صراع في مجلس الحرب: إلى ماذا ستفضي تهديدات غانتس لنتنياهو؟

الأربعاء 22 أيار 2024
من المظاهرات المطالبة بصفقة تبادل أسرى في تل أبيب. أ ف ب

قبل أسبوع، خرج وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت ليتحدى بنيامين نتنياهو، زميله في حزب الليكود، ويطالبه في مؤتمر صحفي بوضع خطة لما بعد الحرب على غزة، ويشدد على رفضه إرساء حكم عسكري إسرائيلي في القطاع. 

بعدها بثلاثة أيام، ظهر عضو مجلس الحرب ووزير الحرب السابق بيني غانتس في مؤتمر صحفي آخر، ليثير مزيدًا من الجدل بتهديده بالانسحاب من المجلس إن لم يلبِّ نتنياهو مطالبه التي سردها في ستة بنود، هي القضاء على حماس، واستعادة الأسرى، وتشكيل حكومة بديلة في القطاع، وإعادة مستوطني الشمال، والتجنيد الإجباري للمتدينين، ووضع خطة للتطبيع مع السعودية، محددًا تاريخ الثامن من حزيران المقبل كحد أقصى لوضع خطة لتلبيتها قبل أن ينفذ تهديده.

جاءت تصريحات غانتس، الذي ضُم إلى مجلس الحرب في بدايتها دون أن يكون عضوًا في الحكومة، تتويجًا لمسار متصاعد من الانتقادات والتجاذبات بينه وبين نتنياهو حول إدارة الأخير للحرب. وعلى طول هذا المسار، ظلت الأسئلة والتكهنات تتوارد حول قرب تفكك مجلس الحرب وإسقاط الحكومة، انعكاسًا للانقسامات في الشارع الإسرائيلي بين يمين يطالب باستمرار الحرب بل توسيعها وإعادة احتلال القطاع، ويمين آخر يريد منح الأولوية لاستعادة الأسرى، ثم استكمال الإبادة.

حول هذه التطورات وتداعياتها المحتملة على استقرار حكومة نتنياهو وعلى مسار الحرب، ودور الولايات المتحدة في هذا المشهد، حاورنا من القدس المحتلة الأكاديمي والباحث في الشأن الإسرائيلي الدكتور محمد هلسة. 

حبر: قبل الحديث عن احتمال انسحاب بيني غانتس من مجلس الحرب، هناك من يقول إن بذور هذا الانشقاق كانت موجودة منذ بداية تشكل المجلس. هل يمكن أن تعطينا خلفية حول ملابسات دخوله المجلس ولماذا وافق عليه حينها؟ وهل كان خروجه مسألة وقت؟ 

محمد هلسة: بالتأكيد، هذا زواج مصالح معقد كان محكومًا بأن يصل إلى نقطة النهاية المتوقعة، والتي ربما امتدت أكثر من اللازم. في الواقع، خدم دخول غانتس إلى «كابينت» الحرب ثلاثة أطراف في الداخل الإسرائيلي. أولًا، المجتمع الإسرائيلي الذي منحه دخول غانتس مع غادي آيزنكوت، أي حزب المعسكر الوطني، الشعور بالرضى والطمأنينة عن قيادة إدارة المعركة، بخلاف السخط أو القلق الذي كان يمكن أن يتبدى فيما لو ظل الأمر منوطًا ببن غفير وسموتريتش، وهما بالنسبة المجتمع الإسرائيلي صبيان حديثا عهد بالعمل السياسي والأزمات السياسية كهذه الحرب.

من جهة أخرى، منح هذا الدخول نتنياهو الشعور بالثقة في إدارة هذه الحرب، وهو الذي اضطرّ لتشكيل حكومة وحدة وطنية في محاولة استجداء عطف المجتمع الإسرائيلي، حيث بات يدير الحرب مع نخبة من الجنرالات الآتين من خلفية عسكرية. 

ثالثًا، خدم ذلك غانتس نفسه وحزب المعسكر الوطني، حيث قدم نفسه على أنه تسامى على الخصومة الطويلة التي كانت بينه وبين نتنياهو. ففي تجربة الشراكة بينهما التي كانت قبل السابع من أكتوبر، ذهب نتنياهو إلى امتهان غانتس والإساءة إليه، ثم أخرجه من الائتلاف دون أن يستكمل بنود الاتفاق ويمنح غانتس رئاسة الوزراء. ودخول غانتس منحه ومنح حزبه صورة من يقدم المصالح الوطنية الإسرائيلية العليا على مصلحته الشخصية. وبالتالي، أفادت استطلاعات الرأي حينها بأن غانتس يتقدم على نتنياهو، وحزبه يتقدم على حزب الليكود الذي ينتمي إليه نتنياهو، فيما لو جرت الانتخابات في تلك الفترة. 

حينما شعر غانتس بأن استطلاعات الرأي لم تعد تخدمه، بل على العكس تخدم سردية نتنياهو، وبدأ نتنياهو يجني الأصوات على امتداد هذه الحرب الطويلة، بدأ غانتس يرفع من وتيرة الخطاب حتى وصل إلى هذه النقطة الفاصلة التي هدد فيها بالخروج. لكن حتى وهو يخرج يناور، بمعنى أن هذا التحول ليس تحوّلًا استراتيجيًا، بل تحول تكتيكي في إطار قراءة المزاج العام الداخل الإسرائيلي، وبما يخدم مصلحة غانتس في نهاية المطاف. 

في مقال سابق لك قبل خمسة أشهر كنت قد قلت إنه من المبكر الحديث عن انسحاب غانتس. الآن، أنت تحيل هذا التغير إلى استطلاعات الرأي، لكن هذه الاستطلاعات ما تزال تعطي غانتس نسبًا غير بسيطة. إذًا، ما الذي اختلف اليوم؟

صحيح، البعض قال حينها إننا بتنا قاب قوسين أو أدنى من الخروج. أنا قلت إن الأمر مبكر، وفعلًا صمد غانتس أكثر من خمسة أشهر، لذا لم يكن ذلك الرهان في مكانه. 

الموضوع ليس فقط مرتبطًا باستطلاعات الرأي، بل أيضًا بأن الحرب استنفدت أهدافها. لم يعد في جعبة المجتمع الإسرائيلي ما يقدمه لغانتس من أصوات في إطار كابينت الحرب والحكومة، ولم يعد في جعبة غانتس ما يقدمه للمجتمع الإسرائيلي. إذًا، هذه العلاقة التبادلية استنفدت أغراضها.

اليوم، نتنياهو يتقدم في استطلاعات الرأي، وهو يراهن على أنه قادر على قلب المزاج العام في الداخل الإسرائيلي لمصلحته. وما يقوم به من خطوات استعراضية في خطابه تجاه استمرار الحرب ومعاندة الولايات المتحدة والهيئات الدولية المختلفة بالتأكيد يخدم سرديته، خاصة مع وجود شركائه تحت جناحه. لذا، بات غانتس يشعر أن خدمة أهدافه الشخصية وأهداف حزبه تقتضي الخروج، وهو ما سيمكّنه من الحفاظ على ما تبقى من رصيد ووقف نتنياهو عند هذه النقطة. 

خروج غانتس قد يضعف ائتلاف نتنياهو، وقد يضرب في استقراره، لكنه لن يطيح بالحكومة بشكل كامل. وهو يعلم أن حتى لو خرج الآن قبل انتهاء المهلة فهذا لن يغير شيئًا في استقرار ائتلاف نتنياهو الذي يتمتع بأغلبية 64 صوتًا في الكنيست. الأهم من الأغلبية البرلمانية هو أن نتنياهو لديه الأغلبية في الموقف السياسي، بمعنى أن هناك أربعة أحزاب معه تريد هذه الحرب، وتحديدًا حزب الصهيونية الدينية وحزب العظمة الصهيونية، أي بن غفير وسموتريتش.

غانتس لم يقل إننا وصلنا إلى مرحلة انسداد أفق ويعلن الخروج، بل ما زال يناور ويمنح نتنياهو مزيدًا من الوقت ويمنح نفسه وقتًا للتراجع. لذلك، نقول إنه من الآن وحتى الثامن من حزيران، يخلق الله ما لا تعلمون. قد تحدث تحولات في مجرى الحرب، وربما ينفتح الأفق مجددًا في ملف المفاوضات، ويتخلى غانتس عن إنذاره النهائي، وربما تحدث تحولات في سياق المواجهة مع حزب الله في الشمال. إذا حدث تصعيد، بالتأكيد غانتس سيغلف قراره بغلاف المصلحة الوطنية العليا ويبقى، ويعود مجددًا ليتعاطى مع المزاج العام الداخلي بما يخدم مصلحته ومصلحة حزبه.

إن ذهب غانتس نحو الانفكاك عن هذه الحكومة، هذا سيُحدث تحولات في المزاج العام الداخلي الإسرائيلي، خاصة وأنه سيصبح لهذا الحراك رأس سياسي يقوده. فعلى امتداد سبعة أشهر من المظاهرات، لم يكن لهذا الحراك المعارض رأس سياسي كما كان للحراك المحتج على التعديلات القضائية، وهذا ما أدى إلى أن يخرج أكثر من نصف المجتمع الإسرائيلي إلى الشارع، ودفع نتنياهو إلى أن يضرب الكوابح ويتوقف. لكن ما يجري اليوم في الداخل الإسرائيلي لا يشكل ضغطًا حقيقيًا، فنتنياهو مقتنع بأنه قادر على التأقلم معه، بل قادر على تنفيسه وسحب البساط من تحت أقدام قيادات الحراك. وهو دائمًا يستخدم فزاعة التهديد الوجودي لـ«إسرائيل» كلما بدأ يشعر أن رؤوس خصومه ترتفع. 

الجديد الذي يمكن أن يحدثه غانتس بخروجه هو أن صوته المنتقد سيعلو، لكن ليس تحت مظلة مجلس الحرب وليس تحت جناح نتنياهو، لأن وجوده مع نتنياهو منح الأخير الشرعية المطلقة، وجعل صوت غانتس في انتقاده خجولًا. لكن لا أحد في داخل المجتمع الإسرائيلي يجرؤ على الخروج عن سردية القطيع. لا أحد يقول إن المشكلة تكمن في قتل 40 ألفًا وفي التدمير والذبح تحت عين الكاميرات. وغانتس يدرك أنه إذا نبس بكلمة أنه ضد الحرب سيُسحق وسيردّه المجتمع الإسرائيلي إلى صفر في استطلاعات الرأي.

إذا أردنا الدخول في تفاصيل الاشتراطات التي علّق عليها تهديده بالانسحاب، تحدث غانتس عن ما يسمى باليوم التالي وضرورة تحديد استراتيجية واضحة للحرب، وهو ما تقاطع مع تصريحات يوآف غالانت. كيف تقرأ هذا الشرط؟ هل يمكن اعتباره شرطًا تعجيزيًا لنتنياهو أم أنه يمكن تخريجه بشكل يرضي غانتس وغالانت؟

إذا بدأنا بغالانت، فهو خرج لانتقاد نتنياهو لعدد من الاعتبارات، منها الخصومة الشخصية السابقة مع نتنياهو التي تبدت في أكثر من مشهد حتى أمام الكاميرات، لأنه كما تذكرون أقاله بعدما تمرد عليه في موضوع التعديلات القضائية. لكن غالانت أيضًا هو رأس المؤسسة العسكرية لأنه وزير «دفاع»، ولا يستطيع أن يرى جيشه يدفع الثمن الأكبر في حرب المراوحة التي يخوضها نتنياهو دون وجود أفق سياسي. وفي الوقت نفسه، حتى والجيش يقدم هذه الخسائر، فإن المؤسسة السياسية تحاول نزع الشرعية عنه وتتهمه بالتقصير.

لذا، فالمؤسسة العسكرية تدرك أن الحرب ليست هدفًا بذاتها، وأنه دون أفق سياسي يرافق العملية العسكرية، أي مسار يفضي إلى استثمار ما يسمونه «إنجازات تكتيكية» في الميدان، فلا طائل من الحرب. وطالما أنه لا يوجد ترتيب سياسي يفضي إلى إنهاء حماس كمنظومة تحكم وسيطرة إدارية وسياسية داخل قطاع غزة، فلا معنى لكل ما يجري، وفق الرؤية الإسرائيلية. إذًا، جزء من الانتقادات خلفيتها مهنية بالنسبة لأشخاص آتين من المؤسسة العسكرية مثل غالانت وغانتس. 

لكن أيضًا وهو الأهم، في جزء مما قاله الرجلان هناك غمز سياسي للولايات المتحدة، لأنها تريد ترتيبًا لغزة تكون السلطة الفلسطينية «المتجددة» جزءًا منه، في حين أن نتنياهو ومن معه يرفضون ذلك. نتنياهو لا يملك خيارًا آخر، لأنه جرب خيار العشائر ولم ينجح، وتواصل مع بعض العرب، لكن لا أحد لديه استعداد أن ينزل بقواته وجيشه ليُقتل في غزة، لأن المقاومة قالت إن أي أحد يدخل القطاع بدون ترتيب سيُعتبر عدوًا وسيُعامل معاملة العدو. لذا، فهو يستغل هذه الجزئية ليقول إنه دون إنهاء حماس لا يوجد شيء اسمه ترتيب سياسي لما بعد الحرب، لأنه يدرك أنه دون إنهاء حماس فأي ترتيب سياسي سيشمل حماس.

اليوم، الفهم العام الإسرائيلي، بعيدًا عن الشطحات، مفاده: إما حكم عسكري إسرائيلي، وهذا لا تريده «إسرائيل» إلا بن غفير وسموتريتش، أو حكم مدني تكون حماس جزءًا منه. لا يوجد خيار ثالث. غانتس وغالانت وغيرهم يرون أن نتنياهو الذي يسير وفق رغبات بن غفير وسموتريتش سيأخذ «إسرائيل» نحو الاحتلال العسكري لغزة. هو لا يقول ذلك، وإنما يتحدث عن إنهاء حماس. لكن حتى ينهي حماس يجب أن يظل موجودًا. «إسرائيل» تدخل جنين كل يوم وتضرب وتقتل مجموعات المقاومة التي لا تحمل سوى الرشاشات ثم تخرج، لتعود المجموعات بالظهور في اليوم التالي، فما بالك بغزة حيث البنية التحتية العسكرية للمقاومة أوسع وعدد العناصر أكبر؟ 

هناك فهم عميق لذلك في الشارع الإسرائيلي، والبعض يجاهر به. لكن من يريد أن يبيع هذا الشارع شعارات شعبوية حول الانتصار الناجز سيظل يضخ فكرة الحرب بلا نهاية، لأنه في اللحظة التي تقف فيها الحرب سيواجه نتنياهو هذه الأسئلة الكبرى، التي لم يعتد المجتمع الإسرائيلي طرحها خلال الحرب. 

أشرت على هامش الحديث لدور الولايات المتحدة. لكن هل تعتقد أن خطوة غانتس جاءت بدعم أمريكي؟ تحديدًا وأنه صدرت أنباء عن التقائه ببعض الزعماء العرب في عواصم عربية قبل الخروج في مؤتمره الصحفي.

في الداخل الإسرائيلي، يقال إن غانتس هو رجل الولايات المتحدة، وربما تذكرون زيارته للولايات المتحدة بخلاف رغبة نتنياهو، وما حدث من صدام بين الرجلين حينها. 

حتى نفهم المشهد، يجب أن ندرك أنه إذا ذهب بايدن نحو كسر عظم مع نتنياهو وحكومته، فهذا ضرب لما تروجه الولايات المتحدة من أن «إسرائيل» دولة مؤسسات ودولة ديمقراطية تشبهنا، لا يستطيع بايدن أن يعاملها كما يعامل بعض الأنظمة العربية عبر الدفع نحو انقلابات وما شاكل. ثانيًا، هذا سيضعف «إسرائيل» في إطار المواجهة وهذا ما لا تريده الولايات المتحدة رغم كل المعاندة التي يبديها نتنياهو للمواقف الأمريكية. 

بالتالي، فقد تخلت الولايات المتحدة عن أدواتها الرسمية القادرة على كبح نتنياهو ولجأت إلى طرق أخرى من بينها محاولة اللعب على التناقضات الداخلية الإسرائيلية من تحت الطاولة، بمعنى قراءة تحولات المشهد السياسي الداخلي ومحاولة جر «إسرائيل» للمربع الذي تريده دون أن تبدو أمام الناخب الأمريكي، تحديدًا اليميني واليهودي، بأنها تمارس الضغط على نتنياهو. 

من المؤكد أن هنالك تنسيقًا، وإلا ما معنى أن يخرج غالانت، ثم يتلوه غانتس بعد أيام، ويتقاطع هذا مع تصريحات الكثير من القيادات الأمريكية التي تتحدث عن فراغ استراتيجي في موضوع ما بعد الحرب؟ هذا غمز للإدارة الأمريكية بأننا ندفع باتجاه ما تريدونه، فتعالوا نقصي نتنياهو سويًا عن المشهد السياسي. والولايات المتحدة بالتأكيد تريد إقصاءه، فهو ويمينه يشكلان عقبة أمام رغبتها في إعادة ترتيب المشهد في غزة وفي الإقليم وفق رؤيتها، التي تشمل السلطة الفلسطينية «المتجددة»، واندماج «إسرائيل» في الإقليم، ووعد العرب بمسار يفضي لدولة فلسطينية، وإقصاء حماس، لكن ليس بمنطق نتنياهو القائم على سحق كل أسباب الحياة. قد يكون الأمر اختلافًا تكتيكيًا، لكن في النهاية هذا ما تريده الولايات المتحدة، وهذا ما يريده غانتس وغالانت.

هناك مسألة مهمة جدًا، وهي أن غانتس وغالانت لديهما قناعة نابعة من فهم عسكري استراتيجي، وإن كانا لا يجاهران بها، بأن الموضوع انتهى ولم يعد لنا ما نفعله في رفح، وإننا نراوح في مستنقع ندفع فيه الأثمان، وأن الحرب وصلت سقف ما يمكن أن تقدمه للمجتمع الإسرائيلي. وفي ظل الحرب، لن نكون قادرين على الوصول لأي ترتيب سياسي، لا في غزة ولا مع حزب الله في الشمال ولا مع الحوثيين في البحر الأحمر. مفتاح الترتيب كله ومفتاح استعادة الأسرى هو أن تهدأ الحرب في قطاع غزة. ومفتاح نجاح بايدن هو أن تسقط غزة وحربها عن جدول أعمال الانتخابات الأمريكية.

في ظل أن غانتس وكتلته في الكنيست لا يستطيعون إسقاط الحكومة، لماذا يخشى نتنياهو من استقالة غانتس؟ هل يمكن أن يتمكن غانتس من تأليب بعض أعضاء الليكود على نتنياهو؟ وهل يمكن القول إن خروجه يعني فرض ضغوط أكبر على نتنياهو من قبل ائتلاف اليمين؟ 

أولًا، نتنياهو يخشى فقدان صورة الثقة التي يمنحها إياه وجود غانتس معه. لكن كما ذكرنا، هذا لا يعني أنه سيفقد الأغلبية البرلمانية أو القدرة على الاستمرار، لأنه يملك أغلبية برلمانية وأغلبية في الرغبة في استمرار هذه الحرب. لا يوجد خلاف بين أركان الحكومة الموسعة على استمرار الحرب، بل هناك تنافس على تقديم صورة الهروب إلى الأمام.

هل يُحدث غانتس تصدعات داخل اليمين؟ لا، على العكس. بالأمس، يقول بن غفير: «أعتقد أن نتنياهو سيدخلني إلى كابينت الحرب قريبًا، أو سيعلن عن إلغاء كابينت الحرب». هذا يعني أن بن غفير وسمويترتش، اللذين اشترط غانتس بقاءهما خارج الكابينت، سيقفزان إلى موقع متقدم في إدارة الحرب، وأن اليمين سيحظى بفرصة أكبر لتطبيق رؤيته في إعادة احتلال غزة. موقف غانتس وغالانت ينبع من أنهما يدركان أن هذا الكلام ليس إنشاءً، وأنه ربما تذهب الأمور بهذا الاتجاه. هذا يمين مجنون، وطالما أن نتنياهو بحاجته، فسيستمر في تلبية رغباته. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يردعه هو أثمان يدفعها في الداخل الإسرائيلي. هذا ما جعله يتراجع في مسألة التعديلات القضائية، لأن أكثر من نصف المجتمع الإسرائيلي شعر أن مصالحه تتهدد بوجود هذا اليمين، لأنه لا يحمل أجندة تجاه القضية الفلسطينية فحسب، بل لديه أجندة داخلية أيضًا يريد أن يفرضها على الشرائح العلمانية.

لا أحد في داخل المجتمع الإسرائيلي يجرؤ على الخروج عن سردية القطيع. لا أحد يقول إن المشكلة تكمن في قتل 40 ألفًا وفي التدمير والذبح تحت عين الكاميرات. وغانتس يدرك أنه إذا نبس بكلمة أنه ضد الحرب سيُسحق وسيردّه المجتمع الإسرائيلي إلى صفر في استطلاعات الرأي.

المجتمع الإسرائيلي ليس معتادًا على الحرب الطويلة. اليوم، هناك مستوطنات في الشمال مخلاة ولا أفق لإعادتها، وهناك أثمان اقتصادية كبيرة، وهناك ظواهر لا تظهر كثيرًا على الإعلام، من تعاطي المخدرات والانتحار في صفوف الجيش والمدنيين والاعتداءات الجنسية وحالات القتل، كلها نتاج هذه الحرب. وكلما طالت الحرب ستزيد هذه الأثمان. هل يقلب غانتس المشهد في تحوله للجمهور وقيادته للإطاحة برأس نتنياهو؟ تقديري أنه سيحدث تحولات لكنها ليست جارفة، بمعنى أنه سيذهب للشارع في حال استقالته وسيقوده وسيعلو صوته أكثر، لكنه لن يشكل موقفًا جارفًا لسبب بسيط جدًا، وهو أن هنالك سردية قطيع يتحكم فيها نتنياهو، ولا يمكن لأحد أن يخرج على هذه السردية وأن يجاهر برفض الحرب. وبالمناسبة، هناك إجماع على فكرة «أعطونا الأسرى، واذهبوا إلى سحق عظام كل الفلسطينيين فردًا فردًا». لا مشكلة عند المجتمع الإسرائيلي في ذلك. 

من الخطأ القول بأن نتنياهو يتعرض للابتزاز من اليمين. الابتزاز يعني أن تدفعني لفعل شيء أنا لا أريده. لكن في واقع الأمر، نتنياهو يريد أكثر من اليمين أن يستمر في هذه الحرب. اليمين القومي، أي بن غفير وسموتريتش، متمسك بالسلطة، وهو الذي كان تاريخيًا على هامش الهامش، ولأول مرة يحظى بهذه الفرصة. وما نراه من جعجعة وتهديدات من هؤلاء بأنهم سيتخلون عن نتنياهو يستحيل أن يحدث، لأنهم يعلمون أنهم إذا فرّطوا بهذه الحكومة فلن يعودوا للحكم أبدًا. بالتالي، هناك تناغم أدوار، حيث يقول نتنياهو للداخل الإسرائيلي وللحليف الأمريكي أنه ليس وحده، والمسألة مجتمع بأكمله، وأن هؤلاء أكثر تشددًا منه. وربما هم يقولون بجرأة ما لا يجرؤ نتنياهو على قوله. 

أحد الشروط التي طرحها غانتس تعلق بإعادة مستوطني الشمال بحلول أيلول المقبل. في ظل التأكيد المتكرر من حزب الله على أنه لا تسوية ولا وقف إطلاق نار على جبهة لبنان قبل وقف إطلاق النار في غزة، هل ثمة تصور واقعي لتحقق هذا المطلب؟ وكيف يمكن أن تُستغل هذه المسألة للضغط على نتنياهو؟

نتنياهو يدرك أن محور المقاومة في لبنان وفي اليمن وفي العراق لن يتجاوز السقف الذي رُسم في إطار المواجهة، وأنه قادر على تحمل أثمان هذا السقف، على الأقل لغاية حسم الحرب في غزة. هو يقبل بمعادلة رد برد، اغتيال باغتيال، مسيرة بمسيرة. وفي اليمن، الولايات المتحدة تتكفل بالبحر الأحمر. لذا، فخطة نتنياهو هي تحمل الأثمان طالما لم يذهب حزب الله لكسر نسق الصراع. هذا النسق استمر سبعة أشهر، ولكم أن تتخيلوا لو كان ذلك حدث في غير سياق الحرب الجارية، لكانت «إسرائيل» مستعدة لفتح حرب لو أطلقت عليها رصاصة. ما يمنعها الآن هو أنها لا تستطيع تحمل تعدد الجبهات. والعقدة اليوم أمام كل الترتيبات السياسية التي يجري الحديث عنها هي إنهاء الحرب غزة. 

لذلك، لا أحد يريد كسر هذا السقف، على الأقل لغاية حسم المواجهة مع قطاع غزة. لكن في تقديري حتى بعدها، رغم كل الجعجعة التي سمعناها على مدار أشهر، من غانتس نفسه ومن غيره، حول الاقتراب من نقطة الصفر والمواجهة الشاملة مع لبنان، فـ«إسرائيل» غير قادرة على فتح هذه المواجهة لا على مستوى النظام السياسي ولا على المستوى الداخلي ولا على المستوى الاقتصادي. وهي تعلم أن ما استخدمه حزب الله حتى هذه اللحظة من أدوات لا يرقى إلى ما هو موجود في ترسانته العسكرية التي ستحدث في «إسرائيل» ضررًا كبيرًا لن تنجو منه مستوطنات الداخل الفلسطيني المحتل.

غانتس قال إنه إن لم يستجب نتنياهو لمطالبه فإن «إسرائيل» في طريقها إلى الانتخابات. إلى أي حد ترى هذا السيناريو مرجحًا؟ هل لديه القدرة على ذلك؟

كيف يمكن الذهاب إلى انتخابات إذا لم يحل الكنيست؟ مَن مِن أعضاء البرلمان سيقدمون استقالاتهم؟ نتنياهو يحكم قبضته على الليكود، ولا يوجد فيه أصوات منتقدة اليوم. الصراع داخل الليكود يدور على من هو أكثر يمينية. لذا حتى لو جاء موعد الثامن من حزيران واستقال غانتس، ما الأثر الذي سيحدثه على استقرار الكنيست؟ لا شيء، الأمر يحتاج إلى تصويت، وحتى يجري التصويت تحتاج انسحابات من الكنيست، وهذا ما حدث في الحكومة التي سبقت حكومة نتنياهو الأخيرة. وحتى لو خرج نائب أو اثنان أو ثلاثة، سيظل نتنياهو يتمتع بالأغلبية، 60+1.

الرهان الوحيد القادر على ضرب الحكومة هو قضية التجنيد الإجباري للحريديم. إذا ذهب نتنياهو في هذا الاتجاه، فقد انتهت حكومته. هؤلاء ليسوا مستعدين للمساومة في هذه القضية، وربما سمعتم حاخاماتهم حين قالوا «نترك إسرائيل ولا نذهب للتجنيد». لذا، فكل تهديدات غانتس وغيره لا تساوي بالنسبة لنتنياهو تلميحًا من أحد هؤلاء، لأنهم قادرون على إسقاط الاغلبية. 

لا يوجد خلاف بين أركان الحكومة الموسعة على استمرار الحرب، بل هناك تنافس على تقديم صورة الهروب إلى الأمام

لذلك، نتنياهو يريد أن يعرض قانون التجنيد بخلاف رغبة غالانت، الذي يفترض أن يقدم هو هذا القانون للكنيست بوصفه رئيس المؤسسة العسكرية، وبخلاف رغبة غانتس. إذا استطاع هذان الاثنان تجنيد أعضاء في الكنيست للتصويت ضد القرار الذي سيقدمه نتنياهو، فهذا سيضرب استقرار الحكومة. في هذه النقطة تحديدًا، هناك أصوات داخل الليكود مع تجنيد الحريديم، لأن الليكود جزء من اليمين العلماني الذي يدفع اليوم الكلفة البشرية للحرب، مقابل اليمين الديني الذي يتمتع بامتيازات ومعونات من الدولة. بالتالي، في ما عدا جزئية التجنيد، فإن التحول الذي يمكن أن يحدثه خروج غانتس سيكون خجولًا. 

يجب أن نتذكر أننا كنا نراهن دومًا على فكرة أنه إذا عاد الأسرى بتوابيت، فهذا سيحدث تحولًا في الداخل الإسرائيلي. لكننا نرى أن الأسرى يتناقصون يومًا بعد يوم، ونتنياهو يسعى لإسقاط قضية فداء الأسرى التي كرسها اليمين نفسه. أوريت ستروك، وزيرة الاستيطان، قالت: «حكومة تتخلى عن كل شيء من أجل بضعة إسرائيليين لا تستحق البقاء». وقبلها قال سموتريتش إن «أمن الدولة القومي مقدم على أمن بعض الأشخاص». بالتالي، خسارة 128 أسيرًا إسرائيليًا ببساطة ستضاف إلى الخسائر السابقة. ورأينا كيف أن هناك حربًا يشنها نتنياهو على أهالي الأسرى من أنهم أنانيون، وأن أرواح أبنائهم ليست أغلى من أرواح الجنود، بل أن المخابرات الإسرائيلية كانت تضغط عليهم حتى لا يتحدثوا لأن ذلك يضر بسردية الحرب. وربما هذا ما يدفع المقاومة أحيانًا إلى استخدام فيديوهات للأسرى للضغط على الداخل الإسرائيلي. لكن رغم كل الضغط الذي حدث وكل الفيديوهات التي صدرت، لم يتحول المشهد في الداخل الإسرائيلي بما يرقى إلى كسر الطوق المفروض عليه.

أخيرًا، تطرقتَ لمسألة دخول أطراف عربية في ترتيبات ما يسمى اليوم التالي وملف التطبيع، خاصة مع السعودية. كان هذا أحد الاشتراطات اللافتة التي أدرجها غانتس، حين تحدث عن ضرورة ذهاب نتنياهو نحو ما وصفه بحلف عربي-دولي. ما أهمية هذا الموضوع بالنسبة لغانتس ولـ«إسرائيل» بشكل عام؟ 

على المستوى الدولي، نتنياهو يقول إنه قادر على إصلاح العطب الناتج عن فقدان «إسرائيل» شرعيتها، إما بمنطق الإغراء أو بمنطق التخويف. لكن على المستوى العربي، فللأسف الشديد النظام العربي الرسمي برمته ليس في حسابات «إسرائيل» حتى اللحظة، بل إن الرأي العام الشعبي العربي هو أيضًا خارج حساباتها. 

البلاد العربية المطبعة لم تلوّح مجرد تلويح بإنهاء اتفاقيات التطبيع على إثر ما يجري من مذابح في قطاع غزة. حتى مصر، التي يؤذى أمنها القومي، وترفرف الأعلام الإسرائيلية على معبر رفح بخلاف اتفاقية كامب ديفيد، لم تصل إلى مرحلة تقول فيها سأنهي اتفاقية السلام الموقعة. إن لم تتضرر اتفاقيات التطبيع على مدى سبعة أشهر من المواجهة ومقتل أكثر من أربعين ألفًا، فمتى ستتضرر؟ 

تفهم «إسرائيل» هذه السقوف، وتدرك أن الأنظمة العربية التطبيعية لديها سردية إنشائية كلامية لا تسمن ولا تغني من جوع. ونتنياهو يعتقد أن مسار التطبيع سيعود، وستتكفل الولايات المتحدة بجرّ هذه الأنظمة إلى ترتيبات تضمن استمرار اتفاق أبراهام التطبيعي، وربما تضع السعودية على رأسه. وهذا كان أحد أهداف استراتيجية نتنياهو في سياسته الخارجية قبل الحرب. هو يعتبر أن التطبيع مع السعودية سيكون تحصيل حاصل، وأن العرب بحاجة إلى «إسرائيل»، لذا فهو يعاند بهذا الشكل.

حين تأتي الولايات المتحدة بهذه الحزمة، فهذا جزء من محاولتها العودة إلى المنطقة كشرطي، وإعادة فرض الترتيبات التي أهملتها بعض الشيء بسبب حربها مع الصين ومع روسيا، وهي ترى فيما يجري بوابة للعودة إلى المنطقة. لكن نتنياهو يرى أن هذه النتيجة حاصلة في نهاية المطاف، وأن السعودية والعالم العربي سيشاركون في دفع فاتورة الدمار الذي أحدثه في قطاع غزة، وليس هناك ما يدفعه للتعاطي مع هذه الرغبة الأمريكية. لذلك، حين يقدم غانتس وغالانت هذه الرواية حول ضرورة التطبيع في مواجهة نتنياهو، فهي رواية بلا قدمين، ولا قيمة لها. 

بالنسبة لغانتس، هذا جزء من الاستعراض الانتخابي، لأنه يدرك أن الانتخابات قادمة عاجلًا أم آجلًا. لكنه ليس تحولًا استراتيجيًا في موقفه لأنه يعلم أن كل العناصر التي طرحها في خطته، باستثناء قضية التجنيد الإجباري، لا معنى لها لأنها جزء من الإجماع الإسرائيلي العام. ونتنياهو لا يلقي بالًا لكل هذه السردية الإنشائية.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية