جماعات الهيكل في عام 2019: بداية نكسة؟

الأحد 26 أيار 2019
مستوطنون وجنود احتلال في الحرم القدسي، عام 2017.

يعدّ المسجد الأقصى من أبرز ميادين الصراع في القدس المحتلّة في ظلّ محاولات تهويده وتحويله لخدمة الرواية التّوراتية المزعومة. وتقود جماعات الهيكل جهود التهويد، وهي مجموعات يهوديّة تحمل أجندة مشتركة يجمعها الاتجاه إلى تغيير الوضع القائم في الأقصى وفرض السّيادة اليهودية عليه. ومن مطالب هذه الجماعات زيادة الوجود اليهودي في الأقصى، وتغيير الإجراءات المتّبعة في المكان، والسماح لليهود بأداء الصلاة فيه، وتقديم الأضاحي وفق الطّقوس التّلموديّة، وصولاً إلى بناء «الهيكل الثالث» على أنقاضه. وتحظى هذه الجماعات بدعم رسمي يتمثّل في احتضان فكرة الهيكل، أو عبر الدعم المالي الذي تحصل عليه من جهات حكوميّة.

وقد حقّقت جماعات الهيكل على مدى السّنوات الماضية تقدّمًا ملحوظًا متّصلاً بسعيها إلى تعزيز الوجود اليهودي في المسجد الأقصى، جاء في عدة صور منها تكثيف الاقتحامات، ومحاولات أداء الصّلوات التّلمودية تحت عيون شرطة الاحتلال، وعقد قرانات للمستوطنين في المسجد، وغير ذلك من مظاهر التّهويد وتغيير الوضع القائم. كان للاحتضان السياسي الرسمي لهذه الجماعات، ووصول داعمي فكرة الهيكل إلى مراكز القرار دورٌ في طرح مطالباتهم في الكنيست، إن لجهة إنهاء الوصاية الأردنيّة على المسجد، أو السّماح لهم بأداء الصلاة التلمودية فيه. وفي حين احتضن عدد من أعضاء الكنيست ما تطرحه جماعات الهيكل من منطلق عقائدي فإنّ نواب آخرين، ذوي انتماء علمانيّ، تبنّوا هذه المطالب لأسباب سياسيّة وانتخابيّة، وعلى قاعدة فرض السّيادة الإسرائيليّة على القدس المحتلّة، بما فيها المسجد الأقصى.

هذا الواقع المناسب لجماعات الهيكل الذي بدأ بالتّبلور بشكل كبير بعد انتخابات الكنيست عام 2013، مُني بانتكاستين لافتتين منذ بداية عام 2019 سيكون لهما ارتداداتهما على هذه الجماعات: الانتكاسة الأولى هي هبّة باب الرحمة التي بدأت في شباط وفتح فيها المقدسيون مصلّى باب الرحمة الذي أغلقته شرطة الاحتلال منذ عام 2003، وأمّا الثانية فالانتخابات التّشريعية المبكّرة التي جرت في نيسان وما رافقها من خروج لأبرز الشخصيات الدّاعمة لفكرة الهيكل من الكنيست. هاتان المحطّتان حملتا نُذر سوء بالنسبة إلى جماعات الهيكل، إن من ناحية الخسارة في المنطقة الشّرقية من المسجد، أو التّراجع في وزن الكتلة الدّاعمة لفكرة الهيكل في الكنيست.

انتصار المقدسيّين في باب الرحمة: «اليوم الذي بدّد جهد ثلاث سنوات»

في 22 شباط 2019، أدّى المقدسيون صلاة الجمعة في باب الرّحمة لأول مرة منذ أغلقته شرطة الاحتلال عام 2003 استنادًا إلى قرار صدر عن محكمة الاحتلال قضى بمنع لجنة التراث من استعمال المبنى. فتح مصلى باب الرحمة جاء بعد أيام وليالٍ من الرّباط والاعتصام في المنطقة الشّرقية من الأقصى بدأت إثر اكتشاف المقدسيّين، في 17 شباط 2019، قفلاً حديديًا وضعته شرطة الاحتلال على البوابة الواقعة أعلى الدّرج المؤدّي إلى مبنى باب الرحمة وقاعاته. وكان القفل الجديد رسالة من الاحتلال إلى مجلس الأوقاف الجديد الذي أدّى أعضاؤه صلاة الظهر في باب الرحمة يوم 14 شباط 2019 بعد اجتماعهم في المبنى واطّلاعهم على حالته وما يحتاج إليه من إصلاحات.

حاول الاحتلال قطع الطريق على المقدسيّين ومنعهم من تكريسه كمصلى، عبر طرق مختلفة ومتعدّدة، منها التفاوض مع الأردن، أو عبر شنّ حملة اعتقالات ضدّ المرابطين والحراس الذين يفتحون باب الرحمة. وصدرت تصريحات عن مسؤولين إسرائيليين مفادها رفض الخضوع لإرادة المقدسيين، لما يعكسه ذلك من دلالات حول السيادة على المسجد. وقال وزير الأمن الداخلي في حكومة الاحتلال جلعاد إردان، في مقابلة متلفزة بثت مساء 11 آذار 2019، إنّ «مبنى باب الرحمة لن يتحوّل إلى مسجد»، وهذه ليست توجيهاته وحسب، بل توجيهات رئيس الحكومة. لكنّ هذا التصريح وأمثاله، والإجراءات التي اتخذها الاحتلال ضدّ فتح المصلى كانت تقابل بالمزيد من الإصرار من المقدسيين على أنّ باب الرحمة كان مصلى وسيبقى كذلك، وهم ألزموا مجلس الأوقاف بالانضمام إلى موقفهم على الرغم من سخط الاحتلال.

باب الرحمة في سور الحرم القدسي. عن موقع أرشيف المسجد الأقصى.

شكّلت إعادة فتح باب الرحمة انتكاسة لجماعات الهيكل، عبّر عنها أحد نشطائهم بالقول إنّ «جهد ثلاث سنوات ضاع في يوم واحد». والمقصود بهذا «الجهد» هو الاعتداءات المتصاعدة على المنطقة الشرقية من الأقصى التي تعدّ محطّة ثابتة في مسار الاقتحامات، وقد باتت تشهد مزيدًا من محاولات المستوطنين أداء الصلوات التلمودية فيها، وإقصاء المسلمين عنها، إضافة إلى الاعتداءات المتكرّرة على مقبرة باب الرحمة الملاصقة للسور الشّرقي للمسجد من الخارج، عبر منع أعمال الترميم في المقبرة، وتسهيل وجود المستوطنين فيها، وشنّ حملة اعتقالات ضدّ المقدسيين الذين عملوا على تنظيفها وتصدّوا لأعمال التّخريب التي نفّذها المستوطنون، بما في ذلك تدمير شواهد بعض القبور. ونظرًا إلى أهمية باب الرحمة بالنسبة إلى جماعات الهيكل فقد تداعت جماعات الهيكل إلى اجتماع طارئ في 3 آذار 2019 لبحث الأمر، ودعا المشاركون في الاجتماع الحكومة إلى إعلان الأوقاف مجموعة إرهابيّة ومنعها من الدخول إلى الأقصى، وإلى إقامة كنيس في المسجد.

ومع فتح باب الرّحمة وعودة المسلمين إلى الصّلاة فيه، فإنّ مخطط التقسيم المكاني، الذي يهدف إلى تخصيص مساحات حصريّة من الأقصى لليهود وتعدّ المنطقة الشرقية جزءًا مهمًا منها، أصيب بضربة كبيرة شكّلت ملامح الانتكاسة الأولى لجماعات الهيكل في عام 2019.

الانتخابات العامّة المبكّرة: تراجع كتلة الهيكل في الكنيست

استبقت جماعات الهيكل انتخابات الكنيست المبكرة التي جرت في 9 نيسان 2019 بالدعوة إلى أن يكون التصويت للمرشحين على أساس موقفهم من الهيكل والاقتحامات. كذلك، برز الأقصى كمادة دعاية انتخابيّة لبعض المرشّحين كالحاخام المتطرّف يهودا غليك، من حزب «الليكود»، الذي نشر على صفحته على فيسبوك إعلانًا ترويجيًا يشير إلى أنّ العمل في عام 2019 سيكون على اقتحام ما يزيد على 35 ألف مستوطن المسجد الأقصى، أي سبعة أضعاف عدد المقتحمين قبل عشر سنوات. وكان غليك، منذ دخل الكنيست، من أبرز الوجوه التي تصدّرت مشهد الاقتحامات السّياسية للمسجد، مع الإشارة إلى أنّه كان من المواظبين على اقتحام الأقصى قبل دخوله الميدان السياسي. وقبل الحديث عمّا أفرزته انتخابات الكنيست الأخيرة لا بدّ من استعراض موجز للتطوّر الذي شهدته الكتلة التي تحتضن فكرة الهيكل منذ الانتخابات العامّة التي جرت عام 2013 وأعطت دفعًا ملموسًا لفكرة الهيكل.

سجّلت جماعات الهيكل في انتخابات الكنيست لعام 2013 قفزة كبيرة تجلّت في احتلال داعمي فكرة الهيكل مراكز متقدّمة على المستويين التّشريعي والتنفيذي. فتسلّم كلّ من أوري أريئيل ونفتالي بينت، من حزب «البيت اليهودي»، حقائب وزارية، فيما عُيّن كنائب وزير كلّ من داني دانون، وزئيف إلكين، وتسيبي حوطوفلي، وهم من «الليكود». وعلى مستوى الكنيست، عين موشيه فايغلين نائبًا لرئيس الكنيست وميري ريغيف رئيسة للجنة الداخلية، وكلاهما من حزب «الليكود»؛ وكان هؤلاء أبرز الوجوه التي شكّلت الكتلة الداعمة لفكرة الهيكل في «الكنيست 19».

في انتخابات الكنيست المبكرة في آذار 2015، ظلّت النتائج مناسبة لجماعات الهيكل، فعلى الرغم من خروج موشيه فايغلين من السباق الانتخابي، فقد عوّض عن خروجه دخول يهودا غليك. ويعدّ غليك من أبرز دعاة بناء الهيكل، وهو وعد بتسخير وجوده في الكنيست للعمل على خدمة الفكرة وتعزيزها، ما أكسب جماعات الهيكل دعمًا جديدًا ومهمًا على المستوى الرسمي إذ إنّ غليك يتبنّى فكرة الهيكل من منطلق إيديولوجي. وكان لجلعاد إردان (وهو علماني من حزب «الليكود») دور بارز على مستوى الأقصى بعد توليه وزارة الأمن الداخلي عام 2015، إذ ظهر تغيّر واضح في تعاطي شرطة الاحتلال مع الاقتحامات ليصبح هامشها أكبر وأكثر راحة ومرونة، وقد شهد نشطاء الهيكل لإردان بحسن خدمته لفكرة الهيكل، إن لجهة الاقتحامات أو التّضييق على المرابطين والمرابطات.

ويمكن القول إنّ ثقل الدعم السياسي الذي حظيت به جماعات الهيكل تركّز في حزبي «الليكود» و«البيت اليهودي»، وسجّلت إنجازات من بينها إنشاء «لوبي الكنيست لتعزيز الروابط اليهودية بجبل الهيكل» برئاسة غليك وشولي معلم، واستضافة مؤتمرات لجماعات الهيكل في الكنيست، والدفاع عن «حق اليهود بالصلاة في الأقصى»، والدعوة إلى إنهاء الوصاية الأردنيّة على المسجد ووضعه تحت السيادة الإسرائيلية الحصرية، وطرح مشاريع لتقسيم المسجد بين اليهود والمسلمين.

هذا الصعود الذي حظيت به جماعات الهيكل جاءت الانتخابات التشريعية عام 2019 لتوقفه، إذ أسفرت الانتخابات عن تراجع الثّقل النوعي لهذه الكتلة بعدما أضحت أبرز الوجوه الداعمة لفكرة الهيكل خارج الكنيست، فقد خرج يهودا غليك، ولم يجتز موشيه فايغلين نسبة الحسم، فيما لم يترشّح أوري أريئيل للانتخابات أساسًا. كذلك، فإنّ وتيرة الاقتحامات السّياسية ستتراجع في المرحلة القادمة، وحتى إن شارك هؤلاء الثّلاثة في الاقتحامات فلن يكونوا ذوي صفة رسميّة تحصّنهم وتعطي دفعًا ودعمًا إضافيًا لجماعات الهيكل. وحتى إردان، الذي حافظ على مقعده في الكنيست، فيبدو أنّه لن يكون وزيرًا للأمن الداخلي في الحكومة التي يعمل نتنياهو على تشكيلها، وذلك على خلفيّة الأزمة مع الأسرى الفلسطينيين وطريقة إدارته هذا الملف.

ثالث النّكسات: انتكاسة الفصح العبري

على هامش هاتين الانتكاستين فإنّ عيد الفصح العبري جرى بما لم تشتهِ جماعات الهيكل. فقد عقدت جماعات الهيكل، في 26 آذار 2019، اجتماعًا ناقش أمورًا من بينها عيد الفصح العبري، وأبرز ما جاء في هذا الصدد الحديث عن ممارسة قرابين الفصح في أقرب نقطة من الأقصى، ونوقش مقترح لإدخال القرابين إلى الأقصى عشية العيد. كذلك، درس الاجتماع إمكانيّة عقد مسيرة تضمّ حاخامات وكهنة وأفرادًا من جماعات الهيكل مع القرابين على أن تنتهي المسيرة في الأقصى أو أقرب مكان منه. وعقدت في ختام الاجتماع جلسة نقاشيّة مع أعضاء الكنيست من حزبي «الليكود» و«البيت اليهودي» لتقديم اقتراحات وتفعيل الضغط السياسي.

لكن على الرّغم من ذلك، شهدت احتفاليّة هذا العام تراجعًا ملحوظًا مقارنة بالأعوام السّابقة، إذ أقيمت فوق سطح السوق في البلدة القديمة على بعد مئات الأمتار من غرب الأقصى، في حين أنّها أقيمت العام الماضي في منطقة القصور الأموية جنوب الأقصى، وفي 2017 في ساحة «كنيس الخراب» في «الحي اليهودي» على بعد 400 متر من المسجد، وفي عام 2016 أقيمت على جبل الزيتون، على مسافة كيلومتر واحد ونصف من الأقصى، فيما أقيمت عام 2015، في ساحة مدرسة «نوعام بنيم»، في «كريات موشيه» غربي القدس، على بعد أربعة كيلومترات من الأقصى. وعلاوة على ذلك، لم تجمع الجماعات المتطرفة أكثر من 20 ألف شيكل لاحتفالات عيد الفصح مقارنة بـ62 ألفًا عام 2018.

أخيرًا، يمكن القول إنّ مشروع جماعات الهيكل أصيب بانتكاسة منذ بداية عام 2019، فالخسارة كانت على مستوى مخطط التّقسيم المكاني للأقصى من جهة أولى، وعلى مستوى الدّعم الرّسمي الذي تحظى به هذه الجماعات من جهة أخرى. لكنّ ذلك لا يعني أنّ هذه الجماعات لن تكون ناشطة في اعتداءاتها على المسجد الأقصى في المرحلة القادمة، بل على العكس من ذلك، فالمرجّح هو أن تكثّف من جهدها على هذا الصعيد للتّعويض عن ضمور الكتلة التي تتبنّى فكرة الهيكل من جهة، ولإغلاق باب الرحمة، أو منع المسلمين من الصّلاة فيه، من جهة أخرى.