تكنولوجيا المُستعمِر: عن حواجز الاحتلال «الذكية»

فلسطينيون يعبرون حاجز قلنديا الجديد بين رام الله والقدس، بالهويات البيومترية، 11 تموز 2019. تصوير سيبايتسان شينر. أ ب.

تكنولوجيا المُستعمِر: عن حواجز الاحتلال «الذكية»

الثلاثاء 03 كانون الأول 2019

شكلت الحواجز الإسرائيلية في فلسطين المحتلة واحدةً من أبرز تمظهرات المُستعمِر بعد اتفاقية أوسلو، فقبلها لم يكن هناك سوى عدة حواجز ولم تكن سمة عامة للاحتلال في حينه. لكن استخدامها ازداد خلال الانتفاضة الثانية، إذ أقيمت على أطراف المدن، وحوّلت مدن الضفة الغربية وقطاع غزة إلى جُزر. فلو أخذنا مدينة رام الله خلال الانتفاضة الثانية، على سبيل المثال، فقد أحيطت من شمالها بحاجز سردا وبعده بعدة كيلومترات بحاجز عطارة، ومن شرقها بحاجز الـ«D.C.O»، ومن جنوبها بحاجز قلنديا، ومن غربها بحاجز «عوفر» (وجميعها ما تزال قائمة حتى الآن عدا حاجز سردا). 

شكلت هذه الحواجز معازل داخل المدن بفصلها الشعب الفلسطيني داخل الضفة الغربية وغزة وعن الأراضي المحتلة عام 48 بالجدار والحواجز المقامة عليه. وإلى جانب الفصل، شكلت نقطةً للسيطرة وإذلال الجسد الفلسطيني، مع تحولها إلى هاجسٍ للمُستعمِر في أحيان، فقد قاومها الفلسطيني/ة دائمًا أما بشق طرقٍ التفافيةٍ عليها أو بمهاجمتها أما بعمليات إطلاق نار أو تفجيرها.

الحواجز كذلك شكلت هاجسًا للفلسطيني/ة، وأصبحت جزءًا قسريًا من ذاكرته، فمن عايش الانتفاضة الثانية –يذكرها الشباب الذين هم الآن في العشرينات- يحمل الكثير من الذكريات عن حواجز سردا[1] والكونتينر وحوارة، ويستطيع الحديث لساعات عن ملايين الساعات والأعمار التي ضاعت في الانتظار. فالحاجز أجبر الفلسطيني/ة على الاستيقاظ مبكرًا ليصل إلى عمله أو جامعته أو موعد علاجه دون تأخير. كما أنَّ الانتظار والاحتجاز الطويل والخوف من الاعتقال أو الموت يدخل الفلسطيني/ة في حالةً من التشويش والخوف، فعلى سبيل المثال، نشر الاحتلال خلال عام 2016 فقط ما متوسطه 107 حواجز مفاجئة كل أسبوع في الضفة الغربية، مما جعله يخلق ارباكًا حقيقيًا في الحياة. 

كما أوجدت الحواجز الحاجة لنمط من السير بما لا يثير أي شبهة، ليتخلى الفلسطيني/ة عن سجيته كي لا يصبح شهيدًا (يمكن تذكر ذلك أيضًا من أحداث قريبة مثل هبة 2015). ولم يقتصر الأمر على نمط السير، بل امتد للوقوف أيضًا الذي بات عليه أن يتم بشكل محدد سلفًا، فأذرع الآلات الدوارة على الحواجز التي يضطر الفلسطينيون للمرور عبرها صممت بمقياس خاص وهو 55 سم بدلًا من 70-90 سم،[2] وتكون هذه الآلات موجودة بعد اصطفاف الفلسطيني في طابور محاط بالشبك وهو يشبه القفص وينتظر فيه حتى يفتح الجندي له الأذرع الدوارة لكي يمر منها، وتسمى هذه النقطة «بالمعّاطة». وبعدما يمر عدد معين من الناس عبر البوابات الدوارة، يوقفها الجندي حتى ينتهي ممن دخل، وقد تغلق على أشخاص في داخلها. وبعد ذلك يحصل تفتيش آلي وكشف على الأوراق ومن ثم الخروج من آلة دوارة أخرى. هذه الآلات الدوارة موجودة على الحواجز التي تفصل الضفة الغربية عن الأراضي المحتلة عام 1948 وفي بعض الحواجز داخل مدينة الخليل، وكانت سابقًا موجودة على حاجز حوارة الذي كان يقطع نابلس عن وسط الضفة الغربية وجنوبها. وهي مختلفةٌ في تصميمها عن نظيرتها التي تستخدمها «إسرائيل» في الداخل المحتل.

مع حالات الهدوء النسبي، عمل الاحتلال باستمرار على تطوير أدوات سيطرته. فقد تحولت الحواجز إلى ما يشبه المعابر الحدودية، وأدخلت إليها شركات خاصة، تحول الفحص إلى شاشات الحاسوب بدلًا من الأوراق قبل 15 عامًا، ولاحقًا دخلت الأجهزة اللوحية، قبل أن يصبح هناك عدة حواجز «بيومترية» وهي حواجز تحتوي على بوابات إلكترونية تقرأ الهويات البيومترية والبطاقات الممغنطة بشكل آلي وتقرر فتح البوابات للمرور بناءً على ذلك، دون وجود جندي بشكل مباشر. ومع تبدل الوقت أصبحت شركات الاتصالات الفلسطينية ترسل أحوال الحواجز  للفلسطيني برسائل على هاتفه ليتمكن من ترتيب أموره على أساس ذلك.

تعرّف الباحثة هجار كوتيف الحاجز بأنَّه أداة لتصنيف الهويات، وهو يرتكز في أساسه على الدمج، حيث يجري دمج الهويات- القومية أو الإثنية أو السياسية وصبغها بصبغة محددة تنطوي على العنف وتصوير محدد يصور هذا العنف (في صورة الإرهاب). وفي الحالة الفلسطينية، تمثل الحواجز المنتشرة في أراضي الضفة الغربية جهازًا يُعنى بالسيطرة على السكان الذين ينُظر إلى تنقلهم وحركتهم كما لو كانت ضربًا من الإرهاب.[3]

وهم الانفراجة

في عام 2001 بلغ عدد الحواجز في الضفة الغربية 190 حاجزًا، وفي 2004 وصل إلى 680 حاجزًا، وفي 2012 كان هناك 61 حاجزًا مأهولًا يتواجد عليه الجنود بشكل يومي أو شبه يومي،[4] ومع نهاية عام 2016 كان هناك 572 حاجز ثابتًا، من بينها 44 حاجزًا مأهولاً بالجنود.

باستعراض عدة سنوات من بينها سنوات الانتفاضة الثانية وما بعدها وصولًا لعام 2012، الذي لم يُقتل فيه إسرائيلي في الضفة الغربية، ومن ثم لفترة هبة القدس عام 2015، نجد أنَّ أرقام الحواجز لا تنخفض حتى في سنوات «الهدوء» التي أعلنت «إسرائيل» عن إزالة بعض الحواجز خلالها، وبذلك يظهر أنَّ الإعلان عن إزالة الحواجز لم يكن إلّا وهمًا، وأن للحواجز دورًا مهمًا في إظهار وجود المُستعمِر دائمًا، مشكّلةً رادعًا للفلسطيني/ة ومنغصًا عليه/ا، فضلًا عن استخدامها كنقاط اعتقال للفلسطينيين.

على كل حال، هذا لا ينفي دور الحاجز في معاقبة ومواجهة القرى والبلدات المقاوِمة (واستراتيجية معاقبة المناطق المقاوِمة ليست جديدة، بل اعتمدت منذ ثورة 1936). فمثلًا، بقي حاجز حوارة جنوب نابلس قائمًا لوقتٍ أطول من الحواجز الأخرى وحوّل نابلس إلى منطقةٍ معزولةٍ. ظهر ذلك أيضًا في الآونة الأخيرة مع قرى معينة مثل دير أبو مشعل بعد إحدى العمليات، وكذلك قرية دير نظام، فيما تشكل الخليل نموذجًا مستمرًا لتوظيف الحواجز، مرتبطًا بحالة المدينة وأيضًا بالترتيبات التي أقيمت مع السلطة الفلسطينية. ولا تعتبر «إسرائيل» الحواجز مع الضفة الغربية معابرًا دوليةً مثلما تتعامل مع قطاع غزة، فهي تصنف حاجز إيرز/بيت حانون شمال القطاع ضمن 23 معبرًا حدوديًا دوليًا لها، أما الحواجز المنتشرة كفتحات في الجدار بين الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948 فهي غير مذكورة وبذلك يظهر التعامل الإسرائيلي مع الضفة الغربية كجزء من «إسرائيل» في خطوةٍ تسبق كل التصريحات الإسرائيلية عن ضم الضفة الغربية.

تقننة الحواجز 

بدأ الاحتلال بعملية تقننة للحواجز وتحويلها إلى بيومترية خلال العام الحالي. أول الحواجز التي حصلت على هذه التقنية، التي خصص لها مبلغ 85 مليون دولار، كانت حاجز 300، وهو حاجز ثُبت عام 2005 ويفصل بين القدس وبيت لحم ويمر منه السياح والفلسطينيين الذين يتنقلون بين المدينتين والعمال، وحاجز قلنديا الذي يفصل بين رام الله والقدس. فقلنديا أصبح يحتوي على 27 بوابة إلكترونية تقرأ الهوية البيومترية والبطاقات الممغنطة، التي تصدر عن وزارة الداخلية في حالة الهوية البيومترية، وعن مراكز الارتباط المتواجدة في الضفة الغربية في حالة البطاقة الممغنطة. وإصدار هذه البطاقات يتطلب أنَّ يسلّم الشخص بصمات العين والأصابع وصورة للوجه.

واتساقًا مع تقننة الحواجز وتحويلها إلى حواجز بيومترية، أعلن منسق حكومة الاحتلال في «المناطق» -وهي التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية وقطاع غزة-[5] أنه بدايةً من شهر نيسان/أبريل سيتم إلزام كل فلسطيني يرغب بالمرور عبر الحواجز الفاصلة بين الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948 بإصدار بطاقةٍ ذكيةٍ بحسب تعبيره، وذلك من أجل تقليص المدة الزمنية اللازمة للعبور وتخفيف حالات الازدحام. وبذلك، لم يعد المنسق يروج للبطاقات الممغنطة، بل أصبح كل من يريد الدخول للأراضي المحتلة عام 1948 مجبرًا على الحصول عليها، ولكن الحصول عليها يغني عن الحصول على تصريح. ويولي المنسق في صفحته على فيسبوك اهتمامًا كبيرًا بالحواجز والحركة عليها، ويعمل على إبراز حركة المرور والنقل بالأرقام «والإصلاحات» التي تحصل في الحاجز وكل المستجدات من خلال فيديوهات تحمل إحصائيات شهرية، وراديو صفحة المنسق الأسبوعي.

ورغم إجبار من يريد المرور عبر الحواجز من سكان الضفة الغربية على إصدار بطاقات ممغنطة إلاّ إنَّ وحدة التنسيق والادارة المدنية الإسرائيلية مستمرة في الترويج لمشروع تقننة الحواجز الذي تنفذه واصفةً اياه «بالثورة» في الخدمات المقدمة على الحواجز.

ودخلت البطاقات الممغنطة حيز الاستخدام عام 2004، وإصدارها يشترط تسليم بصمات الأصابع بالإضافة إلى صورة للوجه. وتمنح البطاقة لمن يبلغ من العمر 16 عامًا، مقابل رسوم 130 شيكلًا، أي ما يعادل 37 دولارًا أمريكيًا، وتكون صالحة لمدة أربع سنوات، وهي خاصة بسكان الضفة الغربية.

أما الفلسطينيون في القدس المحتلة، فقد بدأت وزارة الداخلية الإسرائيلية بتحويل هوياتهم إلى هويات ذكية، أي يمكن قراءتها على الحواجز البيومترية، بحيث يقوم سكان القدس بتقديم بياناتهم وهي بصمات إصبعين وصورة للوجه من أجل الحصول عليها. 

جمع المعلومات هذا هو أحد طرق تثبيت سيطرة الاحتلال على الفلسطينيين، فإلى جانب جمع المعلومات الشخصية من كل فرد بشكل إلكتروني، هناك جمع للمعلومات بشكل من قبل الجنود على الحواجز. وقد لاحظ كُثر ممن يعبرون الحواجز يوميًا أو طرق الضفة الغربية وجود جنود لجمع معلومات وأرقام سيارات وهواتف من يمرون، في محاولة رصد وإنشاء نمط لمن يمر عبر الطرق. كما ظهر خلال الآونة الأخيرة على معظم مداخل مدن الضفة الغربية كاميرات مراقبة بعلوٍ مُنخفض وموجهة إلى المركبات المارة إلى الطريق ترصدها وترصد من بداخلها.

هذه العملية التكنولوجية البيومترية، التي تروج المؤسسات الإسرائيلية لها باعتبار أنها تقلص وقت الانتظار على الحواجز، تستطيع إخفاء الاستعمار عن النظر، فيتعامل الفلسطيني/ة مع آلةٍ هي من تقرر عبوره من عدمه، دون وجودٍ مادي للجنود على الأقل في محيط قريب كما كان سابقًا، وليتحول المستعمِر إلى آخر غير مرئي تمامًا. كما أنَّ الحاجز أصبح يشبه المعابر الدولية، فتم تقليص وجود الأقفاص والممرات الحديدية، مع تقليل فجاجته وتداخله غير المتسق مع المكان من ناحية الشكل، وتم تجميله داخليًا إلى حدٍ ما بألوان غير باهتة -استبدلت اللون الرمادي- وأصبحت ممرات الحركة أكثر اتساعًا، في محاولةٍ لإخفاء فجاجة الاحتلال معماريًا وطرق السيطرة والإخضاع الممارسة من خلال الحاجز.

يقول الأسير وليد دقة:

«إن القمع الحداثوي مقنّع ويقدّم على أنه استجابة لحقوق الإنسان، إنه قمع لا صورة له، ولا يمكن تحديده بمشهد. إنه مجموعة من مئات الإجراءات الصغيرة والمنفردة وآلاف التفاصيل التي لا يمكن أنَّ تدل مفردةً على أنها أدوات للتعذيب، إلا إذا أدركنا الإطار الكلي والمنطق الذي يقف من وراء هذه المنظومة».[6]

كل هذه التقنيات المستخدمة على الحواجز التي تظهر كتحسينات لحياة الفلسطيني/ة، هي بالأساس قمع مغلف للفلسطينيين يتم من خلاله جمع أكبر كم من المعلومات، وإخضاع الناس من خلال المرور بأنماط معينة مجبرةً، ضمن حالة الاحتلال الشمولي الذي تصعب الإحاطة بكافة جوانبه. ولكن الحواجز مجرد أداة واحدة من أدوات هذه المنظومة، وتهدف كالكثير غيرها بشكل أساسي إلى «صهر الوعي» الفلسطيني، بحسب الأسير دقة.

  • الهوامش

    [1] ريما حمامي، «حكاية حاجز تفتيش في زمن الاحتلال»، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 16، العدد 63 (صيف 2005).

    [2] إيال وايزمن، «أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي» (ترجمة باسل وطفة). مدارات والشبكة العربية للأبحاث والنشر. 2017. ص231

    [3] هجار كوتيف، «الحواجز»، قضايا إسرائيلية، العدد 66 (أغسطس 2017)، ص 19.

    [4] فاطمة عيتاني ومحمد داود، معاناة الفلسطينيين من الحواجز الإسرائيلية في الضفة الغربية، (تحرير: محسن صالح). مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2015.

    [5] منسق أعمال الحكومة في المناطق -المناطق هي الضفة الغربية وقطاع غزة- أو ما يعرف اختصارًا بالمنسق، وهو المسؤول عن وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق وهي وحدة تتولى تنفيذ كافة قرارات الحكومة الإسرائيلية في المناطق، وهي مسؤولة عن التنسيق الأمني وتنسيق عمل المنظمات الدولية والتنسيق الذي يرتبط بالصحة والتجارة، وهي مكونة من جنود الجيش الإسرائيلي.

    [6] وليد دقة، «صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب»، (تقديم: عزمي بشارة). الدار العربية للعلوم ناشرون ومركز الجزيرة للدراسات. بيروت، 2010.