تهجير مسافر يطا: فصل جديد من النكبة المستمرة

لافتة في منطقة مسافر يطا تشير إلى منطقة إطلاق نار. تصوير حازم بدر. أ ف ب.

تهجير مسافر يطا: فصل جديد من النكبة المستمرة

الأحد 12 حزيران 2022

يقدم المؤرخ الأسترالي باتريك وولف مقولةً أساسيةً من أجل فهم نكبة فلسطين بقوله: «الغزو بنية وليس حدثًا»؛ أي أنه لا يحدث مرةً واحد وينتهي، بل هو عبارة عن منظومة تقوم على محو الفلسطيني/ة وسلب الأرض بكافة السبل. يستكمل وولف طرحه حول النكبة،[1] حين يرفض تفسيرها باعتبارها نقطة تحول حاسمة تتجاهل السياق المعقد الذي سبقها، فهو لا يرى في النكبة لحظة استثناء، في بحثه الذي يحاول فيه استقصاء عمل الحركة الصهيونية قبل النكبة. يقدم وولف هذه المجادلة بحساسية دون تجاهل الفظائع التي حدثت في النكبة، لكنه يدعونا إلى النظر للمشروع الاستعماري بشكلٍ واسع، باعتباره بنيةً مستمرة طوال الوقت تمر في لحظات تسارع، كانت النكبة أبرز تلك اللحظات. وبناءً على طرح وولف، يمكن النظر إلى المستقبل باعتباره لحظةً ضمن مسار النكبة المستمرة، الذي يمر بلحظات تسارع دون أن يصل إلى الحد الذي تجلت فيه النكبة دائمًا.

في عام النكبة الـ74، حوّلت السلطات السياسية الفلسطينية الرسمية يوم النكبة إلى مناسبةٍ أقرب إلى أن تكون فلكلورية، تحاكي تمامًا الممارسات الإسرائيلية في «يوم الاستقلال». في الوقت نفسه كانت المحكمة العليا الإسرائيلية تمارس فاعليتها في نكبة الفلسطينيين المستمرة، ودورها ضمن موقعها في مشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وتصدر قرارًا نهائيًا بإخلاء أكثر من ألف فلسطيني من ثماني قرى في تجمع مسافر يطا جنوب الضفة الغربية المحتلة، وهي جنبة والمِركز والحلاوة وخلة الضبع والفخيت والتبان والمجاز واصفي الفوقا والتحتا،[2] بعد 20 عامًا من التقاضي في المحاكم، إثر قرار الجيش الإسرائيلي في بداية ثمانينيات القرن الماضي تحديد المنطقة باعتبارها منطقة إطلاق نارٍ وتدريبات عسكرية.

بعد إصدار القرار بأقل من أسبوع، هدمت الإدارة المدنية الإسرائيلية 19 مُنشأةً (تسعة منازل و10 حظائر للأغنام) في منطقة مسافر يطا، في عملية هدم هي الأكبر منذ عام 2016. في تلك الليلة، وبالتزامن مع ذكرى النكبة، استعاد السكان واحدًا من مشاهدها، عندما عاد أهالي مسافر يطا المهدومة منازلهم للعيش في الخيام، في صورةٍ تشبه أيام التهجير الأولى عام 1948.

استهداف منذ النكبة

في عام 1980 أعلن الجيش الإسرائيلي عن تصنيف حوالي 35 ألف دونم[3] من أراضي منطقة مسافر يطا جنوب شرق الضفة الغربية، ضمن منطقة إطلاق النار 918، التي شملت أراضي 12 قرية وخربة، يعيش فيها حوالي الفي شخص. استهدف القرار جزءًا من منطقة مسافر يطا التي تبلغ مساحتها حوالي 60 ألف دونم ويعيش فيها أربعة آلاف شخص في 24 قرية وخربة، أما القرى المعترف بها والتي تقع خارج منطقة إطلاق النار فهي قريتي المنيزل والتواني، وهما الوحيدتان اللتان تمتلكان مخططات هيكلية يمكن بناءً عليها التقدم في طلبات البناء والعيش في المكان بشكلٍ «قانوني».

لم يبدأ استهداف المنطقة عقب حرب حزيران 1967 أو مع بداية تصنيف الأراضي كمناطق إطلاق نار، وإنما بدأ مع النكبة، عندما تمكنت «إسرائيل» من إتمام سيطرتها على صحراء النقب عام 1951، وسلخ 115 ألف دونم منطقة البادية من المسافر عن امتدادها الطبيعي، فمسافر يطا تبدأ من نهاية سلسلة جبال الخليل وصولًا إلى منطقة تل عراد في بئر السبع.

تصنف مسافر يطا ضمن منطقة التدريبات العسكرية 918، وهي مناطق يصنفها الجيش الإسرائيلي باعتبارها مناطق إطلاق نار، لتكون بذلك مناطق عسكرية مغلقة يمنع الدخول والإقامة فيها.

بعد عام 1951، تحولت قرى مسافر يطا التي بقيت فيما بات يعرف بالضفة الغربية، إلى قرى حدودية، وأصبحت تتعرض للاعتداءات الإسرائيلية طوال فترة الحكم الأردني، فذاكرة السكان عن تلك السنوات تشير إلى هجوم على قرية جنبة عام 1954، أعدم فيها جيش الاحتلال أربعة من سكان القرية، وفي عام 1966 هوجمت القرية نفسها مرةً أخرى، وهدمت عشرات البيوت فيها، وبقي المكان يتعرض للهجمات باستمرار طوال تلك السنوات.

مع استكمال استعمار فلسطين عام 1967، كان الاحتلال متنبهًا لأهمية المنطقة الاستراتيجية، فهي تقع على مشارف منطقة جبلية مرتفعة تطل على هضبة النقب، وتمتد أراضيها شرقًا، مع وجود مساحات شاسعة من الأراضي، تمثل إمكانيةً للتمدد الفلسطيني. لذلك، عمد الاحتلال التضييق على أهالي المسافر في نمط حياتهم الذي يعتمد على الزراعة الشتوية ورعي الأغنام، فقام بتطبيق قانون العنزة السوداء في استهداف لمصدر الرزق الأساسي في المكان ومصادرة الأغنام وإغلاق المنطقة ومنع إقامة بنية تحتية ومخططات هيكلية، في محاولة لدفع السكان للرحيل الطوعي من المكان.

وعندما لم تحقق الإجراءات السابقة الأهداف المطلوبة بتفريغ المكان من أهله، اندفع الاحتلال إلى عزل المنطقة من خلال إقامة خط استيطاني شمال غرب المسافر، يعزلها عن منطقة يطا وباقي مدينة الخليل، ليبدأ الاستيطان في المنطقة، بدايةً في مستوطنة بيت يوتير ومن ثم مستوطنة كرميل، ولاحقًا ظهرت مستوطنات سوسيا وماعون، وكلها تتركز في المناطق الجبلية شمال غرب المسافر. وساهمت هذه المستوطنات في ظهور بؤر استيطانية، مثل أفيغايل ونوف نيشر ومتسبيه يائير وخوفات تسار مان وخوفات ماعون، ولاحقًا جاء الشارع الالتفافي 317. والمسار الثاني في تفريغ المنطقة قام على أساس إعلانها منطقةً عسكريةً مغلقة، يمنع التواجد فيها.

أمّا خطوات التهجير الفعلية فقد بدأت مع القرار العسكري، ففي عام 1985 هدمت قوات الاحتلال منازل العقود في قرية جنبة، وهي منازل بنيت في أعوام 1930-1950 بعد انتقال السكان للعيش من الكهوف والخيام إليها. أفشل السكان هذه المحاولة بصمودهم في القرية وعودتهم للخيم والكهوف مرةً أخرى، لكن الضغط عليهم استمر بمصادرة الخيم والأغنام وطم الكهوف ومصادرة المعدات الزراعية والسيارات، وصولًا إلى عام 1999 الذي حدثت فيه أول محاولة كبيرة لإفراغ المنطقة من سكانها تمامًا، عندما تم حصارهم وهدم منازلهم وإحضار شاحنات كبيرة من قبل الجيش من أجل نقلهم إلى مكان آخر، في حينه تمكن جزء من السكان من الانسحاب إلى الجبال المحيطة والإقامة فيها، ومن تمكن الجيش من تهجيره عاد في ليلتها مشيًا على الأقدام، وأقام في الخيم والكهوف مرةً أخرى. في عام 2000، قرر السكان التوجه للمحاكم الإسرائيلية، بحثًا عن خيار يمنع تهجيرهم الذي أصبح قريبًا، ليصدر حكم احترازي بالإبقاء على السكان مكانهم حتى انتهاء إجراءات المحكمة، وليبدأ مسار جديد من معاناة السكان مع الجهاز القضائي الإسرائيلي، الذي شرعن تهجيرهم بعد 22 عامًا.

تخريب الحياة والصمود فوق الخرائب

استهداف الأرض في مسافر يطا يعني استهدافًا لنمط حياة السكان، فالعيش في المكان قائم على زراعة المحاصيل الشتوية من أجل توفير الغذاء والمراعي للأغنام، التي يعتمد عليها السكان بشكل أساسي في حياتهم، وتحتاج إلى مساحات من المراعي لم تعد متوفرةً في الكثير من مناطق الضفة الغربية. وبالطبع يعمد الاحتلال إلى تخريب نمط الحياة، إلى جانب محاولة التهجير، فعندما تجري التدريبات العسكرية في المنطقة، تمر الدبابات والآليات العسكرية الثقيلة من داخل حقولهم وتفسد مواسم الحصاد، وتستهدف مصدر الدخل الأساسي للسكان، وهو تربية المواشي.

لا تمتلك المنطقة إلّا أربع مدارس، واحدة منها ثانوية. كما يوجد أربع عيادات صحية، تشغلها منظمات دولية أو وزارة الصحة الفلسطينية، وكلها تعمل يومًا واحدًا في الأسبوع، وتقام في مباني متنقلة، ويستهدفها الاحتلال من خلال مصادرتها ومنع عملها واحتجاز الطواقم العاملة فيها عند محاولة الدخول إلى المسافر. فيما لا تتوافر الكهرباء في المنطقة إلّا من خلال خلايا الطاقة الشمسية، والمياه من خلال شبكات مياه يدمرها الاحتلال باستمرار. أما الطرق فهي ترابية، وفتحت من أجل التنقل بين القرى والوصول إلى الأراضي الزراعية، ومع ذلك يستهدفها الاحتلال باستمرار ويغلقها بالصخور الكبيرة والكثبان الرملية من أجل محاصرة الناس في أماكن سكنهم والحد من القدرة على التنقل والوصول إلى أراضيهم.

بدأ استهداف مسافر يطا مع النكبة، عندما تمكنت «إسرائيل» من إتمام سيطرتها على صحراء النقب عام 1951، وسلخ 115 ألف دونم منطقة البادية من المسافر عن امتدادها الطبيعي، فمسافر يطا تبدأ من نهاية سلسلة جبال الخليل وصولًا إلى منطقة تل عراد في بئر السبع.

رغم الظرف المعيشي الصعب لا يمتلك أهالي المسافر إلّا خيار الصمود في أرضهم خوفًا من خسارتها، وتجلى ذلك في عودتهم للسكن في الخيام أو الكهوف عقب كل عملية هدم إسرائيلية. أما عن قرار المحكمة الأخير، فيشير السكان إلى أن قوات الاحتلال مهدت له من خلال تعزيز تواجدها في المكان وتكثيف تواجد دوريات الجيش ووضع حواجز دائمة في المكان ومصادرة السيارات، فيما يراه السكان تدرجًا في خطوات الضغط عليهم تكاملًا مع قرار المحكمة الذي صدر لاحقًا. بالإضافة إلى ما سبق، منع الناس من الدخول إلى المنطقة واحتجزت السيارات، وصولًا إلى هدم 19 منشأة بعد أول يوم من صدور قرار المحكمة، وترك تسع عائلات دون مأوى. عن كل هذه الإجراءات الإسرائيلية يقول رئيس مجلس قروي مسافر يطا، نضال يونس، إن الاحتلال يتصور أنه سوف يجعل حياة الناس تصل إلى حدٍ بائس من أجل أن تترك المكان طوعًا، مضيفًا «الناس مستحيل ترحل، في الثمانينيات والتسعينيات جعلوا حياة الناس جحيم ومرحلوش، أنا عشت في المنطقة وشفت قديش كان أسلوب الحياة صعب، ورغم هيك صمدنا».

وفي مواجهة الجرافات الإسرائيلية والسعي المتكرر لتدمير المنازل في المكان، تشكلت مجموعة شبابية في المسافر تحت اسم شباب الصمود، وهي مجموعة شبابية فاعلة في المقاومة الشعبية، تسعى لاستمرار النشاط ومقاومة الاحتلال وتنظيم فعاليات في المكان، كما أشار سامي الهريني، العضو الفاعل في المجموعة، مضيفًا أن نشاط المجموعة يومي من خلال تنظيم المظاهرات واستقبال الوفود وتنظيم حملات المناصرة الدولية، بالإضافة إلى توفير الخيام الجديدة بعد عمليات الهدم الإسرائيلية أو مصادرة الخيام الموجودة في المكان.

وعمّا استجد بعد القرار الإسرائيلي، يشير يونس إلى أن عملية الهدم الأولى تبعتها عملية أخرى، بالإضافة إلى اتخاذ قرارات أكثر جدية في محاولة منع الناس من الوصول إلى المكان، متوقعًا أن يتم عزل كل قرية لوحدها، ومنع الحركة بين القرى، في خطوات تدريجية مشيرًا إلى أنهم في النهاية سيصلون إلى الخيار العنيف والدفع باتجاه التهجير القسري بالقوة من المكان.

في سياق التغييرات على المكان، تحدث السكان عن أن قوات الاحتلال بدأت العمل خلال شهر نيسان وأيار في المنطقة الفاصلة بين مسافر يطا وبئر السبع، على إنشاء «طريق أمني» لدوريات جيش الاحتلال، وباتت تلاحق سيارات العمال الذين يحاولون الوصول إلى أماكن عملهم في المناطق المحتلة عام 1948 وتهاجم القرى وتتهم السكان بالمساعدة على نقل عمال التهريب. رغم ذلك يشير أهالي المسافر إلى أن طبيعة العمل في المكان تشير إلى إمكانية بناء جدار في المنطقة، خاصةً مع إعلان الجيش الإسرائيلي أمر وضع اليد على الأراضي في تلك المنطقة، وبالنظر لحجم المعدات الضخمة.

أما عن الفصل بين المناطق المحتلة عام 1948 وتلك المحتلة عام 1967، فلم يعرفه الناس خلال سنوات الاحتلال الطويلة، فالسكان استمروا في رعي الماشية وزراعة أراضيهم القريبة من أماكن سكنهم بعد النكبة رغم وقوعها خلف الخط الأخضر، وحتى اليوم يعرفون ملكياتهم في المنطقة ويمتلكون سندات الملكية، والمنطقة التي يعمل فيها الاحتلال سوف تحد من حركة أهالي المسافر، الذين انتقلوا من رعي الأغنام من الجبال التي انتشر فيها الاستيطان إلى تلك المناطق المفتوحة.

وسواء كان مخططًا لجدار أو طريق أمني للدوريات كما يسميه الجيش الإسرائيلي، فهو يعني إنهاء نمط حياة كامل للسكان المنطقة الذين تربطهم علاقات تجارية واجتماعية مع القبائل البدوية المتواجدة في محيط بئر السبع، إلى جانب علاقات الزواج والتجارة. يذكر نضال يونس أن سكان المسافر كانوا وحتى ما قبل عدة أشهر يصلون الجمعة في مسجد حورة الحبيبة خلف الخط الأخضر، في دلالةً على مدى التشابك وتجاوز الحدود التي وضعها الاحتلال.

مناطق إطلاق نارٍ على الفلسطينيين

تصنف مسافر يطا ضمن منطقة التدريبات العسكرية 918، وهي مناطق يصنفها الجيش الإسرائيلي باعتبارها مناطق إطلاق نار، لتكون بذلك مناطق عسكرية مغلقة يمنع الدخول والإقامة فيها. وتنتشر مناطق إطلاق النار في المناطق المصنفة «ج» بحسب اتفاقيات أوسلو، وهي تعادل حوالي 61% من الضفة الغربية، وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، على هذا الأساس تصنف 36% منها باعتبارها محميات طبيعية وحدائق وطنية وأراضي دولة، ومناطق إطلاق نار تصل إلى 17% من مناطق «ج».

تستخدم التصنيفات من أجل الحدّ من التوسع الفلسطيني في هذه المناطق، وكحجة قانونية تمنع الوصول إليها، في تمهيدٍ من أجل مصادرتها باعتبارها أماكن استراتيجية، أو ضمها للمستوطنات القريبة للتمدد عليها. يظهر ذلك جليًا من خلال محضر اجتماع قدمه أهالي مسافر يطا للمحكمة الإسرائيلية، لإثبات أن الإعلان الذي يخص أراضيهم لا يعود لأسباب عسكرية، ففي اجتماع عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون عام 1981 حينما كان يشغل منصب وزير الزراعة، اقترح فيه على ممثلي الجيش إقامة مناطق تدريبية في جنوب الخليل بسبب «انتشار العرب والقرويين في الجبال من جهة الصحراء»، ليتحول الاقتراح إلى قرارٍ رسمي.

بعد إصدار القرار بأقل من أسبوع، هدمت الإدارة المدنية الإسرائيلية 19 مُنشأةً (تسعة منازل و10 حظائر للأغنام) في منطقة مسافر يطا، في عملية هدم هي الأكبر منذ عام 2016.

في حالة منطقة إطلاق النار 918، المتواجدة على أكثر من نصف أراضي مسافر يطا، يمكن أن نرى تجليًا واضحًا لكيفية سلب الأرض من الفلسطينيين ونقلها للمستوطنين من أجل خدمتهم. فقد خصصت دائرة الاستيطان التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية مناطق رعي للمستوطنين داخل منطقة إطلاق النار، ووافقت على عقد مع مستوطن يعيش في مستوطنة سوسيا يخصص بناءً عليه قطعة أرض من مناطق إطلاق النار كمرعى ويسمح باستخدامها في أي وقت. والاستيطان الرعوي أصبح قضيةً بازرةً في الضفة الغربية، مع انتشار البؤر الاستيطانية الزراعية، التي تتوسع بأعداد قليلة من المستوطنين ومساحات ضخمة من الأراضي، وبدعم من العديد من المنظمات الاستيطانية. فبحسب تقرير صادر عن منظمة بتسيلم، تسيطر أربع بؤر استيطانية زراعية على 21 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية، فيما خصصت وزارة الزراعة الإسرائيلية 5719 دونمًا لستّ بؤر استيطانية بشكلٍ رسمي.

يدرك السكان دور هذه البؤر وعنف المستوطنين الصادر منها، كمكمل لعنف السلطة الرسمية المتمثلة في جيش الاحتلال. ويظهر هذا التكامل كما أشرنا سابقًا في تخصيص وزارة الزراعة الإسرائيلية مراعيًا للبؤر الاستيطانية، فيما يتجلى في ممارسات المستوطنين ضد أهالي المسافر، الذي يمارسون اعتداءات مستمرة عليهم، ارتفعت في آخر عامين. فيذكر السكان مهاجمة قرية المقفرة التي دخلت إليها أعداد كبيرة من المستوطنين، بالإضافة إلى اعتداءات يومية على رعاة الأغنام وطردهم من المراعي وسرقة قطعانهم. والاعتداءات في غالبيتها تحصل بوجود الجيش الإسرائيلي، الذي حصل المستوطنون على جزءٍ من أدواره، من خلال قيامهم بوضع حواجز وتفتيش السكان وفحص هوياتهم.

أما التدريبات العسكرية فقد حصلت بشكلٍ مكثف في سنوات ما قبل 2000، في تدريبات ما بين حية وجافة (دون استخدام الذخيرة الحية). ورغم قرار المحكمة بمنع التدريبات خلال فترات من عملية التقاضي إلّا أن التدريبات استمرت في تلك الفترات، فيما تشهد المنطقة حاليًا تدريبات عسكرية ضمن المناورة الإسرائيلية «عربات النار». وتتسبب هذه التدريبات في تدمير الحقول ومنع الرعي في المكان خلالها، كما أنها تركت أثرًا على أجساد السكان وندوبًا كثيرة، فتسببت في فقدان السكان أفرادًا من عائلاتهم في الأعوام 1997 و2000 و2005 التي ارتقى فيها شهداء نتيجة مخلفات التدريبات العسكرية، كما تعرض عدد من السكان للإصابات كان آخرها في عام 2021 عندما بترت يد طفل راعٍ، بانفجار مخلفات التدريبات العسكرية. ويرى منسق اللجان الوطنية لمقاومة الجدار والاستيطان جنوب الضفة الغربية، راتب الجبور، أن التدريبات الإسرائيلية في المكان تهدف إلى جعل الحياة لا تطاق في المكان ودفع الناس إلى الرحيل.

عقدان من التقاضي أمام الخصم في يوم الرابع أيار 2022، قررت المحكمة الإسرائيلية العليا رفض الالتماس الذي قدمته جمعية «حقوق المواطن في «إسرائيل»» وفلسطينيون يعيشون في مسافر يطا لها ضد قرار الجيش الإسرائيلي بإعلان منطقة سكنهم منطقة إطلاق نار عسكري، وأمروا بدفع 20 ألف شيكل (5900 دولار) بدلًا من مصاريف التقاضي.

وكان أهالي مسافر يطا قد قدموا التماسًا ضد الإدارة المدنية رفضًا لقرار إعلان المسافر منطقة إطلاق نار، أما الدولة باعتبارها طرفًا في المحكمة فقد قالت إن أهالي مسافر يطا، بدأوا بالعيش في المكان، بعد إعلانه منطقة إطلاق نار، وكانوا يستخدمونها كأراضٍ رعوية، في محاولة لرفض حجة الإقامة الدائمة بالمكان.

ونص القرار الذي كتبه القاضي دافيد مينتس المستوطن في مستوطنة دوليب قرب رام الله، أن «المسألة ليست معقدة على الإطلاق» مشيرًا إلى أن اللقطات الجوية من مسافر يطا قبل عام 1980 لا تظهر أي مؤشر على وجود سكني هناك، مضيفًا أن المكان استخدم لمحاكاة شن غارات جوية في التسعينيات. ورفض الادعاء بأن تحويل المكان إلى منطقة عسكرية مغلقة يتعارض مع القانون الدولي الذي يمنع تهجير سكان دائمين لأي سبب، قائلًا: «عندما يتعارض القانون الدولي مع القانون الإسرائيلي، فإن الأخير هو من يسود».

خبر في صحيفة الاتحاد الصادرة في حيفا حول تهجير المسافر في 17 تشرين الثاني 1999.

يختصر هذا القرار أكثر من 20 عامًا من التقاضي أمام المحاكم الإسرائيلية.[4] ففي 16 تشرين الثاني 1999، أي في ذروة زمن «السلام والدولة والسيادة»، هدمت قوات الاحتلال منازل أهالي مسافر يطا وردمت الآبار ودمرت حظائر الحيوانات، وهجرت في حينها 700 شخص من سكان المنطقة، من أجل تهجير السكان من المكان بعد حوالي 20 عامًا من إعلانه منطقةً عسكرية. لذلك، تحرك عدد من السكان مع جمعية حقوق المواطن، وقدموا الالتماس الأول للمحكمة العليا في كانون الثاني 2000، لتقرر المحكمة الحفاظ على الوضع الراهن، وتسمح للسكان بالعودة إلى منازلهم. لكن الجيش الإسرائيلي قرر أن يسمح بعودة الملتمسين فقط. وفي نهاية العام نفسه، طرحت المحكمة تسويةً تقوم على نقل السكان إلى مكان آخر، لكنهم رفضوا القرار، لتنطلق عملية وساطة بين السكان والجيش الإسرائيلي من خلال المفاوضات، لتنتهي هي الأخرى دون التوصل لاتفاق.

استمرت المحاكم حتى تموز 2012، عندما قدمت النيابة العامة ووزارة الأمن موقفًا مفاده أنه لن يسمح لغالبية السكان في الإقامة في ثماني قرى من أصل 12 قرية ضمن منطقة إطلاق النار، مع السماح لهم بزراعة الأراضي ورعي المواشي أيام السبت وخلال الأعياد اليهودية، وخلال فترتين في العام تستمر كل واحدة منهما شهرًا. بناءً على ذلك، قررت المحكمة العليا شطب الالتماس، دون البت في جوهر القضية، مع تمديد سريان الأوامر المؤقتة حتى كانون الثاني 2013 بطلبٍ من الملتمسين. وفي الشهر ذاته تم تجديد الالتماس، وبناءً عليه أوصت المحكمة بالدخول في عملية وساطة جديدة، لعب دور الوسيط فيها قاضي المحكمة العليا المتقاعد إسحق زمير، واستمرت لمدة سنتين وأربعة أشهر، دون التوصل إلى اتفاق. ورغم أن المحكمة مددت سريان الوضع الراهن في المنطقة، إلّا أن قوة من جيش الاحتلال حضرت للمنطقة وهدمت 15 منشأة في اليوم التالي لنهاية عملية الوساطة. لاحقًا، قدمت المحكمة مقترحًا لا يختلف في جوهره عن قرار الجيش، بل يضيف قرى ضمن المنطقة كانت قد استثنتها عمليات الوساطة، مما دفع السكان إلى رفضه. خلال السنوات التالية، ظل الجيش الإسرائيلي مستمرًا في تدريباته في المنطقة، حتى الوصول إلى القرار الأخير في أيار الماضي.

بالعودة إلى قرار المحكمة، يمكن إظهار جوهر الاستيطان الذي عبر عنه القاضي مينتس، حين اعتبر أن قيام السكان ببناء المنازل خلال السنوات الـ20 الماضية كان فعلًا «مشينًا»، باعتبار أنه قد سمح لهم بالبقاء في المكان وليس البناء، معتبرًا أن قرار الجيش يعبر عن حاجته الفعلية للمكان، بل لقد قام بمراعاة حاجة السكان للزراعة في الأرض عندما اقترح إمكانية عودتهم خلال أوقات محددة، متجاهلًا أن السكان يعيشون في المكان، فضلًا عن كونهم أصحاب الأرض.

صدر القرار الأخير رغم أن معظم الأراضي في منطقة مسافر يطا هي ملكيات خاصة، يوجد فيها إخراجات قيد ووثائق ملكية، بالإضافة إلى مجموعة من الأدلة قدمها السكان، مثل صور جوية من عام 1945، وأخرى من العام 1984 تظهر فيها بيوت السكان التي هدمت في العام التالي. كما حصل السكان على رأي خبراء آثار وأنثروبولوجيا، منهم من زار المنطقة في سنوات حكم الأردن، كلها لم تكن مقنعة للمحكمة الإسرائيلية. فيما يذكر نضال يونس، رئيس مجلس قروي المسافر، أنه قدم أوراقًا من سجلات متجر جده في قرية جنبة، قائلًا: «كان لجدي دكان في جنبة، جبت سجلات الدكان من سنة 1885 لغاية 1972 فيها حجم البيع والمشترى والديون، لليش الناس بتفتح دكان؟ معقول الواحد بفتحه أسبوعين وبسكره؟»، في رده على الحجة الإسرائيلية حول عدم إثبات وجود إقامة دائمة في المكان. وتتجاهل المحكمة كل نمط الحياة الفلسطيني من ناحية تسجيل الأراضي أو طبيعة العيش في الكهوف التي حفر معظمها السكانكما يذكر يونس أن الكهوف حفرت في سنوات الأربعينيات والخمسينيات وكانت مكانًا للعيش، قائلًا عنها «عادي الناس حرة بدها تعيش في مغارة، يعني مين هو القاضي ليقول المغارة مش بيت ولينكر حق الناس بالعيش فيها؟».[5]

خلال سنوات التقاضي ما بين الأعوام 2005 و2012، أي قبل شطب الالتماس، قدمت الدولة باعتبارها «طرفًا» في عملية التقاضي 27 طلبًا لمنحها مهلةً لتقديم موقفها من الالتماس، وافقت عليها المحكمة. وعندما ألزمت المحكمة الدولة بتقديم حجتها، أعادت نفس الحجة السابقة بادعاء أن السكان لم يكونوا مقيمين دائمين، مما دفع المحكمة إلى شطب القضية دون البت فيها.

المحكمة والنكبة: استمرار التهجير

من خلال مراجعة بعض قرارات المحكمة العليا المرتبطة بالاستيطان، نجد أنها عملت على قوننته طوال سنوات عملها، بناءً على اعتبارات أمنية، ومن خلال تسويغات قانونية متعددة ساهمت في الدفع في وتيرة الاستيطان، وقدمت مساهمتها ضمن المنظومة الاستيطانية.[6] المختلف في القرار الأخير يتعلق بالوضوح وفي إضفاء شرعية جديدة على الاستيطان، تتوافق مع التوجه الإسرائيلي نحو التعامل مع مناطق «ج» باعتبارها مناطق مضمومةً، وهو متوافق كذلك مع التوجه اليميني الجديد، خاصةً أن القاضي مينتيس ينتمي إلى تيار الصهيونية الدينية، وله مواقف تجعله لا ينظر إلى الأرض المحتلة من خلال عدسات القانون (أراضٍ محتلة تقع تحت السيادة الإسرائيلية لكنها خارج حدود الدولة الإسرائيلية)، وإنما من خلال عدسات توراتية قومية (يهودا والسامرة جزء من «أرض «إسرائيل» التوراتية»). أي أنه يرفع الغطاء الليبرالي عن المحكمة العليا، التي كانت دائمًا موضوعًا للسجال في «إسرائيل» خاصةً من قِبل اليمين، باعتبارها هيئةً غير منتخبة تمثل القواعد الليبرالية وتهدد التوجه اليميني وتختلف مع بيروقراطيتها التي لا تخدم الهدف القومي بشكلٍ سريع ومباشر، رغم أن مراجعة قراراتها تكشف لنا صورةً معاكسةً للنقد اليميني لها. لذلك، يذكر حجاي إلعاد، المدير التنفيذي لمنظمة بتسيلم الإسرائيلية، أن التهجير الأول لسكان المسافر حدث في عام 1999، حين كان رئيس الوزراء إيهود باراك، مذكرًا أنه كان في «زمن السلام»، ومشيرًا إلى أن الكل متورط في محو الفلسطينيين؛ «ليبراليين» و«محافظين»، مستوطنين في الضفة الغربية وتل أبيب.

صدر القرار رغم أن معظم الأراضي في منطقة مسافر يطا هي ملكيات خاصة، يوجد فيها إخراجات قيد ووثائق ملكية، بالإضافة إلى مجموعة من الأدلة قدمها السكان، مثل صور جوية من عام 1945، وأخرى من العام 1984 تظهر فيها بيوت السكان التي هدمت في العام التالي.

ما يكمل التصور الذي قدمته المحكمة العليا، هو الاتفاقيات الائتلافية التي قامت على أساسها الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي وصفت بـ«حكومة التغيير» وجمعت في مكوناتها مجموعات متباينة سياسية، من أقصى اليمين وصولًا للوسط واليسار الصهيوني وبعض العرب، جمعها اتفاق واحد هو إزالة نتنياهو من الحكم، لكنها لم تحد عن نهج نتنياهو، كما تشير هنيدة غانم: «نتنياهو وضع اللاءات، لا لدولة فلسطينية، لا للانسحاب من مناطق «ج»، ولا لوقف الاستيطان، والتي تحولت إلى إجماع وعلى أساسها تستمر الحكومة الإسرائيلية بالعمل. بمعنى آخر، نتنياهو هو من وضع حدود وخطة الحكومة الإسرائيلية الحالية». هذه النقاط تمثل الإجماع الإسرائيلي، وتعبر عن الكتلة التصويتية الصهيونية الأكبر، وهو ما تجلى في اتفاقية «حكومة التغيير» التي ورد في بنودها «ضمان المصالح القومية في مناطق ج» وتخصيص الموارد اللازمة لذلك، وتطبيق القانون وهدم المنازل الفلسطينية».[7] والتوافق الوحيد بين المعارضة الإسرائيلية والحكومة مؤخرًا يرتبط بالموقف من الفلسطينيين، فبعد رفع أعلام فلسطين إحياءً لذكرى النكبة في الجامعات الإسرائيلية، قال عضو الكنيست عن حزب الليكود يسرائيل كاتس «تذكروا سنة 48، تذكروا حرب استقلالنا ونكبتكم، لا تشدوا الحبل أكثر (..) إذا لم تهدأوا سنلقنكم درسًا لا يُنسى»، إذ لا يأتي استحضار النكبة إلّا في سياق التهديد بإعادتها مرةً أخرى.

ما سبق هو إشارات متعددة على حقيقة بديهية في دولة استيطان استعماري، تكون فيها مصادرة الأرض وتوطين المزيد من المستوطنين هدفًا قوميًا وقيمةً عليا، يتم التأكيد عليها باستمرار في كافة مؤسسات الدولة، من المحكمة العليا وصولًا إلى الحكومة، ومؤخرًا عبر جماعات استيطانية ومنظمات حقوقية تدافع عن «حق الإنسان في الاستيطان»، مثل منظمة ريغافيم التي مارست دورها في مراقبة بناء أهالي مسافر يطا التي تصفهم بـ«الغزاة».

بذلك، يبقى دور المحكمة العليا تحت السقف الذي حددته الحركة الصهيونية، باعتبار أن الاستيطان وسلب الأرض لصالح المستوطنين هو هدف قومي. وضمن هذا المنطق الأساسي الذي يحكم مؤسسات «إسرائيل»، تمارس المحكمة واجبها وتلعب دورها في إطالة أمد النكبة المستمرة للفلسطينيين. ففي الوقت الذي يصعب فيه القيام بعملية تهجير كبيرة مثل تلك التي حصلت في عام 1948، يمكن للمحكمة العليا أن تقدم مساهمةً في المصادقة على قرارات التهجير، ضمن بنية «إسرائيل» المؤسسة على التهجير وطرد السكان والسيطرة على أكبر كم ممكن من أراضيهم.

  • الهوامش

    [1] Patrick Wolfe (2012), Purchase by Other Means: The Palestine Nakba and Zionism’s Conquest of Economics, Settler Colonial Studies, 2:1, 133-171.

    [2] يقع في منطقة إطلاق النار 918 قرى طوبا والخروبة ومغاير العبد وخربة المفقرة والركيز وخربة صرورة وقواويس وخربة بير العيد وخربة التواميين، لكنها غير مشمولة في قرار المحكمة.

    [3] في أول قرار تم الإعلان عن 15 ألف دونم، وخلال عام واحد تم توسيعها إلى 35 ألف دونم.

    [4] شارك في تقديم الالتماسات إلى جانب السكان، جمعية حقوق المواطن في «إسرائيل» وجمعية سانت أيف وجمعية حاخامات من أجل حقوق الإنسان.

    [5] تتشابه هذه الحالة مع حالة القرى الفلسطينية في منطقة النقب، التي تجاهلت فيه المحاكم الإسرائيلية أيضًا كل الأدلة التي قدمها السكان من أجل إثبات معيشتهم في المكان ونمط العيش الخاص فيهم واستخدمت أدلةً انتقائية من أجل الوصول إلى قرار حكم يرفض الاعتراف في قراهم، ويمكن النظر إلى التقاطعات الكبيرة بين مسافر يطا والقرى في النقب سواء في الاستهداف الاستيطاني على الأرض أو في عمل المحاكم في أكثر مثال واضح على فكرة النكبة المستمرة، التي اشتملت على تفسيرات أوروبية/ حداثية للسياق الفلسطيني، وهي تفسيرات إشكالية، من أجل الوصول إلى استنتاج «النقب الميت» وتحويله إلى أرض مباحة، من أجل المقارنة مع النقب. يُنظر: أحمد أمارة وألكساندر كيدار وأورن يفتحئيل. الأراضي المُفرغة: جغرافيا قانونية لحقوق البدو في النقب، ترجمة: ياسين السيد (رام الله: مدار- المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2020). وEyal Weizman (2020), Ground Truth Reading Aerial Images of the Naqab from the Ground Up, Jerusalem Quarterly, Issue. 81, 37- 51.

    [6] سوسن زهر (إعداد وتقديم)، قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة (1967)، ترجمة: سليم سلامة، (رام الله: مدار- المركز الفلسطينية للدراسات الإسرائيلية، 2021)، ص 19-46.

    [7] برهوم جرايسي (إعداد وترجمة)، اتفاقيات الائتلاف للحكومة الإسرائيلية الـ36 والسير الذاتية للوزراء»، (رام الله: مدار- المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2021)، ص 14.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية