مقتل قاسم سليماني وحسابات الواقع العربي

من العاصمة العراقية بغداد. تصوير أحمد الربيعي

رأي

مقتل قاسم سليماني وحسابات الواقع العربي

الثلاثاء 07 كانون الثاني 2020

بدايةً ومنعًا للَّبَس؛ لن يكون هذا المقال نعيًا لسليماني ولا شماتةً في موته.

كاتب هذه السطور ليس ممن يرون إيران بالضرورة نصيرةً للعرب والمسلمين والمستضعفين، ولا من المدافعين عن الدور الانتهازي الذي لعبته إيران في العراق بتواطئها المؤقت مع الغزو الأمريكي ورعايتها للميليشيات الطائفية فيه، ولا عن الدور الدموي الذي تلعبه، مع روسيا، في سوريا.[1] كاتب هذه السطور لا يجحد كذلك دور إيران في دعم المقاومة في لبنان منذ أن أرسلت حرسها الثوري إلى البقاع الغربي في 1982 إلى نصر 2006 المؤزر، ولا دور الثورة الإيرانية في حرمان أمريكا و«إسرائيل» من حليفهما الأهم في المنطقة.

سندخل إلى السياسة في هذا المقال إذن من باب المصلحة؛ ومن هذا الباب فإن إيران نصرت العرب حين اقتضت مصالحها، وحين اقتضت، لعبت أكثر الأدوار دموية وانتهازية. ولأننا سندخل من باب حسابات المصلحة، أو ما يسمى في نظريات العلاقات الدولية بــ«الواقعية السياسية»، فإننا سنتغاضى كذلك عن الأواصر التي تجمعنا بإيران، وتجعل بيننا، من باب الأخلاق والعشرة التاريخية واختلاط الثقافة والدم، نوعًا من التعاطف أو الألفة.

إلا أن حسابات المصلحة تختلط مع الأخلاق على مستوى جذري: لمصلحة من نحسب؟

حسابات المصلحة التي تشغلنا في هذا المقال هي مصلحة الشعوب: أولًا مصلحة شعب العراق الذي قتلته وتقتله أمريكا، بشكل مباشر، بالصواريخ والرصاص، في حرب 1991 وغزو 2003، وفي قصف الفلوجة (بتواطؤ من حلفاء إيران) في 2004، وفي سلسلة مستمرة من المجازر (مثلًا مجزرة الحديثة في 2004 إذ قتل الأمريكيون 24 من العراقيين العُزَّل، ومجزرة المحمدية في 2006 حين اغتصب الأمريكيون طفلة لم تتعد الرابعة عشرة ثم قتلوها وكل أفراد عائلتها)، ومؤخرًا أصدر دونالد ترامب عفوًا عن قناص أمريكي أدانته المحاكم العسكرية الأمريكية بارتكاب جرائم حرب، من بينها أنه كان يتسلى بقتل الأطفال والعجائز من مخبئه، وهذه ليست سوى بعض الأمثلة. هذا عدا عن القتل غير المباشر باليورانيوم المنضب الذي استخدمته أمريكا في القصف، والذي ما زال يؤدي إلى ميلاد أطفال مشوهين وإلى انتشار السرطان وأمراض لم تكن معروفة من قبل، وبالحصار الذي منع الغذاء والدواء من 1991 إلى 2003، وبخلقها للمناخ الطائفي ورعايتها له لكي يقتل الناس بعضهم بعضًا. وثانيًا حساب مصلحة الشعب العربي، الذي تآمرت أمريكا على ثوراته وطوّقتها بانقلابات عسكرية وحروب أهلية طائفية، والذي لا تأمن أمريكا أن يمتلك مقدراته وموارده، كما لا تأمن أن تنهض قوة ما بجوار حليفتها ووكيلة الاستعمار في المنطقة، أي دولة «إسرائيل». ولا ننسى حساب مصلحة شعب إيران الذي ترتكب أمريكا بحقه جريمة القتل البطيء بحصارها له منذ عام 1979 وهو الحصار الذي أدى فيما أدى إلى نقص الدواء، وإلى قتل الإيرانيين بحوادث الطيران بسبب غياب قطع الغيار.

سنذهب إلى الواقعية السياسية ولحسابات المصالح من باب التزامنا الأخلاقي بما نعتقد أنه مصلحة لهؤلاء كلّهم.

وبعد أن لعبت الأخلاق دورها في تحديد المصلحة التي ستحكم حساباتنا، نستأذن من الأخلاق أن تتوارى لتحل محلها الحسابات الواقعية، التي ما دامت تدور لحساب الشعب فهي أخلاقية بالضرورة (أو بحسب القاعدة الفقهية الشهيرة: «أينما كانت مصلحة العباد فثَمَّ شرعُ الله»).

نحن وأمريكا وإيران؛ من باب الواقعية السياسية

تتجنب الواقعية السياسية، سواء في شكلها التقليدي الذي استنه الإيطالي نيكولو ميكيافيلي، أو في شكلها «الجديد» كما يتبناه منظرو العلاقات الدولية (مثل الأمريكيَين جون ميرشايمر وستيفن والت)[2] تقديم وصفات جاهزة لما ينبغي فعله، لأن ذلك مرتبط بتغير علاقات القوى وما يتبعها من مصلحة. إلا أنها في بعض الحالات تقدم نصائح عامة ومن بين هذه النصائح أن التحالف مع الطرف الأضعف يكون في أكثر الأحيان أجدى من التحالف مع الطرف الأقوى. فالطرف الأقوى قادر على ابتلاعك إن وقفت بجواره، وعلى أحسن الظروف فإن اقترابك منه سيؤدي إلى تحالف ذيلي تحت إملاءاته وهيمنته. أما الطرف الأضعف فيحتاج إليك كما تحتاج إليه، وحسابات علاقات القوى والمصلحة تملي عليه أن يظل مخلصًا لحلفه معك، وهو غالبًا لن يقوى على فرض إملاءاته عليك بقدر ما قد يمليها الطرف الأقوى.

وقد رأينا صحة هذه النظرية على نطاق محلي في عالمنا العربي: فقد رأينا ما أدى إليه تحالف بعض الليبراليين والعلمانيين «المستنيرين» الذيلي مع المؤسسات العسكرية في مصر والجزائر، على سبيل المثال. أما على النطاق الدولي، فقد رأينا كيف تغدر أمريكا بحلفائها، أو كما قال أحمد فؤاد نجم على لسان شاه إيران: «إذا الندل صاحبك/ يصاحبك لِعِلَّة/ وتسمع كلام زي كدب الأغاني»، إلى قوله «وأول ما هبت رياح النهاية خلعني الخسيس/ من صباعه ورماني».

انتصار الطرف الأقوى يعني تفرده بالساحة من دون رادع أو توازن قوى، أما انتصار الطرف الأضعف فيعني نوعًا من التوازن الجديد

وبنفس المنطق فإن التحالف مع الطرف الأقوى، خاصة وإن كان عدوانيًا، يغريه أن يستمر في عدوانه. مؤخرًا كتب جوزيف مسعد، مستعيدًا هو الآخر بعض الدروس من نظريات العلاقات الدولية ومن تاريخها، عن أن معاهدات «عدم الاعتداء» كانت تاريخيًا أداة في يد القوى التوسعية لتمرير أعمال عدوانية وتوسعية جديدة، وأن معاهدات عدم الاعتداء في هذا السياق هي في واقع الأمر «معاهدات اعتداء»، وقال إن الحديث عن معاهدات عدم اعتداء ما بين «إسرائيل» ودول الخليج هو نذير بعدوان جديد – وربما كان اغتيال قاسمي هو نذير صدق توقع مسعد.

تذهب الواقعية السياسية إلى أن كل دولة هي خطر محتمل على الدول الأخرى (يضيق المجال هنا عن شرح المنطق الذي وصل من خلاله منظرو الواقعية إلى هذه النتيجة، ولكن يمكننا أن نقول بشيء من التبسيط أنه ما دامت كل دولة تضع أمنها القومي أولويةً، وما دامت كل دولة لا تستطيع أن تستوثق بشكل كامل من أن الدول الأخرى، بما فيهم حلفاؤها لن يغدروا بها، فإن الواقعية تقتضي عليها أن تضع احتمالًا، ولو بنسبة تقل عن الواحد في المائة، بأن هذه الدول هي خطر محتمل). لا يقول منظرو الواقعية بهذا الكلام لكي تشن كل الدول حروبًا على الأخرى، بل على العكس يرون أنهم يقدمون نوعًا من الحسابات التي ستمنع تلك الحروب أو ستحد منها.[3] 

وبنفس المنطلق، فإن انتصار الطرف الأقوى يعني تفرده بالساحة من دون رادع أو توازن قوى، أما انتصار الطرف الأضعف فيعني نوعًا من التوازن الجديد: نتذكر طبعًا كيف خلق وجود الاتحاد السوفيتي نوعًا من التوازن سمح لقوى التحرر الوطني أن تشكل كتلتها الثالثة وأن تلجأ في بعض الحالات إلى دعم الاتحاد السوفيتي (وفي حالات قليلة إلى الدعم الأمريكي كما فعل عبد الناصر بعد توتر علاقته مع الروس على إثر إعلان الجمهورية العربية المتحدة). ربما ظن بعضنا أن فيديل كاسترو لم يكن إلا متحزبًا لحليفه القديم حين قال على أعتاب الألفية الثالثة إن «عالم اليوم أسوأ من الحرب الباردة»،[4] ولكن الأحداث منذ سقوط الاتحاد السوفيتي إلى اليوم (في العراق وغيره) أثبتت أن عالم القطب الأوحد هو كذلك عالم العربدة الأمريكية. ومن نفس المنطلق كتب ميرشايمر في عام سقوط الاتحاد السوفيتي عن «لماذا سنشتاق إلى الحرب الباردة قريبًا».[5] 

يسري هذا الكلام وإن كانت القوة المهيمنة هي قوة مسمطة لا نعرف طبيعتها ولا خبرة لنا بتاريخها، فما بالنا والقوة المهيمنة هي الإمبراطورية الأمريكية وحليفتها، دولة «إسرائيل»، عدوة العرب التاريخية وصاحبة السجل الأكبر، هي وأمريكا، في العدوان عليهم. وهكذا فإن صعود قوة مناوئة أو منافسة للحلف الأمريكي والإسرائيلي هي من مصلحتنا، نحن العرب، بغض النظر عن الأواصر التي قد تربطنا بهذه القوة، أو الجرائم التي قد تكون هذه القوة قد ارتكبتها (ولا يعني هذا الكلام، أيضًا من باب الواقعية السياسية، الثقة المطلقة فيمن سيناوئ أمريكا أو مسايرة كل سياساته وأفعاله).

إلا أن هذا الاستنتاج يأخذنا إلى مسألة الإمبراطورية الأمريكية وإلى أن علاقات القوى التي نتكلم عنها ليست بين أطراف متشابهة ومسمطة كما تدعي هذه النظرية، بل هي علاقات استعمارية وإمبريالية تربطنا بالمركز الإمبراطوري. وتأخذنا أيضًا إلى سؤال (سيبقى معلقًا، على الأقل حتى نرى رد إيران) عما إذا كانت إيران بالفعل طرفًا مناوئًا للإمبراطورية الأمريكية.

نحن وأمريكا وإيران والمسألة الإمبراطورية

في العلاقات الدولية، تمامًا كما في دراسات السياسة والاقتصاد والأدب، ثمة نظريات عدة لفهم وتحليل العلاقات الإمبراطورية؛ نوجزها في عجالة بازدهار الحاضرة أو الحواضر الإمبراطورية على حساب الأطراف أو المستعمرات؛ وبشكل أكثر عملية فإن ازدهار باريس ولندن وواشنطن لا ينفصل عن نهب وإفقار أفريقيا وآسيا ومنع حواضرهما من منافسة الحواضر الغربية في سوق الصناعة والتجارة والإنتاج الثقافي والمعرفي. طبعًا ترتبط هذه العلاقة الإمبراطورية ارتباطًا وثيقًا بالرأسمالية التي تركز الأموال والصناعات والأرباح في يد أغنياء الحواضر الغربية وفي يد المتعاملين معهم من النخب المحلية في سائر أطراف العالم، والتي تجعل صعود النخب المالية في تلك الأطراف منوطًا بعلاقة هذه النخب بالمصالح الرأسمالية الغربية. وترتبط بإنتاج المركز الإمبراطوري لثقافة مهيمنة وتصديرها إلى الأطراف. وترتبط كذلك برؤية الحواضر الإمبراطورية لأمنها، ولنا كتهديد، قائم أو محتمل، للمراكز الإمبراطورية وبالذات للكيان الصهيوني.

تقتضي المصالح الإمبراطورية الأمريكية ألا تمتلك الشعوب العربية مقدراتها ومواردها، ومن بينها النفط، لكي لا تمنعها عن الغرب أو تتحكم في أسعارها أو تستخدمها في صناعات محلية تنافس الصناعات الأجنبية، وألا تقوم قوة إقليمية قادرة على تهديد أمن «إسرائيل». لا أقول هذا الكلام معذرةً للأنظمة العربية التي فشلت في تحقيق نهضة لشعوبها ثم ألقت باللائمة على الاستعمار، ولا للذين يمارسون القتل والقمع والتنكيل ثم يتحججون بمحاربة الاستعمار. لا عذر لهؤلاء لأن ممارساتهم تساعد في تمرير الحجج والسياسات الاستعمارية. ولكني أقول إن العداوة الظرفية مع أطراف تهدد مصالحنا أو ترتكب جرائم بحقنا، ليست كالعداوة المصيرية مع الاستعمار الذي يخلق باستمرار واقعًا يبقينا تحت سيف القهر والفقر ويتعمد أن يدمر فرصنا نحو التقدم، وهو نفسه الذي شارك في خلق الظروف التي سمحت للأنظمة الديكتاتورية أن تبقى. هذه العداوة مع الاستعمار أكثر تجذرًا وأبعد مدى، ومن دون تحررنا منه لن تقوم لنا قائمة.

ليست المسألة خيارًا ما بين الاستعمار والديكتاتورية: فقدرنا، لا خيارنا، أن نرفض الاثنين، ولكن المسألة هي أنه، ما دام لدينا النفط وما دامت «إسرائيل» على تخومنا، وما دامت الديمقراطية، بمعناها الحقيقي، في عالمنا العربي قد تعني تهديدًا لإمدادات النفط ولأمن الكيان الصهيوني، فإن الاستعمار سيكرس الديكتاتوريات في بلادنا ويدعمها، وإن سقطت ديكتاتورية ما فستنشأ برعايته أخرى، وأنه لا سقوط للديكتاتورية إلا بدحر الاستعمار.

ازدهار باريس ولندن وواشنطن لا ينفصل عن نهب وإفقار أفريقيا وآسيا ومنع حواضرهما من منافسة الحواضر الغربية في سوق الصناعة والتجارة والإنتاج الثقافي والمعرفي. 

من المهم أن نتذكر أننا حين نتحدث عن الإمبريالية نتحدث عن نظام عالمي مهيمن ومتجذر، أما شكل نظام الحكم في بلد ما فأمر عرضي. لا أقول ذلك تهوينا من شأن الديكتاتورية، فأهمية علاج العرض قد تقترب في بعض الأحيان من أهمية علاج المرض. ولكن يبقى المرض قادرًا على إنتاج أعراض أخرى إن تركنا الأولوية لعلاج العرض.

لا أقول هنا إن مسؤولية الديكتاتورية في عالمنا العربي تقع على الاستعمار وحده؛ تتعدد أسباب الديكتاتورية عندنا ولكن لا شك أن التركة الاستعمارية هي من بين هذه الأسباب؛ إذ ترك لنا الاستعمار كيانات ومؤسسات مشوهة لنحكم أنفسنا من خلالها، وفي بعض الأحيان وكلاء مباشرين أو غير مباشرين له ليحكمونا، وتتشارك نخبنا الوطنية، بما فيها النخب المعادية للاستعمار، في اللوم مع الاستعمار إذ قبلت بالمؤسسات والبنى الاستعمارية.[6] ومن ثم تحول الاستعمار من شكله القديم إلى شكل جديد بالوكالة، وهيمنت أمريكا على شبكة العلاقات الاستعمارية والإمبراطورية واعتمدت بالأساس على وكلاء ديكتاتوريين لكي لا يدينوا بالولاء لشعوبهم ويظل ولاءهم ومصدر شرعيتهم في الغرب. وعندما ظهرت بوادر أمل لانعتاق شعوبنا من الديكتاتوريات في 2011، سارعت الولايات المتحدة وحلفاؤها ووكلاؤها إلى استباق هذا التحرر بانقلابات عسكرية وحروب أهلية وجيوش أجنبية لتضمن تدفق النفط وتضمن أمن «إسرائيل» واستمرار الحصار على غزة.

رامي مخلوف، رجل الأعمال السوري الذي كان مقربًا من نظام ابن عمته بشار الأسد حتى كانون الأول/ديسمبر الماضي، فهم مبكرًا في مايو أيار 2011، هذا الدرس من وجهة نظر المصالح الإمبريالية وحاول أن تكون إجابته على سؤال «الاستعمار أم الديكتاتورية» هي «الاثنين معًا» فأدلى بتلك التصريحات الشهيرة إلى النيويورك تايمز والتي جاء فيها إنه «إن لم يكن ثمة استقرار هناك [في سوريا]، فلا سبيل إلى الاستقرار في إسرائيل». وعلينا نحن أن نعي الدرس نفسه بالعكس، ليس فقط لنقول لا للاثنين، ولكن لندرك أيضًا أن التخلص من الأنظمة القمعية منوط بالخلاص من إمبراطورية مهيمنة تعتمد على قهر الشعوب وقمعهم واستغلالهم، وتتخذ من الأنظمة الديكتاتورية ركائز لسياساتها؛ والنظام السوري نفسه لم يتوانَ عن الانضواء ضمن المنظومة الإمبريالية.[7] ثم تصاعدت الأحداث، وأصبح هناك وجود عسكري أمريكي ودعم لوجيستي إسرائيلي لبعض فصائل المعارضة السورية، أي أن الإمبريالية الأمريكية أصبحت تهدد النظام بدلا من أن تستثمره. لم نر إلى الآن، من النظام السوري وحلفائه موقفًا حاسمًا إزاء الاعتداءات الإسرائيلية والتدخلات الأمريكية؛ وربما ما تزال اللعبة حسب القواعد الإمبريالية قائمة: إذ تعمل أمريكا على تأجيج الصراع ولا تصل به إلى إسقاط النظام، فتحصل على موطئ قدم في المنطقة وتحاصر إيران بتأجيج المشاعر الطائفية، ولا تخاطر بالفوضى التي لا تأمن في ظلها على حليفتها «إسرائيل» ولا على خطوط إمداد النفط، وفي المقابل لم يفتح النظام السوري جبهات مباشرة لا مع الكيان الصهيوني ولا مع القوات الأمريكية في المنطقة، ربما التزامًا منه باللعب ضمن إطار الإمبراطورية.

وهنا مغالطة يقع فيها أنصار الطرفين إذ يسوّون ما بين الروس (ومن في حلفهم) وما بين الأمريكيين. يتحدث أنصار النظام السوري والتدخل الروسي عن روسيا كما لو كانت قطبًا مضادًا للقطب الأمريكي، ويتعامون عن أن روسيا تلعب ضمن قواعد الإمبراطورية الأمريكية وما تفعله لا يعدو أن يكون إعادة توزيع للأوراق ضمن العهد الأمريكي، فقد التزمت حتى الآن، لا بالخطوط الحُمر الأمريكية وحدها، ولكن أيضا بأمن «إسرائيل».

وعلى الجانب الآخر، يصوّر بعض خصوم النظام السوري التدخلَ الروسي وكأنه إمبريالية تضاهي الإمبريالية الأمريكية، وكأن معاداة الإمبريالية ومعاداة الوجود الأجنبي سيان، وكأن معاداة الإمبريالية ليست معاداة لنظام هيمنة عالمي يستهدفنا في كل لحظة ويخنق آمالنا على المدى البعيد. وفي هذا عدم فهم للإمبريالية من حيث هي مجموعة علاقات استغلال وتبعية (سياسية وثقافية واقتصادية) يزدهر بها المركز على حساب الأطراف ويفرض من خلالها المركز الإمبراطوري ثقافته وسوقه وشبكة علاقات الإنتاج التي تصب في مصلحته. وفيه كذلك عدم فهم لخصوصية الإمبريالية الأمريكية، بالذات في أعقاب الحرب الباردة، من حيث هي نظام هيمنة واستغلال دولي موحد لا يقف أمامه قطب آخر يردعه، وتنضوي القوى الدولية والإقليمية الأخرى تحت لوائه، ولا يمكن مقارنة اللاعبين الآخرين به، سواءً كانوا يحاولون اللعب ضمن إطار الإمبراطورية الأمريكية ومصالحها، أو كانوا يحاولون منابزتها.

يتعامى أولئك وهؤلاء عن أن روسيا ليست مركزًا إمبراطوريًا، ولا تفرض علاقات هيمنة كالتي تفرضها أمريكا، وأن تدخّلها على أسوأ تقدير وأحسنه سيمنحها دورًا تلعبه ضمن عالم الإمبراطورية الأمريكية ولن يؤدي وحده إلى إمبراطورية روسية بديلة ما دامت روسيا جزءًا من نظام اقتصادي تهيمن عليه أمريكا، وما دامت تتلقى المساعدات المالية الأمريكية، وما دامت لا تنتج ثقافة وأيديولوجية مهيمنة تفرضها على العالم من خلال سوق الإنتاج السمعي والبصري؛ وحتى في الترتيبات الجيو-سياسية والأمنية، لا تخرج روسيا عن الترتيبات الإمبريالية الأمريكية سوى في منطقة القرم (أما في سوريا فما زالت بالرغم من تنافسها مع الوجود الأمريكي لا تصطدم به بشكل مباشر ولا بظهيره الصهيوني وتكتفي بأن يكون وجودها تحت شعار «محاربة الإرهاب» المستساغ أمريكيًا).

لا أنكر ما للرفض المطلق للجيوش الأجنبية من نبل وطني ولا أنكر أني، كعربي، شعرت بالإهانة حين شاهدت الفيديو إياه الذي يحاول فيه بشار الأسد أن يتقدم إلى جوار نظيره الروسي فيمنعه أحد حراس الأخير فيتراجع الأسد ويظهر التزامه بتعليمات حارس بوتين بينما يسير هذا الأخير منتفخًا ومزهوًا على أرض قاعدة عسكرية جوية في اللاذقية، أو أني لا أستسيغ أن يدخل، غازيًا أو فاتحًا، إلى معرة النعمان من لا يعرف أبا علائها. ولكن هذا الرفض، وهذا الشعور بالإهانة، ليس سواءً هو ومعاداة الإمبريالية.

أما إيران فإن وضعها يختلف، فقد كانت منذ ثورتها في عام 1979، وخاصة أمام محاولات أمريكا المستمرة لخنقها، جيبًا من جيوب المشاغبة (لكي لا نقول المقاومة) على الإمبراطورية، تلعب بقوانينها أحيانًا (كما فَعَلَت بِغَضِّها الطرف عن احتلال أمريكا للعراق وتواطؤها معه أو حين ساندت الغزو الأمريكي لأفغانستان ومهدت له، أو كما ظهر في فضيحة إيران -كونترا) وتناوئها أحيانًا (كما أعلنت في لحظة ميلادها، من خلال أحداث السفارة الأمريكية في طهران على سبيل المثال، ومدها الجسور مع حركة التحرر الوطني الفلسطينية منذ تلك اللحظة، وكما فعلت حين دعمت المقاومة في لبنان منذ 1982). ولولا هذا الشغب وهذه المناوأة لما وضعها جورج بوش الابن في «محور الشر» مع العراق وكوريا الشمالية.

سيظهر في الأيام القادمة ما إذا كانت إيران ستختار هذه المرة أن تلعب ضمن قوانين الإمبراطورية أم أن تشاغب وتناوئ، وما سيترتب على ذلك من مواقف تمليها مصلحتنا كعرب في مرمى الإمبريالية قبل أن تمليها أخلاقنا تجاه جيراننا. ولكن لا مانع لأن نعود في آخر مقالنا إلى الأخلاق وإلى الأماني الطيبة، وأن نتمنى أن تكون هذه المواجهة بداية لانعتاق إخوتنا الإيرانيين من الحصار الأمريكي الغاشم، أو أن نحلم بانعتاق الناس، كل الناس، من ربقة هذه الإمبراطورية.

  • الهوامش

    [1]ربما يحكم التاريخ ذات يوم عمّا إذا كان الدور الإيراني في سوريا قد منع بالفعل تقدم عصابات القتل التكفيرية أو كبح بالفعل جماح المشروع الصهيوني-الأمريكي، أم كان محض دعم لنظام ديكتاتوري دموي. لكننا نعلم في الحالتين أن قوى الحرس الثوري الإيراني وحزب الله والجيش الروسي لا توزع الورد في سوريا؛ وأن وجود قوات عسكرية، بغض النظر عن سبب وجودها في سوريا، يعني انتشار الدمار والموت، فما بالك إن كانت قوات تتبع لأكثر من جهة وتأتمر بأكثر من أمر؟ أقول في المتن أعلاه إنني في هذا المقال سأهمّش الاعتبارات الأخلاقية وأركز على حسابات المصلحة؛ ومن باب المصلحة والواقعية السياسية يدعي أنصار إيران وحزب الله أن تدخلهم كان ضروريًا وأنه إن سفك دماء فقد حقن دماء أكثر؛ لست في موقع التقييم لهذا الكلام ولكني أستأذن أن أتدخل في هذا الهامش بعكس ما أقول به في المتن وأن أقول إنه إن كان للسياسيين حساباتهم واضطراراتهم فإننا كجمهور واسع، وكقراء/كاتبين نحاول التصدي للشأن العام، علينا أن نُذَكِّر السياسيين بالجانب الأخلاقي لحساباتهم، ونذكر العسكريين بالدماء البريئة التي تسيل في سبيل نصرهم.أو كما قال ميشيل فوكو؛ فـ«إن النقد هو أن تجعل الإيماءات المُستَسْهَلة صعبة

    [2] اللذين نعرفهما في العالم العربي من خلال دورها في كشف نفوذ اللوبي الصهيوني ومن خلال الحملة الصهيونية عليهما.

    [3]ميرشايمر ووالت بالذات كتبا ضد غزو العراق عندما كانت أمريكا تشحذ آلتها الحربية، وإن فعلا ذلك من باب مصلحة أمريكا

    [4]الوسط، 20/9/1998.

    [5]تنبأ ميرشايمر في هذا المقال باندلاع النزاعات في أوروبا، وتحققت نبوءته باندلاع نزاعات البلقان الدموية. أختلف مع ميرشايمر في نبوءته بعالم متعدد الأٌقطاب في حين أدخلتنا نهاية الحرب الباردة إلى قطب العالم الأمريكي الأوحد، وأأخذ عليه اهتمامه بأوروبا دون غيرها (ميرشايمر، وإن كنت أكن له الاحترام كمنظر، هو في النهاية منظر العلاقات الدولية للرجل الأبيض، وحتى كتابه مع ستيفن والت عن اللوبي كان مهمومًا بتأثير اللوبي الصهيوني على أمريكا لا بجرائم الصهيونية تجاه ضحاياها). ولكن يبقى المقال، على محاذيره، مفيدًا للتفكر.

    [6]ذلك باب من أبواب دراسات ما بعد الاستعمار كُتب فيه الكثير؛ منذ أن كتب فرانز فانون وحاضر محذرًا من أن قبول الوطنيين بشكل الدولة الذي أملاه الاستعمار سيؤدي إلى أشكال جديدة من الاستغلال والقمع الداخليين ومن التبعية للمراكز الاستعمارية، على سبيل المثال في محاضرته بعنوان «مزالق الشعور الوطني» (وهي منشورة ضمن كتابه «معذبو الأرض»). ومن أهم من كتبوا عن هذا الأمر في الهند المفكر بارثا شاترجي في كتابيه Nationalist Thought and the Colonial World: A Derivative Discourse ? وThe Nation and Its Fragments: Colonial and Postcolonial Histories. وطبقه على وضع فلسطين ومصر والعراق تميم البرغوثي في The Umma and the Dawla: The Nation-State and the Arab Middle-East. وعلى الأردن جوزيف مسعد في آثار استعمارية: تشكل الهوية الوطنية في الأردن.

    [7]ويراجع في ذلك، على سبيل المثال، ما يورده جوزيف مسعد في مقاله الذي دعا في مرحلة مبكرة من الأزمة السورية إلى رفض الديكتاتورية والاستعمار معًا.