عربات الطعام المتنقلة: هل هي فعلًا لغير المقتدرين ماليًا؟

الثلاثاء 28 أيار 2019

«أمانة عمّان تبدأ مع بداية العام [2019] بترخيص المطاعم المُتنقلة انصياعًا وتنفيذًا للتوجيهات الملكيّة بإيجاد فرص عمل للشباب الأردنيّ، ولتمكين الشباب بالبدء بمشاريع اقتصاديّة برأسمال أقل»، كان هذا تصريح أمين عمّان يوسف الشواربة يوم 24 كانون الأول 2018. وفي تصريح آخر في الشهر نفسه، أكّد الشواربة أنَّ مسودة التعليمات الناظمة لهذه المطاعم «تستهدف المواطن وليس من خلال شركات أو مؤسسات، ولن يُسمح بالحصول على أكثر من رخصة للشخص الواحد».

مطلع العام، أعلن مجلس أمانة عمّان عن تعليمات ترخيص عربات الطعام المتنقلة، والتي سمحت، للشركات العالميّة المعروفة في هذا المجال بالتقدم للحصول على أحد المواقع شريطة عدم الحصول على أكثر من ترخيصين لها، «لرفع مستوى التنافسيّة والأداء بين كافة العاملين في هذا القطاع».

حددت الأمانة 35 موقعًا داخل حدود العاصمة كأماكن سيجري فتح مزايدات لاستئجارها لغايات استخدامها من قبل عربات الطعام المتنقلة. وطرحت المشروع على نظام المزايدات بتقديم ظرف مختوم. بلغ عدد أوراق المزايدات التي باعتها الأمانة 849 ورقة، وبلغ عدد المتقدمين 546 تنافسوا على 35 موقعًا. كان من بين المتقدمين أسامة الغاوي، الذي باع مطعمه في الاستقلال مول أملًا في الحصول على أحد المواقع التي حددتها الأمانة.

وعن سبب رغبته بالانتقال إلى مجال عربات الطعام المتنقلة يقول الغاوي: «مش موضوع مصاري وقديش بدي أطلّع بالعربة. أنا كنت بدي أتخلص من الإيجار [اللي قيمته 14 ألف سنوي]. لو اشتغلت 10 ليرات باليوم خلص، بدفع المزايدة مرّة وحدة، أنا كنت مقدم على 3000 دينار بالسنة».

اعتراضات على التعليمات

رغم اسمها الذي يوحي بأنَّها متحركة من مكان لآخر، إلّا أنَّ تعليمات ترخيص المركبات المُتنقلّة المُعدَّة لممارسة المهن ضمن حدود أمانة عمّان نصّت على وجوب تخصيص أماكن محددة لها: «إذ لا يُسمح بالتنقل أو التجول لغايات ممارسة المهنة»، بالإضافة إلى عدم جواز بيع غير ثلاثة أنواع من الطعام فيها هي الوجبات الخفيفة، والمشروبات الباردة والساخنة، والبوظة والحلويات. يقول الغاوي: «اسم العطاء مطعم متنقل، بس ممنوع يتحرك من مكانه، كيف صار متنقل؟ وليش تطلب عربة متنقلة؟ بجيب كرفان ثابت 1000 دينار ليش أدفع إلى فوقي واللي تحتي».

بحسب شركات بيع عربات طعام متنقلة، يبلغ متوسط سعر عربة الطعام المُتنقلة طول ستة أمتار فارغة بدون تجهيزات 13 ألف دينار، يُضاف لها تجهيزات حسب نوع الطعام الذي تقدمه لتصل تكلفة العربة بالمجمل إلى 20 ألف دينار، تتضمن التجهيزات أدوات طهي الطعام والقلي، والتمديدات الكهربائيّة. وتختلف أسعار العربات حسب طرازها ومساحتها والإضافات.

باع أسامة الغاوي مطعمه في الاستقلال مول على أمل الفوز بمزاد موقع عربة من عربات الطعام المتنقلة، اشترى طلب المزايدة بـ(25) دينارًا، بالإضافة إلى دفعه مبلغ تأمين مسترد قدره 200 دينار، يقول الغاوي: «أنا بعت محلي بالاستقلال مول عشان أجاره 14 ألف، يعني بشتغل بس عشان أدفع أجار، شغيل عند صاحب المول».

أكبر مزايدة فازت بموقع بلغت 40 ألف دينار لموقع مستشفى البشير، وأقل مزايدة فازت بموقع كانت 750 دينار لموقع في مجمع الجنوب. تقدم 546 بين شخصٍ وشركة للحصول على أحد المواقع أو أكثر، إذ أجازت التعليمات الحصول على موقعين للشخص الواحد، على خلاف ما تم الإعلان عنه سابقًا. قدّم الغاوي طلبين لموقعين أحدهما في الاستقلال مول: «أنا قدمت للاستقلال مول عشان زبايني هناك، وكنت حاط أجار 3 آلاف، راح الموقع بـ(21) ألف دينار».

برزت في المزايدات فروقات واضحة في المبالغ، وانقسمت المبالغ إلى متدنيّة وأخرى مرتفعة جدًا تقدّم بها أفراد، أو شركات طعام كبيرة، فمثلًا في موقع المطار قرب متجر إيكيا (IKEA) فازت المزايدة البالغ قدرها 24 ألف دينار والتي تقدّمت بها شركة مطاعم صنّاع الطعام، فيما تراوحت المزايدات الأخرى بين 1200 و12 ألف دينار. وحصلت شركة أغاتي لصناعة الحلويات على موقع في متنزه عمان القومي بعد مزايدة قدرها 25 ألف دينار فيما تراوحت المزايدات على نفس الموقع بين 501 و4600 دينار، أي بأكثر من خمسة أضعاف أقرب مزايدة عليها.

يقول كسّاب الشخانبة، مدير دائرة الأملاك في أمانة عمّان لحبر: «هذه سيارات تكلّف فلوس، وبدها تشغّل ناس، والسيارات على أقل تقدير أثمانها بالعشرة آلاف وفوق، هاي العربات للمقتدرين ماليًا». وحول السماح للشركات بالتقدم والمنافسة يعلّق الشخانبة: «قانونيًا الشخص هو الشخص الطبيعي والمعنوي، ويشمل المعنوي الشركات المسجلة (..). بالنتيجة لازم أسمح للشركات المسجلة في وزارة الصناعة والتجارة الأردنية.

في حال لو حصل أحد المواطنين على أحد المواقع عن طريق المزايدة تنافسًا مع أصحاب «المبالغ الفلكية» بحسب تعبير الغاوي، سيتوجب عليه الحصول على عدد من التراخيص، إذ تنص التعليمات والقوانين التي تنظم عمل هذه العربات المتنقلة على وجوب الحصول على تراخيص كل من المؤسسة العامة للغذاء والدواء، وإدارة ترخيص السواقين والمركبات، وأمانة عمان، والدفاع المدني.

في المؤسسة العامة للغذاء والدواء، سيدفع من يرغب بهذا المشروع مبلغ 1000 دينار بدل ممارسة النشاط، تدفع لمرة واحدة، ومن ثم يدفع مبلغ 250 دينارًا سنويًا بدل تجديد الترخيص.

وعند المباشرة بالعمل، تنص التعليمات والقوانين على وجود ساعات محددة لعمل هذه العربات المتنقلة، من السابعة صباحًا وحتى الثانية عشرة ليلًا في الأيام العادية، وحتى الساعة الثانية فجرًا في الأعياد الدينية والوطنية، وقبل آذان المغرب بساعتين وحتى موعد السحور خلال شهر رمضان.

أهمية هذه المشاريع

يُصَنّف العاملون في بيع المأكولات ممن يعملون خارج المحال والمطاعم بأنهم باعة متجولون، ويوضعون ضمن فئة العاملين في القطاع الاقتصادي غير الرسميّ أو غير المنظّم. يصف البنك الدولي العاملين بهذا القطاع في الأردن: «بشكل عام لا يعتبر التشغيل غير الرسمي اختيارًا بل إقصاء، وهو الأعلى نمطيًا بين الأكثر استضعافًا وفقرًا»، وتمثل العمالة غير الرسمية 44% من إجمالي العمالة في الأردن.

يقول أمين عام وزارة العمل السابق حمادة أبو نجمة حول موضوع عربات الطعام المتنقلة: «هذه العملية تخضع لتنظيم خاص لمساعدة هذه الفئة من العاملين في القطاع غير المنظم (الباعة المتجولين) من خلال تجميعهم في مكان أو وقت محدد، أو أن تكون هذه المشاريع لفئات محددة، غير ذلك ستذهب فائدة هذه المشاريع إلى المستثمرين أو رؤوس الأموال».

ويضيف أبو نجمة أن عملية الترخيص لا يجب أن تكون منفّرة للعاملين في القطاع غير المنظم. وأن القطاع غير المنظم يتهرب من القطاع الرسمي لأنه غير قادر على دفع تكاليف التراخيص والرسوم. «المفروض أن الدولة تشجع على هكذا انتقال من غير المنظم إلى المنظم لا أن تفرض عليهم رسوم عالية».

أمّا الشخانبة فيقول إن المشروع: «موجه للشباب العاطلين عن العمل، كل مركبة بدها تشغل 2-3 أنا ممكن أحيل على شركة بس الشركة بتوظف عدد من الأشخاص».