الوثيقة السياسية الجديدة للإخوان المسلمين: صراع المحافظية والإصلاحية

الأربعاء 03 تموز 2019
من مظاهرة الإخوان المسلمين ضد ورشة البحرين وصفقة القرن، 21 حزيران 2019. خليل مزرعاوي، أ ف ب.

في 17 حزيران الماضي، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين «الوثيقة السياسية للحركة الإسلامية في الأردن»، التي يبدو أنها حاولت من خلالها إعادة تعريف نفسها، لكنها بدلًا من ذلك عكست المأزق التاريخي للجماعة عمومًا، منذ إنشائها في مصر عام 1928، وإنشاء فرعها الأردني عام 1945. كما تعكس الوثيقة طبيعة النزاع والصراع العميق بين النزعة المحافظية والنزعة الإصلاحية كمكوّنات تاريخية مؤسسة لهوية الجماعة، إذ تخترق ثيمة الهوية وموضوعة التعددية مفاصل خطاب الوثيقة.

تحاول الوثيقة التوفيق دون جدوى بين رؤى متضاربة ومتناقضة أحيانًا، وتتجنب المسائل والقضايا الحيوية والحساسة وفي مقدمتها علاقة الديني بالسياسي، فخطاب المحافظين ينزع إلى مخاطبة الأنا التنظيمية المكوّنة لسلطة الجماعة وإلى طمأنة قواعدها بتمسّكها بالمبادئ التي وضعها المؤسس حسن البنا، بينما يتجه خطاب الإصلاحيين نحو الآخر ممثلًا بسلطة الدولة الليبرالية الديمقراطية المفترضة، الأمر الذي جعل الوثيقة السياسية تنطوي على حالة من الالتباس حينا وتقع في التناقض أحيانًا أخرى. هذا الالتباس الذي طبع الوثيقة جعلها أقرب إلى مدونة أخلاقية للسلوك السياسي منها للوثيقة السياسية.

تتكون الوثيقة من مقدمة وست مواد، وهي أولًا الدوافع والمبررات، وثانيًا المنطلقات، وثالثًا المصالح الوطنية العليا في رؤية الحركة، ورابعًا الأهداف السياسية العامة للحركة، وخامسًا مبادئ وتوجهات سياسية عامة، وتتضمن مسائل مثل العدل والحرية، والتعددية والتنوع، والمشاركة السياسية والشعبية، والمعارضة السياسية، والعنف والتطرّف والإرهاب، وحق مقاومة الاحتلال، وسادسًا العلاقات السياسية.

في سياق خطاب قواعد الجماعة تصر الوثيقة على أنها تمثّل «الحركة الإسلامية في الأردن»، وهو تعبير يقصد به جماعة الإخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي (الذراع السياسي للجماعة)، لكنه يعبّر بوضوح عن نزعة تاريخية إقصائية تحتكر تمثيل صفة «الإسلامية» رغم وجود جماعات وأحزاب وتيارات تنعت نفسها بالإسلامية، ومن ضمنها أحزاب خرجت من رحم الجماعة مثل حزب الوسط الإسلامي.

كما تؤكد الوثيقة، في سياق خطاب القواعد على السلطة المرجعية التاريخية للجماعة ممثلة بتراث حسن البنا، لكنها تستجيب في الوقت نفسه لخطاب الإصلاح، دون تبيان الحد الفاصل عند النزاع والخلاف، الأمر الذي خلق نصًا ملتبسًا يقول: «تنطلق الحركة الإسلامية في مواقفها وتوجهاتها من رسالة الإسلام العظيم، ومن أدبياتها المستمدّة من الفكر الإسلامي، ومن إرثها ورصيدها الثري وما أنتجه مؤسسوها وروادها في مجال العطاء والفكر والممارسة السياسية والاجتماعية والثقافية والتنموية والتربوية والدعوية، وبخاصة فكر الأستاذ حسن البنّا». وفي نص أكثر تناقضًا وأشد التباسًا حول الأهداف السياسية العامّة للحركة، تقول الوثيقة: «تسعى الحركة الإسلامية في الأردن، بالتعاون مع المجموع الوطني، إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية التي تسهم في خدمة الوطن ونهوضه وتقدمه، ومن أبرزها: نشر الفكرة الإسلامية، وتعميق الوعي الفكري والسياسي، وصولًا إلى استئناف الحياة الإسلامية». ومن البداهة أن ما أطلقت عليه الوثيقة «المجموع الوطني» لا يشترك بالضرورة مع الفكرة الإسلامية فضلًا عن استئناف الحياة الإسلامية، بل ثمة توجهات وأحزاب من «المجموع الوطني» تستند أيديولوجيّته وبرامجه على تحقيق رؤية مناقضة تمامًا.

على الجانب الآخر من خطاب الوثيقة السياسية، تؤكد الجماعة على الالتزام بأسس وقواعد الدولة الوطنية واحترام الدستور، واللعبة الديمقراطية، ومبادئ الليبرالية كالحقوق والحريات، وتمكين المرأة والشباب، وهو خطاب لطالما شدّد عليه التيار الإصلاحي، الذي يسعى إلى طمأنة النظام السياسي.

المحافظون والإصلاحيون داخل الجماعة، فجوة تتّسع

لم تفلح الوثيقة السياسية في جسر الفجوة بين أنصار المحافظية والإصلاحية، وهي فجوة تتسع في إطار سوسيولوجيا التحول من جماعة إحيائية إلى حركة سياسية. تطورت النزاعات الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن منذ دخول الأردن مسارات التحول الديمقراطي عقب نهاية الحرب الباردة 1989، حيث أفضت ديناميكية تسييس الجماعة إلى ظهور تيار «أردنة الجماعة» في منتصف التسعينيات مع بروز تيار «الوسط الذهبي». وأصبحت مفردة «الأجندة الوطنية» جزءًا من النقاش وأساسًا لعمليات الفرز والاستقطاب مع تيار «عالمية الجماعة» وخصوصية القضية الفلسطينية داخل جماعة الإخوان. وقد آثر بعض رموز تيار الوسط آنذاك الانسحاب من الجماعة بهدوء، كما أن الدخول في العمل السياسي في بيئة سياسية شبه سلطوية دفع جماعة الإخوان المسلمين إلى حالة من القلق والتوتر الداخلي والانقسام والصراع على هوية الجماعة، فسياسات النظام تطالبها بمزيد من المشاركة السياسية وعدم المقاطعة، إلّا أنها لا تضمن إجراءات نزيهة في الوصول إلى نتائج ديمقراطية.

لذلك، يتعالى الجدل دومًا بين المحافظين والإصلاحيين حول جدوى المشاركة في العملية السياسية. فالجماعة تسعى إلى الحصول على فوائد غير مؤكدة، عبر القيام بتغيرات غير مؤكدة. وهي بهذا تعيد تشكيل منظمتها وتقولب أيديولوجيّتها بحذر شديد، وتتأرجح بين الأيديولوجية والبراغماتية. ذلك أن «التسييس» يفرض على الجماعة الدخول في تكيّفات ضرورية للانخراط في العملية السياسية، وكلما تغلغلت في العمل السياسي وجدت نفسها تبتعد عن النظر الأيديولوجي، وتنساق إلى تعديل مواقفها وخطاباتها.

أفضت المقاربة الأردنية في التعامل مع الجماعة إلى توسيع الفجوة بين المحافظين والإصلاحيين، عبر سلسلة من الإجراءات السياسية والقانونية، لخلق حالة من الفرز والاستقطاب.

تجعل المراوحة بين النزعتين الإيديولوجية والبراغماتية، التي تطبع سلوك المحافظين والإصلاحيين، الاستجابة السياسية للجماعة بطيئة ومترددة ومتأخرة، وتخرج بمراجعات توفيقية حذرة وملتبسة. فمثلًا، عقب أحداث 11 أيلول 2001، استغرقت الجماعة قرابة الخمس سنوات لإدراك المتغيرات وتقديم رؤية جديدة، وهو ما قاد إلى انشقاق مجموعة أسست حزب الوسط الإسلامي. ولم تُقدم الجماعة على إنجاز مراجعة إلا بعد أن استُدخلت الجماعة في بنية الدولة الوطنية على أجندة مكافحة «الإرهاب»، من خلال النظر للجماعة كجدار وقاية ضد تطرف وعنف الجماعات الجهادية، واعتماد نظرية مشمولية الاعتدال ومنظورات إدماج الإسلام السياسي. حيث أصدرت الجماعة الأم في مصر رؤيتها الإصلاحية عام 2004، ثم تبعتها الجماعة في الأردن بإصدار رؤيتها الخاصة للإصلاح، التي صدرت في تشرين الأول 2005، ونُشرت تحت عنوان «رؤية الحركة الإسلامية للإصلاح في الأردن»، وهي تكاد تكون مستنسخة عن المبادرة الإخوانية المصرية. وتتكون «الرؤية» من سبعة عشر فصلًا، تتوزع على مسائل وقضايا متنوعة شملت السياسة الداخلية الخاصة بالإصلاح السياسي، وقضايا التربية والتعليم، والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، ومسألة الوحدة الوطنية، وخصصت الفصول الثلاثة الأخيرة للقضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية، وخصوصًا القضية الفلسطينية، والقضية العراقية، وقضية الوحدة العربية والإسلامية.

لقد بدا واضحًا أن «الرؤية» كما هي «الوثيقة» تتوافر على نزعة براغماتية سياسية في مجال الإصلاح السياسي المتعلق بالقضايا الداخلية. فقد أكّدت الرؤية على الدعوة لإجراء إصلاحات سياسية هيكلية تقوم على تداول السلطة وإقرار المحكمة الدستورية والفصل بين السلطات وتفعيل النص الدستوري بأنّ نظام الحكم نيابي ملكي وراثي. وفي إطار المصالح الوطنية العليا دعت إلى «اعتماد مبادئ الديموقراطية والشورى وأدواتها بما فيها الاحتكام إلى صناديق الاقتراع وفق قانون عادل وإجراءات سليمة، والتداول السلمي للسلطة التنفيذية نهجًا ثابتًا في الحياة السياسية». وفي مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان أكّدت على «صون الحريات العامة كحق الاجتماع، وحرية التعبير، والتظاهر السلمي، وضمان حرية الاعتقاد وإقامة الشعائر الدينية لكافة المواطنين، والحفاظ على الحريات الخاصة للمواطن».

لم تختلف استجابة الإخوان في الأردن عن سابقتها، فقد جاءت «الوثيقة السياسية» بعد قرابة ست سنوات من الإطاحة بحكم الإخوان في مصر بانقلاب عسكري في 3 تموز 2013، وسط حالة ذهول أمام تبدل الرؤية الأمريكية والإقليمية والمحلية تجاه الجماعة، حيث أعيد تعريف الجماعة كحزام ناقل للتطرف، وليس كجدار حماية، فيما ذهبت دول إقليمية رئيسية كمصر والسعودية إلى تصنيف الجماعة منظّمة إرهابية. وفي نيسان الماضي دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إدارته إلى وضع الإخوان على لائحة المنظمات الإرهابية، وهو ما قد يتحقق إذا فاز في الانتخابات المقبلة. وقد تعاملت الحكومة في الأردن مع الجماعة بنهج أقرب إلى تصورات الحزام الناقل، حيث طبقت استراتيجية تقوم على فرز المتشددين عن المعتدلين، ثم الضغط على الجماعة للإذعان للاعتدال اللازم للاستدخال.

جاءت الوثيقة متأخرة وملتبسة، وتفتقر إلى الوضوح في المسائل الحيوية، وتراهن على استعادة منظورات التعامل مع الجماعة باعتبارها «جدار وقاية» ضد التطرف والعنف.

على مدى عقود، عملت الحكومة والجماعة على تدبير الاختلافات عبر مساومات ومفاوضات سياسية تقوم على مبدأ مشاركة الجماعة دون مغالبة الحكومة. لكن ديناميكية التسييس بعد الحراكات الاحتجاجية دفعت الجماعة إلى المطالبة بدور سياسي فاعل كشريك استراتيجي، حيث تبدلت الأدوار التاريخية التقليدية التي حكمت العلاقة بين الجماعة والحكومة. فقد تعاملت الحكومة تاريخيًا مع جماعة الإخوان كجدار حماية للنظام ضد التحديات والمخاطر التي شكلتها الحركات والتنظيمات والنزعات الأيديولوجية الراديكالية اليسارية والقومية خلال الحرب الباردة، وكجدار واقٍ من خطر الحركات والجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية والجهادية مع دخول عصر العولمة النيوليبرالية، الأمر الذي لم تعد الجماعة قادرة على تحقيقه مع تسارع التحولات وتبدل الأولويات. إذ باتت الجماعة ذاتها تشكل تهديدًا للنظام عقب الحراكات الاحتجاجية، وتبدل تعريف الجماعة من جدار الحماية إلى الحزام الناقل للتطرف والعنف. النهج الذي اتبعته الحكومة عقب تراجع الحراكات الاحتجاجية مع الإخوان تموضع بين مقاربتي الاستبعاد والإدماج، فالمقاربة الأردنية لم تتبن النهج المصري السعودي الإماراتي باستئصال الجماعة وتصنيفها كحركة إرهابية، كما لم تتبن النهج المغربي بإدماج الجماعة واستدخالها سياسيًا.

أفضت المقاربة الأردنية في التعامل مع الجماعة إلى توسيع الفجوة بين المحافظين والإصلاحيين، عبر سلسلة من الإجراءات السياسية والقانونية، لخلق حالة من الفرز والاستقطاب تفضي إلى دفع التيار الإصلاحي «الحمائم» إلى مزيد من الاعتدال والتماهي مع سياسات الحكومة، وقد أفضت هذه السياسات إلى ولادة مبادرة «زمزم» في حزيران 2012، ثم دفعت باتجاه ترخيص جمعية «الإخوان المسلمين» في شباط 2015، بحجة تصحيح الوضع القانوني لجماعة الإخوان التاريخية تمهيدًا لنزع الشرعية القانونية عن الجماعة التاريخية، كما عملت على دفع تيار«الحكماء» إلى تقديم مبادرات تتموضع بين الجماعة والحكومة، وسرعان ما ستفضي مبادرة زمزم إلى تأسيس حزب «المؤتمر الوطني» في آب 2016، ويؤسس تيار الحكماء حزب «الشراكة والانقاذ» في كانون الأول 2017.

لم تتعامل جماعة الإخوان مع الإجراءات الحكومية بجدية وراهنت على الصمود دون تقديم مبادرات تُفشل مسار التفتيت. وقد جاءت قراراتها متأخرة دومًا لترميم العلاقة بين الجماعة والحكومة، كقرار الجماعة إنهاء علاقتها بمكتب الإرشاد العالمي، حيث أعلنت جماعة الإخوان المسلمين في الأردن في شباط 2016، عن فك الارتباط بجماعة الإخوان المسلمين في مصر. وقد تدرّجت الإجراءات السياسية والقانونية الحكومية لتفتيت الجماعة إلى المجال العملي التنفيذي، حيث تم إغلاق المقر الرئيسي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن في نيسان 2016، بالإضافة إلى إغلاق شعب إخوانية أخرى تابعة للجماعة. ورغم قرار محكمة التمييز في أيّار الماضي إسقاط صفة «الوريث الشرعي» عن «جمعية الجماعة» المنشقة عن الجماعة الأم، بخصوص ممتلكاتها وإرثها، إلّا أن القرار قضى بأن الجماعة الأم في حكم المنحلة منذ العام 1953، الأمر الذي يشير إلى شرعنة سياسية منقوصة، ونزع شرعية وجود الجماعة قانونيًا. ففي إطار الخشية من استحقاقات «صفقة القرن» تشكلت مصالح مشتركة بين الحكومة والجماعة، ورغبة حكومية بتهدئة الشارع، لكن ذلك لن يغير من المنظورات الجديدة للإخوان، فتحسن العلاقة لا يعدو كونه تكتيكيًا وليس استراتيجيًا.

على صعيد الأيديولوجيا، لم تتناول الوثيقة السياسية علاقة الديني بالسياسي، وعلى الصعيد الهيكلي لم تتطرق إلى الازدواجية التنظيمية، بينما حسمت حركات مماثلة بوضوح خياراتها. فقد أقرّت حركة النهضة الإسلامية في تونس في أيار 2016 خلال مؤتمرها العاشر الفصل بين أنشطتها الدينية والسياسية، والتحول إلى حزب مدني. وكان حزب العدالة والتنمية التركي، ونظيره حزب العدالة والتنمية المغربي، قد أنجزا مقاربتهما في مراحل مبكرة، بل إن الأحزاب الجديدة التي خرجت من رحم الإخوان في الأردن أمثال حزب الشراكة والإنقاذ، وحزب المؤتمر الوطني الأردني (زمزم) خلت أنظمتها الأساسية من أي إشارة أو عبارة تنتمي إلى أدبيات الإسلام السياسي التقليدية، أمثال: تطبيق الشريعة، وقيام الدولة الإسلامية، وتقوم مفاهيمها السياسية على مبادئ حداثية مثل: الدولة المدنية وسيادة القانون والتعددية الدينية والسياسية، والوحدة الوطنية.

كما أنجزت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مراجعتها دون التباس، فميثاق حماس الذي نشر في آب 1988 عقب تأسيس الحركة بثمانية شهور استند إلى معجم هوياتي ديني يقوم على مفاهيم أيديولوجية دينية تتأسس على مصطلحات الأمة والجهاد واليهود. لكن في وثيقة «المبادئ والسياسات العامة» الصادرة في أيار 2017 تحول الميثاق بوضوح إلى تقديم حركة قومية تركز على الحقوق الوطنية وفق معجم سياسي يتأسس على مصطلحات الشعب والمقاومة، وأسقطت حركة حماس جميع الإشارات إلى جماعة الإخوان المسلمين، وعرّفت نفسها باعتبارها «حركة تحرر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية»، وصولًا إلى قبول إقامة دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة وعاصمتها القدس على خطوط الرابع من حزيران 1967.

خلاصة القول أن الوثيقة السياسية للإخوان جاءت متأخرة وملتبسة، وتفتقر إلى الوضوح في المسائل الحيوية، كعلاقة الديني والسياسي، وعلاقة الجماعة بالحزب، وهي لا تزال تراهن على الصبر في مواجهة التحديات، وتراهن على استعادة منظورات التعامل مع الجماعة باعتبارها «جدار وقاية» ضد التطرف والعنف، ولذلك جاء الاسترسال بالحديث عن الإرهاب والتطرف والتشديد على اعتدال الإخوان. لكن ذلك قد تبدل إلى الأبد، فالجماعة باتت دوليًا تعرّف كـ«حزام ناقل» للتطرف والعنف.

كما أن الوثيقة السياسية تعبر بوضوح عن منظمة تواجه مأزقًا مستمرًا يتمثل بالاختيار بين توسيع قاعدته عبر مد جسور التواصل مع الآخر أو ترسيخ قاعدته من خلال نهج أكثر تشددًا، عبر تحقيق مسعى «الإصلاحيين» بالمشاركة السياسية المباشرة والانخراط مع غير الإسلاميين لتوسيع قاعدتهم، أو عبر الاستجابة لخشية «المحافظين» من أن هذا النهج سوف يضعف من المصداقية الإسلامية لجماعة «الإخوان»، ومن ثم سيقوّض من تكاملها التنظيمي. هذا المأزق هو ما أنتج الوثيقة السياسية الهشّة بتوفيقية معهودة في سياق الصراع التاريخي بين المحافظية والإصلاحية داخل الجماعة.