمكن إهمال أوروبا باسم أولوية الصين حتى وإن كانت الأخيرة بالفعل التهديد الأكبر، خاصة أن الاتحاد الأوروبي ما يزال الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة.

اللافت هو أنه، على اختلافهما، يتفق هذان الاتجاهان على أن أحد مفاتيح هذه المعالجة يجب أن يكون دفع أوروبا نحو تحمل حصة أكبر من الكلف العسكرية للتصعيد (حتى مع رفع الولايات المتحدة لإنفاقها العسكري إلى حد غير مسبوق بميزانية قدرها حوالي 780 مليار دولار لعام 2022). هذا ما بدأنا نراه مع إعلان ألمانيا رفع حصة الإنفاق العسكري لما يزيد عن 2% من ناتجها المحلي الإجمالي لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة. لا أحد في البيت الأبيض اليوم يقول «لسنا مضطرين لخوض حروب أوروبا عنها»، تحديدًا لأنهم يدركون أن هذه حرب أمريكية أكثر مما هي أوروبية. ما يقوله البيت الأبيض اليوم، على ما يبدو، هو أن على أوروبا أن تتحمل عبئًا أكبر في الحرب الأمريكية على أرضها، حتى تحافظ الولايات المتحدة على جهوزيتها لمواجهة الصين. مرة أخرى، ليس هذا سوى تأكيد على أنه في فضاء الهيمنة الأمريكية، لا وجود لدول كاملة السيادة، غربية كانت أم شرقية.

عن إنهاء حالة العداء

في خطابه قبيل الحرب، توجه بوتين للغرب بالسؤال: «إذا كنتم لا تريدون النظر إلينا نظرة الصديق، لماذا تحولوننا إلى عدو لكم؟». بالنظر إلى المسار الذي أخذه الاتحاد السوفييتي وروسيا من بعده منذ الثمانينيات، فإن لهذا السؤال وجاهة حقيقية، حتى لدى كثيرين في الغرب ممن يرون أن التهديد الذي تمثله الصين أكبر مما يسمح بدخول مواجهة مع روسيا، خاصة بشكل يدفع الأخيرة نحو التقارب مع جارتها الآسيوية. منذ التسعينيات، لم تترك روسيا الاتحادية فرصة للهجوم على التجربة السوفييتية وشيطنتها وتشويهها إلا وانتهزتها. كانت النخب الروسية -بما فيها بوتين وحاشيته- غربية الهوى، وفعلت كل ما بوسعها لتحسين علاقاتها مع الغرب، حتى أن بوتين نفسه عبّر للأمريكيين أكثر من مرة عن رغبة بلاده بالانضمام إلى الناتو.

لكن كل ذلك لم يشفع لروسيا أو يجعل الولايات المتحدة تسامحها على ماضيها الاشتراكي. فرغم محاولات روسيا الحثيثة لنيل القبول في الغرب، ظلت تصورات الولايات المتحدة عنها محكومة بذهنية الحرب الباردة. ظلت روسيا موضع شك، وظلت الولايات المتحدة -لا خصومها- تفسر كل مناورة أو تصعيد روسي على أنه محاولة لإحياء الاتحاد السوفييتي بصيغة قومية، حتى حين يقدم بوتين مثل هذا التصعيد على أنه محاولة لـ«تصحيح أخطاء لينين». وحتى حين بدا أن لروسيا أصدقاء في البيت الأبيض، كانت استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترامب (الذي يتهم الديمقراطيون روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية لصالحه) تصنّف الصين وروسيا كقوى «تصحيحية»، أي ترفض القبول بانتصار الغرب في الحرب الباردة، وتعتبرهما -على الترتيب- أكبر تحدٍ لـ«الأمن والازدهار الأمريكيين».

ما يقوله البيت الأبيض اليوم، على ما يبدو، هو أن على أوروبا أن تتحمل عبئًا أكبر في الحرب الأمريكية على أرضها، حتى تحافظ الولايات المتحدة على جهوزيتها لمواجهة الصين

إن الفوارق والخلافات التاريخية بين التجربتين الصينية والسوفييتية كثيرة وهائلة. لكن أحد أهم هذه الفوارق هنا هو فهم كل من البلدين لموقف الولايات المتحدة منهما خلال فترة الإصلاح وما بعدها. رغم تحولاتها الاقتصادية، ظلت الطبقة السياسية الصينية ترى الولايات المتحدة كقوة رأسمالية مهيمنة لا يمكن إلا أن تعادي الصين. ينقل سمير أمين في نص نشر بعد وفاته هذا الاعتقاد السائد بين المسؤولين الصينيين الذين تعرف إليهم عبر السنوات، بأن الهيمنة الأمريكية هي العدو الأول للصين «كأمة ودولة»، بمعزل عمّا إذا كانت اشتراكية أم لا: «ما زلت مندهشًا من الفارق بين لغتهم وما سمعته من القادة السياسيين السوفييت (عن قناعة على ما يبدو)… بدا لي دومًا أن هؤلاء غافلون تمامًا عن الأهداف الحقيقية لواشنطن وحلفائها الغربيين. إن خطاب غورباتشوف في ريكيافيك [في آيسلندا]، الذي أعلن فيه -بسذاجة لا تصدق- «نهاية» حالة العداء الأمريكي تجاه الاتحاد السوفييتي، هو أمر لا يمكن تخيله في الصين».[7] لقد أثبت الواقع الدرس الذي فهمته الصين مبكرًا، من أن مجرد إعلانك نهاية العداء لا يعني بالضرورة أن الغرب سوف يقبل بك كحليف أو يتقاسم معك موارد العالم.

لا شيء مما يحدث اليوم من مواجهة بين روسيا والغرب كان حتميًا، وربما الأهم، لم يكن التقارب الصيني الروسي حتميًا أيضًا، ولا كان مدفوعًا بالكامل بعوامل ذاتية. لم تكن روسيا مهيئة أو راغبة حتى في التحالف مع الصين، لكن الغرب بهذا الاستنفار الهائل ضدها والتحشيد غير المسبوق والعقوبات المتتالية في كل المجالات، جعل مثل هذا التحالف مصلحة روسية واضحة، رغم كل التحذيرات من خطورة دفع روسيا بهذا الاتجاه. أمّا بالنسبة للصين، فقد أصبحت أولوية هذا التحالف أوضح من أي وقت مضى. يعبر البروفيسور الصيني في العلوم السياسية يو بين عن ذلك بالقول إن تحسين العلاقات الصينية الروسية اقتصاديًا وثقافيًا بات ضرورة ملحة، «حتى يستطيع أكبر بلدين في أوراسيا أن يتخلصا تمامًا من قانون الغاب الذي يمثله نظام ويستفاليا. في عصر أسلحة الدمار الشامل والذكاء الاصطناعي، قد يكون هذا هو الخيار العاقل الوحيد».

  • الهوامش

    ١) ورغم أنه كان من أنصار توسع الناتو، إلّا أنه حذر من التسرع في هذا التوجه بشكل قد يقود لمواجهة غير محسوبة.

    ٢) David Parker. 2021. US Foreign Policy Towards Russia in the Post-Cold War Era. Routledge.

    ٣) David Parker. 2021. US Foreign Policy Towards Russia in the Post-Cold War Era. Routledge.

    ٤) Melvyn P. Leffler. 1992. Preponderance Of Power – National Security, The Truman Administration, And the Cold War. Stanford University Press

    ٥) David Parker. 2021. US Foreign Policy Towards Russia in the Post-Cold War Era. Routledge.

    ٦) عام 1991، قال جورج بوش الأب إن «آمال البشرية تتجه نحونا… علينا أن نتقدم للأمام ونقبل مسؤوليتنا في قيادة العالم بعيدًا عن فوضى الدكتاتورية المظلمة، ونحو وعد مشرق بغد أفضل».
    David Parker. 2021. US Foreign Policy Towards Russia in the Post-Cold War Era. Routledge.

    ٧) Samir Amin. 2019. Long Revolution Of The Global South. Monthly Review Press.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية