من المزارع إلى المستهلك: من المستفيد من رفع أسعار الخضار؟

جني محصول البطاطا في مزرعة الشوبكي في بلدة الكريمة. تصوير عمّار الشقيري

من المزارع إلى المستهلك: من المستفيد من رفع أسعار الخضار؟

الجمعة 12 حزيران 2020

خلال الأيّام الأولى لفرض حظر التجوّل بسبب جائحة كورونا، شهدت أسواق التجزئة للخضار والفواكه ارتفاعًا في الأسعار. واشتكى المواطنون من هذه الارتفاعات عبر وسائل إعلام محليّة، لتتدخّل وزارة الصناعة والتجارة وتضع سقوفًا سعريّة لبعض الأصناف، فيما قامت الأجهزة الأمنية في أكثر من مكان بإغلاق بعض محال الخضار لارتفاع الأسعار فيها، دون أن نعرف من يرفع الأسعار وكيف ترتفع ومتى.

أعادَ ارتفاع أسعار الخضار والفواكه خلال أزمة كورونا النقاش القديم الذي يُطرح منذ سنوات: إذا كان المستهلك يشكو من ارتفاع أسعار الخضار والفواكه، والمزارع يشكو من انخفاض الأسعار التي يبيع بها الخضار والفواكه، فمن يقبض الثمن؟

تعترف الجهات المعنيّة منذ سنوات بوجود هذه الفجوة بين أسعار بيع المزارع وأسعار شراء المستهلك، وقد وضعت حلولًا لمعالجة هذه الفجوة لكن دون جدوى. يحذر خبراء في مجال السيادة على الغذاء من تأثير مشكلة كهذه على القطاع الزراعي والمواطن على حدّ سواء، خاصّة في ظل الظروف غير العاديّة التي يمرّ به الأردن والعالم.

تتبعنا في هذا التقرير، قبل بدء أزمة كورونا الحالية، رحلة الخضار التي تبدأ من المزرعة، والمراحل التسويقيّة التي تمرّ بها حتّى تصل إلى المستهلك. إذ يوثّق التقرير سعر هذه الأصناف في كل مرحلة تمرّ بها، وصولًا إلى المرحلة التي يحدث فيها ارتفاع الأسعار. وقد اخترنا صنفين أساسيين عند المزارع والمستهلك؛ لكونهما من الأعلى إنتاجًا في الأردن، والأكثر حضورًا على مائدة الأردنيين؛ البندورة والبطاطا.

المحاصيل، قبل الوصول إلى السوق

تحتل زراعة البندورة في الأردن المرتبة الأولى بين زراعة الخضار من حيث كمية الإنتاج؛ يليها الخيار، ثم البطاطا. وهي كذلك الأعلى استهلاكًا بين الخضروات عند الأردنيين، تليها البطاطا، ثم الخيار.[1] تُزرع هذه الأصناف في  مناطق مختلفة في المملكة، وفي هذا التقرير سنركّز على تلك التي تزرع في الأغوار الشمالية.

مع غروب يوم 29 شباط الماضي، أنهى عمّال حميد،* وهو أحد المزارعين في بلدة القرن في الأغوار الشماليّة، جني وتعبئة وتحميل محصوله من البطاطا. وانطلق سائق سيّارة النصف نقل (البيك-أب) والتي تحمل بالعادة ما بين 350 إلى 500 صندوق بطاطا، إلى السوق المركزي للخضار والفواكه التابع لأمانة عمّان، حيث سيبيعها هناك لأحد الوكلاء؛ إذ يحظر نظام أسواق الجملة بيع المنتجات البستانيّة أو عرضها للبيع بالجملة ما لم تكن داخل السوق، ويشترط أن يبيعها الوكيل.

ويعرّف النظام الوكيلَ بأنَّه التاجر الذي يبيع المنتج البستاني لحساب المزارع مقابل العمولة، وحدد النظام نسبة العمولة التي يتقاضاها الوكيل بحيث لا تزيد عن 6% من «القيمة الحقيقيّة للبيع المتحصّلة عن بيع المنتج البستاني بالجملة».

غسل البطاطا قبل توريدها إلى السوق في إحدى مزارع بلدة القرن. تصوير عمار الشقيري.

أفرغ حمّالون محصول حميد أمام محل الوكيل أبو الأمين الكائن في طرف السوق مع ساعات الفجر الأولى، وعاد السائق بعدها إلى الأغوار الشماليّة، وانتظر المزارع صاحب المحصول الأخبار من عمّان؛ إذ لا يعرف المزارعون السعر الذي ستباع فيه محاصيلهم، وإنما ينتظرون إلى اليوم التالي حيث ستباع  المحاصيل في فترتين؛ الساعة الرابعة فجرًا، والساعة العاشرة صباحًا. وهي أوقات حدّدتها إدارة السوق تبعًا للأنظمة. يصف حميد فترة الانتظار بالحلم، ويقول «تظل حاط إيدك على قلبك لثاني يوم».

مثل حميد، ورّد المزارع عهد الشوبكي على مدى عدة أيّام في نهاية شهر شباط وبداية شهر آذار محصوله من البطاطا والبندورة وأصناف أخرى يزرعها بمنطقة الكريمة في الأغوار الشمالية، وظلّ ينتظر أن تأتيه أخبار الأسعار من السوق.

مزارع الشوبكي في الكريمة. تصوير عمار الشقيري.

يورّدُ مزارعو الأردنّ محاصيلهم إلى الأسواق المركزيّة في كلّ من إربد والزرقاء وعمّان، بالإضافة إلى سوق العارضة المخصّص للتصدير. يستحوذ سوق الخضار المركزي التابع لأمانة عمّان على الحصة الأكبر من بين حصص هذه الأسواق؛ إذ يستقبل السوق نحو 70% من إنتاج المملكة من الخضار والفواكه، وفقا لمدير السوق أنس محادين.

داخل السوق

يدخل سوق عمّان المركزي يوميًا بين 6 إلى 8 آلاف شخص، ما بين بائعٍ وتاجر تجزئة ومُزارع وموظف وعامل في السوق. ويكون دخول المشترين ما بعد الساعة الرابعة فجرًا، إذ يفتح الدلّالون الذين يعملون عند الوكلاء المزادات العلنيّة على المحاصيل الزراعيّة التي وصلتهم من المزارعين.

ينص النظام على أن يعلن مدير السوق عن ساعات بدء البيع بالمزاد العلني وموعد إغلاقه، «عندي فترتين بيع؛ الفترة الأولى تبدأ الساعة الرابعة صباحًا، والفترة الثانية واللي هي سوق العشرة، خلال هاي الفترة تستمر عمليات البيع داخل السوق المركزي»، يقول محادين.

توصيل محصول حميد من البطاطا إلى السوق المركزي. تصوير عمار الشقيري.

صبيحة الأول من آذار، أي في اليوم التالي لوصول محصول حميد، دخل تجّار التجزئة من أصحاب البسطات والمحال والمولات إلى السوق للشراء، وكان متوسط سعر صندوق البطاطا (سعة 10 كيلو جرام) داخل السوق دينارين (أي 20 قرشًا للكيلو)، فيما كان سعر البيع الأغلب دينارين ونصف، إذ تبيّن نشرة السوق اليوميّة للأسعار، أن كيلو البطاطا بيع في ذلك اليوم بسعر 25 قرشًا للكيلو الواحد. أمّا محصول حميد، فقد بيع منه الصندوق بدينارين وربع، أي (22.5 قرشًا للكيلو) كما قال لنا.

يعلن السوق المركزي عن الأسعار التي تُباع فيها المحاصيل يوميًا، وهي ثلاثة أسعار بحسب جودة المحصول؛ السعر الأدنى، السعر الأعلى والسعر الأغلب. في حالة أسعار البطاطا للأسبوع الأول من شهر آذار، (من الأحد 1 آذار وحتى الخميس 5 آذار)، كانت الأسعار قريبة من تلك التي بيع فيها محصول حميد، إذ بلغ متوسط السعر الأدنى للكيلو الواحد من البطاطا 17.5 قرشًا، فيما كان متوسط السعر الأعلى للكيلو الواحد 32.5 قرشًا. وبيعت بسعر أغلب هو 25 قرشًا للكيلو الواحد.

يقول محادين إن العوامل التي تحدّد تسعيرة الأصناف في السوق متعددة، فـ«العرض والطلب سبب رئيسي، والكميات (..) كل ما انخفضت الكميات كل ما ارتفع السعر، هذه القاعدة الرئيسية. وبدخل عنصر النوعية والتدريج»، ويعني التدريج ترتيب المحصول وتصنيفه وفقًا للجودة في عدة تصنيفات.

في اليوم نفسه الذي بيع فيه محصول حميد لتجار التجزئة بسعر 22.5 قرشًا للكيلو، تراوح سعر كيلو البطاطا في محلّات الخضار في خمس مناطق مختلفة في عمّان (هي الرابية، اللويبدة، سوق السكّر في وسط البلد، وادي صقرة وصويلح) بين 50 قرشًا إلى 90 قرشًا للكيلو. وبذلك بلغت الفجوة السعريّة بين السعر الذي باع فيه المزارع، والسعر الذي اشترى فيه المستهلك من تاجر التجزئة 122% إلى 300% من السعر الأصلي.

لو كان تجار التجزئة قد اشتروا البطاطا بسعرها الأدنى، والذي كان 17.5 قرشًا للكيلو، فإنهم سيكونون قد باعوا بزيادة عن السعر الذي اشتروا به مقدارها يتراوح بين 186% و414%. ولو كانوا قد اشتروا البطاطا بسعرها الأعلى 32.5 قرشًا للكيلو، فإنهم سيكونون قد باعوها بزيادة تتراوح بين 54% إلى 177%. ولو كانوا قد اشتروها بالسعر الغالب وهو 25 قرشًا للكيلو فإنهم سيكونون قد باعوها بزيادة تتراوح بين 100% إلى 260%.

في زياراته لعمّان كان الشوبكي يستطلع أسعار الخضار على البسطات والمحال، ويصدم من الأثمان العالية التي تباع بها نسبةً إلى ما باع به محصوله: «كأنك كل يوم بتروح تدفن أبوك».

تباين في الأسعار بين عمّان والمحافظات

على أطراف عمّان تختلف الفجوة السعرية بين أسعار السوق المركزي والأسعار التي يبيع فيها تاجر التجزئة من منطقة لأخرى، ومن صنف لآخر. عهد الشوبكي، مزارع من منطقة الكريمة، بِيع محصوله من البطاطا في السوق المركزي يوم الأربعاء 4 آذار بدينارين ونصف للصندوق (12 كيلو سعة الصندوق)، أي بسعر 21 قرشًا للكيلو الواحد.

في اليوم التالي، 5 آذار، بلغ سعر الكيلو الواحد من البطاطا في السلط 50 قرشًا، وفي عين الباشا 39 قرشًا، أي بارتفاع عما بيع به كيلو البطاطا في السوق المركزي بلغ 138% في السلط، و86% في عين الباشا.

وما يحصل مع محصول البطاطا ينسحب على محصول البندورة. فمثلًا، بيع محصول الشوبكي من البندورة في السوق المركزي يوم 29 شباط، بسعر 27.5 قرشًا للكيلو، وبيعت البندورة في اليوم التالي بسعر 59 قرشًا للكيلو. وفي 4 آذار بيع كيلو البندورة في السوق المركزي بسعر 21.25 قرشًا للكيلو، فيما بيع الكيلو في اليوم التالي في عين الباشا، بسعر 49 قرشًا للكيلو، وفي السلط بسعر 35 قرشًا للكيلو، بزيادة قدرها 131% في عين الباشا، و65% في السلطوتنسحب هذه الفجوة السعرية على أصناف عديدة ومتنوعة من الخضروات والفواكه.

التكلفة الحقيقية للزراعة

من السعر الذي باع فيه محصوله من البطاطا [2.25 دينارًا للصندوق] دفع حميد عمولة للوكيل بلغت 6%، كما عليه أن يدفع عن كلّ طن خضار يصل السوق المركزي بغرض البيع 10 دنانير وفقًا لنظام السوق، بالإضافة إلى قرش عن كلّ صندوق لقاء خدمة التنزيل، و30 قرشًا للعمال عن كل صندوق لقاء الجني والتوضيب، وحوالي 20 قرشًا تكلفة نقل كل صندوق من المزرعة إلى السوق، إضافة إلى 25 قرشًا ثمنًا للصندوق الفارغ. يقول حميد إنَّ تكلفة صندوق البطاطا فوق الأرض، أيّ من مرحلة جنيها وتغليفها وتوضيبها ونقلها للسوق تبلغ دينارًا واحدًا تقريبًا. ما يسميّه المزارعون تكلفة ما فوق الأرض، هي تكاليف مرحلة ما بعد نضج المحصول.

أمّا المرحلة الأولى من التكاليف فتبدأ من شراء البذار والتسميد والرش بالمبيدات والسقاية والزراعة والأدوية، وتكلفتها تختلف وفقًا للحالة الجويّة، وفي حال كان المزارع يعمل في الأرض وفق نظام الضمان، تضاف 200 دينار تكلفة ضمان الوحدة الزراعية (30 دونمًا).

«كيلو البطاطا مكلّف 27 قرش واصلة السوق، إذا بعت أقل من 27 قرش للكيلو خسران». يقول الشوبكي عن مجموع تكاليف إنتاج كيلو البطاطا، فيما يقول حميد إنَّ تكلفة إنتاج الكيلو تتراوح بين 20 و30 قرشًا.

في بعض الأوقات يمتنع المزارعون عن إيصال محاصيلهم إلى السوق المركزي؛ إذ تكلّف عملية جني المحصول وتعبئته وتغليفه ونقله للسوق من الأغوار الجنوبيّة أكثر من سعر بيعه. في هذه الحالة يحجم المزارعون عن التوريد للسوق المركزي. يقول المزارع عابد الضلاعين الذي يزرع البندورة عمّا يفعله في هذه الحالة: «الأغلب لمّا بشوف هيك ما بقلعها، بحطّ فيها حلال. بقول خلاص عوضي في وجه الكريم».

لماذا هذه الفجوة؟

يتفق خبراء في اتحاد المزارعين الأردنيين وفي مجال السيادة على الغذاء أن أسباب فجوة الأسعار تعود لسببين رئيسين وهما تدريج المحاصيل، وتعدد حلقات التسويق؛ إذ يضاف مبلغٌ على سعر المنتج في كل حلقة يمر بها المُنتَج خلال عملية التسويق، الأمر الذي يجعل سعره مرتفعًا إذا ما قورن بسعره الأول.

تبدأ هذه الحلقات التسويقيّة من السوق المركزي، إذ ينتشر فيه ما يُطلق عليه بالبيع القطّاعي، وهو بيعٌ يقوم به من يطلق عليهم المتسبّبون، وهم أفراد يستعيرون صناديق المحاصيل من الوكلاء ويعرضونها للبيع في ساحة السوق مع وضعهم هامش ربح على ما أخذوه من الوكلاء. يعدُّ هذا العمل وفقًا لنظام السوق مخالفًا، كونه يُعيد بيع المحاصيل بالجملة، إذ تمنع الأنظمة إعادة بيع المنتجات البستانية بالجملة داخل السوق أو خارجه إلا لمرة واحدة فقط.[2] 

«بشتري [المتسبب] 100 صندوق بندورة، وبنقلهم من مكان إلى مكان آخر، وبرجع ببيعهم في أثناء عمليات البيع في نفس الوقت»، يقول محادين. نظريًا، يرتفع سعر الصندوق في حال كان البائع هو المتسبب وليس الوكيل، إذ يضع المتسبب هامش ربح له، لكن هناك حالات يبيع فيها المتسبب لمتسبب آخر، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة في حلقات التسويق، وبالتالي زيادة في السعر. «ببيع لأي واحد مارق بالسوق (..) كثير بتوخذ شروة وهي محلها بيجي واحد بربّحك عليها 10 ليرات، سبع لثمن ليرات بتقله شيلها (..) وبتروح بتوخذ شروة ثانية إنت حر». يقول زياد الخطيب، والذي يعمل متسببًا في السوق منذ 21 عامًا.

يعترف محادين بوجود هذا النوع من البيع منذ عشرات السنين، «ليس نظامي وموجود، في بعض الحالات داخل السوق يمكن نلاقيها حالات كبيرة، وليست قليلة، صارت عُرف». تكافح إدارة السوق هذه الظاهرة كما يقول محادين «قدر الإمكان».

يُرجع محادين ظاهرة البيع القطاعي إلى أنَّ تجّار التجزئة لا يأتون على الوقت المحدد للبيع، إذ يقول إن تاجر التجزئة في بعض الأحيان «بيجي متأخر، بتكون هاي البضاعة انباعت. بلاقي شخص [وهو المتسبب] جهزها ورتبها وباعه إياها، هلأ هذا الحكي (..) برفع السعر على تاجر التجزئة».

يقول محمود العوران مدير عام اتحاد المزارعين الأردنيين إن وجود ما يطلق عليهم المتسببين هو أحد أسباب ارتفاع السعر. كما يقترح أن تتدخل مديرية الأسواق لضبط عملية فتح المزاد داخل السوق المركزي بحيث يبدأ المزاد على الخضار بسعر الكلفة للمحاصيل، ولا يجوز الدلالة على المحصول بأقل من الكلفة.

بالإضافة إلى تعدد حلقات التسويق في السوق المركزي، يُرجع مدير السوق محادين ارتفاع الأسعار خارج السوق إلى غياب الرقابة على الأسعار في محلات التجزئة.

فيما يقول مدير دائرة الأسواق مصطفى الخوالدة إنَّ وزارة الصناعة والتجارة والتموين بالتشارك مع منظمات المجتمع المدني تقوم بدراسة «أي شيء ممكن يخلّ بالأسعار، ارتفاع أو هبوط، وتصدير واستيراد كل الحلقات هاي بنتابعها». وحول آلية عمل مراقبة الأسعار يقول: «إحنا بشكل تلقائي ما بنستنّى تيصير مشكلة عشان نحلها، بنعمل دراستنا حتّى إذا صار في مؤشر معيّن قد ينجم عنه مشكلة معيّنة إحنا بنحلّها أو بنتفاداها».

يؤكّد الخوالدة أنَّ الوزارة لم ترصد ارتفاعًا كبيرًا لأسعار الخضار، في بداية هذه السنة «مغالاة ما صار». فيما يؤكّد أن أصنافًا أخرى غير الخضار ارتفعت أسعارها الأمر الذي اضطر الوزارة إلى تحديد أسعارها.

تعترف وزارة الزراعة بوجود هذه الفجوة، وقد أرجعت دراسة لها سبب الفجوة إلى عدة عوامل بينها عدم تدريج المزارع لمحصوله. ففي حال عدم تدريج المزارع صناديق الخضار؛ أي تصنيف الصناديق إلى وحدات بين الجيدة ومتوسطة الجودة ومتدنية الجودة، وقيامه بوضع وحدات الصنف الواحد من مختلف الجودات في نفس الصندوق، يضطر بائع التجزئة إلى رفع السعر لتعويض التالف من الوحدات الموجودة في الصندوق.

تدريج البطاطا (تصنيفها حسب جودتها). تصوير عمار الشقيري.

يقول بائع تجزئة في عين الباشا إنه عادة ما يجد بعض التالف في صندوق الخضار، الأمر الذي يضطره لرفع سعر الكيلو الواحد لتعويض هذا التالف. لكن حين أردنا الشراء من التاجر نفسه بالصندوق كان السعر مثل سعر البيع بالكيلو؛ أي أن وجود تالف في الصندوق لا يؤثر على ارتفاع السعر. فمثلًا بلغ سعر صندوق الفليفلة (5 كيلوجرام) في عين الباشا يوم 5 آذار خمسة دنانير، مع أنها بيعت من قبل وكيل الشوبكي في السوق المركزي قبلها بيوم بسعر 2.5 دينار للصندوق، أي بزيادة مقدارها 100%.

يقول أيمن السلطي مدير التسويق والتجارة الدولية في وزارة الزراعة إن البيع بالوزن هو أحد الحلول المقترحة لحل مشكلة الفجوة السعريّة التي تأتي بسبب تباين جودة الأصناف وعدم تدريجها. تشجع الوزارة القطاع الخاص على إنشاء مراكز تدريج ضمن مراكز الإنتاج (المزارع).

يعمد بعض المزارعين بالفعل إلى تدريج محاصيلهم لكن الأسعار التي بيبعون فيها هي نفس أسعار المزارعين الذين لا يعتمدون التدريج. يقول علي العسولي الذي يضمن مزارع في منطقة سبيرّة في الأغوار الشمالية، وضمن هذا الموسم (20 دونم) زرعها بطاطا، «أخذتهن بـ10 آلاف ليرة، والله العظيم دفعت أجار العمّال من جيبتي»، كما يعتمد بيع محصوله بالكيلو: «أنا ببيع على الكيلو، كنّا نبيع 25 [قرش]، بعنا أيّام بـ20 [قرش]، بطاطا مصنَّفة من النوع اللي بحبها قلبك».

يصنف العسولي البطاطا إلى ثلاثة أصناف؛ الدرجة الأولى «بتنباع بربع ليرة [الكيلو]، الدرجة الثالثة على الشوال، الشوال فيه 10 كيلو بليرة ونص، ليرة وربع».

تقترح المهندسة رزان زعيتر رئيسة الشبكة العربيّة للسيادة على الغذاء، إنشاء اقتصادات اجتماعيّة موجهة لحماية المزارعين. «مش بس للربح، الاقتصاد الموجه للربح لا يساعد على الأمن الغذائي يجب أن يكون الاقتصاد موجهًا لحماية المزارع، لازم يكون فيه تعاونيات لحمايته، بدك تعتمد نقابات زراعية حقيقية وتدعمها، لازم الدولة تشجعها، الهدف الخير العام وليس الربح».

فيما يتعلّق بالأسعار تقترح زعيتر أن تكون هناك حماية المزارعين على غرار بعض التجارب في أوروبا والولايات المتحدة. «هم عم بيحموا مزارعهم، إحنا ممنوع نحمي المزارع. متقيدين بمنظمة التجارة العالميّة اللي بتقول افتح الأسواق افتح الأسعار». وتتخوف زعيتر من أن تلقى زراعة الخضار في الأردن نفس مصير زراعة القمح، إذا لم توجد الحكومة آليات حماية للمزارع، إذ انخفضت مساحة زراعة القمح على مدار الخمسين عامًا الماضية من مليوني دونم في بداية السبعينيات إلى أقل من 300 ألف دونم عام 2016.

تعتقد زعيتر أنَّ حماية المزارع من خلال تحديد سعر بعض المحاصيل مثل البندورة، يؤدي إلى حماية المزارع والمواطن في الوقت نفسه، بحيث يجري تحديد سعر بيع المزارع مع الأخذ بعين الاعتبار وضع هامش ربح له «الاثنين مظلومين، المستهلك والمزارع».

وتقترح لهذا الشأن، تقليل الحلقات التسويقيّة التي تعتبرها جوهر عملية الخلل في تسويق المنتجات الزراعية، وإقامة أسواق للخضار في المحافظات، يجري فيها تسويق الخضار من قبل المزارعين أنفسهم، على أن يشارك هؤلاء المزارعون بإدارة هذه الأسواق بشكل من الأشكال. لا أن تمر الأصناف بعدة مراحل تسويقيّة «إذا ضلوا مش عارفين يسوقوا محاصيلهم ممكن يؤدي إلى استيرادها في المستقبل».

ترتفع في الظروف الحالية غير الطبيعية التي يمر بها العالم اليوم -بحسب زعيتر-، أهمية حماية القطاع الزراعي، «من أجل السيادة الغذائيّة وضمان الحق في الغذاء للجميع بأسعار عادلة للمنتج والمستهلك».

تمّ إعداد هذا التقرير بدعم من منظمة «صحافيون من أجل حقوق الإنسان» (JHR).

  • الهوامش

    *اسم مستعار بناء على طلب صاحبه.

    [1] بحسب دائرة الإحصاءات العامّة، والتي لم تزودنا بمعلومات أوفى.

    [2] المادة 10/2 من نظام أسواق الجملة للمنتجات البستانية لأمانة عمان الكُبرى.