سوق الألبسة ليلة العيد: «الناس ما معها»

تصوير عمّار الشقيري

سوق الألبسة ليلة العيد: «الناس ما معها»

الإثنين 03 حزيران 2019

مع دخول الساعة التاسعة مساء السبت في مدينة إربد، كان محلّ رائد الكردي المختص ببيع العبايات والجلابيب النسائية في شارع السينما، أحد أكثر شوارع المدينة نشاطًا تجاريًا، قد باع قطعةً واحدةً قبل إفطار ذلك اليوم ولمَّا يبع بعد الإفطار.

هو يومٌ من أيّام متشابهةٍ يقف فيه الكرديّ أمام محلّهِ لوقتٍ متأخرٍ، منذ بدأ موسم العيد في العشرين من رمضان: «المستورِد بيستورد وإحنا بنوخذ من التجار الكبار، إذا كان السوق جيد بنوخذ كمية أكبر، هاي المرة جبت بضاعة قبل 10 أيّام (13 يوم قبل العيد) والبيع ما تجاوز 1%. ما وصّلت إنه قبل العيد بثلاث أيّام ما تبيعش» يقول الكردي.

يحتوي محل الكردي على بضاعة بقيمة تتراوح بين ثلاثة وأربعة آلاف دينار، فيما يتراوح ثمن القطعة الواحدة بين 15-35 دينارًا، ويعمل معه شقيقه، ويساعده ابنه أيّام المواسم مثل الأعياد. يراهن الكرديّ على فترة العيد وما بعد العيد بقليل، إذ ينتظر أصحاب هذه المحلات الفتيات والأطفال ممن حصلوا على عيديات ليشتروا الملابس كما جرت العادة، لينقذوا الموسم، لذا يفتح التجّار أبواب محالهم اليوم الأوّل والثاني وربّما الثالث من العيد. يشتكي الكردي مثل غيره من تجار الوسط التجاري في المدينة من ضعف القوة الشرائيّة عند المواطنين.

بلغت قيمة مستوردات الأردن من الألبسة والأحذية لعيد الفطر هذا العام 85 مليون دولار، فيما بلغت المستوردات لموسم عيد الفطر العام الماضي 105 مليون دولار، أي بتراجع مقداره 19% تقريبًا. ولا تتوافر أرقام عن المبيعات للربع الثاني من العام 2019 بعد، فيما شهد الربع الأوّل من هذا العام انخفاضًا بالمبيعات مقداره 25% مقارنة مع الربع الأوّل من العام 2018، وفقًا لأرقام النقابة العامّة لتجّار الأقمشة والألبسة.

«مع بداية الربع الثاني من هذا العام، بدأت الأسواق تشهد حالة من النشاط وتحسن تدريجي وإقبال واضح مع دخول رمضان واستلام الرواتب وانتهاء موسم المدرسة، وهناك انخفاض بأسعار الملابس 10-12% عن [نفس الفترة من] العام السابق بسبب تخفيض التجار للأسعار لتعويض موسم الركود في الربع الأوّل»، يقول منير ديّة، نقيب تجّار الألبسة والأقمشة.

لكن ليس هذا حال التجار في عمّان كذلك، حيث كانت الحركة في جبل الحسين شبه معدومةً مقارنة بمواسم الأعياد السابقة، بحسب تجّار بيع ألبسة من أصناف مختلفة أكّدوا أنَّ هذا الموسم ما مرّ مثله من قبل على السوق. «هذا أوّل [موسم] عيد بتعبش فيه، بنام براحتي. [قبلها] كنت أروح مكرسح»، يقول محمد السيّد، صاحب محلّ بيع ألبسة رجاليّة.

يُرجع الكثير من التجار تراجع الحركة الشرائيّة على محالهم إلى بناء مولات كبيرة ومراكز تسوق ذات سلاسل. «الناس صارت تتجه على المولات بنزلوا بضاعة بكميات ومعهم مصاري، إن باع وإن ما باع مش فارقة معهم»، يقول مازن البزور، تاجر الأحذية في شارع الحصن في إربد منذ أربعين عامًا. ومثله يقول صاحب محل بيع الألبسة المستعملة أسامة الملكاوي، «اللي بيتجه على الأوروبي بيتجه على المولات، الأوروبي [عندهم] بأجود الأصناف (..)، وأبخس الأثمان. أنا محلي صغير، أربع آلاف قطعة، المحلات هذيك فيه 25-30 ألف قطعة هذا بيستفيد بيستورد، وأنا بوخذ منه».

يفسر ملكاوي سبب اتجاه الناس للمولات «أنا عندي عيلة، وين أحسن، أروح عالمحلات وأداحش بين العالم وأزمة وهذا أزعر وإلا أتجه على المولات فيه باركينغ ومحلات مكيفة وهدوء؟».

وعن السبب الذي يمنعه من الانتقال إلى منطقة المولات يقول ملكاوي: «أنا إذا بروح هناك بضيع، هناك حيتان، هون الإيجار 300 هناك بين 800 و 1000 [دينار شهري]».

من جانبه يقول دية «اليوم فيه منافسة في القطاع بين المحلات الصغيرة والمراكز التجارية وبين العلامات التجارية ومحلات التصفية. التنوع في أسواق الألبسة جعل المنافسة موجودة، حرية التجارة تقتضي أن يواكب التاجر الترويج والإعلانات، لازم التاجر يكون عنده قدرة على المواصلة. هذا التنافس موجود في كل دول العالم».

دفع هذا الركود الكثير من أصحاب المحال للبيع بأسعار أقلّ الأمر الذي أثار استهجان الكثير من التجار المجاورين لهم. «جملة البنطلون 10 بينباع بـ5، فيه سحر بالموضوع»، يقول محمَّد السيّد صاحب محل لبيع الألبسة الرجالية في جبل الحسين. «كثير بيبيعوا بخسارة، [التجار] بدها تعمل سيولة بسبب الالتزامات، بضاعة هاي بشيكات. بأي طريقة بده سيولة، ما فيه مرابح، التاجر بده يبيع». يقول جودت عبد الدايم، صاحب محل بيع ألبسة أطفال في نفس الشارع.

تظهر أرقام دائرة الإحصاءات العامّة عن العامين 2017 و2018 أنَّ معدل صرف الأسرة في إربد مثلًا على الملابس والأحذية سنويًا يبلغ 531 دينارًا، لكن هذا الرقم بعيد عمّا أنفقه متقاعد الجيش عبد الهادي الزعبيّ، الأب لأربعة أطفال. «اشتريت لاثنين قبل رمضان، واثنين اشتريتلهم عالراتب هاظ، البنات الثنتين كلفوني ستين ليرة والولاد الثنين أربعين».

يتقاضى الزعبي راتبًا مقداره 350 دينارًا. لم يشترِ هذا العيد ملابسًا لنفسه كما يقول، ولم تشتر زوجته كذلك، التي يقول إنها «والله من سنة ما شافت [الملابس الجديدة]». اشترى الزعبي آخر ملابس جديدة قبل عام، «هاظ [القميص] بثلاث ليرات، وهاظ [البنطلون] بخمسة». وكان الزعبي رفقة الشاب أحمد فريوان، يقفان أمام أحد مولات جنوب إربد «بطلّع ميّة، ميتين، ميتين وخمسين [بالشهر] عندي ولدين وبنت، والله ما عيدتهم، والله ما اشتريتهم ولا راح اشتريلهم، من وين؟»، يقول فريوان الذي يعمل في الباطون ونقل الطوب أو الرمل.

صرفت الحكومة قبل أيّام رواتب موظفي القطاع العامّ، وصرفت كذلك دعم الخبز قبل شهر رمضان، فيما أجلّت بعض البنوك أقساط القروض على عملائها، رغم ذلك لا يشعر التجار ممن قابلناهم أنَّ هذه الإجراءات نشَّطت حركة البيع.

يفسَّر أسعد قواسمي ممثل قطاع الألبسة والنوفيتيه في غرفة تجارة الأردنّ هذا الركود بقوله «القوّة الشرائيّة ضعيفة، الدخل لا يوازي النفقات، سلّم الأولويات عند العائلة الأردنيّة، كانت الألبسة على سلّم الأولويات للعائلة بعد المأكل، اليوم صار المأكل والتعليم والصحّة وبعدين الألبسة».

تظهر أرقام دائرة الإحصاءات العامّة أنَّ سلّم الإنفاق للعائلة الأردنية ذات دخل أقل من 2500 دينار سنويًا (وهي الفئة الأقل دخلًا حسب تصنيف الدائرة) يبدأ بمجموعة السلع الغذائيّة ومن ثم (المسكن والمياه والكهرباء والغاز) ثم الصحّة، ثم النقل، ثم الاتصالات، ومن ثم سلع أخرى، ثم الألبسة والأحذية. أي أنَّ الإنفاق على الملابس والأحذية على الدرجة السابعة في سلّم الانفاق. وتتفاوت درجة الإنفاق على الملابس والأحذية للدخول الأعلى من 2500 لكنها تتراوح بين المرتبة الثالثة والرابعة بعد مجموعة السلع الغذائيّة، ومن ثم (المسكن والمياه والكهرباء والغاز)، والنقل/الصحة.

ارتفعت تكلفة الألبسة والأحذية المستوردة بسبب إضافة رسوم تبلغ 5% على التكلفة فيما يعرف بـالخدمات الجمركيّة التي أقرت العام الماضي. «رفعت شوي من قيمة الرسوم، التاجر بيتحمل هذه الضربات والمصاريف العالية لاستمراريته، التاجر عنده مشاكل كثير مثل البيع الإلكتروني»، يقول القواسمي.

بعد أكثر من ساعةٍ من مراقبة الداخلين والخارجين بدون شراء على أحد محال بيع الألبسة التي يمتلكها التاجر جمال صقر في جبل الحسين، يقول صقر «الناس ما معها، وما بتفوت على المحل، ولو فاتت، بتوصل للي بدها إياه وتتراجع لأنو الإمكانية إلي بين إيديها محدودة».