الوباء كبوابة عبور

الجمعة 10 نيسان 2020
فيروس كورونا في الهند
صورة التقطت يوم 27 آذار 2020 لعمّال مهاجرين في الهند يسيرون نحو قراهم بعد الإغلاق التام الذي فرضته الحكومة لمواجهة فيروس كورونا المستجد. تصوير موني شارما، أ.ف.ب.

نشر هذا المقال في صحيفة الفاينانشال تايمز في 3 نيسان 2020.

من يستطيع استعمال مصطلح «انتشر بشكل فيروسي» (على نطاق واسع) اليوم دون أن يرتعد قليلًا؟ من يستطيع أن ينظر إلى أي شيء بعد الآن -أكان مقبض باب، أم صندوقًا من الورق المقوى، أم كيس خضراوات- دون أن يتخيله يعجّ بتلك البقع غير المرئية وغير الحية وغير الميتة، المكسوة بأذرع ماصَّة تنتظر الالتصاق برئاتنا؟

من يستطيع أن يفكر بتقبيل غريب، أو بالقفز على متن حافلة، أو بإرسال أطفاله إلى المدرسة، دون أن يداهمه خوف حقيقي؟ من يستطيع أن يفكِّر بمتعة عادية دون تقييم خطرها؟ من منَّا لم يتحول إلى عالم أوبئة، واختصاصي فيروسات، وإحصائي، ونبي؟ أيُّ عالم أو طبيب لا يصلي في الخفاء طلبًا لمعجزة؟ أيُّ كاهن لا يخضع للعلم، على الأقل في السِّر؟

وحتى في ظل تكاثر الفيروس، من بوسعه ألا يفتتن بانتعاش تغريد العصافير في المدن، بالطواويس الراقصة عند تقاطعات حركة السير، وبالصَّمت المطبق على السماوات؟

زاد عدد الإصابات في جميع أنحاء العالم هذا الأسبوع عن المليون. فارق أكثر من 50 ألف شخص الحياة حتى الآن فحسب. تشير التوقعات إلى أن ذلك العدد سوف يتضخم إلى مئات الآلاف، ربما أكثر. فقد انتقل الفيروس بحريّة على امتداد طرق التجارة ورأس المال العالمي، والمرض المريع الذي جلبه في أعقابه حَبَسَ البشر في بلدانهم ومدنهم وبيوتهم.

لكن بخلاف تدفق رأس المال، يسعى الفيروس للتكاثر، لا للربح، لذا فقد عكسَ إلى حدِّ ما، وعن غير قصد، اتجاهَ التَّدفق. إنه يسخر من شرطة الهجرة، والإحصائيات البيولوجية، والرقابة الرقمية وكل نوع آخر من تحليلات البيانات. وضرب أقسى ضرباته -حتى الآن- في أغنى الأمم وأشدها بأسًا في العالم، مما أدى إلى توقف مفاجئ في محرك الرأسمالية، ربما مؤقتًا، لكن على الأقل لوقت يكفي كي نتفحص أجزاء هذا المحرك، ونقيّمه ونقرر ما إذا كنا نرغب في المساعدة في إصلاحه، أو في البحث عن محرك أفضل.

كبار البيروقراطيين الذين يديرون هذا الوباء مولعون بالحديث عن الحرب، بل أنهم لا يستعملون الكلمة كمجاز، بل بمعناها الحرفي. لكن إن كانت حربًا بالفعل، فمن يمكنه أن يكون أشد استعدادًا لها من الولايات المتحدة؟ لو لم يحْتَج جنودها الموجودون على خط النار الأقنعة والقفازات، بل البنادق والقنابل الذكية والذخائر الخارقة للملاجئ والغواصات والطائرات النفاثة المقاتلة والقنابل النووية، هل كنا سنرى عجزًا؟

المأساة آنية وحقيقية وملحمية، وهي تتكشف أمام أعيننا، لكنها ليست حديثة؛ إنها حطام قطارٍ يتمايل على السِّكة منذ سنوات.

ليلة بعد ليلة، من الجانب الآخر للعالم، يشاهد البعض منا الإيجازات الصَّحفية لحاكم نيويورك بدهشة يصعب شرحها. نتابع الإحصائيات، ونسمع القصص عن المستشفيات المُثقلة في الولايات المتحدة، وعن ذوي الأجور المنخفضة، وعن الممرضات والممرضين المنهكين وقد اضطروا أن يصنعوا ألبسة من أكياس النفايات والمشمّعات القديمة، مجازفين بكل شيء لإغاثة المرضى. نقرأ عن ولايات اضطرت لمنافسة بعضها البعض على أجهزة التنفس الاصطناعي، وعن المعضلات التي تواجه الأطباء بشأن من ينبغي أن يوضع على جهاز، ومن سيُترك ليموت. ونفكر بيننا وبين أنفسنا: «يا إلهي! هذه أمريكا!».

المأساة آنية وحقيقية وملحمية، وهي تتكشف أمام أعيننا، لكنها ليست حديثة؛ إنها حطام قطارٍ يتمايل على السِّكة منذ سنوات. من منا لا يتذكر فيديوهات «التخلص من المرضى»، حيث نرى مرضى ما زالوا في ثياب المستشفى، بمؤخراتهم العارية، وهم يُلقَون سرًا في الشارع؟ إن أبواب المستشفيات في الولايات المتحدة كثيرًا ما كانت مغلقة في وجه المواطنين الأقل حظًا، بغض النظر عن مدى تفاقم مرضهم أو معاناتهم.

هذا حتى الآن، على الأقل. فاليوم، في عصر الفيروس، يمكن لمرض إنسان فقيرٍ أن يؤثر على صحة المجتمع الغني. ورغم ذلك، حتى في هذه اللحظة، ما يزال بيرني ساندرز، السيناتور الذي قاتل بشراسة من أجل الرعاية الصحية للجميع، يعتبر ناشزًا في سعيه للبيت الأبيض، حتى من قبل حزبه.

وماذا عن بلدي، بلدي الفقير/الغني، الهند، المعلقة في مكان ما بين الإقطاع والأصولية الدينية، بين الطائفية والرأسمالية، التي يحكمها قوميون هندوس متطرفون؟

في كانون الأول، بينما كانت الصِّين تكافح تفشي الفيروس في ووهان، كانت حكومة الهند تتعامل مع انتفاضة جماهيرية لمئات الآلاف من مواطنيها المحتجين على قانون الجنسية، الذي يميز ضد المسلمين بوقاحة، والذي مُرر قُبيلها في مجلس النواب.

أُبلغ عن أول إصابة بـ«كوفيد-19» في الهند في الثلاثين من كانون الثاني، بعد أيام فقط من مغادرة ضيفنا الأبرز في استعراض عيد الجمهورية، ملتهم غابات الأمازون ومنكر كوفيد-19، فخامة جايير بولسونارو. لكن كان هناك الكثير مما يجب القيام به في شباط، فلم يتسع الوقت لوضع الفيروس على جدول مواعيد الحزب الحاكم. فقد جاءت الزيارة الرسمية للرئيس دونالد ترمب في الأسبوع الأخير من الشَّهر، بعدما استُدرج بوعود بحشد جمهور مؤلف من مليون شخص في الملعب الرياضي في ولاية غوجارات لاستقباله. كل ذلك استلزم نقودًا، وقدرًا كبيرًا من الوقت.

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في حفل استقبال لترمب، يوم 24 شباط 2020. تصوير ماندل نجان – أ.ف.ب .

ثم جاءت انتخابات مجلس دلهي، التي كان مرجحًا أن يخسرها حزب بهاراتيا جاناتا إلا إذا بذل جهدًا مضاعفًا، وهذا ما فعله، مطلقًا العنان لحملة هندو-قومية شرسة ومستبيحة، طفحت بالتهديدات بالعنف الجسدي وإطلاق النار على «الخونة».

مع هذا، خسر الحزب. عندها كان هناك عقاب يجب أن يُكال لمسلمي دلهي، الذين حُمّلوا مسؤولية الإهانة. هاجم أوباش مسلحون من الهندوس، بدعم من الشرطة، المسلمين في أحياء الطبقات الكادحة في شمال شرق دلهي. أُحرقت منازل ومتاجر ومساجد ومدارس. تصدى المسلمون للهجوم، الذي كانوا يتوقعونه. قتل أكثر من 50 شخصًا، من المسلمين وبعض الهندوس.

انتقل الآلاف إلى مخيمات لجوء في المقابر المحلية. كانت الجثث المشوهة لا تزال تنتشل من شبكة المصارف القذرة النتنة الرائحة عندما عقد مسؤولو الحكومة اجتماعهم الأول حول كوفيد-19 وبدأ معظم الهنود يسمعون لأول مرة عن وجود شيء ما يدعى بمطهر الأيدي.

كان شهر آذار حافلًا أيضًا. كُرِّس أول أسبوعين للإطاحة بحكومة حزب الكونجرس في ولاية ماديا براديش الهندية المركزية وتنصيب حكومة حزب بهاراتيا جاناتا في مكانها. في الحادي عشر من آذار أعلنت منظمة الصِّحة العالمية أن كوفيد-19 بات جائحة. بعد يومين، في الثالث عشر من آذار، قالت وزارة الصِّحة إن كورونا لا يشكل «حالة طارئة صحيَّة».

أخيرًا في التاسع عشر من آذار، خاطب رئيس الوزراء الهندي الأمَّة. لم يكن قد أجرى البحث والتحضير اللازمين. استعار من إجراءات فرنسا وإيطاليا. أخبرنا عن الحاجة إلى «التباعد الاجتماعي» (الذي يسهل فهمه بالنسبة مجتمع منغمس للغاية في نظام الطبقات) ودعا إلى يوم من «حظر تجوال شعبي» في الثاني والعشرين من آذار. لم ينبس بكلمة عما ستفعله حكومته في الأزمة، لكنه طلب من الناس أن يخرجوا إلى شرفاتهم، ويرنوا أجراسًا ويدقوا على مقاليهم وقدورهم لتحية العاملين في القطاع الصِّحي.

لم يأت على ذكر أن الهند، حتى تلك اللحظة، كانت تصدّر معدّات الحماية والأجهزة التنفسية بدلًا من الإبقاء عليها للعاملين في قطاع الصحة والمستشفيات الهندية.

لم يكن مفاجئًا أن طلب ناريندرا مودي قوبل بحماس شديد. كان هناك مسيرات تدق على القدور، جماهير ترقص، ومواكب. ولم يكن هناك تباعد اجتماعي. في الأيام التي تلت، قفز الرجال في براميل روث الأبقار المقدسة، وأقام مؤيدو حزب بهاراتيا جاناتا حفلات شرب بول الأبقار. وحتى لا يُتَفوق عليها، أعلنت الكثير من المنظمات الإسلامية أن الله القادر على كل شيء هو الجواب على الفيروس ودعت المؤمنين للاجتماع في المساجد بأعداد كبيرة.

في الرابع والعشرين من آذار في السَّاعة الثامنة مساء، ظهر مودي على شاشة التلفزيون ثانية ليعلن أنه من منتصف الليل فصاعدًا، ستخضع الهند بكاملها لإغلاق تام. سوف تغلق الأسواق وتُحظر جميع وسائل النقل، العامة والخاصة منها.

قال إنه يتخذ هذا القرار ليس فقط كرئيس للوزراء، لكن ككبير عائلتنا. من سواه يمكن أن يقرر، دون استشارة حكومات الولايات التي يتوجب عليها التعامل مع تداعيات هذا القرار، أن دولة يبلغ عدد سكانها 1.38 مليار نسمة ستغلق تمامًا دون أي استعداد مسبق وبمهلة مدتها أربع ساعات فقط؟ من المؤكد أن أساليبه تعطي الانطباع بأن رئيس وزراء الهند يرى المواطنين على أنهم قوة عدائية يجب ترصُّدها وأخذها على حين غرَّة، ولا يجب الوثوق بها أبدًا.

خضعنا للإغلاق. أثنى الكثير من المتخصصين في مجال الصِّحة والوبائيات على هذه الخطوة. ربما هم على حق نظريًا. لكن بالتأكيد ما من واحد منهم يمكن أن يؤيد النقص المفجع في التخطيط أو الاستعداد الذي حوّل أكبر وأقسى إغلاق في العالم إلى العكس تمامًا من الغاية المفترض أن يحققها.

خلق الرجل الذي يحب الاستعراضات استعراضًا يتفوق عليها كلها.

في مشهد روّع العالم، كشفت الهند عن نفسها بكل ما فيها من خزي- بوحشية عدم مساواتها البنيوية، اجتماعيًا واقتصاديًا، ولا مبالاتها القاسية تجاه المعاناة.

بدأت بلداتنا ومدننا الضخمة تقذف مواطنيها من الطبقة الكادحة -عمالها المهاجرين- كما لو أنهم تراكمات فائضة غير مرغوب بها.

عمل الإغلاق التام كتجربة كيميائية أنارت فجأة أشياء مخفية. عندما أُغلقت المتاجر والمطاعم والمصانع وصناعة البناء، وعندما انغلقت الطبقات الغنية والمتوسطة على نفسها في مستوطنات مسوّرة، بدأت بلداتنا ومدننا الضخمة تقذف مواطنيها من الطبقة الكادحة -عمالها المهاجرين- كما لو أنهم تراكمات فائضة غير مرغوب بها.

عندما طردهم أرباب عملهم وأصحاب منازلهم، وفي غياب وسائل مواصلات عامّة، بدأ ملايين من المفقَرين والجائعين والعطشى، شبان ومسنون، رجال ونساء وأطفال، مرضى ومكفوفون وذوو إعاقة، ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه، بدؤوا بمسيرة طويلة باتجاه قراهم. مشوا لأيام، نحو بادون، آغرا، أزامغار، آليغار، لوكناو، غوراكبور- والتي تبعد مئات الكيلومترات. البعض مات على الطريق.

عرفوا أنهم كانوا ذاهبين إلى البيت إلى مجاعة بطيئة محتملة. ربما عرفوا حتى أنهم قد يكونوا حاملين للفيروس معهم، وقد ينقلوا العدوى إلى عائلاتهم، آبائهم وأجدادهم في البيت، لكنهم كانوا بحاجة ماسّة لذرّة من الألفة، الملاذ والكرامة، إضافة إلى الطعام، إن لم يكن الحب.

أثناء مسيرهم، تعرّض بعضهم للضرب المبرح والمهين من قبل رجال الشرطة، الذين أنيط بهم فرض حظر التجول بصرامة. أُرغم شبان على جلوس القرفصاء والقفز كالضفادع على الطريق السريع. خارج بلدة باريلي، تم حشد إحدى المجموعات ورشّها برذاذ كيماوي.

بعد بضعة أيام، قلقت الحكومة من أن السكان الفارّين قد ينشرون الفيروس في القرى، فأغلقت حدود الولايات حتى أمام المشاة. أوقف الناس الذين كانوا يسيرون لأيام وأجبروا على العودة إلى مخيمات في المدن التي كانوا قد أرغموا للتو على مغادرتها.

أثار ذلك بين الأشخاص المسنين ذكريات عملية نقل السكان عام 1947 عندما قسمت الهند ونشأت الباكستان. لكن هذه الهجرة الراهنة لم تكن نتيجة انقسامات دينية وإنّما طبقية. ومع ذلك، فإن هؤلاء العائدين إلى قراهم ليسوا الأكثر فقرًا في الهند. هؤلاء أشخاص لديهم عمل في المدينة (على الأقل حتى الآن) ولديهم بيوت يعودون إليها. بقي العاطلون عن العمل والمشردون واليائسون في مكانهم، في المدن كما في الأرياف، حيث كان ضيق عميق يتنامى قبل حدوث هذه المأساة بوقت طويل. طوال هذه الأيام الرهيبة، ظل وزير الشؤون الداخلية اميت شاه غائبًا عن أنظار العامة.

عندما بدأ المسير في دلهي، استعملتُ تصريحًا صحفيًا كنت قد حصلت عليه من مجلة أكتب لها بين الحين والآخر لأقود سيارتي إلى غازيبور، على الحدود بين دلهي وولاية أوتار براديش.

كان المشهد توراتيًا. أو ربما لم يكن. من المستحيل أن يكون الكتاب المقدّس قد شهد أعدادًا كهذه. أدّى الإغلاق بهدف فرض التباعد الجسدي إلى نتيجة عكسية، ضغط جسدي بدرجة لا يمكن تصوّرها. ينطبق هذا حتى داخل مدن الهند وبلداتها. قد تكون الطرقات الرئيسية فارغة، لكن الفقراء محتجزون في مساكن ضيقة في العشوائيات ومدن الصفيح.

كل من تحدثت إليهم من السائرين كانوا قلقين بشأن الفيروس. لكن هذا القلق كان أقل واقعية، وأقل حضورًا في حياتهم ممّا يلوح في الأفق من البطالة والجوع وعنف الشُّرطة. من بين جميع الناس الذين تحدثت إليهم ذلك اليوم، بمن فيهم مجموعة من الخياطين المسلمين الذين نجوا منذ أسابيع فقط من الهجمات المعادية للمسلمين، كدّرتني كلمات أحد الرجال بشكل خاص. كان نجارًا يدعى رامجيت، ينوي السير لغاية جوراخبور قرب الحدود مع نيبال.

قال: «ربما عندما قرر موديجي أن يفعل هذا، لم يخبره أحد عنا. ربما لا يعرف بشأننا».

«عنّا» تعني 460 مليون نسمة تقريبًا.

أظهرت حكومات الولايات في الهند (كما في الولايات المتحدة) تعاطفًا وتفهمًا أكبر في الأزمة. وزّعت نقابات عمالية ومواطنون عاديون وجماعات أخرى الطعام ومؤن الإعاشة. كانت الحكومة المركزية بطيئة في الاستجابة لمناشدتهم اليائسة من أجل التمويل. تبيّن أن صندوق الإغاثة الوطني التابع لرئيس الوزراء لا يملك سيولة مالية متاحة. بدلًا من ذلك، ينهمر المال من حسني النيّة إلى صندوق جديد وغامض نوعًا ما باسم «رئيس الوزراء يهتم». وبدأت تظهر وجبات مغلّفة مسبقًا عليها وجه مودي.

بالإضافة إلى هذا، شارك رئيس الوزراء مقاطع فيديو لممارسته «يوغا نيدرا» (يوغا النوم)، يظهر فيها مودي متحوّلًا ومفعمًا بالحيوية، بجسد مثالي، يستعرض وضعيات اليوغا لمساعدة الناس على التعامل مع ضغوط العزلة الذاتية.

هذه النرجسية مقلقة للغاية. من الممكن أن تكون واحدة من وضعيات اليوغا هي وضعية الطلب، وفيها يطلب مودي من رئيس الوزراء الفرنسي أن يسمح لنا بالتراجع عن الصفقة الإشكالية لشراء طائرات رافال المقاتلة، حتى نستخدم مبلغ الـ 7.8 مليار يورو المخصص لها للإجراءات الطارئة التي نحن بأمس الحاجة لها، لدعم بضعة ملايين من الشعب الجائع. لا شك أن الفرنسيين سوف يتفهمون.

مع دخول الإغلاق أسبوعه الثَّاني، تعطلت سلاسل التوريد، وبدأت أدوية ومؤن أساسية بالنفاذ. لا يزال آلاف من سائقي الشَّاحنات متروكين على الطرقات السَّريعة، وبالكاد معهم طعام وماء. وتقف محاصيل جاهزة لتحصد، تتعفن ببطء.

الأزمة الاقتصادية هنا. الأزمة السياسية على قدم وساق. دمجت وسائل الإعلام السائدة قصَّة الكوفيد في حملتها السَّامة المعادية للمسلمين على مدار الساعة. حوّلت هذه الحملات منظمة تدعى جماعة التبليغ، كان قد عقدت اجتماعًا في دلهي قبل إعلان الإغلاق، إلى «ناشر فائق [للفيروس]». واستخدم هذا لشيطنة المسلمين ووصمهم. يوحي الخطاب العام بأن المسلمين ابتكروا الفيروس ونشروه عمدًا كنوع من الجهاد.

أزمة الكوفيد لم تصل بعد. أو ربما لا. لا نعرف. إذا أتت وعندما تأتي، يمكن أن نكون على ثقة من أنه سوف يتم التعامل معها بوجود الانحيازات المهيمنة للدين والطائفة والطبقة، راسخة في مكانها.

اليوم (الثاني من نيسان) في الهند، هناك ما يقارب 2000 حالة مؤكدة و58 حالة وفاة. هذه بالتأكيد أرقام غير موثوقة، تعتمد على عدد اختبارات غير كافٍ على الإطلاق. تختلف آراء الخبراء بشكل كبير. يتكهَّن البعض بملايين الإصابات. آخرون يعتقدون بأن حصيلة الفيروس ستكون أقل بكثير. قد لا نعرف أبدًا الحدود الحقيقية للأزمة، حتى عندما تضربنا. كل ما نعرفه هو أن الضغط على المستشفيات لم يبدأ بعد.

مستشفيات الهند وعياداتها العامَّة، العاجزة عن التعامل مع ما يقارب مليون طفل يموتون من الإسهال وسوء التغذية ومشاكل صحية أخرى سنويًا، إضافة إلى مئات الآلاف من مرضى التدرن الرئوي (السل) والتي تشكل ربع عدد الحالات في العالم، مع عدد كبير من المصابين بفقر الدم وسوء التغذية ما يجعلهم عرضة لعدد من الأمراض الثانوية التي تودي بحياتهم، هذه المستشفيات والعيادات لن تتمكن من مجابهة أزمة مثل تلك التي تمر بها أوروبا والولايات المتحدة اليوم.

جميع الخدمات الصحية تقريبًا متوقِّفة، حيث تحوّلت المستشفيات لمواجهة الفيروس. أغلق مركز الصَّدمة التابع لمعهد «كل الهند للعلوم الطبية» الأسطوري في دلهي، وطُرد المئات من مرضى السرطان، المعروفين بلاجئي السرطان لأنهم يعيشون على الطرقات خارج ذلك المستشفى الهائل، مثل الماشية.

سوف يمرض الناس ويموتون في البيت. قد لا نسمع قصصهم قط. قد لا يتحولوا حتى لإحصائيات. يمكننا فقط أن نأمل بأن تصدق الدراسات التي تقول إن الفيروس يحب الطقس البارد (ولو أن باحثين آخرين قد شككوا بهذا). لم يسبق قط أن تاق شعب لصيف الهند الحارق والقاسي لهذه الدرجة وبهذا القدر من اللاعقلانية.

ما هذا الشيء الذي حل بنا؟ إنه فيروس، نعم. لا ينطوي في ذاته ومنها على عبرة أو خلاصة أخلاقية. لكنه بالتأكيد أكثر من فيروس. يؤمن البعض بأنه سبيل الله لكي يحملنا على أن نثوب إلى رشدنا. آخرون يؤمنون بأنه مؤامرة صينية للسيطرة على العالم.

أيًّا يكن، الفيروس التاجي «كورونا» ركَّع القوي وأرغم العالم على التوقف كما لم يستطع أي شيء آخر. لا تزال عقولنا تعدو جيئة وذهابًا، تتوق إلى عودة إلى «الوضع الطبيعي»، تحاول أن تخيط مستقبلنا مع ماضينا وترفض أن تعترف بالتمزق. لكن التمزق موجود، وهو يقدّم لنا في وسط هذا اليأس الرهيب فرصة لإعادة التفكير بآلة الدينونة التي بنيناها لأنفسنا. لا شيء يمكن أن يكون أسوأ من العودة إلى الوضع الطبيعي.

تاريخيًا، أجبرت الأوبئة البشر على الانفصال عن الماضي وتخيل عالمهم من جديد. هذا الوباء ليس مختلفًا. إنه بوابة عبور، مدخل بين عالم والعالم الذي يليه.

يمكننا أن نختار السير عبره، مجرجرين جثث تحاملنا وبغضائنا، بخلنا، بنوك معلوماتنا وأفكارنا الميتة، أنهارنا الملوثة وسماؤنا الدُّخانية خلفنا. أو يمكننا أن نسير عبره بخفَّة، بمتاع قليل، مستعدين لتخيل عالم آخر. ومستعدين للقتال من أجله.