النفط والجائحة

الإثنين 21 أيلول 2020
مصفاة نفط في مدينة الجبيل الصناعية في السعودية. تصوير جيسيبي كاكاس. أ ف ب

نشر هذا المقال في مجلة فورين بوليسي إن فوكس بتاريخ 10 أيلول 2020.

في عهد الإمبراطور جستنيان الأول (527 م – 565 م) انتشرت آفة غامضة بدءًا من وادي النيل، ومرورًا بالقسطنطينية، إلى أن وصلت الإمبراطورية الرومانية. منذ ظهوره الأول في الصين وشمال الهند، انبعث «الموت الأسود» (الطاعون أو بكتيريا اليرسينيا الطاعونية (Yersinia pestis)) على امتداد المتوسط وفي شمال أوروبا. كما أدى إلى وفاة نحو 50 مليون شخص؛ هم نحو نصف تعداد البشرية وقتها. كوفيد-19 ليس الموت الأسود، إلا أنّ تأثيره قد يكون على مستوى الحضارة؛ فهو يُضعف القوي، وينصر الضعيف، ويغيّر محاور القوى على امتداد العالم.

يمكن اعتبار الشرق الأوسط مثالًا في محلّه على ما سبق. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أدى ثراء الأنظمة الملكية في الخليج الفارسي -السعودية، والإمارات، والكويت، وقطر- إلى قلب مراكز القوى التقليدية التي هيمنت على المنطقة في القرن الفائت: تركيا ومصر وبلاد فارس. بينما بُنيت هذه الحضارات على الزراعة والصناعة والتجارة، صارت الأنظمة الملكية الخليجية ثرية لأنها -ببساطة- قامت على بحر من النفط.

استخدمت الأنظمة الملكية -السعودية بالتحديد- ثراءها لإسقاط الحكومات، وإسكات المعارضة الداخلية، ورعاية نسخة محددة عن الإسلام فرّخت إرهابيين على امتداد المسافة بين القوقاز وصولًا إلى الفلبين. هذه الأنظمة واقعة الآن في مشكلة. 

يستدين السعوديون ما يصل إلى 12 مليار دولار، فقط ليدفعوا حصص حاملي الأسهم في أرامكو التي تصل إلى 75 مليار دولار سنويًّا.

شهدت شركة أرامكو المملوكة للسعودية انخفاضًا في عائداتها الربع سنوية من 24.7 مليار دولار إلى 6.6 مليار دولار، بمعدّل انخفاض عن نفس الفترة من العام الماضي قدره 73%. لكنّ هذا الانحدار في العائدات لم يكن بالكامل نتيجة الكساد الذي سبّبته الجائحة، إذ شهد منتجو النفط العرب عائداتهم السنوية تنخفض على مدى السنين الثمانية الفائتة من تريليون دولار إلى 300 مليار دولار، الأمر الذي يعكس التحوّل التدريجي بعيدًا عن المصادر الكربونية للطاقة نحو الطاقة المتجددة. إلا أنّ كوفيد-19 ساهم في تسريع هذا الانحدار.

بالنسبة لدولٍ مثل السعودية، فإنّ ذلك التحوّل يُعَدُّ أزمة وجودية. لدى البلاد كتلة سكانية تتنامى مع الوقت، معظمها من العاطلين عن العمل والشباب. نحو 70% من السعوديين تحت سن الثلاثين. لغاية الآن، أبقت الأسرة الحاكمة الأمور تحت السيطرة من خلال توزيع المال وخلق الوظائف المقنّعة، إلا أنّ الانحدار في العائدات يجعل الإبقاء على ذلك الوضع أكثر صعوبةً. لدى المملكة والإمارات احتياطيّ ماليّ ضخم، لكنّ هذا المال لن يدوم إلى الأبد.

في حالة السعودية، أدّت سلسلة من الأخطاء الاقتصادية والسياسية إلى تعقيد الأزمة. فالرياض حبيسة مأزق عسكري باهظ الثمن في اليمن، بينما تحاول في الوقت نفسه تنويع مصادر اقتصادها. يدفع ولي العهد، محمد بن سلمان، نحو مشروع ضخم بقيمة 500 مليار دولار لبناء مدينة جديدة في البحر الأحمر، تحمل اسم نيوم، من شأنها أن تجذب الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار.

رغم ذلك، لم تفلح الخطة سوى في استقطاب القليل من المال الخارجيّ، بسبب خوف المستثمرين من السياسة الخارجية العدوانية لولي العهد، ومقتل الصحفي جمال خاشقجي. يستدين السعوديون ما يصل إلى 12 مليار دولار فقط ليدفعوا حصص حاملي الأسهم في أرامكو التي تصل إلى 75 مليار دولار سنويًّا.

انتقلتْ أزمة النفط إلى دول شرق المتوسط التي تعتمد على الأنظمة الملكية الخليجية في الاستثمار، وتقديم العون، وتوفير الوظائف لشعوبها الفتيّة. ترسل مصر نحو 2.5 مليون مصريّ ليعملوا في دول الخليج، كما توفّر دولٌ مثل لبنان الخدمات المالية والبضائع الاستهلاكية.

حاليًّا لبنان ينهار، ومصر تُراكم ديونًا مهولة، وليس بمقدور العراق دفع التزاماتها المادية لأن سعر برميل النفط عالق عند 46 دولار. تحتاج السعودية لأن يكون سعر البرميل 95 دولارًا على الأقل لكي تغطي ميزانيتها، ولكي تطفئ لهيب شهيّة أسرتها الحاكمة.

تمتلك تركيا، وفيتنام، وكوبا، ونيجيريا، سجلًّا أفضل في مكافحة الفيروس مقارنة ببريطانيا والاتحاد الأوروبي.

بعد انقضاء الجائحة سترتفع أسعار النفط، لكن من غير المرجّح أن تصل إلى معدّلاتها في بداية الألفية الجديدة، عندما كان معدل سعر البرميل نحو 100 دولار. حافظت أسعار النفط على انخفاضها منذ محاولات السعودية غير المدروسة إخراج المنافسين الصغار من السوق ومحاولة استعادة حصّتها القديمة فيه.

عام 2014، خفّضت السعودية سعر النفط عامدةً لكي تؤذي منافسيها الصغار وتقلّص مشاريع حفر آبار النفط باهظة الثمن في القطب الشمالي. لكن عندما تباطأ الاقتصاد الصيني، قلّ الطلب على النفط، ولم تتعافَ الأسعار إلى اليوم.

من ضمن الدول العشر الأوائل في إنتاج النفط، خمسة تقع في الشرق الأوسط: السعودية، والعراق، وإيران، والإمارات، والكويت. جميع هذه الدول في حال يُرثى لها، وفي حالة إيران فإن مزيدًا من التدهور سببه العقوبات الأميركية. مع الإبقاء على العراق بمثابة حالة استثناء، حيث خرجت مظاهرات كبرى هزّت قيادة البلاد، فإنّ معظم الدول سابقة الذكر هادئة سياسيًّا منذ مدة. في حالة الأنظمة الملكية الخليجية، من الصعب بمكان الحكم على مدى الاستياء العام لأن هذه الأنظمة لا تسمح بالمعارضة الداخلية.

لكن، إلى متى تستطيع الأسر الحاكمة إخفاء الأمر؟

يقول باتريك كوكبيرن، الخبير في شؤون الشرق الأوسط: «إنه تحوّلٌ سرّعتهُ كارثة فيروس كورونا المستجد، كما سيغيّر هذا التحوّل السياسة في الشرق الأوسط جذريًّا».

لا وجود لمنطقةٍ لم تتأثر بالأزمة الدائرة حاليًّا. لو استثنينا رئيسي البرازيل والولايات المتحدة الأمريكية، فإن معظم قادة دول العالم خَلُصُوا إلى أنّ التغيّر المناخي حقيقة واقعة، وأن مصادر الطاقة الكربونية هي المتهم الأول. حتى إذا لانت قبضة الجائحة، فإن استخدام النفط سيستمرّ في الانخفاض.

كشف الفيروس عن نقاط الضعف لدى الأقوياء. الولايات المتحدة الأميركية؛ أكبر اقتصاد وقوة عسكرية في العالم، انهارت ببساطة أمام كوفيد-19. يشكّل تعداد سكّان أميركا 4% من إجمالي سكّان العالم، وكانت حصّة الولايات المتحدة من الوفيات بسبب الجائحة 22% من إجمالي الوفيات حول العالم.

الولايات المتحدة ليست وحيدة في مأزقها، إذ تكبّدت المملكة المتحدة ما يزيد عن 40 ألف حالة وفاة، كما تقلّص اقتصادها بمقدار 8%. على النقيض، تكبّدت بنغلادش، الدولة الأكثر اكتظاظًا في العالم، والتي يصل تعداد سكّانها إلى ضعف سكّان بريطانيا، نحو 4 آلاف حالة وفاة وتقلّص اقتصادها بمقدار 1.9% فقط.

«أطاح كوفيد-19 بأسطورة التنافسية بين عالم «أول» و«ثالث»»، يقول ستيفن فريدمان، مدير مركز دراسات الديمقراطية في جوهانسبيرغ. تمتلك تركيا، وفيتنام، وكوبا، ونيجيريا، سجلًّا أفضل في مكافحة الفيروس مقارنة ببريطانيا والاتحاد الأوروبي.

أثبت النموذج النيوليبرالي المتمثّل في الضرائب المنخفضة، وخصخصة الموارد العامة، والاعتماد على السوق الحر، فشله في مواجهة كارثة طبيعية.

يعود ذلك جزئيًّا إلى أنّ معدلات أعمار السكّان في أوروبا مرتفعة، وتصل إلى 43 عامًا، بينما معدّل الأعمار في أفريقيا 19 عامًا. مصابو فيروس كورونا الشباب، عمومًا، يواجهون مخاطر أقل مقارنة بكبار السن، إلا أن العمر وحده لا يفسّر الفارق في التأثّر بين القارتين.

بينما طوّرت تركيا وسائل تتبّع عالية الطراز لمراقبة الحصبة، كما فعلت نيجيريا الأمر نفسه مع الإيبولا، عملت أميركا والمملكة المتحدة على إفقار، أو تفكيك، برامج الصحة العامة. فبدلًا من العمل على إنتاج وتخزين الإمدادات اللازمة للتعامل مع الجائحة، اعتمدت أوروبا والولايات المتحدة على دول مثل الصين لكي تورّد أشياء مثل وسائل الحماية الفردية «عند الحاجة»، لأن تكلفة هذه الممارسة أقل من بناء أو شراء المخازن وخدمات الصيانة.

لكنّ خيار «عند الحاجة» غير متوفر أثناء جائحة عالمية. لدى الصين أزمتها الصحية التي عليها التعامل معها. الوقت الفاصل بين ظهور الفيروس واستقدام المعدّات اللازمة لمواجهته هو المسبّب المباشر لموجة الوفيات بين العاملين في القطاع الصحي وأوائل المصابين.

وبينما يتعافى الاقتصاد الصيني بما يكفي لرفع أسعار النفط قليلًا، تغرق أميركا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي في كساد يبدو أنه سيكون أليمًا.

أثبت النموذج النيوليبرالي المتمثّل في الضرائب المنخفضة، وخصخصة الموارد العامة، والاعتماد على السوق الحر، فشله في مواجهة كارثة طبيعية. لن يُفلح الثراء في تحقيق نتائج إيجابية إلا إذا استُثمر في مصلحة العامة لا الخاصة.

لقد دمّر طاعون جستنيان الإمبراطورية الرومانية. وإن كان من غير المرجّح أن تؤدي الجائحة إلى نفس النتيجة في الولايات المتحدة، إلا أنها كشفت عن نقاط الضعف والفجوات البنيوية التي يخفيها الثراء. تبقى نقاط الضعف مخفية حتى يأتي شيء مثل كوفيد-19 ليهُزّ ما تبقّى من ورق على شجرة النظام الاقتصادي العارية.


* كون هالينان هو كاتب عمود في فورين بوليسي إن فوكس، حاصل على دكتوراه في الأنثروبولوجيا من جامعة كاليفورنيا، بيركلي. أشرف على برنامج الصحافة في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز لمدة 23 عامًا، وفاز بجائزة التدريس المتميز من اتحاد خريجي جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، بالإضافة إلى جائزة الابتكارات في التدريس من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وجائزة التميز في التدريس. كما شغل منصب عميد في جامعة كاليفورنيا، وتقاعد في عام 2004. وفاز هالينان بجائزة مؤسسة Project Censored لـ«الأخبار الحقيقية»، ويعيش في بيركلي، كاليفورنيا.