كيف غيّرت حركة المقاطعة القضيةَ الفلسطينية في جامعات الولايات المتحدة؟ 

الأربعاء 21 آب 2019
متظاهرون مناصرون لفلسطين أمام مقر انعقاد مؤتمر الآيباك في واشنطن. آذار 2017. سوزان ملكيسيثيان. فليكر.

هذا المقال نتج عن مشاركة الكاتب في ورشة حبر الأولى لكتابة المقال التي عقدت في نيسان وأيار 2019. 

«المجتمع الأميريكي يتغيّر، يمكنكم ملاحظة ذلك. (..) أستطيع تأكيد ذلك بنفسي، قبل عشرة أو خمسة عشر عامًا، إذا كنت سألقي محاضرة في أي جامعة عن فلسطين و«إسرائيل»، كان يجب أن أحظى بتأمين من الشرطة. هذا تغيّر تمامًا الآن، وهو تغير مهم جدًا. أعتقد أن هذا التطور سيؤدي عاجلًا أم آجلًا إلى تغيّر ملموس في السياسة الخارجيّة الأميريكيّة». نعوم تشومسكي

تشهد القضيّة الفلسطينيّة حالةً من التراجع الملحوظ في العالم العربي في ظل غياب مشروع التحرر الشامل الجامع، وفي ظل تعطّل دور منظمة التحرير الفلسطينية ، وكذلك بسبب هشاشة الوضع العربي، والتوجه الواضح من قبل بعض الأنظمة للتطبيع العلني مع الكيان المحتل. وسط هذا كلّه يبدو المشهد الفلسطيني قاتمًا مسدود الأفق.

في مقابل هذا الواقع العربي المتردي، تشهد الحركات السلميّة المتضامنة مع حقوق الشعب الفلسطينيّ والداعية لمقاطعة ومعاقبة «إسرائيل» تقدّمًا على المستوى العالميّ، حتى أن تقريرًا لمعهد رويت الإسرائيلي، يقول أن حركات نزع الشرعية عن «إسرائيل» باتت تشكّل «خطرًا حقيقيًا» على بقاء «إسرائيل» واستمرارها. ومن بين الحركات التي يتحدث عنها تقرير رويت، حركة (BDS)، والتي باتت تكتسب زخمًا حقيقيًا في الدول الغربية، وتحديدًا عند الأوساط الطلابية والأكاديمية في الولايات المتحدة. 

فمثلًا، شهدت، منذ بداية العام الماضي، عدة جامعات أمريكية تمرير المجالس الطلابيّة لقرارات، غير ملزمة لإدارات الجامعات، للمقاطعة الأكاديميّة والعلميّة لـ«إسرائيل»، وسحب كافة الاستثمارات من الشركات التي تعمل في الضفة الغربية المحتلة.

أدت هذه الحراكات المتصاعدة إلى جدل عميق ضرب بشدّة داخل الحرم الجامعي والأوساط العلمية والأكاديمية وصل إلى حد «الانقسام الحاد» في هذه التجمّعات. مما مكّن من إعادة فتح النقاش عن الواقع الفلسطيني بمعايير مغايرة ومن منظور مختلف. كما دفعت هذه النجاحات اللوبيات المؤيدة لـ«إسرائيل» في الولايات المتّحدة إلى إجراء مراجعات لاستراتيجيّاتها وتكتيكات عملها داخل الجامعات والتجمعات الشبابيّة.

هذا الانقسام قائم اليوم بين من مؤيد لـ«إسرائيل» باعتبارها واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط والممثل الحيوي لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وبين معارض لسياساتها باعتبارها دولة احتلال قائمة على الفصل العنصري والتطهير العرقي للسكان الأصليين ومؤيد لحقوق الشعب الفلسطيني إلى حد ما.

في ظل هذه المعطيات لا بد من توضيح طبيعة الخطاب الحاكم لحركات المقاطعة (خصوصًا BDS) واستراتيجيتها وحقيقة تهديدها لمصالح ووجود «إسرائيل». إضافة إلى ما سبق، تبرز أهميّة دراسة الأثر الذي أحدثته هذه الحركات على الرأي العام في الأوساط الأكاديميّة والطلابيّة باعتبارها أوساطًا ديناميكيّة متفاعلة تعكس مؤشرات قياسيّة تعبّر عن طبيعة التغيّرات التي يشهدها المجتمع الأمريكي وعالم السياسة فيه.

خطاب سلمي وإعلام بديل: (BDS) تتقدم؟

شهد عام 2004 إطلاق «الحملة الفلسطينيّة للمقاطعة الاكاديميّة والثقافية لإسرائيل» (PACBI)، تبعه بعد عام إصدار أكثر من 170 شخصيّة ومنظمة مجتمع مدني فلسطيني نداءً عالميًا بات يعرف بـ(BDS) وهي «حملة فلسطينيّة المنشأ عالميّة الإمتداد» تنادي بمقاطعة «إسرائيل» وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (Boycott, Divestment, and Sanctions). تسعى هذه الحركة كما هو موضّح في بيانها التأسيسي إلى «مقاومة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والأبارتهايد الإسرائيلي». وتنادي بثلاثة مطالب رئيسيّة هي: إنهاء الإحتلال الإسرائيلي لكافة الأراضي الفلسطينيّة المحتلة عام 1967 (الضفة الغربيّة، القدس الشرقيّة، قطاع غزّة، الجولان السوري) ، وإنهاء كافة أشكال الفصل والتمييز العنصري ضد الفلسطينيين «الذين صمدوا في وطنهم رغم التطهير العرقي خلال نكبة عام 1948»، ودعم حق العودة للاجئين الفلسطينيين المهجّرين من أراضيهم عام 1948.

انتهجت حركة (BDS) خطابًا سلميًّا للمناداة بمطالبها الرئيسيّة. تستلهم هذه الحركة تجربة جنوب إفريقيا في مقاومة الأبارتهايد في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي، وتؤسس خطابها على التذكير بمخالفة «إسرائيل» «للقانون الدولي والمبادئ الدوليّة لحقوق الإنسان» وبتوجيه النداء لكل «منظّمات المجتمع المدني في العالم وكل أصحاب الضمائر الحية» للمقاطعة الفاعلة لـ«إسرائيل» في كافة المجالات الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة والعلميّة لعزلها عالميًّا حتى تنصاع للقرارات الدوليّة.

ساهم الخطاب السلمي لحركة (BDS) في اكتسابها انتشارًا وقبولًا واسعًا ضمن الأوساط الغربية الشعبيّة -كما تشير عدة استطلاعات رأي- خصوصًا ضمن الفئات الشابّة. كما سهّل التطور الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي إطلاق وسائل إعلامية مستقلّة واجهت خطاب المؤسسات الإعلاميّة العملاقة (Corporate Media) المتعاطف مع «إسرائيل» مما قاد إلى إحداث تغييرٍ ملموسٍ في الرأي العام الأمريكي. 

قدّمت هذه المؤسسات الإعلامية البديلة (Alternative Media) للمواطن الأمريكي سرديّة مختلفة عما يجري في فلسطين المحتلّة. كما ساهمت الجرائم التي ترتكبها دولة الاحتلال في إضفاء المزيد من المصداقيّة على هذه السرديّة، مثلما حصل عندما شنّت حروبًا متتاليّة منذ عام 2010 على قطاع غزّة، حيث تم توثيق الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي من قبل كثير من المنظمات الحقوقيّة الدوليّة، إضافة للانتشار الهائل للمواد المرئيّة والمكتوبة على مختلف وسائل التواصل الإجتماعي التي أظهرت حجم هذه الانتهاكات. 

يشير علي أبو نعمة في كتابه «الصراع من أجل العدالة في فلسطين» إلى تصاعد القلق الإسرائيلي إزاء هذا التغير في المناخ الدولي -الأمريكي خصوصًا- الداعم لـ«إسرائيل»، وإلى تعاظم نشاط حركات المقاطعة (BDS تحديدًا) وتحقيقها مكاسب ماديّة على الأرض تمثلت في تأسيس قاعدة صلبة من التواجد والعمل الطلابي داخل الجامعات الأميريكيّة.

في ظل هذا التقدم يبقى التساؤل عن حجم وطبيعة الخطر الذي تشكله هذه الحركات على «إسرائيل» مهمًا ومطلوبًا، لتقييم الأثر الذي أحدثته على مستوى المجتمع الأميريكي ضمن التجمعات الطلابية والفئات الشابّة.

هل تخشى «إسرائيل» المقاطعة؟

في أحد تقاريره، يشير معهد رويت، إلى أن التنامي المستمر لحركات المقاطعة يستلزم من «إسرائيل» إنشاء جدار ناري (Firewall) سياسي لحماية شرعيتها، إضافة إلى الحث على انتهاج تكتيكات جديدة في التعامل مع مثل هذه التحديات. بل واعتبر غيدي غرينشتاين، مؤسس المعهد والمستشار السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، أن خطر حركات نزع الشرعية لا يقلّ عن التهديد النووي الإيراني، بحسب أبو نعمة.

تحارب «إسرائيل» كل حملات المقاطعة التي تستهدف «تشويه صورة إسرائيل أمام العالم» وعزلها عالميًا باعتبارها «دولة ابارتهايد»، وتوظف في حربها هذه أدوات وتكتيكات تختلف باختلاف ساحة المواجهة. ففي الدوائر السياسية تستغل «إسرائيل» النفوذ الذي تملكه اللوبيات الصهيونيّة في منع إصدار تشريعات مقاطعة لـ«إسرائيل»، في المقابل تموّل حملات ممنهجة من التشهير والكراهية التي تستهدف الأفراد والمجموعات الناشطين في مجال مقاطعة «إسرائيل». أمّا داخل الحرم الجامعي فهي تخوض حربًا شرسة مع حركات المقاطعة مثل (BDS) وحركة طلاب من أجل العدالة في فلسطين (Students for justice in Palestine). كما تستهدف هذا الحرب الإسرائيلية الطلاب الناشطين والأساتذة كذلك.

يبقى السؤال الأساسي في هذا السياق هو: ما هي نتيجة هذه المواجهة؟

الحرب داخل الحرم الجامعي

أصدرت وكالة مشروع ديفيد وهي إحدى الوكالات التابعة لمنظمة (Hillel International) في الولايات المتحدة، ورقة نقاشيّة بعنوان «حرم جامعي يحترق؟ إعادة التفكير في التأثير الإسرائيلي داخل الكليات والجامعات الأمريكية» تبحث فيها الآثار التي أحدثتها حركات مقاطعة «إسرائيل» والتضامن مع الفلسطينيين مثل (BDS) على المجتمع الأمريكي وتحديدًا داخل الحرم الجامعي. حيث أبرزت الأهمية «القصوى» لمحاربة «إسرائيل» حركة (BDS) داخل الجامعات باعتبارها «ليست فقط المكان الذي ينتج الفكر المستقبلي للقادة السياسيين الأمريكيين»، بل و«الحلبة التي تُظهر عددًا كبيرًا من الشخصيات المؤثرة عالميًّا من خارج الطبقة السياسية والشعبيّة».

لا يبدو هذا الكلام فارغًا من مضمونه إذا تمعنّا بجديّة المعطيات التي دعت عدة مؤسسات داعمة لـ«إسرائيل» إلى «دق ناقوس الخطر لما يحدث داخل المجتمع الأميريكي»، كما يشير فيرن أوبنهايم، مؤسس مجموعة «براند إسرائيل»، حيث تشير نتائج الإحصائيات الصادرة من عدة مؤسسات منها: معهد غالوب وبروكينغز وPEW إلى أرقام «مثيرة للقلق» فيما يخص التأييد تجاه «إسرائيل» والفلسطينيين ضمن مختلف فئات المجتمع الأميريكي. تشير نتائج الإستبيان الذي أجراه معهد (PEW) إلى تراجع كبير في نسب التأييد لـ«إسرائيل» في القطاعات الشابة المولودين بعد 1980، حيث تراجعت نسبة التأييد لـ«إسرائيل» خلال الفترة ما بين عام (2006 – 2016) من 51% إلى 43% بنسبة 15%، في مقابل ارتفاع نسبة التأييد للفلسطينيين من 9%إلى 27% خلال نفس الفترة بنسبة 200%. بالمقارنة بنسب التأييد في الأجيال الأكبر (40 عامًا فما فوق) نلحظ أن التأييد يصب في صالح الإسرائيليين بفارق كبير لكن ثابت خلال السنوات العشرة الأخيرة. تشير النتائج أيضًا إلى أن هذه النسب مرتبطة بعوامل أخرى مثل التوجه السياسي، حيث نشهد انقسامًا حادًا بين آراء المحسوبين على الجمهوريين المحافظين والديمقراطيين الليبراليين تجاه «إسرائيل» والفلسطينيين، حيث تحظى «إسرائيل» بتأييد 79% من الفئة الأولى بارتفاع يقدر بـ41% خلال العقد الأخير، بينما يؤيد 40% من الليبراليين الديمقراطيين الحقوق الفلسطينيّة بارتفاع يقدّر بـ118% خلال نفس الفترة. 

تشير هذه الأرقام بوضوح إلى «فجوة متزايدة» بين الأمريكيين المنتمين إلى الفئات العمريّة الأكبر المؤيدين لـ«إسرائيل»، والتأييد المتعاظم للفلسطينيين ما بين الأجيال الشابّة كما وصفتها إحدى المقالات المنشورة في موقع (Times of Israel)، حيث تُحذّر بشكل مباشر إلى أن «مستقبل أميركا لم يعد يؤمن بأن إسرائيل تتشارك معه في نفس المبادئ»، الأمر الذي يضع مستقبل التحالف في «المجهول».

هذا الانقسام يعني أن الحرم الجامعي يشهد استقطابًا أيدولوجيًّا وشرخًا كبيرًا بين مكوناته الطلابية من جهة، وبين الطلاب ومجالس الإدارات الجامعيّة من جهة أخرى. 

خلال السنوات الماضية ازدادت أعداد قرارات المقاطعة الأكاديمية مع «إسرائيل» التي تم تمريرها بعد التصويت في مجالس الطلبة في عدد من الجامعات مثل جامعة نيويورك وإيرفين وسان دييغو وكاليفورنيا، بالمقابل وقفت إدارات الجامعات معارضة مثل هذه القرارات.

لم تتوقف إدارات الجامعات عند الممانعة لإقرار المقاطعة مع «إسرائيل» فحسب، بل مارست ضغوطًا كبيرة على الطلاب النشطين في حركة (BDS) وحركات التضامن الطلابية مع الفلسطينيين، إمّا من خلال التضييق على العمل الطلابي، أو بمنع استضافة شخصيات مؤيدة للفلسطينيين أو منع نشاطات مختلفة لحركات المقاطعة. مع فتح المجال واسعًا أمام استضافة شخصيّات مؤيدة لـ«إسرائيل» أو مجرمي حرب مثل إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي. إضافة إلى ذلك مارست هذه الإدارات ضغوطًا كبيرة وتضييقًا شرسًا على الأساتذة الجامعيين الذين ينتقدون السياسات الإسرائيلية العنصرية ويؤيدون حركات المقاطعة، تراوحت شدة هذه الضغوطات ما بين رفض التعيين إلى المحاكمات وصولًا إلى الفصل.

يشتكي الطلاب النشطاء في حركات المقاطعة من التمييز والمحاربة الدائمة من قبل إدارات الجامعات لهم، وتأثر هذه الإدارات بمجموعات الضغط الإسرائيلي. يدعم هذه الادعاءات رئيس مؤسسة (Hillel International) الدولية، والذي كان قد صرّح بكل وضوح بأنهم قد «تواصلوا شخصيًا مع عدة رؤساء للجامعات» في محاولة لاستمالة مواقفهم ضد (BDS) وأنهم قد وجدوا «آذانًا مفتوحة». في هذا السياق تبدو مواقف الكثير من إدارات الجامعات متسقة مع مواقف اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، لا تحيد عنها في التكتيك والأهداف.

أخيرًا

 يمكن القول أن الأثر الأهم لحركة المقاطعة إحداثها اختراقًا حقيقيًّا داخل الأوساط الطلابيّة والأكاديمية فيما يتعلق بصراع السرديات والتأييد للحقوق الفلسطينيّة. ساهم هذا الاختراق في بلورة مساحات جديدة واسعة للنقاش أسست لتحويل النشاط الطلابي من التضامن إلى الفعل والضغط المجتمعي باتجاه المقاطعة والضغط على «إسرائيل».

بالإضافة إلى ما سبق، لعل أهم ما قامت به مثل هذه الحركة أنها أعادت المطالبة بالمطلبيْن الذين غابا بعض الشيء خلال عقود من عمليات السلام ضمن إطار حل الدولتين بمشاركة السلطة الفلسطينيّة، التي طالبت فقط بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي وتناست عودة اللاجئين والتمييز العنصري ضد الفلسطينيين الذين صمدوا في الأراضي المحتلة عام 1948.