سلاسل التوريد الغذائية: من أين يأتينا الغذاء، وكيف يصل؟ 

الثلاثاء 21 نيسان 2020
من سوق إربد المركزي للخضار والفواكه. تصوير مؤمن ملكاوي، شباط 2020

رغم مضيّ شهر تقريبًا على بدء فرض حظر التجوّل في الأردن، لمواجهة تبعات انتشار فيروس كورونا المستجدّ، ما زالت السلع الغذائيّة متوفرة في أسواق المحافظات بشكلٍ عام. إذ ينتج الأردنّ بعض هذه السلع الغذائيّة مثل الخضار والفواكه، وبسبب توافر منطقتين للزراعة في جغرافيّة الأردنّ؛ المناطق المنخفضة، والمناطق المرتفعة، تكاد هذه السلاسل من الغذاء تكون متوافرة في الأسواق على مدار السنة، بل ويصدّر الأردن بعضها، سواء أكان ذلك في الأوقات العادية أو في ظل ما يمر به العالم حاليًا. بالمقابل، هناك سلع غذائيّة رئيسيّة أخرى يعتمد الأردن على استيرادها من الخارج بشكل كبير، بالإضافة إلى اعتماده على استيراد بعض مدخلات إنتاج السلع الغذائيّة التي ينتجها ويحقق اكتفاء ذاتيًا فيها.

يحاول هذا التقرير التعرّف على السلاسل الغذائيّة التي تعتمد عليها العائلة الأردنيّة في غذائها اليوميّ وتتبّع مسيرها؛ ما الذي نستورده منها وما الذي ننتجه، وكيف تصل من المُنتِج والمستورِد للمستهلك، وما العوائق التي تواجه انسيابها وتوفّرها في الأسواق.

ماذا نأكل؟

بحسب تقرير حالة الأمن الغذائي في الأردن (2013-2014)، والصادر عن دائرة الإحصاءات العامّة، يعرّف الأمن الغذائي على أنَّه «توفر الإمكانات المادية والاقتصادية والاجتماعيّة لكافة البشر للحصول على الغذاء الكافي والصحي الذي يؤمن العناصر الغذائيّة الضروريّة للقيام بفعاليات الحياة الصحيّة».[1] وبحسب التقرير كذلك، فإن الأمن الغذائي يتطلّب توفّر عدّة عوامل، أبرزها: الوفرة في الغذاء، سواء أكان مصدر الغذاء محليًا أو مستوردًا أو على شكل مساعدات. ثم إمكانيّة وصول الفرد لهذا الغذاء وأن يتوافر في عملية وصول الغذاء الانتظام، وأخيرًا، إمكانية الحصول على الغذاء دون مواجهة خطر فقدان هذه الإمكانية بسبب أزمة اقتصادية أو بيئية أو دورة موسميّة.

يمكن تصنيف الطعام الذي تتناوله الأسر الأردنية إلى عدة مجموعات رئيسة، إذ يشير التقرير إلى إن الأسر الأردنية تتناول الحبوب والنشويات بشكل يومي، وتتضمّن هذه المجموعة القمح، والخبز، والأرز، والمفتول، والمعكرونة، والبطاطا، والجذريات. تلي هذه المجموعة في الاستهلاك مادتا السكر والزيوت، والتي تستهلكها الأسر الأردنية بمعدّل ستة أيّام أسبوعيًا. 

من جانب آخر، تحتّل اللحوم والدواجن المرتبة الأولى في الإنفاق السنوي للأسرة الأردنيّة بين السلاسل الغذائيّة الأخرى، تليها سلسلة التبغ والسجائر، ثم سلسلة الخضروات والبقول، ثم الألبان والأجبان والبيض، ثم الحبوب ومنتجاتها والخبز، وأخيرًا الفواكه والمكّسرات.[2]

ووفقًا لرئيس غرفة تجارة عمّان ونقيب تجار المواد الغذائيّة خليل الحاج توفيق، فإنَّ الأردن يستورد المواد الأولية التي تدخل في الصناعات الغذائيّة مثل القمح والبقوليات، بالإضافة إلى أصناف أخرى رئيسيّة على المائدة الأردنية مثل الحليب المجفف والسكر والأرز. وبحسب تقرير لوزارة الزراعة الأمريكية عام 2016، فإن الأردن هو مستورد صافٍ للغذاء، حيث يستورد 95% من مجمل السلع الاستهلاكية المستهلكة فيه.

أمّا حال توريد الأصناف الغذائية، على تنوّعها، ووصولها إلى مختلف المحافظات الأردنية خلال الفترة الماضية، فكان على النحو الآتي.

البيض والدجاج

يُنتج الأردنّ كفايته من بيض المائدة، ويصدّر منه في بعض السنوات إلى دول الخليج، مثل السنة الماضية التي صدّر فيها 250 مليون بيضة أغلبها للسعوديّة. تتوزع مزارع الدجاج البيّاض المختص بإنتاج بيض المائدة خارج المدن الرئيسة في المملكة، وفقًا لمدير الاتحاد النوعي لمربي الدواجن صلاح صبرة.

تمرّ عملية إنتاج البيض بعدة مراحل؛ تبدأ من العناية بالدجاج وإطعامه الذرة والصويا والأعلاف التي تأتي من خارج المملكة، ثم توفير الماء والتدفئة له، وعندما يبيض، يجمعه عمّال ثم يقومون بتدريجه وتغليفه لينقله سائقون من المزارع إلى مستودعات داخل المدن، ومنها يصار إلى توزيعه على الأسواق. فيما تنتج مزارع أخرى البيض الذي ينتج الصيصان التي تُربّى لإنتاج لحوم الدجاج.

تتطلب عملية إنتاج بيض المائدة والدجاج اللاحم استمراريّة في العناية، «الصوص ما بقعد 48 ساعة بدون أكل»، يقول صبرة. وهو ما يتطلّب تنقّل المهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين ومزودي الخدمات بشكل يومي من مساكنهم إلى المزارع التي تقع «في الصحرا، وبرّا المدن». ويقول عن تأثير فرض حظر التجوّل الشامل، إنه في يوم السبت 11 نيسان، أُتلف حوالي ربع مليون صوص. 

يحتاج قطاع إنتاج البيض والدجاج إلى 10 آلاف تصريح تنقّل وفقًا لتقديرات صبرة، أصدرت الحكومة بداية تطبيق الحظر 2500 تصريح للعاملين في هذا القطاع، ورفعت عدد التصاريح بعدها إلى 5 آلاف.

منذ فرض حظر التجوّل يوم 21 آذار/مارس الماضي، ارتفع استهلاك الأردنيين من بيض المائدة بنسبة تراوحت بين 10-15%. وواكب الإنتاج معدّل الاستهلاك وزاد عليه إذ خزّن القطاع خلال الأيّام القليلة الماضية 9700 طن دجاج مجمَّد من الإنتاج المحلي. «الفائض بنجمدوا، ونحطوا بالمستودعات، رمضان جاي»، يقول صبرة.

الخضروات الرئيسة

تتوزّع المزارع التي تأتي منها أصناف الخضار والفواكه في منطقتين؛ المنطقة المنخفضة في وادي الأردنّ الممتد من الأغوار الشماليّة وحتّى الأغوار الجنوبيّة، والمناطق المرتفعة التي تتوزع على محافظات المملكة؛ المفرق، وعمّان، والسلط، والرمثا، والصحراء الشمالية والجنوبيّة. وبسبب ذلك تبقى دورة إنتاج بعض الأصناف الأساسيّة من الخضار مستمرّة على طول السنة تقريبًا، إذ تنتج منطقة وادي الأردنّ المحاصيل حتّى شهر أيّار من كل عام، وما بعد شهر أيّار تبدأ مزارع المناطق المرتفعة بالإنتاج.

يدعو أمين عام اتحاد المزارعين الأردنيين محمود العوران وزارة الزراعة إلى أن تدير ملف انتقال الإنتاج من المناطق المنخفضة إلى المرتفعة. إذ يحدث خلال عملية الانتقال هذه نقص بالكميّات الواردة للأسواق بسبب انتهاء جني المحاصيل من المناطق المنخفضة وانتظار نضوج محاصيل المناطق المرتفعة الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعارها، «لو صار فراغ، الأسعار ترتفع لإنه بيكون نهاية إنتاج بالمنطقة الغورية ويا دوب بلّش [إنتاج] المناطق الشرقية أو المناطق المرتفعة». يقول العوران.

يورّد مزارعو الأردن محاصيلهم يوميًا إلى ثلاث أسواق مركزيّة للخضار والفواكه في كل من: عمّان، الزرقاء، وإربد بهدف عرضها للبيع إلى تجّار التجزئة. شمل فرض حظر التجوّل في بدايته المزارعين، فشهدت سلسلة إيصال الخضار والفواكه محليّة الإنتاج مشاكل بسبب انقطاع عملية جنيها وإيصالها للأسواق المركزيّة في الأيّام الأولى من الحظر، حيث لم يكن مسموحًا لأحد من القطاع الزراعي بالتنقّل.

في عمّان، حيث يتواجد أكبر سوق مركزيّ للخضار والفواكه في المملكة، والذي يستقبل نحو 70% من إنتاج المملكة، عدّلت الأمانة ساعات دوام السوق، وصار دوامه 18 ساعة بدلًا من 24 ساعة. ومنعت إدارة السوق بقاء البضاعة لليوم التالي الأمر الذي أدى إلى انخفاض الكميّات الواردة للسوق من معدّل 3000-3200 طن يوميًا إلى 2700-2900 طن يوميًا. 

يؤكّد مدير السوق أنس محادين في حديث لحبر سلامةَ انسيابيّة الأصناف الأساسيّة من الخضار والفواكه للمستهلك، وعن ارتفاع الأسعار قبل أيّام يقول إنها كانت بسبب الانتقال من موسم زراعي لآخر، وهو ما يحدث في كل المواسم. ويضيف أن الوضع «مطمئن» في عدة أصناف كالبندورة، والبطاطا، والبصل، بالإضافة إلى وجود تصدير بين فترة وأخرى لبعض الأصناف.

القمح

في العام 2017، بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح 1.1%، ولذا يعتمد الأردن في استهلاكه للقمح على الاستيراد. في الفترة الحالية، يستورد الأردن القمح من عدة دول، أهمها، روسيا، ورومانيا، والولايات المتحدّة، وجمهوريّة الجبل الأسود، وعدة مناشىء أخرى، وفقًا للناطق باسم وزارة الصناعة والتجارة والتموين ينال البرماوي الذي يؤكّد لحبر أنَّ مخزون المملكة من القمح هذه الأيّام يكفي لـ14 شهرًا قادمًا. وعزّزت الوزارة مخزون القمح الأسبوع الماضي فاشترت 120 ألف طن. وعند سؤاله عن قرار رومانيا وقْف تصديرها القمح للدول خارج الاتحاد الأوروبي، قال البرماوي إنَّ مناشئ استيراد القمح متعدّدة وليست من منشأ واحد، حتّى يحدث وقف التصدير في رومانيا تأثيرًا، مضيفًا أن الوزراة تراقب حالة الأسواق العالميّة والإغلاقات فيها بشكل مستمر.

أمّا بالنسبة للقمح الذي يُنتج في الأردنّ، فيزرع في المناطق المرتفعة،[3] ووادي الأردن. وتبلغ كمية إنتاج القمح في المناطق المرتفعة أكثر من الكمية المنتجة في وادي الأردنّ بأضعاف.

تخزَّن كميّات القمح التي تدخل المملكة في مستودعات أفقيّة وعاموديّة موجودة في العقبة، والغباوي، وإربد، بالإضافة إلى كميّات أخرى «بيكون متعاقد عليها تصل تباعًا ضمن مواعيد الشحن المتفق عليها» يقول البرماوي. بعدها، وضمن برنامج وجدول محدد، يتم توزيع القمح على المطاحن الموزعة في المحافظات بما يُغطي حاجة المخابز والسوق. ويستهلك الأردن ما بين 50-60 ألف طنّ طحين في الشهر.

تقوم على توزيع كميات الطحين هذه 14 مطحنة موزعة على محافظات المملكة، ويبلغ عدد المخابز أكثر من ألفي مخبز بين صغير يدوي، ومخبز آلي كبير، وتستهلك ما بين 1500- 1750 طن طحين يوميًا، وتنتج نحو ألفي طنٍ من الخبز يوميًا، وفقًا لأرقام نقابة أصحاب المخابز.

مع حظر التجوّل الحالي، تغيّر شكل استهلاك الأردنيين للخبز، فبحسب الحموي يستهلك الأردنيون في أيّام الأسبوع العادية، قبل وبعد الحظر، كمية تتراوح بين 2000 و2500 من الخبز. فيما ترتفع كمية الخبز المستهلك في اليوم الذي يسبق أيّام الحظر الشامل بنسبة 70%.

الأرز والسكر

فيما يتعلّق بالأرز، يستورد الأردن كامل الكميّات المستهلكة من الخارج، وأبرز الدول التي يستورد منها هي الولايات المتحدّة وإيطاليا والبرتغال، حيث «كاليفورنيا هي أكبر منتج، [نستورد] 70% منها» والباقي موزع بين تايلند والهند والباكستان. أمّا السكر فيستورد من البرازيل وتايلند والاتحاد الأوروبيّ، وفقًا لنقيب تجّار المواد الغذائيّة خليل الحاج توفيق. 

يبلغ استهلاك الأردن من الأرز 150 ألف طن سنويًا، ومن السكر 300 ألف طنّ. ويأتي أغلبها عن طريق البحر، مع وجود بعض الكميّات التي تأتي عن طريق البرّ، خاصة من السعودية. ووفق توفيق، يتم تخزين أغلب الكميات من هذه السلع في مستودعات التجار المستوردين في عمّان، ويعاد توزيعه للمحافظات، وجزء قليل في مستودعات في العقبة. 

يختلف مخزون الأردن من هذه السلع الغذائيّة بين مادة وأخرى «إحنا بنعتبر حدّ الأمان من شهرين لحد الأربعة شهور وفي انسيابية بالاستيراد موجود [مخزون] آمن ومتعاقد عليه»، يقول توفيق.

يؤكد البرماوي أن كميّة السلع الأساسيّة في الأردن متوفرة، وتزيد عن الحدود الآمنة لكل صنف، «عنّا مخزون من السلع المستوردة، ومخزون من الإنتاج المحلي، وفي بعض السلع فيها فائض في الإنتاجيّة مثل الدجاج وبيض المائدة والخضار والحليب». لكن من المهم الانتباه إلى أنه وفي بعض الأصناف المتوفرة، والتي يكتفي الأردن منها بشكل ذاتي فإن بعض مدخلات الإنتاج فيها تعتمد على أصناف مستوردة مثل ما يحصل في حالة الدجاج، والذي يتغذّى على أعلاف ذرة مستوردة.

تم إنتاج هذا التقرير ضمن مشروع «عيون» للصحافة المحلية.

  • الهوامش
    1. حالة الأمن الغذائي في الأردن 2013-2014، التقرير التحليلي الصادر في شباط 2016 ص 4.
    2. دائرة الإحصاءات العامّة. أرقام 2017-2018.
    3. يقصد بالمناطق المرتفعة، الموجودة كمساحات زراعيّة في المحافظات وفي الصحراء، أي غير الموجودة في منطقة الأغوار.