أزمة مستمرة: حصيلة ثلاثة أسابيع من إضراب المعلمين

الأربعاء 25 أيلول 2019
من إحدى مدارس عمان الحكومية. تصوير بيان حبيب.

ينقضي غدًا الأسبوع الثالث من إضراب معلمي وزارة التربية والتعليم في الأردن، البالغ عددهم نحو 87 ألفًا، للمطالبة بعلاوة على رواتبهم، في حراك تقوده نقابة المعلمين الأردنيين منذ الخامس من الشهر الحالي، وسط إصرار حكومي على رفض مطلب المعلمين. 

ورغم الوساطة النيابية بين الحكومة ونقابة المعلمين، ودعوة الملك عبدالله الثاني لحل المسألة عبر «الحوار المسؤول»، وبعد عدة اجتماعات، لم يتوصل الطرفان إلى حل بعد.

خلال هذه الأسابيع الثلاثة، احتلت أخبار الإضراب الصدارة في وسائل الإعلام وفي النقاشات الدائرة على منصات التواصل الاجتماعي. لكن وسط الأخبار الآنية وردود الفعل عليها، ما الذي تمخّضت عنه الحوارات والاعتصامات والمفاوضات حول إضراب المعلمين؟

مبادرات لم تصل إلى نتائج بعد 

تطالب النقابة برفع علاوة المهنة للمعلمين في نظام الخدمة المدنية من 100% إلى 150% من الراتب الأساسي، أي أنها زيادة نسبتها بـ 50%. وتقول وزارة التربية والتعليم إن «كلفة علاوة 50% على الخزينة تصل إلى 112 مليون دينار». في المقابل، كانت الحكومة، على لسان رئيسها عمر الرزاز، متمسكة بربط العلاوة بالأداء، عبر نظام جديد لمزاولة المهن التعليمية، بات يعرف باسم المسار المهني.

في تصريح صدر يوم الأحد، قالت الناطق الرسمي باسم الحكومة جمانة غنيمات، إن الحكومة «لم تتمسك بالمسار المهني كشرط لحل الأزمة وعلى النقابة [في المقابل] ألا تصر على مطلب العلاوة».

استهجن نائب نقيب المعلمين ناصر النواصرة، الذي يترأس النقابة بعد وفاة النقيب أحمد الحجايا في حادث سير نهاية آب الماضي، تصريح غنيمات، لافتًا إلى أن أساس إضراب المعلمين هو المطالبة بالعلاوة وليس مسألة المسار المهني.

النواصرة قال في فيديو بثته النقابة عبر حسابها على منصة فيسبوك إن النقابة لا ترفض المسار المهني ولكنها ترفض صيغته المطروحة حاليًا. وأوضح: «النقابة تريد مسارًا مهنيًا يعمل على تطوير أداء المعلم ويرتب له حوافز ترتبط بأدائه، وننطلق فيه بشراكة حقيقية بين النقابة والوزارة ولكن بعد حذف الفقرة د من المادة 5 في قانون نقابة المعلمين، والتي تقيد يد النقابة من التدخل بشروط مزاولة المهنة أو المسار المهني أو المناهج وغيرها من السياسات التعليمية».

جددت غنيمات مطالبة النقابة بتعليق الإضراب، وقالت إن «تعليق الإضراب لا يلغي مطالب المعلمين ولا يتجاهلها»، لكن النواصرة أكد أن الإضراب مستمر، مطالبًا الحكومة بالتنحي وإتاحة الفرصة لحكومة جديدة في حال لم تتمكن من حل مشكلة المعلمين.

وفي اجتماع حكومي ترأسه رئيس الوزراء عمر الرزاز السبت، قالت غنيمات إن الحكومة منفتحة على الحوار، وهو الأمر ذاته الذي أكدته النقابة مرارًا. إذ قال نور الدين نديم، الناطق باسم النقابة، لـ«حبر» إن «النقابة تجدد مطلبها لحوار جاد مع الحكومة»، مضيفًا أن الأخيرة ما تزال ترفض طرح مطلب علاوة 50% على طاولة الحوار، لافتًا إلى أنه «في حال تم ذلك سيكون بالإمكان جدولة العلاوة».

رئيس لجنة التربية النيابية إبراهيم البدور، الذي أكد أن اللجنة تم تفويضها من مجلس النواب للوساطة بين الحكومة والمعلمين، قال إن «اللجنة رتبت خمس اجتماعات بين الطرفين حضر الرزاز واحدة منها، لكن لم يتم التوصل إلى حل».

وأوضح البدور لـ«حبر» أن هناك «عدة حلول» وضعت على طاولة الحوار لكن دون جدوى «بسبب تمسك الطرفين بوجهة نظرهما».

كما لفت النائب إلى أن المقترحات تمثلت بـ«دمج بين المسار المهني وعلاوة الـ 50% والخروج بصيغة جديدة عبر لجنة يتألف أعضاؤها من النقابة والحكومة وصولًا إلى حل خلال شهرين مع تعليق الإضراب. والحل الثاني تمثل في تقسيط الزيادة على سنوات طويلة».

أما الاقتراح الثالث بحسب البدور فتمثل «بزيادة على أساس رتبة المعلمين تبدأ بنسبة 8-10% لأقل رتبة، ثم 25% للرتبة التالية، ثم 35% للرتبة الثالثة، والرتبة الرابعة 50%».

يوم أمس الثلاثاء، أصدر النائب خليل عطية بيانًا حول ما دار في اجتماع بين الرزاز وعدد من الوزراء بينهم وزير التربية والتعليم وليد المعاني، وعدد من النواب كان عطية من بينهم، «من أجل إيجاد حل لإضراب المعلمين». 

وجاء في البيان إن رئيس الوزراء أبلغ النواب أنه «سيقدم مبادرة فيها مقترحات جديد يحملها النواب إلى نقابة المعلمين (..) من أجل تقريب وجهات النظر»، دون أن يوضح عطية تفاصيل هذه المبادرة.

«العلاوة ليست للترفيه إنما لتحسين واقع معيشي»

يجمع معلمون التقتهم «حبر» على أن العلاوة التي يطالبون بها بالكاد ستكفي لتحسين واقعهم المعيشي وليست للترفيه، كما يلفت خالد (42 عامًا)، وهو معلم رياضيات لصفوف الثانوية العامة في إحدى المدارس الحكومية في عمّان، فضّل عدم ذكر اسمها.

خالد المعيل الوحيد لأسرته المكونة من ستة أطفال وزوجته غير العاملة بأجر، ويبلغ صافي راتبه بعد 19 عامًا من العمل في القطاع الحكومي 550 دينارًا، إذ يقدر راتبه الأساسي بنحو 200 دينار.

«يذهب راتبي بين قسط المنزل الشهري الذي يبلغ 285 دينارًا ومصروف المنزل، وأبنائي الستة بينهم ابنتان في مدرسة حكومية، في الصف الأول ثانوي والثامن، وابن بالصف الخامس في مدرسة خاصة يقدر قسطها بنحو 1000 دينار سنويًا، وطفلة في رياض الأطفال، وطفلان توأم يبلغ عمرهما عامان»، يشرح خالد.

ويقترح خالد على الحكومة «جدولة العلاوة على خمس سنوات كحل يرضي جميع الأطراف ويوقف الإضراب».

ويضيف «العلاوة في حال أقرتها الحكومة بالكامل لن تتجاوز 100 دينار على راتبي الذي بالكاد يكفي لتدبير مأكلنا، وابنتاي الآن في المنزل بسبب الإضراب»، ويتابع «خيار الإضراب صعب أيضًا على المعلمين».

وأكد خالد أنه، بعد انتهاء أيام الإضراب، سيعوض طلبته في صفوف الثانوية العامة عما فاتهم من دروس، وذلك خلال أيام العطلة.

تتفق إيناس (30 عامًا) معلمة الرياضيات في مدرسة الكمالية الحكومية في عمّان مع خالد بخصوص صعوبة التوجه لخيار الإضراب، خاصةً وأنها هي أيضًا تدرس صفوف الثانوية العامة. لكنها تلفت إلى واقعها المعيشي حيث تزيد التزاماتها الشهرية عن 420 دينارًا مقابل راتب لا يزيد في مجموعه مع العلاوات عن 400 دينار.

ووفق آلية الإضراب الصادرة عن نقابة المعلمين، يلتزم المعلمون «بالحضور والمغادرة حسب أوقات الدوام الرسمي وتوثيق ذلك في السجل الرسمي أو البصمة دون دخول الغرف الصفية».

ياسر (34 عامًا)، الذي يعمل معلم صف في مدرسة محمد الشريقي الأساسية للبنين منذ 14 عامًا، يقول إن «مطلب العلاوة ليس للترفيه إنما لتحسين المعيشة في وقت لم يتلق فيه المعلم علاوة على راتبه منذ أكثر من خمس أعوام في ظل غلاء المعيشة».

ياسر غير متزوج لكنه يساهم في إعالة عائلته المكونة من أربعة أفراد بمبلغ يقدر بنحو 300 دينار شهريًا، فوالده متوفٍ منذ 20 عامًا، في حين يبلغ صافي راتبه بعد الاقتطاعات والعلاوات 455 دينارًا، وراتبه الأساسي 202 دينار.

ويوضح كشف راتب معلمة في مدارس حكومية منذ تسع سنوات أن راتبها الأساسي يبلغ 189 دينارًا، تضاف إليه علاوة غلاء معيشة 135 دينارًا، وعلاوة فنية 189 دينارًا، وعلاوة رتب تقدر بنحو 11 دينارا لحصولها على (الرخصة الدولية لقيادة الحاسوب ICDL)، ليبلغ راتبها قبل الاقتطاعات 524 دينارًا، و402 دينارًا بعدها.

ويقتطع من رواتب المعلمين، بعد العلاوات، اشتراك الضمان الاجتماعي وصندوق ضمان التربية والتأمين الصحي، كما يشير نديم، الذي يقدر راتب المعلم الأساسي عند تعيينه بنحو 150 دينارًا.

وبحسب إحصائيات وزارة التربية والتعليم لعام 2017/2018، بلغ عدد معلمي المدارس التابعة للوزارة نحو 87 ألف معلم ومعلمة، إضافة إلى حوالي 18 ألف موظف إداري، في 3835 مدرسة حكومية في كافة محافظات المملكة.

وقفات احتجاجية واعتصامات وتلويح بمقاضاة المضربين

بالتزامن مع الإضراب، نُظمت وقفات احتجاجية في مدارس حكومية واعتصامات لمعلمين في عدد من محافظات الأردن تدعو لتحقيق مطلبهم، كان آخرها اعتصام شارك فيه نائب النقيب في الزرقاء، وآخر في معان الاثنين.

وفي بلدة الحسا في محافظة الطفيلة، وفي المفرق خرج مئات المعلمين الأحد مطالبين برفع رواتبهم والحفاظ على كرامة المعلم ومستذكرين النقيب الراحل أحمد الحجايا.

كما نفذ معلمون اعتصامات ومسيرات خلال الأيام الماضية في الكرك وإربد والموقر.

ودعت النقابة أمس المعلمين ومناصريهم إلى المشاركة في وقفة احتجاجية اليوم الأربعاء أمام مديرية تربية لواء ماركا، اعتراضًا على قرار مديرة تربية اللواء بنقل خمس معلمات متمسكات بقرار النقابة بالإضراب في مدرسة الكرامة. واعتبرت النقابة هذا النقل نقلاً تعسفيًا، مطالبة المديرية بالتراجع الفوري عنه.

اليوم أيضًا، شارك المئات في وقفة أمام مدرسة المنشية الأساسية للبنات، في محافظة الكرك، تضامنًا مع معلمات تعرضن أمس للتوقيف لأربع ساعات تم تكفيلهن بعدها، إثر مشادة بينهن وبين سيدة حاولت تصويرهن وهن داخل غرفة المعلمات، التزامًا بقرار النقابة بالإضراب.

وانطلق من أمام المدرسة صباح اليوم موكب رافق المعلمات المتوجهات إلى قصر العدل في الكرك لمتابعة قضيتهن، بعدما تقدمت السيدة بشكوى ضدهن.

الرزاز قال في مقابلة مع التلفزيون الأردني الرسمي إن «هناك جانبًا قانونيًا في موضوع الإضراب، فنحن نؤمن بالدولة القوية التي يحكمها القانون، وبالمجتمع القوي ومؤسسات المجتمع التي تحتكم إلى القانون. في حال إصرار النقابة على المضي به سيكون لكل حادث حديث، ولا سيما ونحن نعيش في دولة قانون ومؤسسات».

ونشر الموقع الإلكتروني لقناة المملكة، الأسبوع الماضي، عن مصادر قولها إن وزير التربية والتعليم وليد المعاني «أوعز لمدراء التربية بالقبول الفوري لأي استقالة يتقدم بها أي معلم، كما طلبت الوزارة من مدراء التربية تزويدها بكافة أسماء المعلمين المضربين والممتنعين عن التدريس، مع بيان عدد أيام الامتناع عن العمل».

وردّت النقابة بأنها «تتحمل المسؤولية القانونية والنقابية عن أي قرارات قد تصدر ضد المعلمين بسبب الإضراب».

كما أكدت أنها مسؤولة عن تعويض الطلبة عما فاتهم من أيام دراسة، وهو ما تقول وزارة التربية والتعليم أيضًا إنها ستعمل عليه.

حاولت الحكومة مرارًا تعليق الإضراب، إذ قال المعاني بعد انتهاء اجتماع سابق مع النقابة، في الأسبوع الأول للإضراب، إن «الحكومة طلبت تعليق الإضراب خلال المفاوضات، حرصًا على مصلحة الطلبة وانسجامًا مع حقّهم في التعليم». 

وأضاف أن «الحكومة عرضت خلال الاجتماع تعديل نظام رتب المعلّمين بحيث تتضاعف قيمة التعويض المادي في كلّ رتبة، ويصبح انتقال المعلّمين بين الرتب أسهل، مع ارتباطه بالأداء».

كما دعت مديريات في وزارة التربية والتعليم الأهالي لإرسال أبنائهم إلى المدارس الأحد الماضي، لكن النقابة ردت بأن الإضراب مستمر بنسبة 100%.

واعتبرت النقابة أن «الدعوات من قبل بعض مديريات التربية في المملكة للأهالي بإرسال أبنائهم إلى المدارس هي عبث بالنسيج الوطني ودعوة لضرب العلاقة المتينة التي تجمع الشعب الأردني بالمعلمين».

ووجه الرزاز في 14 أيلول الجاري رسالة للمعلمين قال فيها «جميعنا مع المعلم في خندق الوطن»، وإنه «آن الأوان أن يعود الطلبة لمقاعد الدراسة والمعلم لأداء رسالته السامية، لكي يطمئن أولياء الأمور على فلذات أكبادهم، وأن نجلس على طاولة الحوار لخدمة المعلم والطالب والارتقاء بالمسيرة التعليمية، لما فيه خير الوطن وأجيال المستقبل». فيما رفضت النقابة رسالة الرزاز وقالت إنها «مخيبة للآمال ولا ترتقي لأدنى طموح المعلمين، إذ أنها لم تتطرق إلى حق المعلمين في العلاوة».

وفضلًا عن علاوة الـ 50%، تطالب نقابة المعلمين باعتذار حكومي بعد منع وزارة الداخلية بالقوة اعتصامًا لنقابة المعلمين عند الدوار الرابع في عمّان، أي قرب مبنى رئاسة الوزراء، وطلبت من المعلمين الاعتصام في ساحة بمنطقة العبدلي قرب مجلس النواب.

غالب أبو قديس، عضو مجلس نقابة المعلمين، قال في تصريح صحفي الإثنين، إن إضراب المعلمين هو درس في السلمية والانتماء للوطن والصلابة في تحصيل مطالبنا. وأضاف «مطالبنا واضحة: العلاوة والاعتذار».

أبو قديس لفت إلى أن «نقابة المعلمين نقابة مهنية لن تحيد عن الطريق ونؤكد ذلك من خلال مطالبنا البسيطة التي حولتها الحكومة إلى أزمة، نحن نقابة مهنية ولا يمكن أن نتبع لأي اتجاه سواء نادي أو حزب أو جماعة أو مؤسسة».

وأدت محاولات الأجهزة الأمنية منع الاعتصام، الذي تدفق للمشاركة فيه آلاف المعلمين من محافظات المملكة في 5 أيلول، إلى إغلاق شوارع رئيسية في عمّان وخارجها، وتسبب بأزمة مرورية خانقة، كما ألقت الأجهزة الأمنية حينها القبض على عدد من المعلمين المشاركين الذين أطلق سراحهم في وقت لاحق.

الرزاز علّق في لقاء جمعه الاثنين بمدراء مؤسسات ومراكز بحثية وحضره وزراء على موقف الحكومة من استمرار إضراب المعلمين بالقول إن «هذه الحالة تختصر المشهد الأردني بكل أبعاده وتداعياته، لجهة الوضع المالي والاقتصادي الصعب على المواطن والحكومة على حدٍ سواء».

وأضاف «المواطن لم يلمس تحسنًا في وضعه المعيشي منذ سنوات، فالتضخم في صعود دون انعكاس على الرواتب في القطاع العام، وهناك ايضًا ضعف النمو الذي ينعكس في القطاع الخاص، إلى جانب وضع مالي للحكومة التي تعاني من عجز في الموازنة والتحدي في كيفية إغلاقه وتجاوزه».

ويرى الرزاز أن أزمة المعلمين هي جزء مما يعانيه أداء القطاع العام، ويتساءل «هل يستمر الحال على ما هو عليه، أم نطلق نقلة نوعية في القطاع العام، والتي لن تكون سهلة وقد تواجه معارضة؟».

«نَفَس الحكومة طويل في الحوار للوصول الى حل، لكن وجود الطلبة خارج مقاعد الدراسة يضع مسؤولية على الجميع؛ الحكومة، وأيضًا مجلس نقابة المعلمين، الذي من منطلق المسؤولية نتمنى أن يشعر أنه في نهاية المطاف لا يمكن استمرار هذه الحالة»، يضيف الرزاز.

بينما قال النواصرة «في جعبتنا الكثير من الإجراءات، وبعضها إجراءات غير اعتيادية، سنكشف عنها في حينه».