كيف نتفادى الحظر الشامل دون أن ينهار القطاع الصحي العام؟

الجمعة 09 تشرين الأول 2020
أعضاء طاقم طبي يتجهزون لفحص المسافرين في مطار الملكة علياء في عمان، 4 آذار 2020. رويترز، عن ميدل إيست آي.

منذ بداية أزمة كورونا في شهر آذار، لجأت الحكومة إلى الحظر الشامل كوسيلة رئيسية في مواجهة الجائحة، معتمدة «تصفير الوباء» كهدف استراتيجي في بداية الأزمة، ثم «تسطيح منحنى انتشار الوباء» لاحقًا، دون تعديلات مؤثرة على الوسيلة المستخدمة. ومما لا شك فيه أن الحظر الشامل هو وسيلة ناجعة، تفيد في السيطرة على انتشار الوباء، وإن كانت تفتقر للإبداع أو الدقة. إلا أنها أيضًا وسيلة ذات كلف عالية من النواحي الاقتصادية والاجتماعية وحتى الصحية.

وفي دراسة قمت بإعدادها مع الزميل أنس المحتسب، الطبيب والباحث في مجال الاقتصاد الطبّي، مطلع شهر أيلول الفائت، وجدنا أن الحظر الشامل هو الحل الأقل كفاءة إذا ما قورن باعتماد سلوكيات التباعد الاجتماعي وسياسة العزل المنزلي.

الحظر الشامل مقابل السياسات البديلة في التعامل مع الجائحة

بحسب هذه الدراسة، التي قمنا فيها بحساب الكلف الاقتصادية للسياسات الصحية نسبة إلى أثرها الصحي باستخدام نموذج إحصائي، بلغت كلفة الحظر الشامل 3.5 مليار دينار تقريبًا، دفعها الأردن في الفترة الواقعة ما بين شهر آذار وشهر أيلول، بينما بلغت كلف السياسات البديلة وهي التباعد الاجتماعي بالإضافة إلى العزل المنزلي أو المؤسسي 440 إلى 470 مليون دينار. 

وجدت دراسة زوانة والمحتسب أن الحظر الشامل هو الحل الأقل كفاءة إذا ما قورن باعتماد سلوكيات التباعد الاجتماعي وسياسة العزل المنزلي.

وجدنا أن سياسة العزل المنزلي والتباعد هي السياسة الأكثر كفاءة بين السياسات البديلة. وقد يفاجأ القارئ من هذا الفرق المهول بالكلف، خاصةً أن سياسة الحظر الشامل التي أثّرت سلبيًا بشكل كبير على مصادر دخل الناس ومعيشتها، ومنعت مئات الآلاف من المغتربين من العودة إلى وطنهم، تم تطبيقها دون تحقيق الفائدة المرجوّة. فلقد كان هدف الحظر الشامل حين طبق في الأردن هو المحافظة على أن يكون عدد حالات اليومية من كورونا يساوي صفرًا أو أكثر قليلًا، وقدّم المجتمع والحكومة الأردنية تضحيات كبيرة في سبيل تحقيق هذا الهدف والمحافظة عليه. تبعًا لذلك تمثل الحالة التي وصلنا إليها اليوم من الانتشار المجتمعي للفيروس فشلًا ذريعًا لتلك السياسة. فبدلًا من الصفر، نسجّل الآن عدد حالات يومية يتجاوز الألف، وهو مهيأ للارتفاع.

وعلى العكس من النتيجة التي يفترض تحقيقها، فإن سياسة الحظر الشامل في سبيل تصفير الوباء، أنهكت النظام الصحي بقطاعيه، الخاص والعام، وخفّضت من جاهزيته للمواجهة المحتومة مع الوباء، حيث تم توجيه كافة موارد القطاع الصحي إلى عملية تصفير الوباء فتم إغلاق مستشفيات مهمّة وتخصيصها لإصابات كورونا، مثل مستشفى الأمير حمزة وسابقًا مستشفى الملك عبدالله الجامعي قبل أن يعاود نشاطه لاحقًا. وبذل الجهد القليل على زيادة الطاقة الاستيعابية للنظام الصحي في حال فشلت سياسة التصفير، وهو ما حدث فعلًا. 

من المهم الإشارة هنا إلى أن الحظر الشامل الذي طبق في الأردن كان الأكثر صرامة مقارنةً مع جميع دول المنطقة وأوروبا، كما أن الأردن من الدول القليلة التي حاولت تطبيق سياسة تصفير الوباء مع الاختلاف الكبير بينها وبين الدول التي طبّقتها بنجاح. فمثلًا اعتمدت نيوزيلندا على كونها جزيرة معزولة في تطبيق هذه السياسة، بينما اعتمدت دول شرق آسيا، مثل الصين وكوريا الجنوبية، على خبرات ومؤسسات ذات قدرات عالية في مواجهة الأوبئة تتفوق فيها على جميع الدول الغربية وليس الأردن فحسب. لهذا نحن معنيون اليوم أكثر بعدم تكرار نفس الخطأ، لأننا نؤمن أن نظامنا الصحي، والذي كنا نفاخر فيه دول الجوار حتى بضع سنين مضت، على وشك الانهيار إن لم يتم إجراء تصحيحات جوهرية على بنيته.

أزمة القطاع الصحي الأردني سابقةٌ على أزمة كورونا

لقد كان القطاع الصحي في الأردن في فترة ما متميّزًا على مستوى المنطقة، وشمل هذا التميّز كافة مكونات النظام الصحي، من الكليات الطبية مرورًا بالمستشفيات والمراكز الصحية وليس انتهاءً بالقطاع الصناعي الدوائي. وانعكس هذا على عدة مستويات، فعلى المستوى المحلي شكّل هذا النظام الصحي ركنًا أساسيًا من أركان الأمن المجتمعي والاقتصادي، وعلى مستوى المنطقة بات الأردن محجًا للأشقاء الذين توافدوا طلبًا للعلاج في مستشفياته، والعلم في كليّاته، والاستثمار في قطاعه الصحي والدوائي.

بحسب الدراسة، بلغت كلفة الحظر الشامل تقريبًا 3.5 مليار دينار، بينما بلغت كلف السياسات البديلة وهي التباعد الاجتماعي والعزل المنزلي أو المؤسسي 440 إلى 470 مليون دينار. 

إلا أن القطاع الصحي لم يسلم من حالة التراجع التي ألمت بمختلف القطاعات الاقتصادية والسياسية والتنموية الأردنية خلال السنوات التي مضت، والتي أصبحت تنذر بخسارة المنجزات التي حققها الأردنيون في هذا المجال. إن النظام الصحي في الأردن كان وما زال يعاني من خلل جوهري قديم يتمثل في تشظي مؤسساته الصحية وتفرقها بين وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية والمستشفيات الجامعية والقطاع الخاص؛ الذي نما بشكل متسارع وعشوائي في السنوات الأخيرة، فضلًا عن تفرق مصادر تمويل الخدمة الصحية بين عدة صناديق.

نتج عن هذا التشظي مشاكل متعددة، أهمها غياب العدالة بين الأردنيين في القدرة على الوصول إلى الخدمة الصحية ونوعيتها وطرق تمويلها. بالإضافة إلى ذلك، أدى التشظي إلى ضعف مزمن في كفاءة الإنفاق الصحي السنوي (العام والخاص) والذي بلغ 2.57 مليار دينار أردني، وارتفاع مستوى الإنفاق من جيوب المواطنين حتى بلغ 27.8% من إجمالي الإنفاق على الصحة.

مع بدء أزمة الكورونا، ازدادت معاناة القطاع الصحي، وبالأخص القطاع العام، بشكل مضاعف حتى باتت تهدد قدرة النظام الصحي على الاستمرار. وقد رأينا نتائج هذا الخلل مع إغلاق مستشفى الأمير حمزة أمام الحالات العلاجية –باستثناء حالات كورونا- وعجز مستشفى البشير عن التعامل مع تزايد الحالات المرضية الطارئة -من غير الكورونا- والتي لا يملك أصحابها تأمينًا للعلاج في مكان آخر. هذا في حين أن بعض المستشفيات الخاصة أغلقت طوابق كاملة لعدم وجود مرضى يشغلون الأسرة الفارغة فيها. ويتوقع لهذه الأزمة أن تأخذ شكلًا أكثر مأساوية خلال الأشهر القادمة مع دخول موسم الإصابة بفيروس الإنفلونزا. هل سيتحمل القطاع العام وحده عبء مواجهة الجائحة؟ أم سيتم توظيف جميع القدرات والمرافق الصحية المتواجدة في المملكة بما فيها أسرة القطاع الخاص، التي تبلغ أكثر من خمسة آلاف سرير وتشكل نحو 36% من مجموع أسرة المستشفيات في الأردن؟ وفي حال تم توظيف هذه الطاقة الاستيعابية الكاملة، فما الكلف المالية المترتبة عليها؟

كيف يجنّبنا الشراء الاستراتيجي اللجوء إلى الحظر الشامل مرة أخرى؟

تجنّبُ خيار الحظر الشامل يحتم على الحكومة أن تفكر بحلول مبتكرة وجذرية، فالظرف الذي نمر به اليوم هو ظرف استثنائي في خطره وأثره المجتمعي والأمني والاقتصادي والصحي، ولا بد أن يكون الدواء من صنف الداء. من هنا قمنا أنا وزميلي أنس المحتسب بتقديم دراسة جديدة تجيب على هذه الأسئلة وتقترح أن تقوم الحكومة بزيادة الطاقة الاستيعابية للنظام الصحي بشكل كبير من خلال آلية الشراء الاستراتيجي مما يتيح للمجتمع الأردني أن يتحمل الزيادة في انتشار الوباء دون أن ينهار القطاع الصحي أو أن تزيد نسب الوفيات الناتجة عن ذلك، وبالتالي نتجنب خيار تطبيق الحظر مجددًا.

في ظل الظرف الحالي من المهم أن تقوم الحكومة بتولي مسؤولية علاج جميع مرضى كورونا في الأردن، وأن تقوم بإنشاء هيئة جديدة تكون هي دائرة القرار المركزي وتتولى عملية التنسيق بين القطاعات الصحية المختلفة وتدير عملية تحويل المرضى إلى المستشفيات في القطاع العام والقطاع الخاص، وعملية تحصيل الأموال المطلوبة وتمويل الكلف الناتجة عن الأزمة. وقد قامت حكومة الرزاز في آخر يوم عمل لها بإنجاز هذا المقترح من خلال تشكيل ما أسمته بالفريق اللوجستي. لكن هذا لا يكفي، إذ يجب أن تهيّئ الحكومة الوضع القانوني للإجراءات المقترحة من خلال إصدار التعليمات اللازمة من خلال قانون الدفاع لمنح هذه الهيئة أو الفريق الجديد الصلاحيات المطلوبة لإدارة العملية وتحصيل الأموال وتغطية الكلف.

إن تطبيق مبادئ السوق الحر في الرعاية الصحية وفي التمويل الصحي يؤدي إلى فشل هذين القطاعين، كما هو متفق عليه في أبجديات الاقتصاد الصحي مما يستلزم تدخل الدولة.

وبدلًا من أن يشتري المريض الخدمة الصحية من القطاع الخاص على حسابه الشخصي (وهذا فيه مخالفة لقانون الصحة العامة حيث أن مكافحة الأوبئة تقع ضمن مسؤوليات الحكومة)، تقوم الحكومة بدفع ثمن هذه الخدمة نيابة عن المريض، وفي أي مرفق صحي سواء كان عام أم خاص.

بهذه الطريقة، ستنجح الحكومة في زيادة طاقتها الاستيعابية إلى 14 ألف سرير (بحسب التقرير الإحصائي السنوي لوزارة الصحة 2019ويتوقع أن تخفّض الحكومة في حال استخدمت هذه الآلية مجمل الإنفاق الصحي إلى حد كبير، فمن ناحية، ستتمكن الحكومة من الحصول على أسعار أكثر تنافسية حين تقوم هي بالشراء نيابة عن كل الأردنيين، مقارنة بأسعار السوق التي نحصل عليها كأفراد. كما ستتمكن من دفع بعض الكلف للقطاع الخاص على شكل تخفيضات وإعفاءات ضريبية، وستنخفض قيمة المستهلكات الطبية إذا قامت الحكومة بتوفيرها للقطاع الخاص من خلال مستودعاتها التي تشتري باستخدام ما يسمى العطاء الموحد، إذ من الممكن للحكومة أن تبيع هذه المستهلكات للقطاع الخاص مع هامش ربح يساعد على تمويل العملية. بالإضافة إلى جميع ما ذكر، وبما أن الحكومة ستقوم بعلاج كافة الأردنيين والأردنيات، فهذا يتيح لها أيضًا أن تُلزِم شركات وصناديق التأمين الصحي الخاصة بدفع مبلغ مقطوع عن كل مشترك مقابل توليها هي مسألة علاج حالات الكورونا.

إن فكرة الشراء الاستراتيجي المركزي للخدمة الصحية مبدأ مستقر في أدبيات الاقتصاد والتمويل الصحي، ومعمول به في العديد من الدول المتقدمة مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا واليابان والعديد من الدول الأوروبية وتتبناه منظمة الصحة العالمية في إطار السعي نحو التغطية الصحية الشاملة. وحتى في أعتى قلاع الرأسمالية، الولايات المتحدة، لجأت الحكومة الأمريكية إلى تعويض جميع مقدمي الخدمة الصحية عن كلف علاج المصابين بالكورونا غير المؤمنين صحيًا. 

يلاحظ بأن تطبيق مبادئ السوق الحر في الرعاية الصحية وفي التمويل الصحي يؤدي إلى فشل هذين القطاعين، كما هو متفق عليه في أبجديات الاقتصاد الصحي[1] مما يستلزم تدخل الدولة. لذلك نجد أن جميع تلك الدول التي ذكرناها -باستثناء أمريكا- تتبنى نظمًا صحية بعيدة عن اقتصاد السوق وتتدخل مباشرة في إدارة الرعاية الصحية. وهذا الكلام للأسف لا ينطبق على النظام الصحي الأردني، حيث لا تلعب الدولة أي دور يذكر في القطاع الخاص، مما أوصلنا إلى الأزمة التي نواجهها اليوم.

إن ما أصاب الطفلة سيرين التي توفيت قبل شهر نتيجة عدم توفر سرير للعلاج وعدم توفر تأمين صحي لها يعد خطيئة كبرى وقع فيها النظام الصحي والمجتمع الطبي معًا، ولا ينبغي أن يرضى الأردنيون بتكرار تلك الفاجعة مرة أخرى. لذا لا يجوز أن يقتصر علاج مرضى كورونا في القطاع الخاص على المقتدرين ماديًا بينما يترك ذوو القدرات المادية المحدودة لمواجهة مصيرهم، في ظل تزايد الحالات بشكل يفوق قدرة القطاع العام. كما لم يعد بالإمكان فرض حظر شامل آخر يُفرغ الخزينة المالية للحكومة والمواطن من القليل الذي تبقى فيهما، في حين ينعم القطاع الخاص بفرصة تربح واستغلال للأزمة، ستعزز حالة غياب العدالة والإنصاف وتزيد الاحتقان الشعبي، ناهيك عن ارتفاع أعداد الوفيات بين الناس. نحن نحتاج اليوم إلى حلول جذرية تمكن الأردن من عبور أزمة كورونا بنجاح والخروج منها بمجتمع أكثر تكافلًا وقوة.

  • الهوامش
    [1] تنظر علوم الاقتصاد الصحي إلى فشل السوق الحر في سوق الرعاية الصحية، وبينما تستخدم مصطلحات حساسة قد لا تجد قبولًا عند القارئ غير المختص، مثل السوق للكناية عن الرعاية الصحية، والعرض (مقدم الخدمة الصحية) والطلب (المريض)، إلا أن هذه العلوم اعتمدت على علم الاقتصاد الحر من داخل منظومته القيمية والمصطلحية لتحارب أطروحاته. فهناك شبه اتفاق عام بين أغلب المراكز الأكاديمية على أن الرعاية الصحية تختلف عن باقي الأسواق وتتميز عنها باستحالة تحقيق شروط السوق الحر، وذلك لأسباب متعددة أهمها وجود علاقة وكالة ما بين مقدم الخدمة (الطبيب) والمستخدم (المريض)، تعطي لمقدم الخدمة سيطرة على نوع ونوعية وتوقيت طلب هذه الخدمة، مما ينفي استقلال العرض عن الطلب. يضاف إلى ذلك اعتماد الرعاية الصحية على عدة احتكارات ضرورية لنجاح الرعاية الصحية، فتقديم الخدمة تحتكره فئة الأطباء مثلًا، ولا يجوز لغير الطبيب أن يقدم هذه الخدمة. مثال أخر على الاحتكار نراه في عملية تطوير الأجهزة الصحية والدوائية، حيث تحصل هذه الشركات على عقود احتكارية معترف بها عالميًا لمدد تصل إلى عشرين عامًا.