ركود في سوق العقار: مَن يستطيع شراء شقة؟

منظر لغرب عمان. تصوير خالد بشير.

ركود في سوق العقار: مَن يستطيع شراء شقة؟

الأحد 01 أيلول 2019

شقّتان، إحداهما في طبربور والأخرى في العقبة. تعاني الأولى من شحّ المستأجرين والثانية من عجز المستأجر. منذ قرابة عام، يحاول محمود العطعوط، مالك الشقّتين، تأجير شقّة طبربور دون أن يفلح. اعتاد العطعوط على تأجيرها مقابل 220 دينارًا في الشهر، يتقاضاها عن كل ثلاثة أشهر معًا. إلا أن عزوف المستأجرين عن الشقة اضطرّه لتخفيض الأجرة إلى 200 دينار، وأن يتقاضاها شهريًّا بدلًا من نظام الشهور الثلاثة. 

مع ذلك، في مكان يبلغ معدّل رواتب الموظفين فيه ما يقارب 570 دينارًا شهريًّا، بحسب مؤسسة الضمان الاجتماعي، يعدّ ذلك المبلغ كبيرًا. لم يقبل العطعوط النزول بأكثر من ذلك عن سعر الإيجار، حيث كلّ من حاول الاستئجار كان يطلب تنزيل السعر، «الجيران الثانيين مستأجرين بمبلغ 220 ورح يحتجّوا إذا بنزل أكثر».

«الناس ما معها»، يقول العطعوط مبرّرًا. ويعزو ذلك لركود اقتصاديّ عام يجتاح الأردن، وقطاع العقار والإسكان بشكل خاص. ويدعم كلامه بالحديث عن شقّته الثانية التي يؤجّرها في محافظة العقبة، حيث لم يدفع الخيّاط الذي يسكنها ما عليه من مستحقَّات حتى تراكمت لتتجاوز الستة آلاف دينار. ناهيك عن فاتورة المياه والكهرباء.

نحاول في هذا التقرير الاطّلاع على حال سوق العقار والإسكان، وتدارس وضعه الحالي، حيث كثرت الأحاديث عن ركود يجتاح القطاع، في الإعلام والأوساط الاجتماعيّة العائلية والعامة على حدّ سواء، ورافقتها تصريحات متبادلة ما بين الحكومة والأطراف الأخرى المتعددة في محاولة لتشخيص الخلل والتعامل معه، خصوصًا من الناحية التشريعيّة.

ما المشكلة؟

يعدّ عدد رخص الأبنية الجديدة/تصنيف سكني في الأعوام الأخيرة مؤشرًا على الركود في حركة العقار وبناء الشقق السكنية. حيث يتناقص عددها باستمرار منذ عام 2014، مع زيادة طفيفة في عام 2018. بالإضافة إلى أن العدد يتناقص عن معدّلاته العالية في الأعوام التي سبقت الأزمة العالمية 2007/2008.

ويتكرّر ذلك النمط في حجم نموّ القروض السكنيّة للأفراد، الذي يتضاءل منذ عام 2015، ولم يقترب ولو قليلًا من حجم النموّ الذي ساد في فترة ما قبل الأزمة العالمية. أما القروض العقارية التجارية فقد عانت انخفاضًا أكبر في حجم نموّها، مع ارتفاع طفيف تشهده منذ عام 2015. 

المصدر: دائرة الإحصاءات العامة، وتقارير الاستقرار المالي، البنك المركزي.

يشير الاقتصادي يوسف منصور إلى أن الاقتصاد الأردني لم يتعافَ بعد من الأزمة العالمية، وبالأخص قطاع العقار والإسكان الذي تضرّر بشدّة. حيث لم تتبع الدولة، وبتعليماتها للبنوك بخصوص التسهيلات المالية والقروض، التصرّف الأسلم بزيادة الإنفاق، وإنما أوصت بالتقشّف وإصدار تعليمات تحدُّ من إجمالي القروض المسموح منحها من قِبل البنوك، ورفعٍ للفوائد، مما أدّى إلى تدنّي القدرة الشرائيّة لدى المواطنين وساهم في شحّ السيولة بين أيديهم.

تأثّرت بتلك الأزمة مصالح المواطنين المستأجرين والمُلّاك على حدّ سواء، حيث برأي الدكتور منصور، فإن نسبة النموّ الاقتصادي منذ عام 2010، تقبع في مستويات منخفضة، وظلّت أقلّ من معدّل النمو السكّاني، خصوصًا مع موجة اللجوء الأخيرة، مما يعني، بحسبه، أن حجم الدخل المتوفّر للمواطن الفرد الحقيقي في طور تراجعٍ منذ 10 سنوات، بالإضافة لدخول التجّار الصغار والمستثمرين.

تشريعات، سياسيات بنكيّة، ومشاكل أخرى

أعلنت حكومة رئيس الوزراء عمر الرزّاز بداية شهر أيّار من هذا العام عن حزمة إجراءات تحفيزيّة لقطاع العقار والأراضي. جاء ذلك بعد الإعلان عن تعديلات جديدة على نظاميْ الأبنية وتنظيم المدن والقرى، والأبنية والتنظيم في مدينة عمان، حيث صاحب الإعلان الأول عن النظامين المعدّلين أول مرة بداية عام 2018 الكثير من الاحتجاجات من قِبل المساهمين في قطاع الإسكان والعقار والأراضي، مثل الإضراب الذي دعت له جمعية المستثمرين في قطاع الإسكان في نيسان من ذلك العام.

وفقًا لآخر تقرير سنويّ صادر عن جمعية المستثمرين في قطاع الإسكان، فإن 2018 كان عامًا مليئًا «بالخلافات»، كما وصفه المهندس زهير العمري، رئيس الجمعية، في لقائنا معه. حيث تمحورت الخلافات حول نظام الأبنية والتنظيم لمدينة عمان رقم (28) لسنة 2018، والنظام المعدّل لنظام الأبنية وتنظيم المدن والقرى رقم (2) لعام 2018، الصادرين بداية ذلك العام. حيث تقول الجمعية في تقريرها أن اعتراضها يكمن في عدم الأخذ ببعض الملاحظات التي تقدّموا فيها مع جهات أخرى مثل نقابة المهندسين وغرفة صناعة الأردن وجمعية المستشفيات الأردنية.

تمثّلت هذه الملاحظات في عدد من النقاط كان أبرزها: «ما تم إضافته من مفهوم جديد يتعلّق بالكثافة السكّانية الذي سيؤدي إلى إلزام المستثمرين بإنشاء شقق بمساحات كبيرة لا تلبّي احتياجات الغالبية العظمى من المواطنين»، بالإضافة إلى «رفع النظام لقيمة رسوم ترخيص الأبنية بشكل مبالغ فيه، كما بالغ في فرض الغرامات». جاءت هذه التعديلات في وقت يعاني فيه سوق العقار والأراضي والإسكان من ركود شديد بحسب الجمعيّة.

كما اقترحت الجمعية والأطراف المعنية الأخرى مجموعة من المقترحات «التي من شأنها تأمين سكن ملائم للمواطنين وضمن قدراتهم المالية»  بحسب العمري، لكن لم تؤخَذ بعين الاعتبار في الأنظمة الجديدة التي صدرت ذلك العام. من ضمن تلك المقترحات بحسب المهندس العمري: التوسّع العمودي من خلال زيادة الطوابق ضمن محدّدات تنظيمية، وتخفيض الارتدادات الجانبية والخلفية (المساحة الفراغية التي تفصل مبنى وآخر) بمقدار 10% وزيادة النسبة المئوية للبناء بالمقدار (النسبة المئوية التي يُسمَح البناء عليها من إجمالي الأرض المتاحة) الذي تتيحه هذه التخفيضات على الارتدادات، إضافة إلى اقتراح الموافقة على ترخيص جزء من طابق السطح في الواجهة الأمامية يرتبط بالطابق الأخير مباشرة ويتبع له ضمن درج داخلي.

ذلك التجاهل من قِبل الحكومة أدى إلى خلافات شديدة مع الأطراف المعنيّة، واحتجاجات كان من ضمنها الإضراب لمدة أسبوع في كافة مشاريع الإسكان بدءًا من تاريخ 22 نيسان من العام الماضي حتى يُوقَف العمل بهذا النظام ويتم تعديله. لكن أوقف الإضراب قبل انتهاء المدة بعد تدخّل وزير الأشغال العامة وقتها، سامي هلسا، وتعهّده بحلّ الخلاف. لكنّ تغيير الحكومة حال دون إتمام ذلك.

إلا أن الجمعية وغيرها من المساهمين، كثّفوا جهودهم بعد الخلافات التي دامت قرابة العام ونصف العام بحسب المهندس العمري، لإعادة فتح هذا النقاش مع الحكومة الجديدة، واستؤنف الحوار برعاية المجلس الاقتصادي والاجتماعي في شهر آب 2018، وتم الوصول إلى توافق بداية عام 2019، على إجراء العديد من التعديلات الجوهرية «الإيجابية» على النظامين محلّ الاختلاف، والأخذ بمعظم اقتراحات الجمعية والمساهمين الآخرين المذكورة آنفًا.

جاءت الخطوات التحفيزية بعد أن حُلّت الخلافات بين الأطراف المعنيين، دون أن تُحَلّ المشكلة التي تهم المواطنين والمستثمرين الصغار، إلى جانب المستثمرين الكبار. اشتملت هذه الإجراءات على سبيل المثال على تخفيض سعر الأساس التقديري، الذي تقدّر فيه دائرة الأراضي سعر العقار وتأخذ ما نسبته 9% من ذلك السعر لاستيفاء الرسوم والضرائب، وكانت نسبة التخفيض على سعر ما مقداره 20%. في استجابة لمقترحات العديد من المعنيين في المجال. تشكّل هذه الضرائب والرسوم عبئًا كبيرًا على المشترين والمستثمرين الصغار بشكل أكبر مقارنة بالمستثمرين الكبار.

وتأمل هذه الإجراءات، بحسب الناطق الرسمي باسم دائرة الأراضي والمساحة، الدكتور طلال الزبن إلى «زيادة عدد معاملات انتقال الملكية وعدد معاملات الإفراز ونتوقع بأن يكون المؤشر إيجابيًّا على تحسّن الحركة مقارنة بالربع الأول من هذا العام» الذي شهد انخفاضًا في معدّلاته المعتادة.

إلا أن الاقتصادي الدكتور يوسف منصور يرى أن مشكلة هذه القطاعات أكبر من هذه الإجراءات، حيث يشخّص المشاكل التي تمرّ بها قائلًا: «إحنا سوقنا سوق مفاجآت وصدمات، أحيانا بكون في تحسّنات لكن بالعادة بتكون بسبب عوامل خارجية (…) تخبّط سياسات [وتشريعات] (…) التنظيم» وغيرها. ويرى المهندس العمري أن بعض أسباب هذا الركود تتضمّن الأوضاع الخارجية «الملتهبة» المحيطة بالأردن، والرسوم والضرائب الكثيرة.

ويضيف الدكتور منصور متحدّثًا عن أسباب الركود: «الفائدة في الأردن مرتفعة جدًّا بالنسبة لحجم النشاط الاقتصادي والعائد على الاستثمار»، حيث أن أي استثمار في قطاع الإسكان، برأيه، لن يدرّ على المستثمر أكثر من 5% أرباحًا سنويّة، بينما لا تقلّ الفائدة التي يجب أن يدفعها إذا اقترض لكي يستثمر عن 10 أو 12 بالمئة سنويًّا. حيث أشار العديد من المواطنين المستأجرين والمستثمرين الصغار الذين تحدّثنا إليهم، من ضمنهم بسّام شديفات، إلى صعوبة شروط البنوك في الإقراض، إن كان ذلك بغرض شراء السكن أو الاستثمار التجاريّ فيه، ومغالاتها في الفوائد.

نسبة النموّ في حجم التسهيلات الائتمانية للقطاع العقاري التي تساعد في مدّ المستثمرين بالسيولة اللازمة، تدلّ على تدنّي حجم الاستثمار في القطاع والركود فيه.

المصدر: تقارير الاستقرار المالي، البنك المركزي.

أما برأي المهندس العمري، فإن تدنّي القدرة الشرائية الذي يستمرّ منذ أعوام لدى المواطن، خلق «هوّة واسعة بين دخل المواطن وبين الأسعار» مما ساهم في خلق حالة الركود. ويشير الخبير الاقتصادي حسام عايش في مقابلة تلفزيونيّة، تعود لعام 2017، إلى هذا الأمر قائلًا: «الكتلة النقدية الموجوة لدى المواطن الأردني أقلّ مما كانت عليه سابقًا وبالتالي يؤثر ذلك على خياراته الشرائية. بالإضافة إلى إنه معدّل الرواتب في الأردن (..) لا يسمح للكثير من الموظفين بالحصول على القروض التي تؤهلهم لشراء وحدات سكنية». ناهيك عن أنّ كلفة الأراضي تقدّر بحوالي 40 إلى 50 بالمئة من كلفة العقار ككل، كما أضاف عايش في المقابلة.

بدوره، يُشير إبراهيم جلوقة، الذي يدير مكتبًا للخدمات العقارية، أن توجّه العديد من المواطنين والمستثمرين نحو تجارة العقار في تركيا يعدّ نتيجة للركود الذي يعيشه السوق في الأردن، وليس سببًا. حيث شكّل الاستثمار في تركيا متنفّسًا للتجار والمواطنين بعد انسداد السوق الأردني أمامهم. في حين يختلف معه محمود الحويطي، وهو أيضًا يعمل في مكتب للخدمات العقارية، حيث يرى أن السوق التركي ساهم في حالة الركود. إلا أن الاثنين يتّفقان على توفّر بيئة مرحّبة في تركيا، وإجراءات سلسة للمستثمرين وللمواطنين الأردنيين الراغبين في تملّك عقار هناك، تناسب من يرغب في نقل استثماره أو حياته إلى هناك.

أين المفرّ؟

يتّفق العطعوط، ومجموعة من الأفراد الذين يمتلكون شقّة أو شقتين بغرض تأجيرهم كنا قابلناهم لغرض هذا التقرير، أن الظروف الصعبة التي يمرّ بها القطاع، والاقتصاد الأردني بشكل عام، تعصف بالجميع، مستأجرين ومؤجّرين. «الواحد بحاول كثير يتساعد مع الناس بس إحنا عاملينها مصدر رزق»، يقول العطعوط، وتقول دينا الرشدان، إحدى الملّاك: «الشقّة كانت مصدر دخل إلنا وبعدين صارت عبء علينا».

في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها رئيس الوزراء عمر الرزّاز في جمعية المستثمرين في قطاع الإسكان، في آذار من هذا العام بعد أن حُلت الخلافات، عند إعلان الأخيرة عن منصّة إلكترونيّة تهدف «لتشغيل الشباب»، قال: «أُهنّي كل العاملين على فكرة الضواحي السكنية وإن شاء الله سنبدأ بمعيّتكم في الزرقاء وسننتقل إلى كل المدن المكتظة وأيضًا المناطق البعيدة التي بأمسّ الحاجة إلى شقق [تستطيع] الأسرة الفتيّة أن تتحمّل أعباءها».

فكرة الضواحي السكنيّة التي تحدّث عنها الرزّاز كانت مبادرة من جمعية المستثمرين في قطاع الإسكان بهدف تحريك قطاع الإسكان والعقار الذي يعاني من الركود، وفي نفس الوقت، من شحّ الخيارات خفيفة الكلفة الاقتصاديّة. وتهدف هذه الفكرة أيضًا، بحسب العمري، لتوفير مسكن لذوي الدخل المحدود والشباب. مبادرةٌ تنطوي على «إنشاء ضواحي سكنية متكاملة الخدمات وقريبة من المدن (…) فيها خدمات النقل والمدارس والمساجد والأسواق التجارية والمراكز الصحية (…) ممكن تقعد شهر وشهرين بدون ما تطلع منها؛ كلشي متوفرلك. وحتى إذا كان الشخص يعمل خارج هذه الضاحية في مواصلات منتظمة»، بحسب المهندس العمري.

لكن يؤكد العمري، قبل البدء بالمشروع، على ضرورة وجود «تشريعات خاصة في هذي الضواحي تكون مشجعة للمستثمر لإنه الأراضي رخيصة [في ضواحي المدن]». وعن الحاجة لهذه التشريعات تحدّث قائلًا: «إحنا طلبنا في هذه المبادرة إنه يكون في طوابق إضافية وأنماط البناء تكون مختلفة عن التسميات الحالية (…) زائد شوية دعم من الحكومة من خلال البنك المركزي بالفوائد [وتخفيضها على المستثمر والمواطن]». حيث سوف يسمح النظام الجديد للأبنية، بحسب العمري، بعمارات يصل طولها إلى ثمانية طوابق في حالات خاصة، تتوفّر فيها شروط من قِبل قربها من الخدمات المختلفة ووقوعها بالقرب من خط الباص السريع، وابتعادها عن المباني المحيطة حتى لا تحجب عن الأخيرة الرؤية.

ينتقد منصور هذا المقترح بقوله: «في ورقة بالبنك الدولي صدرت بالتسعينات [بتقول] (…) بالعالم كله إذا في أرض منظمة، ورحت إنت شريت أرض قريبة منها مش منظمة، يعني مدّيتلها مجاري وكهرباء وتلفون وكل شيء. اللي صار إنه [هيك منكون] استعملنا أموال الدولة عشان نخلّيك أغنى؛ رفعنالك سعر أرضك. كل دول العالم بتركّز على تكثيف المساحة المبنية». ويشوب هذا النموذج من الحلول عدم وجود ضمانات لتوفير أسعار معقولة للمواطنين، بالإضافة لخطر العزوف عنه مثلما حصل في مشروع سكن كريم.

ويرى منصور أن التوجّه الأنسب لتحريك هذه القطاعات يكمن في تخفيض الرسوم «العالية» التي تتقاضاها الحكومة لنقل ملكية عقار أو أرض، دون أن يكلّفها ذلك شيئًا برأيه. لم تستطع الحكومات المتعاقبة توطين الاستثمار والنموّ المتزايد في الاقتصاد الذي جاء مع موجات اللجوء المختلفة، وتزامن ذلك مع الأزمة العالميّة، مما أدّى إلى ركود عام بعد 2009/2010.

في حين يؤكد العمري على أن المشروع يستهدف المواطنين والشباب الباحثين عن شقق سكنية ملائمة لمن هم في مقتبل تكوين أنفسهم أو في وضع مادي لا يسمح لهم بشراء شقق كبيرة. ويؤكّد أيضًا على تعاون الحكومة التام وتوفير السبل المادية (تخفيض الفوائد على القروض) أو الخدماتيّة.