حريق نوتردام بعيون عربية: هل سيدة باريس هي أيضًا سيدتنا؟

الأربعاء 24 نيسان 2019
الصورة لشخص يشاهد حريق كنيسة تونردام متأثرًا، الصورة لجيتي إيميجيز

على إثر حريق نوتردام شعر بعضنا بالفجيعة. وربما كان أكثرنا شاعرية في فجيعته المبدع مريد البرغوثي الذي كتب عن إحساسه بوجع الحجر. وعلى الجانب الآخر رأى بعضنا في الحزن على كنيسة باريسيّة تماهيًا مع الرجل الأبيض، خاصة إذا ما قورنت الفجيعة العالمية في نوتردام بصمت العالم وتواطؤه على تدمير المساجد والكنائس والمواقع الأثرية في سوريا والعراق واليمن. لن نلوم على المفجوعين حزنهم ولن ننكر على الناقدين نقدهم، ولكننا سنحاول أن نفهم كيف لنا، نحن أبناء الشعوب المستعمَرة، أن ندعي نصيبًا في المصيبة.

لا ننكر أننا نعيش في عالم تفرض فيه وسائل الإعلام علينا التماهي مع الغرب والتعلق بآثاره (آثاره بمعنى مواقعه الأثرية، وبمعنى ما يؤثره من أماكن وأفكار وأنماط، وما يحدثه من تأثير في بيئته وعلينا) على حساب مآثرنا وآثارنا؛ وأننا قد نقاوم هذا النظام الإعلامي والسياسي والثقافي أو نستسلم له، إلا إننا في الحالتين أمام تماهٍ يفرض فرضًا. ولا ننكر أن هذا الفرض يأخذ أشكالًا متعددة من الجبر والترهيب والترغيب، من فرض النصوص الغربية في المدارس إلى تزيين الغرب وتجميله وجعله معتادًا في السينما وفي الإعلانات السياحية. ولكننا سندخل إلى الوسائط التي تفرض هذا التماهي من باب نوتردام فيكتور هوجو، ومن باب التناص المستمر ما بين نوتردام باريس ونوتردام هوجو.

فيكتور هوجو وكنيسة نوتردام: تناص الحجر

لا نص إلا ويقرأ نصًا آخر، إذا سرنا على مذهب ميخائيل باختين في القراءة الحوارية للنصوص. إلّا إن النص ليس فقط النص المكتوب على الورق؛ فإن كل ما يمر به الإنسان من تجارب نصوصٌ تُكتب على متن حياته. وفي المعمار، وفي نظام الحجر وزخارفه هناك أيضًا نص مكتوب ومرسوم، يروي بدوره نصوصًا وحكايات أخرى. تروي كنيسة نوتردام، مثلًا، بحجارتها ومعمارها، قصة نمط معماري وفني نشأ في عهد الملكية الفرنسية في أواخر القرون الوسطى يقوم على التشكيلات الحجرية الضخمة، رأى معارضوه فيه فجاجة ذكرتهم بالقبائل الجرمانية «القوطية» فسموه بالنمط القوطي، وهي التسمية التي اعتبرها هوجو في مطلع روايته التي سماها على اسم الكنيسة «غير مناسبة تمامًا، ولكنها مع ذلك راسخة تمامًا» ليقول: «نقبل بالكلمة، إذن، ونستخدمها، للتعبير عن معمار النصف الثاني من العصور الوسطى، حيث الأقواس هي الأساس»(1).

كان هوجو مهتمًا بالمعمار ومولعًا بمعمار العصور الوسطى «القوطي»، وكان يرى أن التصميم المعماري، مثله مثل الشعر، هو من وسائل التعبير، وأن فناني العصور الوسطى توفر لهم من الحرية أن يعبروا معمارًا وزخرفًا ما لم يتوفر لهم لكي يعبروا شعرًا ونثرًا. وفي رواية نوتردام يولّي فيكتور هوجو وجهه شطر الكنيسة، وشطر سائر معمار باريس القوطي، ليقرأ عليه التاريخ ويشيّد عليه فصول روايته. لا يفعل ذلك فقط بالمعنى المجازي الكامن في أي عمل أدبي بحسب باختين، وإنما يفعل ذلك بشكل أكثر مباشرة في مطلع الرواية إذ يقرأ كلمة «أنانكِه» (القدر باليونانية) التي رآها محفورة على جدران الكنيسة يومًا ثم وجدها بعد ذلك قد محيت، ثم يحدثنا عن ديدن «كنائس العصور الوسطى الرائعة» التي تأتيها الندوب من كل حدب فيغسلها الآباء ويمسحها المعماريون (كبار الشمامسة في بعض الترجمات الإنجليزية للرواية، كأنما الندوب على جدران الكنيسة ليست سوى مجاز للخطايا التي يأتي بها العصاة إلى الكنيسة قبل أن ينقيهم الآباء وكبار الشمامسة منها) «ثم يأتي الناس من بعد ذلك فينزعونها من مكانها» (ربما في إشارة إلى التدمير الجزئي للكنيسة على يد الثورة الفرنسية).

وهكذا فإن من يقرأ نص هوجو يقرأ كذلك النص المعماري المكتوب في حجارة الكنسية وزخارفها، كما يقرأ النص التاريخي الذي انطبع على جدرانها وارتبط بذكرياتها. إلا إن نص هوجو عاد وكتب في حجارة نوتردام، فمن منا ينظر إلى الكنيسة أو يسمع اسمها من دون أن تمر في ذهنه رواية هوجو سواء قرأها أم لم يقرأها؟ كُتب نص هوجو كذلك في الكنيسة بشكل مادي حين ألهمت روايته اهتمامًا بالكنيسة تُوِّج بقرار الملك لوي فيليب (الباحث عن شرعية من خلال تبني «الأشغال العامة» من بعد أن أطاحت الثورة الفرنسية بشرعية الملوك) ترميم الكنيسة على الشكل الذي نعرفها عليه. ثم تعددت المعالجات المسرحية والغنائية والسينمائية لرواية هوجو ووصلت إلى هوليوود -وفي كثير من هذه المعالجات نرى الكنسية بتصميمها الحالي اللاحق على نص هوجو- فأصبحت تلك المعالجات تروي لنا الرواية والكنيسة، وأصبحت الكنيسة، وأي زيارة أو صورة أو ذكر لها، تروي لنا الرواية ومعالجاتها. وربما كانت إشارة مريد البرغوثي إلى وجع الحجر تناصًا مع رواية هوجو أو مع هذه العملية الحوارية المستمرة ما بين نص هوجو وبين نص/معمار الكنسية.

عنف الحوار وسيادة النص على النص

إلا إن مصطلحات مثل التناص والحوارية قد تخفي ما يبطنه هذا الحوار من عنف، أو من سطوة صوت على صوت آخر، وكيف ينسخ كل نصٍ النصوصَ المكتوبة تحته: ينسخها بمعنى تقليدها وتقديم صورة جديدة منها، وينسخها بمعنى محوها. فالنص المكتوب في كنيسة نوتردام يحكي، على سبيل المثال حكاية الملكية الفرنسية وعلاقتها بالكنيسة الكاثوليكية، وحكاية الثورة الفرنسية التي كتبت نصها على كنيسة نوتردام بتدمير أجزاء منها وتحويل ما تبقى إلى معابد للديانات التي حاولت الثورة أن تُحلّها محل المسيحية (ديانة العقل، أولًا، ثم ديانة «الكائن الأعلى» بعد ذلك)، وحكاية نابليون بونابارت الذي أعاد نوتردام كنيسة مرة أخرى لينصب نفسه فيها إمبراطورًا، ثم حكاية ترميم الملك لوي فيليب للكنيسة في خضم محاولات ترسيخ الحكم الملكي مرة ثانية في أعقاب نشر رواية هوجو، وبالتالي حكاية فيكتور هوجو الذي مدح الملوك وتعاطف مع الثورات ودعم الانقلاب عليها.

قد يبدو هذا الحوار فرنسيًا محضًا، إلّا إننا معنيون به من أول النص الفلسطيني–الآرامي للمسيحية الذي كتبت عليه أوروبا نصها الكاثوليكي، إلى تسيّد صورة كنيسة نوتردام، حتى من قبل أن تحترق، على مخيلتنا وعلى ما عداها من الصور.

ما تسيد صورة كنيسة نوتردام، وإن سلمنا بجمالها، سوى نتيجة لتسيد الغرب وتخيلنا له مركزًا للعالم ومنبعًا للحضارة

فتسيّد صورة أو نص ما، على حساب ما سواهما، هي عملية لا تخلو من جبر وعنف مهما كانت تلك الصورةُ أو ذلك النصُ جميلين؛ فما تسيد نص فيكتور هوجو، وإن سلمنا بعبقريته، سوى نتيجة لسيادة الأدب الأوروبي على حساب آداب سائر العالم، وبالتالي فُرض هوجو على من درس منّا بالفرنسية، وفُرض تشارلز ديكنز، المتأثر بهوجو، على من درس منّا بالإنجليزية، وفرضت رأسمالية الطباعة والسوق تداول الأدب الأوروبي، على حساب عيون الأدب العربي على سبيل المثال. وما تسيد صورة كنيسة نوتردام، وإن سلمنا بجمالها، سوى نتيجة لتسيد الغرب وتخيلنا له مركزًا للعالم ومنبعًا للحضارة، وللعنف المحبب للسينما الأمريكية (ولوالت ديزني تحديدا) التي فرضت صورة كنيسة نوتردام وفصولا من نص هوجو (بقراءة أمريكية) على كل بيت.

لا أرمي هنا إلى رفض قراءة أدب الغرب أو دراسته أو تلقي فنونه، من المعمار القوطي إلى أفلام هوليوود، ولكن إلى التذكرة بأن آداب الغرب وفنونه إذ تنتشر تنتشر على حساب سواها إن لم تمحه تمامًا، وإن الاعتراف بهذا العنف المعنوي مدخل مهم لدراسة الآداب والفنون الأجنبية والاستمتاع بها، أو حتى لإظهار التعاطف والأسى لحدث مثل حريق نوتردام إن أردنا ألا تؤدي هذه العاطفة إلى التماهي مع الغرب أو تقديم آثاره على آثار سائر العالم.

فمهما أعجبتنا رواية هوجو أو النسخ السينمائية منها، لا ننكر أنها في لحظة معينة تجعل منا كاثوليك نعترف لكنيسة نوتردام بالقداسة -القداسة الاجتماعية والثقافية التي تيم بها هوجو إن لم تكن القداسة الروحية والدينية-، وفي لحظة أخرى تجعل منا «متنورين» نغترب عن تدين فرولو* وقبح كوازيمودو* وغجرية أزميرالدا*، اغترابًا يسمح لنا بالتعاطف من دون التماهي (حتى وإن كانت هذه الشخصيات تشبهنا في تدينها، أو في بعدها عن معايير الجمال الأوروبية، أو في «غجريتها» وبعدها عن معايير المدنية الأوروبية). ومهما أعجبتنا صورة كنيسة نوتردام لا ننكر أنها تجنّدنا في سبيل الحج إلى المركز الأوروبي (حجًا بالعاطفة التي تعترف به قِبلةً، إن لم يكن حجًا بالزيارة).

هذا العنف المعنوي، الذي يفرض نصًا ثقافيًا -بكتاباته وصوره- على حساب ما سواه، ويسمح لهذا النص بتجنيدنا ضمن ثقافة معينة، هو نفس العنف الذي يحل به حريق نوتردام محل حريق الأقصى في الليلة ذاتها، أو محل تدمير الآثار في سوريا والعراق على يد عصابات ساهمت دول عديدة، من بينها فرنسا، في تسليحها ودعمها.

إلّا إن هذه النصوص المفروضة، بجمالها وعنفها، قد باتت جزءًا من تجربتنا، نحن أبناء الشعوب المستعمَرة، ومن النص الذي يكتب حياتنا. وبالتالي، فإن فرض هذه النصوص والصور علينا منذ مطلع الاستعمار الحديث يجعل لنا نصيبًا معنويًا، إن لم يكن الوقت قد جاء للحديث عن النصيب المادي بعد، في آثار أوروبا ونصوصها. ولهذا يحق لنا أن نتعاطف مع صورة كنيسة نوتردام وأن نأسى لحريقها. وكذلك يحق لنا أن نحاسب فرنسا مرتين، مرة لفرضها آثارها على حساب آثارنا، حتى أصبحت آثارها عنوةً آثارنا، ومرة أخرى على عجزها على حماية «آثار(ها/نا)». ويحق لنا كذلك أن نسائل أثرياء العالم الذين بادروا بالتبرع لترميم ما احترق من الكنيسة، خاصة وقد أُثروا من نظام عالمي قائم على إفقار شعوبنا، عن عدم تخصيصهم هذا المال لإطعام الفقراء، كما يحق لنا أن نسائل الأثرياء الذين لم يتبرعوا لماذا يعزفون عن توجيه أموالهم لإعادة بناء جزء من عالمنا الرمزي. ويحق لنا أن نكون حاضرين في المصيبة بأسانا وبنقدنا لذلك الأسى.


1) جميع الاقتباسات من فيكتور هوجو في هذا المقال هي من ترجمتي ببعض التصرف.

*فرولو وكوازيمودو وأزميرالدا هي شخصيات في رواية نوتردام باريس لفيكتور هوجو وفي المعالجات السينمائية للرواية.