قانون الانتخاب وسيطرة «البزنس والخدمات»: قراءة في النتائج التفصيلية لدائرة عمان الثالثة

مقترعة تدلي بصوتها في الانتخابات النيابية في أحد مراكز اقتراع الدائرة الثالثة في جبل الحسين في عمان، 10 تشرين الثاني 2020. تصوير شربل ديسي.

قانون الانتخاب وسيطرة «البزنس والخدمات»: قراءة في النتائج التفصيلية لدائرة عمان الثالثة

الأحد 15 تشرين الثاني 2020

جرت انتخابات مجلس النواب الأردني هذا العام في ظروف استثنائية فرضتها جائحة كورونا، دفعت بالكثيرين للمطالبة بالتأجيل خوفًا من تفاقم الوضع الوبائي، الذي شهد في يوم الاقتراع أسوأ أحواله من حيث عدد الوفيات بالفيروس. إصرار الدولة على إجراء الانتخابات في ظروف كهذه، زاد من حالة النفور العام المتواصلة منذ عدة دورات، والمرتبطة عند الكثيرين بسؤال الجدوى من المشاركة، في ظل ما يرونه من محدودية قدرة مجلس النواب على التأثير. لذا واصلت نسب المشاركة بالانتخابات تدنيها من دورة لأخرى، لتبلغ هذا العام 29.9% ممن يحق لهم الاقتراع، بعد أن كانت 36.6% في انتخابات 2016.

للدورة الثانية على التوالي، جرت الانتخابات وفق قانون الانتخاب لعام 2016، الذي يعتمد القائمة النسبية المفتوحة على مستوى الدائرة، مع تقسيم الأردن إلى 23 دائرة انتخابية. منذ إقراره قبل أربع سنوات، دافع البعض عن القانون باعتباره خطوة متقدمة عن قانون الصوت الواحد، بأشكاله المختلفة التي طبقت منذ عام 1993 إلى العام 2016؛ القانون الذي ساهم في تشويه العمل البرلماني وأتاح المجال لصعود نواب البزنس والخدمات، وكرّس التحالفات الفرعية بأشكالها المناطقية والعشائرية. التأكيدات على الميزات النسبية للقانون الجديد والأثر الذي سيتركه على الحياة البرلمانية والسياسية لم تتوقف منذ إقراره. فهو، من وجهة نظر المدافعين عنه، يسمح بتحالفات سياسية برامجية أوسع من قانون الصوت الواحد الذي كرّس نموذج المرشح الفرد، وضيّق المجال السياسي، وقلّل تمثيل الأحزاب في البرلمان. لكن التمعن في النتائج التفصيلية للانتخابات الأخيرة يقدم فرصة لمراجعة هذه الميزات المفترضة، خاصة بالنظر إلى أن القانون، في ثاني تطبيق له، بات أشد وضوحًا بالنسبة للمرشحين والناخبين، وبتنا أقدر على فهم تأثيره على المشهد الانتخابي، وتشكيله للسياق الذي يتحرك فيه المرشحون والقوائم.

لا تمثل عمّان أو أي محافظة أخرى نموذجًا انتخابيًا يمكن تعميمه على جميع محافظات المملكة، لكن التوقف عند النتائج التفصيلية الحالية للدائرة الثالثة في عمان، بما تحمله من خصوصية، قد يتيح لنا الكشف عن الأثر الذي يتركه القانون الحالي على العمل السياسي والبرلماني. فالدائرة الثالثة التي تشمل أحياءً غير متجانسة اجتماعيًا في وسط وغرب عمان، ظلّت عبر الدورات الماضية من أكثر الدوائر تسيّسًا، وحافظت على حد أدنى من وجود البرامج السياسية لدى المترشحين فيها، في مقابل دوائر أخرى طغى فيها العمل الخدمي أو الطابع العشائري على المشهد الانتخابي. لكن النتائج التفصيلية هذا العام تشير إلى تقلّص الفارق بين الدائرة الثالثة وغيرها في هذا الجانب.

من خلال الوقوف على شكل التحالفات والتكتيكات التي سلكتها القوائم المتنافسة في الدائرة الثالثة، عبر النظر إلى النتائج على مستوى المنطقة ومراكز الاقتراع فيها، تبرز العديد من الأسئلة الأوسع حول المدى التمثيلي الذي يحتاجه المرشح للوصول إلى البرلمان، وقدرة القائمة على حصد أكثر من مقعد، والطريق الذي يتعين على مرشحي الكوتات أن يسلكوه للمنافسة على المقاعد المخصصة لهم، كل ذلك وفق القانون الحالي. وبشكل محدد أكثر، يوضح هذا التحليل كيف تكيّف نواب البزنس والخدمات مع القانون واستفادوا منه لضمان حضورهم في مجلس النواب، وهو حضور بدأ يتشكل منذ عام 1997، وتصاعد في العشرين عامًا الماضية، ليصبح هؤلاء النواب عمليًا «الكتلة» الأكبر في البرلمان، متفوقين في مجموعهم على جميع الأحزاب السياسية.

تصدّر البزنس، وتراجع الإخوان، وخروج معًا 

مع تراجع نسب التصويت لتبلغ في دائرة عمان الثالثة 11.7%،[1] مقارنة بقرابة 19% في الدورة الماضية، سيطر مرشحو البزنس والخدمات على المشهد الانتخابي. إذ حصلت قائمة قادمون، بتحالف رجلي الأعمال خالد البستنجي وأمجد المسلماني، على أعلى عدد أصوات بلغ قرابة سبعة آلاف صوت، بنسبة 23% من مجمل أصوات الدائرة الثالثة، مع وصول البستنجي وحده للنيابة. وتفوقت قادمون بذلك على قائمتي معًا والإصلاح، اللتين كانتا قد حصلتا في الدورة السابقة على أعلى عدد من الأصوات والمقاعد. بذلك، خرج من المجلس مرشحا قائمة معًا، التي قدمت نفسها على أنها قائمة «التيار المدني»، النائبان خالد رمضان وقيس زيادين، الذي كان قد فاز بالمقعد المسيحي. كما خرجت من المجلس النائب ديمة طهبوب، عن قائمة الإصلاح، التي تمثل تحالفًا يتزعمه الإخوان المسلمون، بعدما فازت الدورة الماضية بمقعد الكوتا النسائية لمحافظة العاصمة. فيما حافظ النائبان صالح العرموطي (الإصلاح) ورجل الأعمال أحمد الصفدي (المستقبل عمان) على مقاعدهما، وفاز مرشحا قائمة المستقبل عمان عمر النبر وخلدون حينا بالمقعدين المسيحي والشركسي/الشيشاني، ودخل المجلس عن قائمة تقدم النائب حسين الحراسيس، العضو السابق لمجلس أمانة عمان. 

تقدم التغيرات في نسب الاقتراع في مناطق الدائرة المختلفة تفسيرًا جزئيًا لهذه النتائج. فرغم تراجع النسبة عمومًا على مستوى المملكة وعلى المستوى الدائرة الثالثة، إلا أن تغيرها يتفاوت عند النظر على مستوى أشد محلية. فقد كان التراجع الأكبر في الإقبال على التصويت في مناطق أم أذينة والشميساني وعبدون الشمالي في عمان الغربية، مقارنة بما كانت عليه عام 2016، بينما كان التراجع أقل في جبل عمان وجبل الحسين. وفي المقابل، ارتفعت النسبة في جبل الجوفة، الذي كان قد شهد أقل نسبة تصويت في الدائرة في الدورة الماضية.

صبّت هذه الزيادة الكبيرة في نسبة التصويت في جبل الجوفة (تغير بنسبة 40%) مباشرة في صالح المرشح الحراسيس، الذي يسكن المنطقة جزءٌ من أبناء عشيرته وينشط في الجوفة كمرشحي البزنس والخدمات الآخرين في أماكن أخرى. فعند النظر إلى توزيع أصوات قائمة تقدم حسب المنطقة، نجد أن القائمة نالت 39% من أصواتها من مركزَيْ اقتراع جبل الجوفة، رغم أن المنطقة لا تضم سوى 9% من مجمل من يحق لهم الاقتراع في الدائرة. الأوضح من ذلك هو النظر إلى نسبة استحواذ القائمة على أصوات المنطقة، فقد حصلت تقدم على 71% من أصوات مقترعي جبل الجوفة، ونال الحراسيس كمرشح كذلك أكثر من 69% من أصوات المنطقة.

المنافسة الأعلى كانت في جبل الحسين، الذي يضم أكبر كتلة تصويتية في الدائرة، وهو ما قد يفسر عدم تراجع نسبة التصويت بشكل كبير، مقارنة بأحياء أخرى. كانت منطقة جبل الحسين طريق رجل الأعمال البستنجي للمجلس، حيث حصلت قائمة قادمون على قرابة 35% من أصوات المنطقة. ورغم أن المسلماني حصل في جبل الحسين على عدد أصوات أعلى من زميله البستنجي، إلا أن الأخير نال أصواتًا أعلى في عدة مناطق أخرى، كالمهاجرين ووادي عبدون، اللتين يسكنهما أبناء عشيرته، ليحصل في النهاية على أعلى عدد أصوات في القائمة وينال مقعدها.

في جبل عمّان، تقدمت قائمة المستقبل عمّان بمرشحها الأبرز النائب أحمد الصفدي، الذي ينشط في المنطقة خدماتيًا منذ زمن، لتحوز القائمة على قرابة 36% من أصوات جبل عمان. لكن القائمة نالت أيضًا نسبًا جيدة في عمّان الغربية، وهنا يتضح تأثير النائب الجديد عمر النبر. فقد حقق الفائز بالمقعد المسيحي أرقامًا جيدة في كل من أم أذينة وعبدون الشمالي والشميساني، رافعًا نسب القائمة من أصوات هذه المناطق، مقارنة بما كانت عليه عام 2016، التي شارك فيها الصفدي ضمن قائمة المستقبل مع مرشحين آخرين.[2] ففي الدورة الماضية، لم تبلغ أصوات القائمة 10% من أصوات أي من هذه المناطق الثلاث، وهي مناطق لم تمثل تاريخيًا ثقلًا لنواب الخدمات كالصفدي. 

يذكر أن الصفدي، الذي حافظ على مقعده في خمس مجالس نيابية متتالية، ولم يغب عن المجلس منذ عام 2007، كان قد أوقف قبيل انتخابات عام 2013، بتهمة «عرض مال على الناخبين للتأثير عليهم»، و«حجز بطاقات انتخابية دون وجه حق (..) مكرر 16 مرة»، وفق ما نقلته صحيفة الرأي عن مدعي عام عمان حينها، ليتم تكفيله قبل الاقتراع بيوم واحد. 

أمّا قائمة الإصلاح، التي فقدت مقعدين من أصل ثلاثة حصلت عليها في الدائرة عام 2016، فكانت من الأكثر تأثرًا بتراجع نسب الاقتراع بشكل عام، إذ فقدت قرابة نصف الأصوات التي حصلت عليها الدورة الماضية، لكنها تراجعت بنسب متقاربة في غالبية المناطق، ليتواصل بذلك التراجع العام في الأداء الانتخابي للإخوان منذ سنوات. وكان واضحًا تأثير الخلافات التي سبقت مشاركة الإخوان في الانتخابات، إذ بقي موقف حزب جبهة العمل الإسلامي من المشاركة غير محسوم حتى الأسابيع القليلة الأخيرة للترشح، فضلًا عن تأثير الجائحة على نسب الاقتراع عمومًا.

فقدت قائمة معًا مقعديْها كذلك، متأثرة بتراجع عام في شعبيتها وبتدني نسب المشاركة، خاصة في سياق الجائحة. فالمناطق الأقل مشاركةً في هذه الانتخابات، خاصة في عمّان الغربية، كانت طريق القائمة للمجلس في 2016. وبينما حصلت معًا على قرابة نصف أصواتها الدورة الماضية من الشميساني وعبدون والرضوان وأم أذينة، شكلت أصوات هذه المناطق 35% من أصوات القائمة هذه المرة. بالإضافة لذلك، فقد تأثرت القائمة بردود فعل سلبية على دعايتها الانتخابية، فضلًا عن الخلافات التي برزت داخل التيار المدني في السنوات الأربع الماضية، ما جعل معًا تبدو كقائمة تشكلت لغايات انتخابية، وليست ممثلًا لتيار سياسي ممتد وحاضر. ترافق هذا مع خفوت المنافسة التي تبلورت على شكل صراع علماني/إسلامي بين معًا والإصلاح عام 2016.

التنافس داخل القوائم وطريق مرشحي الكوتات للمجلس

تُبرز النتائج السابقة أكثر من نقطة حول آلية عمل قانون الانتخاب ونظام الدوائر الانتخابية، وخاصة حول شكل التنافس داخل القائمة المفتوحة، وطرق المرشحين نحو الفوز، بالإضافة إلى تأثيرات تدني نسب الاقتراع على المشهد الانتخابي بعامة. فحين يترافق هذا التدني مع تقسيم العاصمة إلى خمس دوائر، يصبح من الممكن الفوز في إحدى هذه الدوائر بالاعتماد على أصوات منطقة واحدة أو اثنتين، كما حصل في حالة الحراسيس في جبل الجوفة. نتيجة ذلك هي ازدياد تفتت العمل النيابي من مستوى الدائرة إلى مستوى المنطقة، بعدما بات مستبعدًا على المستوى الوطني. 

بالنسبة للمقعدين المسيحي والشركي/الشيشاني، يعكس فوز النبر وحينا شكل المسار الذي ترسّخ كأقرب طريق للفوز بهذين المقعدين. ففي حين انسحب مرشحا قائمة الإصلاح عن هذين المقعدين، عودة قواس ومنصور مراد، عقب ما قال الإخوان إنه ضغوط وتهديدات للمرشحين، وخسر مرشح القائمة السياسية الأخرى، قيس زيادين، نجح في المقابل تحالف النبر وحينا مع الصفدي في نيل المقعدين، مما يعكس أن طريق مرشح هذين المقعدين للمجلس بات أقرب للبزنس أو الخدمات منه للقوائم السياسية. 

لكن هذا ينطبق على شكل محدد من التحالف مع نواب البزنس والخدمات. فرغم أن قائمة قادمون حصدت أعلى عدد أصوات في الدائرة، إلا أن المرشح المسيحي فيها، هيثم عريفج، لم يفز، إذ بلغت نسبة الالتزام بالتصويت له داخل القائمة قرابة 18% فقط. وفي المقابل، فإن 51% ممن صوتوا لقائمة المستقبل عمان صوتوا للنبر كذلك. يمكن فهم هذا التفاوت بالنظر إلى أنه، في حين كان الصفدي المتنافس الحقيقي الوحيد على المقعد المسلم في قائمة المستقبل عمان، فقد تنافس المسلماني والبستنجي في قائمة قادمون، مما ساهم في انخفاض نسبة الالتزام بمرشحها عن المقعد المسيحي. ففي ظل وجود «رأسين» للقائمة، يصبح دعم أحدهما للمرشح المسيحي، الذي لا ينافسهما، مشروطًا بضمان التزام هذا المرشح برفد واحد منهما دون الآخر بالأصوات، نظرًا إلى صعوبة نجاح كليهما وفق القانون الحالي. 

حصل سيناريو شبيه مع قائمة معًا، حيث تُظهر النتائج التفصيلية على مستوى المراكز والصناديق تنافس المرشحين خالد رمضان وبثينة الطراونة كـ«رأسين» للقائمة، بشكل أقرب لتحالفات البزنس الانتخابية منه للتحالف السياسي. فالطراونة نشطت بشكل خاص في جبل الحسين، حيث جاءت 30% من أصواتها من تلك المنطقة، التي تعد الساحة الأهم في الدائرة لنشاط نواب البزنس والخدمات، مما رفع نسبة الأصوات التي حصلت عليها القائمة في جبل الحسين مقارنة بالدورة الماضية. وكما حدث مع عريفج، انعكس هذا التنافس على نسبة الالتزام بالتصويت لزيادين، التي قلّت بشكل كبير عمّا كانت عليه عام 2016، لتكاد تكون مساوية لنسبة التزام قائمة المستقبل مع مرشحها النبر. 

أما الفائزة بمقعد الكوتا النسائية الدورة الماضية، ديمة طهبوب، فقد خسرت مقعدها في المجلس بعد فوز مرشحة على إحدى قوائم البزنس والخدمات في دائرة عمان الأولى. ورغم أن نسبة الالتزام بالتصويت لطهبوب، بين مَن صوتوا لقائمة الإصلاح، تفوق نسبة الالتزام العام في القائمة، فإنها لم تكن بعيدة عن تراجع الإخوان بعامة، لتفقد 44% من الأصوات التي حصلت عليها عام 2016.

نحو قانون انتخاب جديد

بالتأكيد، ليس قانون الانتخاب مسؤولًا عن تدني الحياة السياسية في الأردن، وإن ساهم في تراجعها، كما لا يمكن لأي تعديل على القانون أن يكون عصا سحرية لمعالجة قضايا سياسية معقدة. لكن إذا انطلقنا من أن تطوير الحياة السياسية يمر بإعادة تسييس البرلمان ليقوم على كتل وتحالفات سياسية أوسع من الأشكال الفسيفسائية التي تهيمن عليه اليوم، وبإعادة الاعتبار الشعبي لمؤسسة البرلمان باعتبارها الركن الأول في نظام الحكم، فمن الواضح أن القانون الحالي بأنظمته لن يساهم في ذلك. فالنتائج التفصيلية لهذه الانتخابات تعكس أن القانون ساهم في تكريس التحالفات المصالحية مقابل السياسية، وفي ترسيخ حضور البزنس والخدمات، وسمح بتفتت التمثيل النيابي.

إن رفع نسب المشاركة قد يشكل مدخلًا مهمًا لعرقلة عمل نواب البزنس والحد من تحويل الانتخابات النيابية إلى انتخابات بلدية موسعة. فمع تزايد عدد المقترعين، يصبح من الصعب على المرشح أن يعتمد على منطقة أو منطقتين للوصول إلى البرلمان عن دائرة لا يمثلها فعلًا أحد، كما حصل في الانتخابات الحالية والسابقة، الأمر الذي لا يختلف جوهريًا عن قانون الصوت الواحد الملغى. لكن رفع نسب المشاركة يتطلب قانونًا يغير طبيعة المعركة برمتها، ويحفز ويدفع أعداد غفيرة من العازفين عن التصويت لإعادة النظر بالمشاركة على قاعدة جديدة؛ قاعدة التمثيل الحقيقي والمشاركة في الحكم.

منذ سنوات، تنادي العديد من الأحزاب والتيارات والشخصيات السياسية بالعودة إلى قانون الـ1989 الأغلبي الحر (الذي يحصل الناخب فيه على عدد أصوات بعدد مقاعد الدائرة، ويفوز فيه الحاصلون على أعلى عدد أصوات بالمقاعد المخصصة لدائرتهم، بغض النظر عن نسبة أصواتهم من مجمل أصوات المقترعين في الدائرة)، بوصفه يسمح برفع التحالفات في البرلمان. هذا القانون بالتأكيد متقدم على القانون الحالي من حيث تشجيع التحالفات، لكن العودة لقانون الـ1989 اليوم لن تنتج برلمان الـ1989، في ظل التغير الكبير في الواقع السياسي، بل قد تنتج برلمانًا أسوأ من الحالي. فالطبيعة الأغلبية للقانون، مع تعدد أصوات الناخب، تسمح بعقد تحالفات فعّالة، لا بين القوى السياسية فحسب، بل بين نواب البزنس والخدمات أيضًا، مما قد يمكنهم من حصد أعداد كبيرة من المقاعد، في غياب التنافس بينهم. ففي الوقت الذي حصدت فيه قائمة قادمون، على سبيل المثال، قرابة سبعة آلاف صوت رغم تنافس المسلماني والبستنجي داخلها، فإن فرصهما في النجاح معًا ستتعزز إن غاب هذا التنافس، وانضم لهما مرشح آخر من الفئة ذاتها. وفق المعطيات الحالية، يصعب تخيل قوة سياسية قادرة على هزيمة مثل هذا التحالف، الذي يمكن استنساخه في عدة دوائر حول المملكة.

وسط هذا الواقع، على القوى المنادية بإعادة الاعتبار لمؤسسة البرلمان إعادة التفكير في خيار القائمة الوطنية المغلقة (أي المحدد ترتيب مرشحيها داخلها) الذي طبق بشكل مشوه عام 2013. ففي ذلك الحين، اعتُمِدت القائمة الوطنية المغلقة لتجميل قانون الصوت الواحد، إذ خصص لها 27 مقعدًا فقط من أصل 150، بحيث يحصل الناخب على صوتين؛ واحد للقائمة الوطنية والآخر على مستوى الدائرة. إعادة القائمة الوطنية المغلقة بنسبة لا تقل عن 50% من مقاعد المجلس مثلًا، مع وجود عتبة معقولة، لا تقل عن 2% مثلًا، وبقاء الدوائر على نظام القائمة النسبية المفتوحة، ستسمح بعقد تحالفات سياسية عريضة تتجاوز الشأن البلدي، وتعرقل توسّع نواب البزنس والخدمات، وتضمن دخول قوى جديدة للبرلمان والحياة السياسية، ترفع بدورها نسب التصويت. 

في ظل القائمة الوطنية المغلقة، التي تمثل عمليًا دائرة على مستوى المملكة، ليس لدى ناخبة في الطفيلة مثلًا دافع للتصويت لمرشح ما بناءً على الخدمات التي يقدمها في جبل الحسين، أو لمرشح في إربد بناءً على علاقاته العشائرية، والعكس صحيح. وليس من السهل أن يعقد مرشح جبل الحسين تحالفات واسعة وممتدة مناطقيًا، إذ سيعيق الاختلاف على ترتيب المرشح في القائمة عقد هذه التحالفات، كون القائمة مغلقة. أما وجود عتبة أو نسبة حسم، فسيجعل عقد التحالفات الواسعة نسبيًا، والتي ستأخذ بالضرورة طابعًا سياسيًا، حاجة لا غنى عنها لوصول أي قائمة للمجلس، وسيمنع تفتيت مقاعد القائمة الوطنية على عدد كبير من القوائم الصغيرة.

مجددًا، لا يمكن أن يكون مثل هذا القانون أو غيره من القوانين وصفة سحرية لتطوير الحياة السياسية، لكنه قد يشكل مدخلًا ضروريًا لضخ دماء جديدة في المشهد البرلماني. ففي الواقع الحالي، يبدو أن مقاعد المجلس شبه محجوزة للتحالفات المصالحية والمناطقية والعشائرية، على اختلاف مرشحيها.

عمل على جمع النتائج التفصيلية الأولية للدائرة الثالثة، التي تم الاعتماد عليها في هذا المقال، كل من: دانة جبريل، ريم المصري، حارث الطوس، عمار الشقيري، شربل ديسي، محمود الشرعان، يزن ملحم.

  • الهوامش

    [1] 11.5% في حال احتساب عدد المقترعين كمجموع الأصوات التي ذهبت للقوائم المترشحة، دون الأوراق الباطلة.

    [2] كان ذلك بعد أن سحبت الهيئة المستقلة للانتخاب ترشح المرشح في قائمة المستقبل عن المقعد المسيحي، سامر قعوار، بعد إغلاق باب الترشح، لتخوض القائمة الانتخابات دون بديل عنه. وجاء رفض الهيئة لترشحه بدعوى عدم استقالته من منصبه كقنصل فخري لجمهورية سان مارينو، رغم أن القنصل الفخري ليس من المناصب التي يحددها قانون الانتخاب والدستور بوصفها مناصب يجب الاستقالة منها قبل الترشح.