«صفعة كبيرة لاتفاق الطائف»: حوار مع جنى نخال حول الانتفاضة اللبنانية

متظاهرون وسط بيروت، 20 تشرين الأول 2019. تصوير أنور عمرو، أ ف ب.

«صفعة كبيرة لاتفاق الطائف»: حوار مع جنى نخال حول الانتفاضة اللبنانية

السبت 26 تشرين الأول 2019

عشرة أيام مرت على اندلاع مظاهرات لبنان، التي فجرتها تصريحات حول فرض ضريبة على الواتساب، لتتسع الحركة الاحتجاجية مناطقيًا ومطلبيًا وصولًا إلى انتفاضة شعبية تطالب بقلب النظام السياسي وتغيير البنية الاقتصادية للدولة بشكل عميق.

للحديث عن هذه التطورات المتسارعة ومحاولة فهم ما يجري على الأرض، التقينا من بيروت بجنى نخال، عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي اللبناني، والناشطة النسوية، والمختصة بالتخطيط المديني.

الحراك دخل أسبوعه الثاني. ما هو معيار نجاحه بالنسبة لك؟ 

أول معيار هو أن الناس نزلت إلى الشوارع. هذا ليس نجاحًا للحركة ككل، لكنه نجاح للرفض. الحراك الحالي هو امتداد لتحركات منذ 2011، فـ«الناشطون» من اليساريين أو غيرهم معتادون على النزول للشارع، لكن لم يكونوا قادرين على التأثير فعليًا على أحزاب السلطة، حتى لو تظاهروا ضد جعجع وضد عون وضد الكتائب وحزب الله وحركة أمل. النقلة التي حدثت هذه المرة هي نزول الناس الذين لا ينتمون للفئات التي نجدها في الشارع عادة؛ الناس غير الناشطين سياسيًا، أو الذين هم أصل من بيئة أحزاب السلطة نفسها، وهذا ما جعل رد السلطة متوترًا ومضطربًا بهذا الشكل.

المعيار الثاني هو شمول الحراك للفئات الشعبية أو الطبقة العاملة. الذين تظاهروا أول يوم، الخميس 17 تشرين الأول، كانوا فقراء الوطن. حين نتحدث عن تظاهرة موتوسيكلات [دراجات نارية]، فوجود الموتوسيكل هو تعبير طبقي عن الفئة التي ينتمي إليها هؤلاء.

نحن لا نتحدث عن فئات تلقت تعليمًا جيدًا أو لديها أشغال جيدة، رغم أن الأزمة وصلت إلى أن أبناء الطبقة الوسطى لم يعودوا يعثرون على عمل. لكن الذين تحركوا من البداية وكانوا عصب الحراك هم المهمشون من فقراء المدن والقرى. قدموا من أحياء مثل حي اللّجى، وخندق الغميق، والبسطة، في بيروت وهي أحياء يسكنها الآتون من القرى للعمل، لكنهم يعيشون في المدينة بأفقر مما يعيشون في قراهم. أمثال هؤلاء هم الذين حركوا الشارع، لا نحن [كحزبيين] ولا الطبقات الوسطى.

المطلب الأساسي استقالة الحكومة وتشكيل حكومة انتقالية تحضر لانتخابات على أساس قانون انتخابي مختلف، لبنان دائرة واحدة وخارج القيد الطائفي؛ خارج كل اتفاق الطائف. أنا أعتقد أن ما يحدث هو صفعة كبيرة لاتفاق الطائف. خروج الناس في طرابلس تضامنًا مع صور، وجل الديب مع النبطية، يعني الخروج من الكانتونات التي خلقت لأجلهم، بعد أن قيل لهم: ابقَ مع طائفتك، ابقَ في منطقتك، لا تتحدث إلا عن حقوق طائفتك، وهناك ممثل لطائفتك هو من يتحدث عنك أصلًا. لذا فالخروج من هذه الكانتونات منجز عظيم يوضح لماذا يطالب الناس باستقالة الحكومة والرئيس. نريد أشخاصًا من خارج البنية الطائفية. 

بدأت في الأيام الأخيرة محاولات فتح الشوارع بالقوة، وتعرضت بعض المظاهرات للقمع. كيف ترين تأثير ذلك؟

الأحزاب الموجودة في السلطة حاليًا تستخدم ثلاثة أدوات حتى تسيطر أو تقضي على الحراك. أولًا، العنف، إما من قبل الجيش والدرك أو محازبي أحزاب السلطة والتابعين لها، ممن نزلوا إلى الشارع لتخويف الناس وضربهم. وهذا لا يحدث فقط في أماكن محددة. بالأمس [الأربعاء] هجم مناصرو عون على المتظاهرين في المناطق المحسوبة عليه. الحزب التقدمي الاشتراكي من أول يوم يستخدم أسلوب العصا والجزرة، يدعي أنه معنا وفي نفس الوقت، يضرب الناس في مناطقه في الشوف.

ثانيًا، التخوين، فكل طرف يقول بأن هناك مؤامرة من قبل الطرف الآخر، أو يقولون إننا ممولون وتابعون لسفارات. وثالثًا، الاحتواء من الداخل، بالانضمام ببطء لتوجيه الخطاب لمصلحتهم دون أن يتوجه إليهم هم. في جل الديب مثلًا قيل إنه لا يجوز شتم سمير جعجع، وشارك سامي الجميل في المظاهرة، ورأينا أحد المتظاهرين يقبل رأسه وآخر يرشه بالماء وتمّ طرده في نهاية الأمر، بالتالي هناك اختلافات.

لكن مع كل ذلك، الوضوح موجود لدى الناس. فهم يعرفون أن عدوهم هو إسرائيل والنظام الحاكم الذي ينهب الناس ويفقرها ويجوعها. الناس لم ينزلوا إلى الشوارع لأنهم منزعجون، الناس نزلوا لأنهم يموتون من الجوع، إنهم يبكون أمام الشاشات لأنهم يريدون الأساسيات. موقفك من حزب الله أنت حر فيه، لكننا نتحدث عن موقف داخلي من النهب وسرقة ثروات الشعوب. نحن موقفنا واضح ضد إسرائيل للأبد، لكن حين تنزل في النبطية ضدي وتضربني لن أسكت لك لأنك مقاوم. نحن نعرف من ينزل ومن يحاول ركوب الحراك، فالناس تعرف بعضها، وتعرف من ضربها. كل حزب يحاول توجيه الحراك، لا أستثني منهم أحدًا، فلماذا تحلل لنفسك ما تحرّم على غيرك؟ اتهام حزب الله للقوات اللبنانية بتوجيه الحراك مضحك، لأنه هو أيضًا يحاول توجيهه لمصلحته. هذا الحراك صنعه الناس وممنوع أن يستثمره أي من الأحزاب لصالحه.

ما أشكال التنظيم التي ترينها تجري على الأرض؟ كيف شكلها ومَن تجمع؟ 

التنظيمات قيد التشكل. هناك مجموعات موجودة سابقًا ومجموعات تولد الآن، تتحرك وتحاول خلق تواصل. نحاول أيضًا أن تكون هناك تنظيمات في كل منطقة بذاتها، ولجان أحياء، وأن تجري داخلها نقاشات. الأشكال التنظيمية التي كانت موجودة في السابق بصراحة بعيدة عن الناس. لذا يجري اتباع طرق مختلفة: طرح نقاشات في الشارع، عروض أفلام، ندوات صغيرة. أنا شخصيًا لست مع الندوات لأنها ما تزال تجذب «المثقفين». أنا مع أن تكون التجمعات أكثر عضوية؛ أن نفتح نقاشات حيث نحن متجمعون في الخيم والساحات، عن مواضيع تمتد من البيئة، للنساء، للمدينة، للممارسات السياسية، لكل شيء، لكن دون الدخول الآن في جوانب تقنية متعلقة بكيف نريد تغيير النظام بحد ذاته، وماهي البدائل.

حتى لو لم نتحدث عن تنظيم الناس في أطر حزبي، أنا أريد أن يكون هناك نقاش في السياسة، من أجل أن نسمع ونفهم ما يطرح من إصلاحات وخطابات، لا أن [نكرس اعتقادًا بأنه] إذا كنت فقيرًا فلا يمكن أن تفهم. لسنين، عملت الدولة على تجهيل الناس، على تعليمهم أمورًا خاطئة، على إخفاء أمور عنهم. ولسنين، يموه الإعلام التابع لها الحقائق، ويغير توجهات الناس، ويجذب تركيزها إلى أشياء بلا طعمة. بالتالي، المعرفة السياسية الأساسية لدى الكثيرين مخلخلة، لذا من المفيد أن نبدأ بالحديث معهم والاستماع إليهم والتعلم منهم أيضًا. بالأمس [الأربعاء]، كنت أجري نقاشًا مع عدد من الأشخاص حول تخطيط المدينة، واستوعبت [الاختلاف حول] تفاصيل تبدو لي بديهيات. هم معتادون على أن يكون الناس الذين يشبهونني ضد الطبقة العاملة، لذا كان علي أن أثبت أنني لست كذلك، وأنني لا أتحدث إليهم من باب استعراض المفهومية. كل هذه الأمور نعمل اليوم على تكسيرها بيننا.

كيف ترين حضور الأجسام الوسيطة بين السلطة والمجتمع، من نقابات وجمعيات وأطر؟ هل حركتها مؤثرة؟

الأزمة أصلًا بدأت واستمرت بسبب تدمير الحركة العمالية والنقابية في لبنان. دمروها منذ سنين وأضعفوها، ومنذ 2013-2014 بدأت تعود بذور بنى نقابية، دُمرت أيضًا لكنها تركت أثرًا. لحد الآن الحركات العمالية في لبنان ضعيفة جدًا، وهذا المبهر في هذا الحراك: أن يظهر حراك استطاع الاتفاق فيما بينه وإجبار بلد بكاملها [على الإصغاء] وفرض إضراب تام ووقف الطرقات ونقاشات مستمرة لمدة ثمانية أيام، بلا أي نقابات، بلا أي تنظيم مركزي، بلا جسم [منظم].

لكن في الوقت نفسه، هناك نقابات مشاركة وفعالة، مثل التيار النقابي المستقل الذي خرج من بذور هيئة التنسيق التي نشطت عام 2013، ونقابة أطباء الشمال التي أعلنت انضمامها للحراك. هناك نقابات صغيرة أو تجمعات نمت في السنوات الأخيرة، مثل تجمع أساتذة الجامعة الأمريكية، واتحاد الطلاب الذي يعمل على التنسيق بين الطلاب، خاصة بين الجامعات الخاصة والجامعة اللبنانية. 

شاهدنا اندفاعًا خاصًا عند النسويات في لبنان للانخراط بعمق في الحراك ولعب أدوار قيادية. لماذا كان هذا برأيك؟ وكيف ترين هذا الدور؟

انخراط النسويات اللبنانيات في هذا الحراك ليس جديدًا، كانت المشاركة في التحركات الشعبية لسنة2011 ثم 2013 ثم 2014 ثم 2015 ثم 2018 ثم اليوم. كل سنة تقريبًا هناك احتجاجات وعمل نسوي لكن هذه السنة بصراحة لا تشبه ما سبقها. وحتى بين هذه الموجات، كان هناك تحركات نسوية مختلفة وصولًا لليوم. نحن لا نفصل بين هذه التحركات، فالنسوية حركة سياسية أولاً. مشاركة النساء بهذا الشكل تعود إلى أن المطالب الموجودة هي مطالب نساء، فحين نتحدث عن نظام اقتصادي فهو بالضرورة يطال النساء. لكننا نتحدث أيضًا عن نظام سياسي واجتماعي وديني؛ يسمح باضطهاد النساء وتسخيفهن وتغذية التمييز ويشجّع على ممارسة العنف ضدهن، نظام يسمح بوجود 18 عقد زواج وطلاق وقوانين مختلفة تسمح باضطهادهن، وهو أيضًا يجزّء الحراك النسوي بذلك. 

من أجمل المجموعات الموجودة منذ سنوات هي المجموعات المطالبة بحضانة الأم لدى الطوائف، خاصة لدى الطائفة الشيعية، حيث تتعرض الأمهات لاضطهاد كبير اجتماعيًا ودينيًا، ويتم تكفيرهن وتشويه سمعتهن بكل شيء. نحن معتادات كنساء على ذلك حين نتحدث بأي شيء يتعلق بالدين أو بالمجتمع أو بالتغيير الذي نطالب به الأنظمة الدينية أو بالنظام الاجتماعي، أو حين تخرج قصص نساء مثل نادين جوني التي توفيت قبل أسبوعين تقريبًا. لذا من المهم أن الحراك يُظهر قهر النساء، هذا أمر أساسي حتى نعبر لمجتمع فاقد الإحساس عن معاناة النساء التي لا تنتهي، وحتى تصل هذه الصرخة في إطار سياسي؛ حتى نقول إن هذا جزء لا يتجزأ من مطالبنا في هذا البلد.

هذه المطالب النسوية لم تختلف اليوم، لكنها تجذرت واتضحت أكثر ووصلن عددًا أكبر من الناس، وبات هناك وعي بمعناها وقيمتها. حين كنا نتحدث عن الحضانة قبل سنوات، كان هذا المطلب يعد هامشيًا وثانويًا. اليوم صارت النساء في قلب المجتمع وصار هناك مساحة كبيرة لهذه المطالب.

الحراك النسوي الموجود في لبنان يمكن القول إن فيه ثلاث فئات: مجموعات من ناشطات لحقوق المرأة كان لهم نشاطهن وإنجازتهن، لكن طريقة عملهن وحتى خطابهن بات قديمًا، وهن لم يعملن على نموه وبنائه لذا تحجّر في محله. من جهة ثانية هناك المنظمات غير الحكومية (NGOs)، التي شوهت الخطاب النسوي ليكون ليبراليًا ومقتصرًا على تقديم الخدمات، رغم أهمية هذه الخدمات، فضلًا عن أنها تفصل السياسة عن الفكر النسوي، وهو ما نحن ضده. واليوم لدينا الحراك الثالث الذي ينمو في كل العالم العربي والعالم، ونحن جزء منه، ويشمل النسويات خارج هذه المنظمات، أو اللواتي لا يمثلن المنظمات حتى لو كانوا يعملون فيها، ولديهن فكر نسوي ماركسي أو تقاطعي، يمكن أن نسميه فكرًا نسويًا مشتبكًا. 

حين أسمع سعد الحريري يتحدث عن «الإصلاحات» [التي قدمها في ورقته]، أنا كنسوية لا يمكني قبولها لأن مصلحتي كإمرأة تعيش في  لبنان ليست في هذه الإصلاحات. في حراكنا هنا نستطيع أن نرى ترابط العامة مع الخاصة على مستوى الحياة الشخصية، وخاصة في ما يتعلق بالزواج المدني مثلًا؛ الزواج المدني الإلزامي، لأن الحديث عن زواج مدني اختياري يعني أن القبول بأن بعض النساء اللاتي لا تقبل عائلاتهن بالزواج المدني تستطيع عائلاتهن فرض ذلك عليهن وقهرهن. بينما يجعل الزواج المدني الإلزامي النساء على قدر المساواة أمام القانون، ومن أراد زواجًا دينيًا فأهلًا وسهلًا. 

لكن أريد أن أتحدث أيضًا عن خطاب يتحدث عن الوجود النسوي بلغة «الثائرات هن الجميلات» و«ثوري لأن الثورة أنثى»، وخاصة بعد هجوم الإعلام العربي على النساء المشاركات. إما أن يكنّ فرجة ليتم التهيج عليهن، أو أن يوصفوا بأنهن فالتات. وهذا مدخل لقول إن الحراك ليس جديًا، من باب «انظروا إلى اللبنانيين الكيوت»، للقول إننا نتمتع بحقوقنا وحرياتنا الأساسية ونريد ما هو أكثر من ذلك، وهذا غير صحيح. بالتالي، وجود النساء أصبح يستخدم لتصغير المعاناة التي يعانيها مجتمعنا. يجب أن نقول ممنوع تشييء وجود النساء بأي مكان أو تحويله لشيء جنسي.

هناك مجموعات تقول إن تجمعاتها لا يتم تسليط الضوء عليها، وإنهم مهمشين إعلاميًا مقارنة بتجمع ساحة الشهداء أو رياض الصلح. هل هذا دقيق؟

للأسف، أنا لا أتابع التغطية التلفزيونية لأنني أذهب للبيت للنوم والاستحمام فقط، لذا لا أعلم إلى أي حد هناك اختلافات في التغطية. لكن ما أسمعه وأقرأه من الرفاق هو أن التواصل مقطوع مع بعض المناطق، وبعض المناطق لا تحظى بتغطية لأنها ليست «كيوت». بعلبك مثلًا لا يوجد فيها تغطية كبيرة، وفي كثير من الأوقات لا يوجد إلا إذا كان هناك هجوم ما، أو بالعكس، حين يبدأ الهجوم تنتهي التغطية. نحن نعلم أن الإعلام في لبنان مسيس وموجه، وللأسف هناك الكثير مما يبث يثير القلق والخوف لدى الناس في البيوت. خاصة أن هناك تلفزيونات تتحدث عن الفقراء بشكل عنصري طبقيًا، إن لم تعجبهم أشكال المتظاهرين أو لهجتهم يقولون فورًا إنهم مندسون. كما يتم السماح بالتعبير بشكل عنصري او طائفي او مهين مباشرة دون أي رادع. إذا لم تكن هذه الوسائل تريد تغطيتنا بشكل ممثل للواقع، فالأفضل أن لا تغطينا وأن تترك الناس تغطي وتوثق على السوشال ميديا.

هناك أيضًا قراءة سخيفة للأحداث. أكيد أن التحركات كانت عفوية لكن الناس ثارت على الجوع والفقر بالجوهر، القصة اقتصادية، وهذا يعني بالتأكيد أنها لاطائفية، لكن هذا لا يعني أن تصبح قصة توحّد رجل دين مسيحي مع رجل دين مسلم. هؤلاء سيتفقون علينا مهما حدث، هم يضعون قدمًا في كلتا الجهتين حتى يروا من سيفوز، لأنهم لا يشعرون بالأمان، وليس لأنهم يحبوننا. بالأمس [الأربعاء] نزل خوري مع العسكر لفتح أحد الطرق، لذا لا داعي للفلوكلوريات واللعب على مشاعر الناس. هذه أزمة اقتصادية أوجدوا لها شكلًا طائفيًا، لذا من الجيد أننا نتظاهر ضد الطائفية، لكن الصراع بالأساس طبقي ضد الاستغلال بكل أشكاله.

أنت مهتمة أيضًا بالتخطيط المديني. كيف يحضر هذا الموضوع في المظاهرات؟

أنا أبحث في مجال التخطيط المديني، خاصة بما يتعلق بالعشوائيات والمساكن الشعبية والمخيمات. وأنظم جولات في بيروت وغيرها للحديث عن هذا الموضوع مع الناس العاديين، عن كيف تحدث التغييرات المدينية بسبب هذا الاقتصاد، بعيدًا عن تغطية الأكاديميا والمهندسين للموضوع. بيروت لم تصبح بشعة ومزعجة هكذا لوحدها. من المهم جدًا بالنسبة لي أن الحراك يحدث في وسط المدينة المنهوب. هذه فرصة للحديث عن شركة سوليدير وماذا فعلت بالبلد. حين نتحدث عن ثرواتنا المنهوبة، فهذه جزء منا. 

حين تحدث الحريري عن الإصلاحات، ذكر بشكل سريع مشروعيّ لينور شمال بيروت وأليسار في الجنوب. دائمًا هناك [توزيعة] طائفية، واحد للمسيحيين وواحد للمسلمين. في جولاتنا نتحدث عن مثل هذه المشاريع، حتى لا تمر على الناس ببساطة. فمشروع مثل لينور يعني أنه سيكون هناك ردم للشاطئ، [لتستثمر فيه] شركات مثل سوليدير، وهي شركات معروف دومًا أن المسؤول عنها يكون من قلب الطبقة الحاكمة. يتم «تطوير» هذه المناطق على اعتبار أنها مشاريع للناس بينما هي لنفس الطبقة المستفيدة منذ نهاية الحرب الأهلية. ما الذي يمكن أن يتم بناؤه فعليًا في هذه المناطق؟ منتجعات، ناطحات سحاب، مباني سكنية فاخرة للأغنياء، مولات، مباني تجارية متعددة الاستخدام؛ مدينة نخبوية جديدة. في إليسار، هناك مناطق مستهدفة بالمشروع، من حي السلم حتى الأوزاعي، يسكنها مهمشون هم من الجنوب والبقاع ومناطق مختلفة، أين سيذهبون؟ هل تقصدون أن الأغنياء يحق لهم أن يروا البحر ويسكنوا قربه في سكن جيد أما الفقراء لا؟ 

[نريد مشاريع] لا لتستفيد للطبقة الحاكمة وتبني منتجعات، بل ليعيش الناس. الأزمة هنا أكبر من قانون بناء، الأزمة تتعلق بالحق في السكن الذي يفترض أن يكون حقًا أساسيًا. هذا الدور الذي يجب أن تلعبه الدولة. نحن في دولة تبرأت من كل أدوارها إلا دورين: أخذ الضرائب والعنف. نريد أن تبني الدولة مساكن شعبية في كل لبنان، لا أن تعطينا قروض إسكان. 

هل هناك حامل اجتماعي لهذه المطالب؟

ربما ليس بمعنى إن هذه الأمور واضحة تمامًا الناس، لكن هذا هو ما نحاول العمل عليه في الحراك. الحراك ليس مجرد مظاهرة نصرخ فيها بإسقاط النظام. جزء من الحراك هو النقاش والتثقيف الذاتي حول هذه المسائل. للأسف الإعلام الوسخ شوّه صورة أي شخص يحاول أن يحاور الناس. بالأمس [الأربعاء] تحدثت مع مجموعة من الناس الذين ربما لم أكن لألتقي بهم في حياتي، كنا نقول أن على الدولة أن تنمي كل المناطق، حتى لا يضطر أهل الجنوب أو البقاع للعيش في بيروت. فظن أحدهم أنني أقصد أن عليهم ألا يأتوا لبيروت، لأن طبقتي تتحدث بهذه الطريقة ضدهم. فشرحت له أن أهل البقاع والجنوب واللاجئين يحق لهم أن يكونوا أينما يريدون، لكن من حقي أن أبقى في الجنوب، وعلى الدولة أن تؤمن لي البنى التحتية والعمل حتى أبقى. هذا جانب من النقاش الذي يدور هنا لكسر هذه العلاقة المأزومة بين الناس.