رأي

هل يعادي الإعلام الأمريكي بيرني ساندرز؟

الأربعاء 04 آذار 2020
بيرني ساندرز يتحدث مع مجموعة من الصحفين بعد مناظرة انتخابية في حزيران الماضي. جيم واتسون، أ ف ب.

منذ إعلان ترشحه في شباط 2019، كانت وسائل الإعلام الأمريكية السائدة منحازة عمومًا ضد السيناتور بيرني ساندرز. فساندرز الذي يصف نفسه بالاشتراكي الديمقراطي يبدو المرشح الأكثر تقدمية في الحزب الديمقراطي، مٌقدمًا برنامجًا سياسيًا يدعو للرعاية الصحية المجانية، وإلغاء ديون التعليم الجامعي، وفرض ضرائب عالية نسبيًا على أصحاب الملايين والمليارات في البلاد. إن تركيزه المستمر والثابت على اللامساواة الاقتصادية يعكس انسلاخًا واضحًا عن الوضع القائم الذي تدعمه المؤسسة الديمقراطية التقليدية، والطبقة الحاكمة، وذراعها في الإعلام السائد.

في البداية، أهملت الشبكات السائدة ومحللوها السياسيون ساندرز بالكامل من تغطيتها الإخبارية، حتى عندما كان يتقدم بثبات في استطلاعات الرأي الرئيسة. لكن مع توسّع حملة ساندرز، وبعد أن بدأ يهزم زملائه المرشحين في استطلاع بعد آخر، وصولًا إلى فوزه غير المسبوق بكونه أول مرشح رئاسي في تاريخ البلاد يفوز بالتصويت الشعبي في الولايات الثلاث الأولى، أصبح تهديده للمؤسسة الديمقراطية أوضح من أن يتم تجاهله.

في الأسابيع الأخيرة، نزعت المحطات والشبكات الصحف الرئيسة قفازاتها لتبرز أخيرًا ازدرائها لساندرز. فما كان جهلًا هادئًا بترشح ساندرز تحول إلى هجوم متكامل، غالبًا ما لا يركز على برنامجه السياسي، وإنما يهاجم بصورة استثنائية سِنّه ونبرته وقاعدة داعميه وصحته، في محاولة لكبح شعبيته بين الناخبين.

تغطية انتخابات تمهيدية محتدمة

قبل يومٍ واحد من الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في أيوا في الثالث من شباط، وهي أول منافسة على الترشيح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية، أُوقف نشر نتائج أحد أهم الاستطلاعات في الانتخابات التمهيدية بسبب شكوى قدمها المرشح الديمقراطي السابق پيت بوتيجِج، الذي علّق حملته يوم الأحد وأعلن دعمه لجو بايدن. إذ قالت حملة بوتيجِج إن اسمه قد أُسقط من استطلاع واحد على الأقل، مما دفع الـCNN وجريدة «دي موان»، الصادرة في عاصمة الولاية، للتراجع عن نشر نتائج الاستطلاع.

تلا ذلك تأخيرٌ في نشر نتائج انتخابات الولاية نفسها، ما طرح أسئلة مشروعة حول ممولي الشركة المسؤولة عن تطبيق الموبايل الذي تم عبره تجميع الأصوات. في النهاية، حصل بوتيجِج على مندوبين أكثر من ساندرز، بينما فاز الثاني في التصويت الشعبي، نظرًا إلى أن التصويت في الانتخابات التمهيدية يجري على مرحلتين، حيث يُخصص لكل مرشح عدد من المندوبين بناءً على نسبة التصويت الشعبي له في المرحلة الأولى، ليُحسم المندوبون القرار في مؤتمر الحزب الديمقراطي. مضى ساندرز بعدها ليفوز بالانتخابات التمهيدية في نيوهامبشاير ونيفادا أيضًا، قبل أن يخسر في كارولينا الجنوبية أمام بايدن، الذي تقدم ليفوز بالنسبة الأكبر من انتخابات الأمس التي جرت في 14 ولاية.

وقبل يوم من انتخابات نيفادا، نشرت الواشنطن بوست تقريرًا يفيد بأن مسؤولين أمريكيين قد أبلغوا ساندرز بأن روسيا تحاول دعم حملته، مستشهدين بـ«أشخاص مطلعين»، دون تسميتهم. التقرير الذي نشر -على نحو مريح- قبل يوم واحد من انتخابات هامة، رغم أن ساندرز أبلغ قبل شهر من نشره، لا يعطي أية تفاصيل حول ماهية «الدعم الروسي» المفترض. 

أحيت ردود الفعل على التقرير الهستيريا السابقة إزاء التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، التي تلت هزيمة هيلاري كلينتون أمام دونالد ترامب عام 2016. أما ساندرز، وبدلًا من الرد أو المطالبة بأدلة حول هذه الادعاءات، فقد صرّح: «رسالتي لبوتين واضحة: ابتعد عن الانتخابات الأمريكية، وكرئيس، سأضمن أن تفعل ذلك». كما نشرت الصحيفة ذاتها العام الماضي تقريرًا يسعى لتأجيج مخاوف مشابهة بين الناخبين، مركزةً على شهر العسل الذي قضاه ساندرز في موسكو عام 1988.

لربما كان احتقار الواشنطن بوست لساندرز مفهومًا كون  الصحيفة في النهاية مملوكة لجيف بيزوس؛ صاحب شركة أمازون وأغنى رجل في العالم. فبحسب خطة ساندرز الضريبية، سيدفع بيزوس تسعة مليارات دولار ضرائب عن 2019 وحدها. 

من جهتها، أعلنت النيويورك تايمز دعمها للمرشحتين الرئاسيتين إليزابيث وارن وآيمي كلوبتشار في وقت مبكر من هذا العام، في خطوة غير مسبوقة من الصحيفة التي لم يسبق أن دعمت مرشحين في آن واحد.

يمكن القول إن خطوة الصحيفة سعت لإنعاش حملتين بدا جليًا انحدارهما، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لإنقاذ أي منهما. فقد استقرت كل من وارن وكلوبتشار في المركزين الثالث والرابع على التوالي، في كل من التصويت الشعبي وفي العدد الكلي من المندوبين، إلى أن أعلنت كلوبتشار انسحابها من السباق هذا الأسبوع ودعمها لبايدن. وفي محاولة واهية لإنقاذ ماء الوجه، نشرت التايمز الأسبوع الماضي افتتاحية بعنوان «الانتخابات التمهيدية جِدّ غبية».

هجمات متعصبة

كانت وسائل الإعلام التجارية مثل CNN وMSNBC، اللتان تطفح قوائم ضيوفهما بموظفين سابقين في مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، الأشد صراحة في مهاجمتهما لساندرز، أحيانًا بشكل معادٍ للسامية. فقد شبه كريس ماثيوز، مذيع MSNBC، انتصار ساندرز الساحق في انتخابات نيفادا باحتلال ألمانيا النازية لفرنسا عام 1940، قائلًا: «كنت أقرأ ليلة أمس عن سقوط فرنسا في صيف 1940، حين يتصل الجنرال رينو بتشرشل قائلًا: انتهى الأمر. فيرد تشرشل: كيف حصل هذا؟ لديكم أعظم جيش في أوروبا، كيف انتهى؟ فأجابه: لقد انتهى الأمر».

أثارت هذه التعليقات احتجاجاتٍ عدة، خاصةً وأن عددًا من أسلاف ساندرز لاقوا حتفهم في المحرقة النازية، قبل أن يعتذر ماثيوز لساندرز شخصيًا، واصفًا إياه بـ«الفائز عن جدارة واستحقاق»، ويعلن بشكل مفاجئ قبل يومين استقالته وتقاعده من الشبكة التلفزيونية الكبرى.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تبث فيها MSNBC هجوما متعصبًا ضد المرشح اليهودي. فقبل تعليقات ماثيوز بإسبوعين، استشهد المذيع تشاك تود، زميل ماثيوز، بمقال لكاتب يميني شبّه فيه داعمي ساندرز على الإنترنت بميليشيا نازية تعرف بـ«القمصان البنية».

تطول قائمة الهجمات التي وجهتها وسائل الإعلام لساندرز. ففي أيلول الماضي، ادعت محللة سياسية على MSNBC أن من يدعمون ساندرز ضد وارن إنما يظهرون ذكوريتهم. بينما قالت ضيفة أخرى على القناة نفسها إن السيناتور الأمريكي «يجعل شعرها يقف» لأسباب «لا تستطيع تفسيرها». كما شبّه مذيع في CNN حملة ساندرز هذا الأسبوع بفيروس كورونا، إذ نشرت القناة مقطعًا حمل عنوان «هل يمكن وقف الكورونا أو بيرني ساندرز؟»، في إشارة للفيروس الذي ينتشر سريعًا، حاصدًا أرواح قرابة 3000 شخص. أما مجلة الإيكونومست النيوليبرالية، فنشرت هذا الأسبوع مقالًا احتل غلافها، يساوي بين ساندرز وترامب بوصفهما بـ«الكابوس الأمريكي».

لم تكتفِ الشبكات السائدة بمهاجمة ساندرز، بل دعمت منافسيه عبر نشر تقارير تسعى لإضعافه. فقبيل مناظرة المرشحين الديمقراطيين في ولاية أيوا، نشرت CNN تقريرًا يزعم أن ساندرز قال لوارن خلال اجتماع خاص عام 2018 إنه لا يعتقد أن بإمكان امرأةٍ أن تفوز بالرئاسة، مستشهدًا بأربعة مصادر مجهّلة لم يدّعِ أي منها تواجده خلال الاجتماع. وبينما شككت تقارير سابقة بأن يكون الحوار قد دار كما وُصف، ورغم أن ساندرز أنكر قوله لما نُقل، إلا أن CNN نشرت هذه الادعاءات دون مساءلة. 

أثناء المناظرة التي نظّمتها CNN، وبعد نفى ساندرز بوضوح أن يكون قد تفوه بمثل هذا الكلام لوارن، توجهت المذيعة آبي فيليب لساندرز بالسؤال: «أنت تقول إنك لم تقل أبدًا للسيناتور وارن إنه لا يمكن لأمرأة أن تفوز بالانتخابات؟» ليجيب ساندرز: «هذا صحيح»، مذكّرًا بأنه كان قد أبلغ وارن بدعمه لها في حال ترشحها للانتخابات الديمقراطية التمهيدية عام 2016، قبل أن تعدل وارن عن الترشح، ليعلن ساندرز بعدها ترشحه. عندها، التفتت فيليب إلى وارن لتسألها بمنتهى الجدية: «بم فكّرت حين أخبرك السيناتور ساندرز بأنه لا يمكن لامرأة أن تفوز بالانتخابات؟»، متجاهلةً تمامًا إجابة ساندرز.

من 2016 إلى 2020

ازدراء الإعلام السائد لساندرز ليس غريبًا ولا جديدًا. فحين خاض الانتخابات الديمقراطية التمهيدية عام 2016، ورغم كونه المنافس الأقوى لهيلاري كلينتون آنذاك، حصل ساندرز على أقل من 2% من مجمل التغطية الإعلامية للحملات الانتخابية عام 2015، بحسب تحليل لنشرات الأخبار المسائية الأسبوعية في المحطات الثلاث الكبرى (ABC، وCBS، وNBC). في المقابل، حصل دونالد ترامب على 32% من إجمالي تلك التغطية، بينما حصلت كلينتون على حوالي 23%، فيما كُرست 8% لتسريبات ويكيليكس لعشرات آلاف الرسائل الإلكترونية التي أرسلتها وتلقتها حين كانت وزيرة خارجية في إدارة باراك أوباما. ويخلص التحليل إلى أن الديمقراطي الذي احتل المرتبة الثانية في التغطية لم يكن مرشحًا من الأساس، إذ حاز قرار جو بايدن بعدم الترشح 7% من التغطية، أي قرابة أربعة أضعاف التغطية الممنوحة لساندرز، الذي كان في المرتبة الثانية بعد كلينتون.

أما القنوات التلفزيونية الأكثر ليبرالية مثل CNN وMSNBC، فبدت مصرةً على تجاهل ساندرز خلال حملات 2016، ما دفع الآلاف من مؤيديه للاحتجاج أمام مقر القناة في هوليوود في نيسان من العام ذاته، مستخدمين هاشتاغ #OccupyCNN على تويتر.

وحتى الصحف التي تتدعي التقدمية مثل الواشنطن بوست والنيويورك تايمز، فقد أثبتت أنها تميل منذ البداية لمرشحي المؤسسة الديمقراطية. ففي أيلول 2015، وردًا على اتهامات للتايمز بالتجاهل المتعمد لحملة ساندرز، اعترفت المحررة العامة في الصحيفة، مارجريت سوليفان، بأن صحيفتها «لم تأخذ الأمر دومًا على محمل الجد»، معتبرةً «دخوله سباق الترشح حدثًا غير هام» بالنسبة للصحيفة. وتضيف سوليفان أن «نبرة بعض الأخبار [المتعلقة بساندرز] بدت مستهينة به، وأحيانًا ساخرةً منه. وركز بعضها على سن المرشح وشكله وأسلوبه، بدلًا مما يقوله». وقد وُجّهت اتهامات مماثلة للواشنطن بوست أيضًا، ففي آذار 2016، أثناء تغطيتها للانتخابات الديمقراطية التمهيدية، نشرت الصحيفة 16 مادة سلبية تجاه ساندرز خلال 16 ساعة.

ما التهديد الذي يشكّله ساندرز؟

على الأرجح، استقبلت مؤسسة الحزب الديمقراطي الهجوم الإعلامي على ساندرز بحفاوة، إذ لم يعد سرًا أن المؤسسة على أتم الاستعداد للتخلي عن مرشحها إن لزم الأمر. فعند سؤالهم إذا ما كانوا سيجازفون بالإضرار بالحزب لوقف ترشح ساندرز، أجابت الغالبية الساحقة من 93 مندوبًا من كبار المندوبين (المعروفين بالـ«Superdelegates»)، قابلتهم النيويورك تايمز، بأنهم سيمنعون ساندرز من أن يصبح المرشح الديمقراطي حتى لو نال «أكبر عدد من المندوبين دون أن يحصّل أغلبيتهم».

ربما يتلخص انسلاخ ساندرز عن الحزب الديمقراطي بمثال واحد. فخلال مناظرة الحزب الشهر الماضي في نيفادا، توجه ميسّر المناظرة، المذيع تشاك تود، للمرشحين بهذا السؤال: «هنالك احتمال ألّا يحصل أي منكم على مندوبين كافيين [أي أغلبية مطلقة من مجمل المندوبين]. فهل يجب أن يكون الشخص الذي لديه أكبر عدد من المندوبين في نهاية الموسم التمهيدي هو المرشح حتى لو لم يحصّل الأغلبية؟». ليس مستغربًا أن ساندرز كان الوحيد على المنصة الذي أجاب بنعم، فيما أجاب البقية بأنه يجب الالتزام بقواعد العملية الانتخابية في الحزب، التي لا تلزم المندوبين بالتصويت للمرشح الذي خُصصوا له بعد المرحلة الأولى من التصويت. 

يبرز ساندرز كحالة شاذة، وسط بحر من المرشحين الوسطيين الذين يتبنى بعضهم شعارات تقدمية. فقد انسحب كل من بيت بوتيجِج وآيمي كلوبتشار وبيتو أورورك من المنافسة على الترشيح الديمقراطي، ودعموا بايدن قبيل تصويت يوم أمس الثلاثاء، المعروف بالـ«Super Tuesday»، حيث ينتخب أكبر عدد من الولايات في الانتخابات التمهيدية في يوم واحد. ساعد ذلك على دمج أصوات الوسط ومنح بايدن دفعة قوية، فيما تبدو أصوات التقدميين موزعةً بين وارن وساندرز. وتصر وارن بشكل ملحوظ على البقاء في المنافسة، رغم سوء نتائجها وحلولها في المركز الثالث في ولايتها ماساتشوستس.

يمكن لفوز بيرني ساندرز أن يكرّس الاصطفاف الحزبي بين تيار المؤسسة والتيار التقدمي، مما قد يبدل ملامح الحزب بشكل جوهري وربما دائم. لعل هذا ما عبّرت عنه خير تعبير عضو الكونغرس ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، التي أعلنت دعمها لساندرز حين قالت: «لو كنا في أي دولة أخرى، لما كنا أنا وجو بايدن في حزب واحد، ولكننا كذلك في أمريكا».

فضلًا عن ذلك، تؤشر بعض مواقف ساندرز في السياسة الخارجية إلى اختلاف واضح بينه وبين المرشحين الآخرين. فقد كان ساندرز أول مرشح رئاسي يقول إنه قد يستخدم الدعم العسكري الأمريكي لـ«إسرائيل» لإجبارها على احترام حقوق الفلسطينيين، كما أنه لم يحضر قط مؤتمر مجموعات اللوبي الإسرائيلي المعروف بـ«الإيباك»، بل هاجمه الشهر الماضي معتبرًا أنه يفتح منصته «لقادة يعبّرون عن تعصّبهم ومعارضتهم لأبسط الحقوق الفلسطينية». كما أن لساندرز مواقف أكثر صلابة في معارضة حروب أمريكا الإمبريالية من مواقف منافسيه. 

ومع أن هذه المواقف تعد راديكالية داخل الحزب الديمقراطي نفسه، إلا أن ساندرز ليس بأي حال من الأحوال نصيرًا للحقوق الفلسطينية أو معارضًا للإمبريالية الأمريكية في المنطقة. فكما كتب الأكاديمي ستيفن سلايطة مؤخرًا، «يبدي ساندرز بين الحين والآخر تعاطفه مع الفلسطينيين ويسلط باستمرار على مصاعب الحياة في ظل الاحتلال الإسرائيلي (لمناطق 1967 فقط)، إلا أنه لا يستخدم أبدًا مفردات قتالية، ولا يتحدث عن الاستيطان أو التطهير العرقي أو جرائم الحرب أو الفصل العنصري أو سرقة الأرض. فكلمة «احتلال» هي أقوى تعبير يستخدمه (..) في معجم ساندرز، ليست الصهيونية المشكلة، بل هي إسرائيل [بقيادة] نتنياهو».

خاتمة

ليست الهجمات الإعلامية على ساندرز مستغربة. ففي الولايات المتحدة تمتلك ست شركات حوالي 90% من وسائل الإعلام التي يتابعها الأمريكيون العاديون، كما تشير الصحفية رانيا خالق. إن هذه الحقيقة لا تقوض كل ادعاءٍ بأن المستهلك الأمريكي يملك خيارًا فيما يتعلق بالأخبار فحسب، لا بل أنها تعزز الشرخ بين الطبقة الحاكمة التي تمول هذه الشركات والحركة الشعبية الداعمة لساندرز.

في كتابه «أوهام ضرورية: التحكم بالفكر في المجتمعات الديمقراطية»، يكتب نعوم تشومسكي: «إن وسائل الإعلام الرئيسة -خاصة وسائل النخبة التي تضع الأجندة التي عادة ما يتبعها الآخرون- هي شركات «تبيع» المشاهد الموسر لشركات أخرى. ولن تكون مفاجأةً إن كانت الصورة التي يقدمونها للعالم تعكس منظور ومصالح البائعين والمشترين والمنتَج».

بوجود وسائل الإعلام الخاصة والشبكات الجماهيرية السائدة التي يملكها مليارديرات الطبقة الحاكمة، ودفاعها عن مصالح المؤسسة الديمقراطية، وإصرارها على الترويج لحروب تغيير الأنظمة، وتغطيتها غير النقدية للانقلابات التي تدعمها الولايات المتحدة في دول أجنبية، يبدو أن الفرق بين الصحافة والإعلام الحكومي لم يعد كبيرًا.