الاعتقال الإداري: اختطاف برعاية القانون

الخميس 17 تشرين الأول 2019
أسرى فلسطينيون في سجن مجدّو، عام 2005. أ ف ب.

«وبعد أن يأسوا ومُحاولاتهم باءت بالفشل، هدّدوني بالاعتقال الإداريّ، وقالوا لي: ما عنّا دليل ضدّك، بس عنّا الاعتقال الإداري مع صلاحيّة تجديد لسبع سنوات ونصف». هذا ما حصل مع الأسيرة الفلسطينيّة الأردنيّة هبة اللبدي خلال التحقيق معها في أروقة السجون الإسرائيليّة. وبعد انتهاء التحقيق، تحوّل التهديد إلى واقع حقيقيّ. إذ تُضيف الأسيرة المُضربة عن الطعام، أنّه في تاريخ 24 أيلول الماضي تم تسليمها فعلًا أمرًا بالاعتقال الإداري لمدّة خمسة أشهر. ما يعني أن الاحتلال وبعد مضي 35 يومًا من التعذيب، حاول خلالها انتزاع اعتراف من الأسيرة اللبديّ، قرّر اختطافها. وهذا، ما يفتح الباب من جديد، للسؤال عن ماهيّة الاعتقال الإداريّ. 

بحسب أسيرٍ آخر أمضى في سجون الاحتلال 18 شهرًا، كانت كلّها ضمن الاعتقال الإداريّ، فإنهم لم يحقّقوا معه نهائيًا، بل اقتادوه إلى المُعتقل ومن ثم المحكمة، التي وافقت على اعتقاله إداريًا ثلاث مرّات متتالية، أي أنّه قضى 18 شهرًا في المُعتقل دون تهمة ودون تحقيق أيضًا. 

في فلسطين، يُقال عمومًا «حوّلوه إداري»، وهو ما يعني، أن الشخص سيقضي الأشهر الستة القادمة في السجن، ولا حاجة للسؤال لا عنه ولا عن قضيّته ولا عن مصيره. هذه الأشهر الستة، هي الحد الأقصى المسموح به وفق القانون العسكري الإسرائيليّ، لاعتقال الفلسطيني والعربي دون تهمة ودون قضيّة ودون دفاع أو محاكمة، وهي فترة قابلة للتجديد ما يجعلها 12 شهرًا أو 18 أو 24 شهرًا دون أي قيد أو حد، لتصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة أعوام أو أربعة، وفي الحد الأعلى وصلت إلى ثمانية أعوام من الاختطاف. وفي المُجمل، فإن الاعتقال الإداريّ، هو اختطاف واضح وصريح للإنسان الفلسطيني أو العربيّ، ووضعه في مُعتقلات الصهيونيّة لتفعل به ما تشاء، وذلك يشمل أيضًا أن لا تفعل، بل تكتفي بسجنه فقط، أي اختطافه.

قوانين طوارئ احتلالية

تستند إسرائيل في سياسة الاعتقال الإداري أساسًا إلى قانون الطوارئ البريطاني من العام 1945، ولاحقًا في العام 1979 أعادت إنتاج هذا القانون في إطار الحكم العسكريّ، وأطلقت عليه اسم قانون الاعتقال في حالات الطوارئ. ويمنح هذا القانون، الصلاحيّة للقائد العسكري في المنطقة المحدّدة، بالأمر باعتقال أي فلسطيني، يرى فيه خطرًا على أمن الدولة، لمدّة ستة أشهر قابلة للتجديد دون قيد. وبشكل عام، تستأنف المؤسسات الحقوقيّة على الاعتقال الإداري للمحكمة العسكريّة الإسرائيليّة بهدف بحث أمر الاعتقال الإداريّ، وحينها، إمّا يتم تعديل عدد أشهر الاعتقال، أو تثبيت أمر الاعتقال والإبقاء عليه دون تغيير. هذا من حيث كيفيّة الاعتقال والخطوات المتّبعة، أمّا المُحاكمة فإنّها سريّة، حيث يقوم جيش الاحتلال أو مخابراته بتقديم ملخّصات ولوائح سريّة للقاضي العسكري -أي الجنديّ- ويقوم الثاني بتثبيت أمر الاعتقال الإداري الصادر من قبل القائد العسكريّ، دون أن يعلم المُعتقل أو محاميه ما هي التهمة.

وبكلمات أكثر وضوحًا: تقدّم القيادة العسكريّة للقضاء العسكري ملفّات سريّة يتم استنادًا إليها تثبيت أمر الاعتقال الإداريّ، دون أن يعلم المُتهم ماهيّة التُهمة، ودون أن يعلم المستأنف على القرار ماهيّة الاستئناف الذي يقدّمه. 

تقول الموظّفة في مؤسسة الضمير الحقوقيّة الفلسطينيّة، لانا رمضان: «نحن لا نعرف على ماذا نستأنف». وهذا يعود إلى حقيقة أن المحكمة العسكريّة التي تبحث الاعتقال الذي تم استنادًا إلى أمر القائد العسكريّ، والمواد المقدّمة إليها، تبقى في إطار السريّة ولا يطّلع عليها إلّا القائد العسكري أو المُخابرات، وزملاؤهم الجنود في المحكمة الصوريّة. أمّا من حيث نسبة تثبيت أوامر القائد العسكري في المحكمة العسكريّة، فتُشير مؤسسة «بتسيلم» الإسرائيلية إلى أنه ومنذ العام 2015 وحتى نهاية تمّوز 2017، تم إصدار 3909 أمر اعتقال إداريّ، 2441 منها كانت أوامر تمديد اعتقال إداري قائم أصلًا بعد مضي ستة أشهر، وهو ما يُعادل 62.4%، ما يعني أن أكثر من نصف الاعتقالات الإداريّة يتم تجديدها. 

أمّا من حيث أداء المحكمة العسكريّة، فإنّه، وبحسب تقرير منظمة بتسيلم، وخلال الفترة نفسها ثبّتت المحكمة العسكريّة 75.5% من أوامر الاعتقال دون أي قيد على أمر القاضي العسكريّ، وجدّدت 9.9% من الأوامر مع تقصير ضئيل في المدّة، ولم تُغلق باب تجديد الأمر، كما أنّها جدّدت 12.8% من أوامر الاعتقال الإداري مع الإشارة إلى أن التجديد لن يتم إلّا إن طرأ جديد على الملف والتُهم. والجديد بشكل عام، سيكون أيضًا سريًا ويطّلع عليه القاضي ورجل المُخابرات فقط، ليتم تجديد الأمر من جديد. وهذا كلّه يتم في إطار قانوني يستند إلى وجود حالة طوارئ، وينُص قانون الاعتقال في بنده الأول، على أن القانون سارٍ فقط خلال وجود حالة طوارئ، وهي الحالة المُعلنة في إسرائيل منذ نكبة فلسطين عام 1948 حتّى يومنا هذا ولم يتم حلّها نهائيًا. 

الاعتقال وفق المزاج السياسي العام

عديدة هي الحالات التي تذهب فيها إسرائيل نحو الاعتقال الإداري، بينها حالة الأسيرة هبة اللبدي والأسير الأردني الفلسطيني عبد الرحمن مرعي، وهي أن لا يعترف المعتقل بالتهم الموجهة إليها، وفي الوقت نفسه لا تمتلك سلطات الاحتلال دليلًا ضدّه، فيحوّله للاعتقال الإداري، من الحالات الأخرى أن تشكّ إسرائيل بانتماء فلسطيني ما لتنظيم مقاوم، ولكنها لا تمتلك دليلًا ضدّه، فيما يرفض الفلسطيني الاعتراف بهذا الانتماء، فتذهب إسرائيل حينها نحو الاعتقال الإداري. حالة أخرى هي أن تُريد إسرائيل اعتقال المئات في حال انتفاضة واسعة دون تُهم واضحة ودون أدلّة، فتحوّلهم جميعًا إلى الاعتقال الإداري دون مُحاكمة ودون تهم.

يمنح الاعتقال الإداري للاحتلال المساحة اللازمة للقمع المُمنهج، دون إجراء مُحاكمة ولو صوريّة وغير عادلة، فالمُحاكمة الصوريّة، في أبشع صورها، تتم من خلال تلفيق أدلّة أو شهود أو اعترافات تحت التعذيب، أمّا في الاعتقال الإداريّ، فالقضيّة العلنية الوحيدة، هي فلسطينيّة المُعتقل.

إن ما يُثبت حقيقة أن الاعتقال الإداريّ، يتبع المزاج العام في دولة الاحتلال ويمكن أن يكون عبارة عن آليّة عقاب جماعي أيضًا، هو حقيقة المُعطيات الواردة عن الاعتقال الإداري في مراحل تاريخيّة مُختلفة من الصراع ما بين الشعب الفلسطيني والاحتلال. فمثلًا، في العام 1989، أي خلال بدايات الانتفاضة الأولى وصل عدد المعتقلين إداريًا إلى 1794 مُعتقل، وعاد هذا الرقم وانخفض تدريجيًا ليصل إلى 125 معتقلًا في العام 1993، أي خلال مفاوضات «أوسلو» بين منظّمة التحرير والاحتلال الإسرائيليّ. وفي العام 2000 خلال مفاوضات كامب ديفيد، كان عدد المُعتقلين إداريًا فقط 12 معتقلًا، ليعود ويرتفع بصورة حادّة خلال الانتفاضة الثانية عام 2002 إلى 960 معتقلًا، ويرتفع مع اشتداد الانتفاضة في العام 2003 إلى 1007 معتقلين. ويعود لينخفض بعد قمع الانتفاضة ليرتفع من جديد مع اندلاع انتفاضة السكاكين والعمليّات الفرديّة إلى ذروة ما بين الأعوام 2011- 2019، إذ وصل في العام 2016 عدد المُعتقلين إداريًا إلى 685 معتقلًا. وهنا تحديدًا، يبدو الاعتقال الإداري بكُل وضوح، آليّة قمع جماعي يتم من خلالها واستنادًا إليها، الزج بمئات الفلسطينيين في السجون دون أي تهمة سوى فلسطينيّة المُعتقل والنظر إليه من قبل أجهزة الاحتلال على أنّه من المُمكن أن يُشكّل خطرًا في المستقبل إن لم يكُن حاليًّا. وبطبيعة الحال، فإن أي نشاط فلسطيني أو عربي رافض للظلم، هو خطر بالنسبة إلى الاحتلال، مع الإشارة إلى أن الاعتقال الإداري استعمل بصورة واسعة خلال اجتياح إسرائيل للبنان ولم يكن متوقفًا على الفلسطينيّ، بل ويمتد إلى الأردني واللبنانيّ.

«لا للاعتقال الإداريّ»

يشكّل الاعتقال الإداري إحدى الركائز الأساسيّة التي يستند إليها الاحتلال في مسيرة ضرب الحراك السياسي الفلسطينيّ. فبحسب هيئة شؤون الأسرى والمحرّرين الفلسطينيّة، أصدر الاحتلال منذ العام 1967 أكثر من 50 ألف اعتقال إداريّ، وبين الأعوام 2000- 2017 أصدر ما يُعادل 27 ألف أمر اعتقال إداريّ. ووفق هذه المُعطيات، يجب التعامل مع الاعتقال الإداري بوصفه سياسة ممنهجة أكثر من كونه اعتقالًا فرديًا أو اعتقالًا سياسيًا، وهي سياسة يجب النظر إليها على اعتبارها جزءًا من منظومات السيطرة الصهيونيّة في فلسطين، ويمكن أن تتلخّص من حيث الأهداف بمحاولة خلق حالة تجعل من الفلسطيني مُتهمًا دائمًا، بغض النظر إن فعل وإن لم يفعل. ومن هذا المنطق، أي منطق الاعتقال الإداريّ، تخلق إسرائيل عمليًا، واقعًا يكون فيه الفلسطيني عرضة للاعتقال والسجن دائمًا ومن أي نقطة وبأي منطقة، وإن كان لا يزال خارج السجن فذلك يعود إلى أن الاحتلال لا يُريد وضعه الآن في السجن، ولكن القائد العسكري قادر بأي لحظة. وهو ما يخلق شعبًا رهن الاعتقال، مع وقف التنفيذ حاليًا. وهو ما يفسّر فعليًا، التمسّك الإسرائيلي بأداة الاعتقال الإداري رغم المُقاومة الفلسطينيّة لهذا الشكل من الاعتقال، والتي تركّزت أساسًا في الإضراب عن الطعام. ففي هذا الواقع، حيث المحكمة أقل من صوريّة، والاعتقال دون تهمة، والقانون الدولي والالتزام به أمر رفضته إسرائيل، يغدو الفلسطيني أمام خيارين فقط: إمّا الإضراب عن الطعام والموت خلال الاعتقال الإداري رفضًا للبقاء مُختطفًا؛ وإمّا أن يقرّر القائد العسكري الإفراج عن المُعتقل لأسباب غير معروفة، كما هي التهم غير معروفة. 

وفي هذا السياق، توجّه الفلسطينيّون إلى تحدّي هذا القانون والاعتقال الإداريّ، عبر التهديد بموت الجسد في الإضراب عن الطعام، رفضًا لهذا الاختطاف. وكان أبرز الإضرابات إضراب الأسير خضر عدنان، الذي انتزع حريته بعد إضراب مستمر عن الطعام مرتين. وفي العام 2014، خاض الأسرى إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، احتجاجًا على استمرار سياسة ونهج الاعتقال الإداريّ، وفي المُقابل دشّن الشارع الفلسطيني حملة «لا للاعتقال الإداريّ» إسنادًا لإضراب الأسرى الإداريين، إلّا أن الإضراب انتهى بعد وصول عشرات الأسرى إلى المستشفيات الإسرائيليّة بسبب تردّي حالتهم الصحيّة. وعلى الرغم من أن الأسرى وصلوا إلى مراحل حرجة صحيًا هدّدت بموت جماعي إلّا أن الاحتلال لم يتراجع في نهاية الإضراب عن الاعتقال الإداري كآليّة وأداة سيطرة على الشعب الفلسطينيّ. واليوم، تحت العنوان ذاته، يخوض ستة أسرى فلسطينيين إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، بينهم الأسيرة الفلسطينيّة الأردنيّة، هبة اللبديّ، التي اعتقلها الاحتلال خلال وجودها في الضفّة الغربيّة وأعلنت دخولها الإضراب المفتوح عن الطعام رفضًا لاعتقالها دون تهمة ودون مُحاكمة، ويعيش بعض الأسرى الآن ظروفًا استثنائية بعد مرور أكثر من 88 يومًا على الإضراب، نقل بعضهم إثرها إلى المستشفيات الإسرائيليّة ولا يزال بعضهم كاللبدي في العزل الانفراديّ. 

هذا التشبّث الإسرائيليّ، بالاعتقال الإداري رغم الإضرابات والحملات الفلسطينيّة، يدلّل أساسًا على أهميّة هذا النوع من الاعتقال بالنسبة إلى احتلال لا يرى في غير اليهودي على أرض فلسطين إلّا تهديدًا يجب ضربه وتهديد وجوده وحريّته بصورة ممنهجة ومستمرة. فهذه الآليّة والأداة، ليست طارئة على النظام الاستعماري في فلسطين بالقدر الذي تشكّل فيه جوهر هذا النظام وآليّة عمله الأساسيّة: نزع الصفة الإنسانيّة عن الفلسطينيّ.