عن «الفراغ» الذي ملأه محمد علي

الإثنين 23 أيلول 2019
الممثل والمقاول المصري محمد علي. عن صفحته على فيسبوك.

أهلًا بك في جمهورية مصر العربية، حيث لا يعرف أحد ماذا يحدث بالضبط. المقاهي والأنفاق الرئيسية مغلقة بأمر حكومي. الشرطة العسكرية في محطات المترو والكمائن والميادين. الفنانون ينشرون فيديوهات تأييد للسيسي وتنديد بالخونة. تتصدر عناوين «عودة المؤامرة» الصحف والبرامج التليفزيونية. يتحدث نشطاء سابقون عن صراع الأجهزة الأمنية وخطط لما بعد حكم السيسي، بينما يحذر آخرون من المشاركة في موجة غير محددة المعالم، ويتابع الباقون التطورات بمزيد من القلق مثل الأمم المتحدة. أمّا في المقابل، في أرض الواقع، لا توجد معطيات كافية للتحليل والتنبؤ، لا يحدث شيء سوى أن محمد علي المقاول يصور فيديوهات بهاتفه صارت حديث الساعة في الشارع وعلى شبكات التواصل الاجتماعي. 

ماذا يخبرنا محمد علي عن أنفسنا؟ 

يعشق الناس عامة رحلات الصعود الطبقي والوظيفي لأنها تنزل بالمثال لأرض الواقع وتفتح أبواب الاحتمالات. ومحمد علي دون تعليم عالٍ ومنصب حكومي مرموق مثل البرادعي، دون لغة ثانية ودون موهبة استثنائية مثل محمد صلاح أو وائل غنيم، ودون حيثية عسكرية داخل النظام مثل سامي عنان رئيس الأركان المسجون حاليًا، لكنه مع كل ذلك بالتعبير المصري «عينه مش مكسورة». 

في الوقت الذي أصبحت فيه غالبية النخب المصرية من حاملي درجة الماجستير على الأقل، والكثير منهم تخرجوا في بعض أكبر جامعات العالم، يخرج محمد علي بسيجارة، يسب ويلعن: «أنا مالي بالتاريخ؟ أنا مش سعد زغلول ولا محمد بلبول». لا يصرخ من انتهاك خصوصيته عند تسريب فيديو له مع فتاة، ولا يخجل من كونه رجلًا صاحب مزاج ومصالح مع النظام. أبهر هذا التكسير قطاعًا كبيرًا من أوساط المثقفين والناشطين المصريين بفعل حالة السأم من الثقل التاريخي، والورع الوطني الخجل، والتقيد بالصوابية السياسية. وأغضب ذلك بعضهم جدًا أيضًا، لأنه يذكرنا بالسيسي نفسه. 

لا تملك وأنت تشاهد محمد علي إلا أن تتذكر أنه هو وثروته وخبرته نتاجٌ مباشرٌ للفساد والرداءة، ولا أن تتهرب من أن هذه هي بالضبط نقطة قوته، كما قال هو شخصيًا للسيسي: «مش هتعرف تغلطّني لإني كبرت جواك». يحطم ذلك تصورات كثيرة للمجموعات الناشطة عن نفسها وقدرتها على الفعل والتأثير ويجبرها على التصالح مع الصورة النمطية عن المصري الفهلوي الذي يأخذ الدنيا بالذراع والحاجب؛ إذ ما قيمة العمل السياسي المنظم إن لم يشرخ ست سنوات من التيه والتجريف وتكميم الأفواه سوى مقاول منشق، سواءً دعمته الأجهزة أم لا؟

في رأيي، كان الخوف من طرح ذلك التساؤل بالضبط هو منبع استخفاف قطاعات واسعة من المهتمين بالشأن المصري بتأثير فيديوهات محمد علي، خاصة في فترة يسخر فيها الناس بالفعل من الأحزاب والبرلمان ودولة القانون. أما الموقف المدافع عن محمد علي في وجه محتقريه فجاء من مدخل استشراقي: الاحتفاء بخبرة ولاد البلد وتشبيهه بأبطال الفلكلور الشعبي، كما يحب الأكاديمي دراسة حالته. 

الموقفان يشعّان يأسًا وانكسارًا وخوفًا. اعتاد جيل الثورة على تمجيد الأخلاق الوطنية المسالمة، تنظيف الميدان الذي استشهد فيه إخوتنا، وطلاء أرصفة لم تذهب منها رائحة الغاز المسيل للدموع. خرجت بعد التنحي عناوين كـ«مصر أبهرت العالم»، ونخرج نحن بشعارات «اشهد يا محمد محمود كانوا ديابة وكنا أسود»، «نجينا من التجربة، المعركة مرعبة». حين يخفق التيار الثوري سياسيًا أو حين يتعرضون لمجازر يعتذرون لأولادهم ويشهّدون التاريخ ويتفرغون للرصد والتوثيق طمعًا في محاكمة كبرى في المستقبل. وكلما اشتد الخناق في الواقع ذهب النقاش، بعيدًا وصار أشد احتدامًا. 

يمكننا أن نغضب من أنفسنا ونرثي فشل المعارضة في التنظير من أسفل، إلا أن هذا الخواء لم يكن اختيارًا بالكامل. لم يكن الانفصال عن الشارع خيارًا نخبويًا أو تخاذلًا وطنيًا أمام إصرار النظام على قطع سبل التواصل الفعلي والإلكتروني بين المجموعات الناشطة، وبينها وبين أي مصدر معلومة، وجعل كل حركة داخل الدولة أو خارجها مكلفة أمنيًا وماديًا، مثل القبض على أعضاء تحالف الأمل على خلفية التخطيط لخوض انتخابات البرلمان في 2020، والقبض على قيادات الأحزاب على خلفية المظاهرات الحالية حتى دون المشاركة فيها.

في مصر ما لا يقل عن 60 ألف سجين، منهم أكثر من 1500 طفل، ووصل اكتظاظ السجون ما يفوق طاقتها الاستيعابيّة بنسبة 160% على الأقل في التقارير الحكومية، للحد الذي أدى إلى إعلان بعض السجون حالة الاكتفاء وتطلب بناء سجون جديدة. هذا يعني 60 ألف عداوة شخصية مع النظام، لكنه يعني بالتوازي امتصاص 60 ألف أسرة ودائرة دعم ومحامين حقوقيين داخل دوامة الزيارات والمحاكمات بتكلفتها المادية والنفسية. يمكنني أن أترجم الرقم شخصيًا لكوني لا أعرف في حياتي شخصًا واحدًا ليس له معتقل حالي أو سابق في سجون السيسي، ولا يمكنني العثور على قوة سياسية واحدة ليس أقصى طموحها حاليًا خروجُ المعتقلين. 

نجح النظام في سجن أغلب الناشطين الحركيين في الزنازين، وسجن الباقين داخل أنفسهم، يصارعون فرديًا الوساوس الأمنية والمرض النفسي ويكافحون الانتحار، حتى أننا في مظاهرات الجمعة وما تلاها لم نفاجأ بـ«الناس» فقط، وإنما فؤجئنا بأنفسنا؛ بأننا أحياء، كذلك.

إن أردت أن تعادي، إياك أن تكون عدوًا ضعيفًا

تتحدد السياسة الخارجية للدولة بإجابة أسئلة من هو العدو؟ من هو الصديق؟ ومن هو الحليف؟ بالنسبة للنظام في مصر بعد معاهدة السلام مع إسرائيل، أصبحت العداوة داخلية وموجهة لعدو مدني لا يملك ما يكفي من القوة لاحترامه وافتراض الندية فيه، فضلًا عن التفاوض معه. حدث الاستثناء في 2011، لكن القاعدة في دول الفاشية العسكرية هي أنك لست معارضًا، بل أنت عدو للشعب، وعدو الشعب يستحق الإعدام العلني والإذلال العام، لا مجرد العقاب على الوقوف مرة مع الجانب الخطأ.

يخرج الناس من المعادلة السياسية حين ينعزلون عن اللحظة ومتطلباتها وصراعاتها وأدواتها. كنا في سنوات الثورة وصراع الأجيال بين استقرار العواجيز وتغيير الشباب، نفتخر كوننا أبناء لحظة يناير وانتصارها السحري على مناخ متهالك ورديء التهوية، نشبه اللحظة في خفتها وسرعة تحولها ومتطلباتها. حتى بَهُت، مع الوقت، حلم بناء قوى مدنية -غير إسلامية وغير عسكرية-  تستطيع الحشد والتأييد والتنظيم والضغط، ومن ثم تكون حليفًا قويًا أو معارضة ذات ثقل.

لجأت على الدوام قوى الإسلام السياسي للتحالف مع الجيش، في رأي القوى المدنية، فأرادت الأخيرة أن تصير حليفًا له بذاتها أيضًا. غير أنه في صراع السلطة لا يتم التحالف سوى مع الأنداد، لذا انتهت محاولة التحالف ضد الإخوان بانفراد الجيش بالسلطة وتحييد القوى المدنية. أغلقت تروما فض رابعة الأبواب تباعًا بالدبابات والذخيرة الحية. طبق قانون التظاهر والتجمهر فحرّم الحركة في الشارع، تراجع النظام عن انتخاب رؤساء الجامعات واتحادات الطلاب وعاد الحرس الجامعي لإسكات الحركات الطلابية، وكُتب الدستور وعدل وفقًا لمتطلبات النظام، أغلقت الصحافة والإعلام بالضبة والمفتاح ثم حجبت مئات المواقع، أو تمت عرقلة الوصول إليها، منها حبر المجلة التي تقرأ عليها هذا المقال، وصدور قانون الجمعيات الأهلية الذي شل منظمات المجتمع المدني وأدى لغلق مقرت أغلبها وحصر المتبقي منها في صراعات بقاء لمجرد دفع رواتب موظفيها وانشغال من نجا منهم بملفات الاعتقال والإخفاء القسري. صارت هذه هي لحظتنا، والوسم الذي نسير به في الشارع. 

أبناء اللحظة يسبقون دومًا. أو يدركون اللحظة الفارقة كما قال حازم أبو إسماعيل، المسجون حاليًا، أيضًا. وعلى عكس مبادرة الدولة للتفاوض مع محمد علي بأن يسترد أمواله مقابل التوقف عن نشر فيديوهاته، لم يحدث أي رد فعل رسمي بخصوص خروج رسالة أقرَها 1350 شاب من شباب الإخوان منهم 350 داخل السجون، لتناشد قيادات الجماعة التصالح مع الدولة والتفاوض على خروج المعتقلين. ربما كانت الرسالة لتغير تاريخ مصر إن خرجت حين كان للإخوان تنظيم وقيادات خارج السجون قبل 30 يونيو أو قبل فض رابعة، أو حتى قبل مقتل النائب العام وإعلان جناح العمليات النوعية المنشق عن الإخوان. لكنها خرجت في أغسطس هذه السنة، والتفاوض لا يتم مع الضعفاء ولا المهزومين الذين لا يملكون ما يقايضونه. في دولة يوليو، يدفع الجميع ثمن مواقفهم بأثر رجعي حتى وإن اعتزلوا بعدها العمل العام؛ صمتنا الآن لا جدوى من شرائه، لأن كلامنا بلا ثمن.

«دي مش خناقتنا» هي أكثر ما تردد عند ظهور محمد علي. إذ لم تشارك أو تدعم الأغلبية العظمى من وجوه المعارضة في مظاهرات الجمعة التي دعا لها محمد علي، وربما لا يعرف أحد منهم أحدًا شارك فيها. دار عوضًا عن ذلك حديث عن الخوف من المجهول، وصراع الأجهزة الأمنية، وأننا «لن نخدع مرة ثانية»، وشعارات ساخرة من الأمل وحزب الكنبة وتحذيرات من المشاركة في المظاهرات والمراهقة الثورية. لا تقول النقاشات الدائرة شيئًا عن الأحداث الحالية بقدر ما تقول عن مآلات ما سبقها.

«وأنا جاي أعملّك توك شو يا روح أمك؟ أنا جاي أحبسك».
– محمد علي

لا يحتاج المرء أن يكون داخل المطبخ السياسي أو مجال المقاولات ليدرك أن هنالك عملية فجة ومخيفة من إهدار المال العام، الذي يضخ في مشاريع كبرى يترك أغلبها أثرًا مدمرًا على الاقتصاد والبيئة والعمران، مثل تحويل كورنيش الإسكندرية بالكامل لمنشأت تابعة للجيش لا ترى من خلالها شكل البحر، وبناء مدينة أثاث جديدة في دمياط تنهي وجود المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر في المحافظة لصالح الدولة، وتجريف أراضٍ وقطع أشجار معمرة لبناء كباري غير مدروسة في المجمل، وحملة حشد ناجحة لتمويل حفر تفريعة جديدة لقناة السويس لم ينتج عنها سوى انهيار الاقتصاد، وبناء عاصمة جديدة تمامًا للدولة تُنقل إليها كل المباني الحكومية ومسؤولوها، مسورة بالكامل ولا يعرف معها مصير القاهرة فضلًا عن باقي التراب الوطني.

تقلصت رواتب المصريين ومدخراتهم وقوتهم الشرائية بشكل حاد عدة مرات، جراء التعويم ورفع الدعم عن الوقود والسلع وتطبيق ضرائب القيمة المضافة بعدها. ست سنوات يصرخ السيسي فيها أننا فقراء جدًا ويجب علينا تسول المال من الخارج وحتى أخذه بالقوة من جيوب الفقراء، لأجل مصر. نبيع حتى تراب سيناء كي نبني ما تبقى من مصر. حتى جاء محمد علي يصارح الناس بأن كل ذلك الإذلال بلا قيمة ولا مستقبل. الفساد في المطبخ لا يقف عند سوء التخطيط والإهدار، فكل إجراءات التقشف تذهب ببساطة في فندق لمجاملة صديق، في مقبرة لأم الرئيس، أو في قصور رئاسية لاسترضاء لزوجة السيسي التي تشمئز من الإقامة في قصور سبق  أن أقامت بها زوجة مبارك. صحيح أن دولة السيسي قتلت العمل السياسي، لكنها بالتوازي قامت أيضًا بتجريف اقتصادي عنيف قضى على الطبقة الوسطى ودهس الطبقة الفقيرة وغيّر شكل المجتمع وأنماط استهلاكه للأبد.

وماذا فعل السيسي ردًا على كلام مقاول منشق؟ مؤتمر شباب يهدر فيه مزيدًا من الأموال، ويعترف فيه ضمنيًا بنديّة محمد علي لرئيس الجمهورية ثم يقول للناس: «أيوة ببني قصور، أنا هعمل وأعمل وأعمل». هذه ليست أفضل طريقة للحفاظ على التفويض الشعبي، بشهادة الجهات السيادية. 

خوف مبرر، لكن غير محتوم

لم يسبق للمجال العام في مصر الوصول لهذه الدرجة من التجريف والتفريغ وتركيز السلطات والثروة، حتى أننا نسينا أن في مصر مئة مليون إنسان تتضرر النسبة الساحقة منهم من النظام في أدق التفاصيل. بحسب شهادات المحامين والتقارير الحقوقية الأولية، أغلب المعتقلين في مظاهرات 20 سبتمبر هم في العشرينات، ومن الأهالي الذين لم تسبق لهم المشاركة السياسية خلال سنوات الثورة، وبعضهم حتى سبق أن فوّض السيسي أو انتخبه. يمكن أن يقول ذلك أشياء كثيرة، أكثرها مباشرةً أن الكتلة الغاضبة والمكونة للحراك الحالي لا تضم شخوص يناير أو تنظيماتها حتى الآن على الأقل، وإن كان حدثا 25 يناير و30 يونيو حاضريْن في الشعارات والأدوات والخيال السياسي. 

خبرة المعارضة المصرية مع الثورة والتمرد يشكّلها خوف مهول ومستحق من الثمن الذي ما تزال تدفعه بشكل فردي وجماعي، ربما لذلك كان لا بد أن يظهر فاعلون سياسيون آخرون، لا يملكون خبرة مريرة تعرقل غضبهم، ليخرجوا ضد النظام ويسقطوا صور السيسي في المحافظات.