فصول من اليونان: سنوات العمل الاحتجاجي الطوال

الإثنين 25 تشرين الثاني 2019
اشتباك بين قوات الأمن والطلاب في العاصمة اليونانية أثينا احتجاجًا على تعليق قانون حماية الحرم الجامعي. تصوير أ ف ب

في السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام، تحيي اليونان ذكرى انتفاضة كلية الفنون التطبيقية (البوليتكنيك) التي جرت أحداثها عام 1973 ضد حكم الطغمة العسكرية وانتهت باقتحام الدبابات للحرم الجامعي، والتي كانت كذلك بداية النهاية لحكم العسكر.

تبدأ المظاهرة، كل عام، في حرم كلية الفنون بتلاوة أسماء شهداء تلك الانتفاضة، وتنتهي بمسيرة إلى السفارة الأمريكية، التي كانت الراعي الرسمي للديكتاتورية العسكرية. وعادة ما تتصاعد المظاهرة وتتحول إلى مواجهات بين الشباب من المجموعات الفوضوية [1] واليسارية، وبين الشرطة، بالذات في حي إكزارخيا المتاخم لكلية الفنون، الذي أصبح معقلًا للحركات الاحتجاجية ولظاهرة المرابض (squats) المستقلة التي يسيّرها النشطاء ويأوي إليها اللاجئون والمهاجرون غير المسجلين، والذي كان حتى وقت قريب خارجًا عن سلطة القوى الأمنية.

جاءت الذكرى هذا العام في خضم تصعيد من قبل القوى الأمنية ومن ورائها حكومة حزب «الديمقراطية الجديدة» اليميني الذي جاء إلى الحكم في تموز/يوليو الماضي. وانصب هذا التصعيد بالأساس على حي إكزارخيا وعلى المباني الجامعية. فقد تضمنت الوعود الانتخابية لحزب الديمقراطية الجديدة خطة لإعادة قوى الأمن إلى الجيوب الخارجة عن سيطرتها. وعقب فوزها بالانتخابات تمكنت الحكومة، في آب/أغسطس الماضي، من إلغاء قانون حماية الحرم الجامعي، الذي كان يمنع الشرطة من التعدي على المباني الجامعية، إيذانًا بحملة أمنية على مراكز النشاط الطلابي في الجامعات. وفي 16 آب/أغسطس اجتاحت القوى الأمنية حي إكزارخيا، مستغلة العطلة الصيفية وغياب الطلاب والناشطين عن الحي وعن مباني الجامعة المجاورة. هاجمت جحافل الشرطة وقوى مكافحة الشغب شوارع إكزارخيا ومرابضها وأخلت اثنين منهما، ثم أطبقت حصارها على الحي وشددت من وجودها الأمني فيه، بينما توعد الناشطون باستعادته. وحُبست الأنفاس بانتظار المواجهة التي قد تبدأ في أي لحظة، والتي توقع الكثيرون أن يكون موعدها في السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر.

إلّا أن قوى الأمن استبقت أحداث السابع عشر بتصعيد محسوب، ففي مساء السابع من الشهر ذاته، احترقت مركبة لقوى مكافحة الشغب المتمركزة في إكزارخيا وجرح ثلاثة من قوى الأمن، واتُهمت التيارات الفوضوية في إكزارخيا (التي لا يُخفي بعضها تبنيه للعنف في وجه الشرطة، خاصة في وجه القوات المتواجدة في إكزارخيا والتي يعتبرونها قوات احتلال) بأنها وراء الحدث، وإن كانت الأحداث التالية تجعلنا نضع في الحسبان احتمال أن يكون الحدث مدبرًا من قبل قوى الأمن. فبعد الحادث بدقائق هاجمت قوى مكافحة الشغب ميدان إكزارخيا هجومًا عشوائيًا واعتدت على الناس دون تمييز ثم توجهت إلى مقهى فوكس المعروف بأنه معقل حركة روفيكوناس الفوضوية، وبينما احتشد الناشطون حول المقهى للدفاع عنه اعتقلت قوى الأمن أحد أعضاء روفيكوناس المتواجدين في محيط المقهى وأبرحته ضربا ثم اتهمته بإحراق المركبة.

وبعدها بيوم، بدأت قوى الأمن حملة مداهمات بحجة «محاربة الإرهاب» وصادرت كميات من الأسلحة ادعت إنها تعود لمنظمة «الدفاع الثوري عن النفس» واعتقلت 15 شخصًا من بينهم عضو سابق في تنظيم «الكفاح الثوري» المسلح. ثم في الأيام التالية، وأثناء عطلة نهاية الأسبوع، امتدت الاعتقالات إلى الحرم الجامعي لجامعة أثينا بحجة مصادرة أسلحة ومعدات «تخريبية». وفي المقابل تجمع الطلاب حول كلية الاقتصاد يوم الاثنين 11 تشرين الثاني/نوفمبر احتجاجًا على المداهمات فاصطدمت بهم الشرطة في حرمهم لأول مرة منذ إلغاء قانون حماية الحرم الجامعي. وفي الأيام التالية كثفت قوى الأمن حصارها لحي إكزارخيا (وأخلت في سبيلها مربضًا آخر من مرابض اللاجئين) ضمن عملية «مكافحة الإرهاب» التي بات واضحًا أنها تستهدف منع مصادمات السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر قبل أن تبدأ.

وفي السابع عشر احتشد الناس كما كان متوقعًا، وخرجت المسيرة إلى السفارة الأمريكية وانتهى اليوم بمواجهة محدودة بين بعض الناشطين ورجال الشرطة في ركن من إكزارخيا وبمطاردة في زواريبها وباعتقال 41 ناشطًا وإصابة صحفي، بينما داهمت الشرطة أسطح المنازل واعتقلت ستة نشطاء بحوزتهم قنابل حارقة وحجارة كانت معدة للمواجهة المرتقبة مع الشرطة.

هذه النهاية الهادئة نوعًا ما تنذر بمواجهات أخرى وشيكة إذ تتواجد قوى الأمن المكثفة والمدججة بالسلاح على بعد خطوات من الناشطين، ولدى كل منهما ثأر مع الآخر وخبرة في المواجهات الطويلة والعنيفة أحيانًا. وبينما يعد الناشطون باستعادة الحي، تتوعد الشرطة بإخلاء كل «المرابض» التي تأوي الناشطين واللاجئين.

تعود جذور الطابع الخاص لهذا الحي إلى انتفاضة كلية الفنون التطبيقية في عام 1973. بينما تعود جذور المواجهة السياسية اليونانية، وجذور أحداث 1973 نفسها، إلى الحرب العالمية الثانية.

الحرب العالمية الثانية، الحرب الأهلية الأولى

عندما دقت جيوش النازية أبواب اليونان هرب ملكها جورج الثاني إلى مصر تاركًا مهمة تنظيم المقاومة لمن يتطوع. وكما كان الحال في معظم أنحاء أوروبا الواقعة تحت الاحتلال النازي، اضطلعت حركات اليسار، تساندها بعض القوى الليبرالية والجمهورية، بتنظيم صفوف المقاومة وأصبح الحزب الشيوعي اليوناني المكون الأساسي لـ«جيش التحرير الشعبي» الذي قاوم الاحتلال. طبعًا ساء الأمر قوات الحلفاء التي تعاونت مع المقاومة على مضض، إلا أن البريطانيين شرعوا في دعم التيارات المنافسة للشيوعيين في داخل المقاومة مما أدى إلى الصدام بين القوات الشيوعية والجمهورية في 1944، والذي انتهى بانتصار الشيوعيين.

وبعد التحرير، عاد جورج الثاني ليتسلم السلطة من المقاومة، فلم يتسلمها إلا بعد معارك مريرة مع الحزب الشيوعي وبعد أن دعمته بريطانيا في مسعاه، بينما ظلت قوات الشيوعيين تحاول إسقاط الحكم الملكي مدعومة من يوغوسلافيا وألبانيا وبلغاريا.

الحرب الباردة تبدأ في اليونان

عام 1947، أنهت بريطانيا وجودها في اليونان، فخاف الأمريكيون، إذ كانوا يرون أن انتصار الشيوعية في اليونان سيهدد الوجود الأمريكي في تركيا، مما سيهدد بدوره محاولات فرض السيادة الأمريكية في الشرق الأوسط. وفي آذار/مارس 1947 أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان أن أمريكا ستتدخل في اليونان، وسائر العالم، لصد المد الشيوعي، فيما عرف بـ«مبدأ ترومان». وكانت هذه بداية حروب الوساطة الأمريكية و«الحرب الباردة».

انتهت الحرب الأهلية اليونانية في عام 1949 بهزيمة الشيوعيين، وبدأ استيعاب النازيين السابقين في أجهزة الدولة (برعاية أمريكا كما حدث في ألمانيا الغربية)، وفي عام 1952 انضمت اليونان إلى حلف الناتو، وأصبح النظام الملكي يستند إلى الدعم الأمريكي وإلى حالة دستورية برلمانية هشة، وإلى دعم الضباط اليمينيين الذين توجههم المخابرات المركزية الأمريكية. وسرعان ما انقلب هؤلاء الضباط على الحكم واستولوا على السلطة في نيسان/أبريل 1967 ليبدأ عهد ما يعرف بالطغمة العسكرية أو «الخونتا».

سقوط الخونتا

ورغم نجاح النظام العسكري، بدعم من أمريكا وأجهزة مخابراتها، في قمع المعارضة وتقليص تأثير أحزابها، بالذات الحزب الشيوعي الذي أصبح لا يتحرك إلا بحساب، فإن حركة احتجاجية عمالية-طلابية تقدمت إلى الواجهة في عام 1973 وتركزت جهودها في الجامعات وعلى أطرافها. وفي تشرين الثاني/نوفمبر انتفضت جامعات اليونان ضد الحكم العسكري، واعتصم الطلاب في مباني الجامعات في مختلف مدن اليونان، وكان مركز الثقل في كلية الفنون التطبيقية. وفي السابع عشر اقتحمت المدرعات أسوار كلية الفنون لتقضي على هذه الانتفاضة.

لم تُنهِ انتفاضةُ كلية الفنونِ حكمَ العسكر، ولكنها أفقدته المصداقية وأظهرت خوفه وأن خطابه الوطني لم يعد قادرًا على فرض هيمنة الطغمة الحاكمة، وأنه أصبح بحاجة لممارسة العنف المادي الفظ لكي يبقى. وأظهرت كذلك الخلاف بين أركان الطغمة العسكرية، فبعد وأد الانتفاضة بيومين قاد اللواء ديميتريوس إيونيديس انقلابًا على الانقلاب، وأعلن أن السلطة قد «انحرفت عن مبادئ ثورة 1967» وألغى كل الإصلاحات الليبرالية التي كان سلفه قد أقرها.

ورغم أن إيونيديس حكم بقبضة من حديد، إلا أن انقلابه قضى على ما تبقى من شرعية للحكم العسكري، الذي كان يخاطب الناس باسم اليونان ووحدتها فأصبح أفراده يتصارعون مع بعضهم البعض. وكان ذلك إيذانًا برحيل الطغمة العسكرية اليونانية.

لا يمكننا أن نشير يقينًا إلى سبب واحد لزوال حكم العسكر، ولكن لا شك أن النظام وجّه الضربة القاضية لنفسه بمغامرته العسكرية في قبرص، إذ دعم هناك انقلابًا عسكريًا لمجموعة من الضباط القوميين اليونانيين في تموز/يوليو 1974، ما أثار حفيظة الأتراك من أهل قبرص ومن ورائهم تركيا التي ردت بغزو شمال الجزيرة وإعلان جمهورية القبارصة الأتراك، ولوهلة بدا لو أن تركيا واليونان على شفا الحرب.

كانت ذاكرة اليونان ما تزال محملة بآلام حروبها السابقة مع تركيا والدولة العثمانية، ولم تكن أمريكا، راعية الحكم العسكري في البلدين، لتسمح بمواجهة عسكرية بين قطبي الناتو في المنطقة. وفي هذه الأجواء حل النظام العسكري نفسه وسلم مقاليد الأمور إلى سلطة مدنية.

النيوليبرالية أو الدبابات

أتى العسكر بالسياسي اليميني قنسطنطينوس كاراماناليس، الذي كان يومًا ذراع الملك جورج الثاني اليمنى، وأنزلوه إلى الانتخابات تحت شعار «كاراماناليس أو الدبابات». وبطبيعة الحال لم يختر الشعب الدبابات، وأبقى كاراماناليس على سياسات سابقيه وعلى القواعد العسكرية الأمريكية وعلى أجهزة القمع والمسؤلين الفاشيين والمقربين من العسكر. وبدأ عهد جديد من النضال ضد السياسات القديمة في ثوبها المدني الجديد.

مرابض الحرية [2]

انتشر الفوضويون في كلية الفنون في إكزارخيا وفي جامعة أرسطو في مدينة سلانيك (ثيسالونيكي)، وفي غيرهما من كليات اليونان وجامعاتها، وسيطروا على قاعات كاملة وخيموا فيها وأصبحت لهم كلمة مسموعة فيها. فقد كانت أكبر مكاسب الحركة الطلابية في أعقاب الحكم العسكري استقلال الجامعة الذي انتزعوه بانتفاضتهم في 1973 وحافظوا عليه بنضالهم الطويل في الجامعات، الذي توج في العام 1981 بقانون حماية الحرم الجامعي الذي منع الشرطة من الدخول إلى الجامعات والذي عُلِّق وأعيد منذئذ عدة مرات حتى ألغته الحكومة اليمينية الحالية.

كما فاضت هذه الحالة المناوئة للسلطة عن الجامعة إلى حي إكزارخيا المجاور الذي اكتسى بالطابع الاحتجاجي والفوضوي وخرج شيئًا فشيئًا من قبضة الشرطة حتى طُردت منه طردًا في 2008 عقب قتلها لطفل في الخامسة عشرة أمام أحد المقاهي. بزغت كذلك (في إكزارخيا وفي مناطق أخرى من اليونان ومن أوروبا) ظاهرة احتلال المباني الخاوية وتحويلها إلى مرابض (squats) إمّا لإسكان المشردين أو لتكون ملجأ للخارجين على سوق العقارات والباحثين عن نمط حياة بديل.[3] وفي إكزارخيا أصبحت هذه المرابض مكانًا مفتوحًا للنقاش السياسي وللتنظيم الاحتجاجي خارج الإطار الرسمي وبعيدًا عن رقابة السلطات السياسية والاجتماعية. فتحت هذه المرابض أبوابها كذلك للاجئين والمهاجرين غير المسجلين، وبالذات في ظل تنامي الأزمة السورية وزيادة عدد اللاجئين إلى أوروبا عن طريق الجزر اليونانية. ومن الجامعات والمرابض، خاض المناوئون للسلطة معاركهم معها.

تعاقب الحكومات والاحتجاجات

تعاقبت الأحزاب على السلطة منذ سقوط حكم العسكر. جاءت «الحركة الاشتراكية اليونانية الموحدة» أو «باسوك» إلى الحكم عام 1981 ولكن سياساتها الاقتصادية لم تختلف عن سابقيها بل وقيل إنها حاولت بمعاونة الحزب الشيوعي أن تحتوي أو تقمع الحركات الاحتجاجية كما ظهر تورطها في فضائح مالية.[4] وفي المقابل اتجه النشطاء إلى تنظيم أنفسهم في الشارع وفي تجمعات مستقلة عن أحزاب اليسار التقليدية، واكتسب هذا التنظيم الاحتجاجي زخمًا خاصًا مع دخول القرن الحادي والعشرين وتنامي حركة مناهضة العولمة وحرب أمريكا على العراق.

شهدت اليونان إضرابًا عامًا ومظاهرات حاشدة في الثالث من نيسان/إبريل 2003 احتجاجًا على الغزو الأمريكي للعراق. وفي السادس عشر من الشهر ذاته تظاهر الناس قرب ميدان سينتاغما في وسط أثينا ما بين السفارة الأمريكية وبين مكان انعقاد القمة غير الرسمية للاتحاد الأوروبي وهاجمتهم قوى الأمن حين حاولوا الاقتراب من مقر القمة المنعقدة فردوا عليها بالحجارة وزجاجات المولوتوف، ونالت السفارة البريطانية كذلك نصيبها من غضب المتظاهرين وزجاجاتهم المشتعلة. وفي الوقت ذاته، اقتحم ألف متظاهر مقر الخطوط الجوية البريطانية في ضاحية جليفادا الواقعة جنوب أثينا، إثر دعوة من الحزب الشيوعي واحتلوا الطابق الثاني من المبنى وعلقوا من على سطحه لافتة عملاقة تندد بالحرب. وتكرر المشهد الاحتجاجي بعدها بشهرين في سلانيك حين انعقدت القمة الأوروبية هناك، واعتصم المحتجون في جامعة أرسطو ومن هناك أداروا المواجهة التي امتدت إلى مدخل القنصلية الأمريكية.

كانت هذه الأحداث فرصة كذلك لتلاقي الخبرات الاحتجاجية إذ جاء إلى سلانيك بعض المحتجين من سائر أنحاء أوروبا ليواكبوا مؤتمر القمة. بثت هذه الأحداث روحًا جديدة في الشارع اليوناني الذي هب في عامي 2006 و2007 ليمنع الحكومة اليمينية من تطبيق حزمة «إصلاحات» تهدف لأن تجعل من التعليم العالي سوقًا. وفي الأعوام التالية تركز العمل الاحتجاجي على رفض السياسات النيوليبرالية المملاة من قبل الاتحاد الأوروبي.

ديمقراطية أثينا وديكتاتورية الاتحاد الأوروبي: حكاية الدَين والتقشف

سجلت الموازنة اليونانية في عام 2009 عجزًا غير مسبوق زاد عن 15% وسادت المخاوف من إفلاس الدولة. تدخل الاتحاد الأوروبي ووافق أن يقرض الأموال اللازمة للحكومة اليونانية في مقابل فرض حزمة من سياسات التقشف والنيوليبرالية من شأنها أن تقضي تدريجيًا على تمويل المنافع العامة وما تبقى لليونان من شبكة ضمان اجتماعي. تعامل الاتحاد الأوروبي مع اليونان كما تعاملت أوروبا في القرن التاسع عشر مع مستعمراتها، واشترط وضع الميزانية اليونانية تحت إشراف لجنة ثلاثية (عرفت بالترويكا) تضم الاتحاد الأوروبي، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي.

تصادف أن الحكومة في هذه اللحظة كانت في يد الباسوك (الحركة الاشتراكية اليونانية الموحدة) التي وافقت على شروط الاتحاد الأوروبي وسلمت نفسها للترويكا. وكانت النتيجة توسع الغضب ليشمل قطاعات مؤيدة للأحزاب اليمينية تضررت هي الأخرى من انتشار البطالة نتيجة لسياسات التقشف.

ووسط هذه الظروف انفجرت الثورات في تونس ومصر. ألهم ميدان التحرير اليونانيين فاعتصموا في ميدان سينتاغما الذي يتوسط مدينة أثينا ويجاور البرلمان. وبشكل عام كان الجانب العلوي من الميدان مرتعًا لقوى اليمين التي التي كانت ترى أن لائمة الأزمة الاقتصادية تقع على الحكومة الاشتراكية والمهاجرين، وكان الجانب السفلي لقوى اليسار. وفي الجانب السفلي ولدت «حركة الديمقراطية المباشرة الآن» التي أسست برلمانًا شعبيًا ينعقد كل مساء ويُدعى الناس للتحدث فيه بالقرعة (على طريقة أثينا القديمة وديمقراطيتها المباشرة). ولكن، وعلى الرغم من أن اعتصام سينتاغما كان لديه عقله الخاص ممثلًا في كيانه التشريعي البديل، ولجانه الخاصة التي عملت على تسييره وتنظيم الإعاشة والطبابة فيه، فقد فشل في تحقيق أهدافه. ففي يومي 28 و 29 حزيران/يونيو، حاولت الحركة الاحتجاجية سد مداخل البرلمان لتحول دون انعقاد الجلسة التي ستمرر البرنامج المرحلي المعروف ببرنامج نصف المدة لسياسات التقشف، فهاجمتهم الشرطة بكامل قوتها ولم تتورع عن استهداف المسعفين حتى وصل عدد الجرحى إلى أكثر من 500. وانعقدت الجلسة كما كان مقررًا لها ومُرر برنامج نصف المدة لسياسات التقشف، وأصيب الناس بالإحباط وذوى الاعتصام تدريجيًا.[5] استقالت الحكومة في أعقاب هذه الاحتجاجات لتتشكل حكومة يمينية بمشاركة أحزاب يسار الوسط (حركة باسوك وحزب اليسار الديمقراطي). وبدأت هذه الحكومة باستهداف الناشطين السياسيين والمهاجرين غير المسجلين بمعاونة عصابات الفجر الذهبي الفاشية، واعتقلت وعذبت ناشطين مناوئين للفاشية في مخفر أتيكا في خريف 2012.[6] 

ميلاد روفيكوناس

وأمام هذه السياسات القمعية، وأمام إصرار السلطة على السير قدمًا في قروض الاتحاد الأوروبي وما يتبعها من سياسات التقشف، تشكلت حركة «روفيكوناس» الفوضوية في عام 2013. يعود اسم الحركة إلى اسم نهر في شمال إيطاليا (الروبيكون بالإيطالية) كان يمثل الحد الشمالي ما بين روما وبين الأقاليم الشمالية للإمبراطورية الرومانية. ولأن روما كان يحكمها السينات (مجلس الشيوخ أو المجلس التشريعي) فقد كان على القادة الذين ترسلهم روما لقيادة الجيوش أو لحكم الأقاليم أن ينزلوا عن مناصبهم ويسرحوا جيوشهم قبل عبور الروبيكون عائدين إلى روما. فلما عبر يوليوس قيصر الروبيكون إلى روما بجيشه كان ذلك إيذانًا بصدامه مع السينات وانقلابه عليه، وإعلانًا بأن الصدام وصل إلى نقطة اللاعودة. ومنذ ذلك الحين ذهب «عبور الروبيكون» مثلًا في وصول الأمور إلى نقطة اللا-عودة، وفي استغلال السلطة. فكأن اسم حركة روفيكوناس ينذر الدولة بصدام لا تراجع فيه، أو يتهمها بأنها هي التي استغلت سلطتها وعبرت الروبيكون إلى نقطة اللا-عودة حين قبلت ببرنامج التقشف الذي فرضه الاتحاد الأوروبي.

اتخذت روفيكوناس من إكزارخيا معقلًا وأصبحت إحدى أكثر الحركات تأثيرًا فيها، واضطلعت بدور كبير في احتلال وتسيير المرابض، ثم لاحقًا في إيواء اللاجئين والمهاجرين. كما لجأت إلى أشكال من العمل الاحتجاجي «التخريبي» مثل اقتحام المباني وتكسير واجهات المحلات وإلقاء الطلاء (وقد دأبت مثلًا على إلقاء الطلاء على بوابة السفارة الأمريكية احتجاجًا على سياسات أمريكا في اليونان وفي سائر العالم)، كان آخرها هجومها الرمزي على شركات الكهرباء الخاصة فجر التاسع عشر من نوفمبر احتجاجًا على نية الحكومة خصخصة الكهرباء. يذكر أن أعمال روفيكوناس التخريبية لم تؤد إلى أي إصابات بشرية وأن كثيرًا من هذه الأعمال لا يعد خرقًا للقانون اليوناني. إلا أن الحكومة الحالية تحاول تعريف هذه الأعمال على أنها أعمال إرهاب وإدراج روفيكوناس على لائحة المنظمات الإرهابية.

تمثل روفيكوناس نموذجًا من الاحتجاج اليوناني تراكم عبر السنين، سواء في النضال ضد الحكم العسكري أو ضد السياسات النيوليبرالية، يتمثل في العمل خارج إطار أحزاب اليسار التقليدية وفي تبني أشكال العمل المباشر، وفي احتلال المباني ليس فقط من باب الاحتجاج الرمزي والعملي، ولكن أيضًا لخلق مساحات مستقلة وديمقراطية خارجة عن سيطرة الدولة. وبالفعل أصبحت مرابض إكزارخيا ومباني الجامعات مراكز مضادة للسلطة ، يديرها الفوضويون واليساريون، وتحاول الدولة استئصالها، كما رأينا في أحداث السابع عشر من نوفمبر هذا العام وكما قد نرى قريبًا في إكزارخيا التي يستعد فيها الطرفان، القوى الاحتجاجية والقوى الأمنية، لمواجهات قادمة.

الروفيكانوس لا يهدر؟

أحيت إكزارخيا وسائر اليونان ذكرى انتفاضة كلية الفنون بمظاهرتين في الخامس عشر والسابع عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر، وكانت مظاهرة السابع عشر حاشدة كما كان متوقعًا؛ ولكنها لم تحقق أيًا من التوقعات بالتصعيد مع الشرطة أو الآمال باستعادة الناشطين لليد العليا في إكزارخيا وفي الحرم الجامعي.

بل على العكس جاء نوفمبر والحركة الاحتجاجية هي التي تتلقى الضربة تلو الضربة من قوى الأمن ومن الحكومة اليمينية حتى مر اليوم الاحتجاجي بسلام ولم يشهد سوى مواجهة محدودة في زواريب إكزارخيا لم تفُتَّ في عضد الوجود الأمني الوافد. طبعًا، لا نتوقع أن يستمر الناشطون في تسيير مرابضهم في أمان بينما تقف الشرطة على مرمى البصر خاصة وقد أدى الوجود الأمني إلى حملة مراقبة وترهيب تقودها الشرطة في إكزارخيا ضد الناشطين. يرصد الناشط اليوناني والكاتب يانيس يولانتيس سلسلة من إجراءات الإرهاب المباشر التي تمارسها الشرطة في إكزارخيا والتي تصل إلى تقطيع إطارات السيارات والتلويح بالأسلحة النارية في وجه الناشطين العزل، وإلى شتم النساء واللاجئين وتهديدهم بالـ«تطهير».

ولكن ماذا أعدت الحركة الاحتجاجية، حين كانت صاحبة اليد العليا في إكزارخيا وفي الجامعة، للمواجهة الحتمية، وكيف كان لها أن تحمي نفسها؟

لسنا بصدد المزايدة ولا ندعي أننا أدرى باليونان من ناشطيها، ولكن يبقى السؤال مشروعًا: إذا كانت حكومة الديمقراطية الجديدة قد هددت منذ توليها السلطة باقتحام إكزارخيا، وإذا كان معروفًا للجميع أن اجتياح إكزارخيا سيكون أسهل في غياب الطلاب في فصل الصيف، فلماذا لم يعتصم فوضويو الحي ويساريوه فيه صيفًا ليمنعوا ذلك الاجتياح (خاصة وأنهم ظلوا يتوعدون أنهم جاهزون للمعركة)؟ منذ ذلك الحين وناشطو إكزارخيا يبشرون بأنهم سيستعيدون الحي ولكن جهودهم تشتت بين مواجهة الشرطة وبين ترهيب السائحين وأصحاب البيوت الذين يؤجرون بيوتهم. أفهم طبعًا كيف يدمّر السياح سوق العقار المحلي، وكيف، حين يكتشف الأثرياء جاذبية المناطق «البديلة» و«التقدمية» يغزونها لتصبح مجرد ديكور تقدمي لنمط حياة آمن وغير مسيس؛ وأفهم الربط بين الوجود الأمني في الحي وبين محاولات تحويله من حي احتجاجي إلى حي سياحي. ولكن كيف يمكن بناء حركة ثورية من دون مد الجسور مع سكان إكزارخيا الآخرين (وكثير منهم من كادحي الطبقة الوسطى ومنهم من يؤمن بنفس أفكار الناشطين) ومن دون تثقيف زوارها الذين يأتون في الأغلب لانجذابهم إلى المشروع التحرري في هذا الحي؟

يرفض فوضويو إكزارخيا تسفيه السياحة لقضيتهم ويتحفظون ضد «السياحة التضامنية»، ولكنهم لم يتورعوا عن ممارسة سياحة الحرب في سوريا إذ أرسلت روفيكوناس بمتطوعَين ليحاربا في صفوف ميليشيات روجافا التي ترفع الشعارات الثورية والفوضوية بينما تتلقى الدعم والتمويل من الناتو وآلة الحرب الأمريكية،[7] وليكتبا «روفيكوناس» باليونانية على الجدران في الرقة.

لست أدعو، بطبيعة الحال، إلى انكفاء كل حركة احتجاجية في بلدها، ولكن ألا يشي إصرار الحركة الاحتجاجية في إكزارخيا أن تتضامن ولا يُتضامن معها، وأن تزور (أحيانًا بالسلاح) ولا تزُار، بأنها إنما تريد أن تحتفظ بموقع سيادي غربي في مقابل الذين تتضامن معهم و«ترعاهم»؟

لا أخفي إعجابي بتجربة تسيير إكزارخيا بعيدًا عن سلطة الدولة، ولا بحركة روفيكوناس ذاتها التي تستحق مقالًا منفصلًا (والتي لم تألُ جهدًا في التضامن مع قضايا فلسطين واليمن ولا في العمل التطوعي لخدمة المهمشين والمقهورين في اليونان) ولكن نقد التجارب الثورية ضروري لاستخلاص الدروس، ولكي لا تتكرر نفس الأخطاء مع كل هَبّة شعبية.

  • الهوامش

    [1] كنت قد أوضحت في مقال آخر تفضيلي لمصطلح «فوضوي» و«فوضوية» على مصطلحات أخرى أراها مفتعلة مثل «لا-سلطوية» أو«أناركية/أنارشية» من دون أن يعني تفضيلي هذا انحيازًا قيميًا للنظام ضد الفوضى.

    [2] بالإضافة إلى المصادر الواردة في الهوامش والروابط، ينظر George Kritidis, «The Rise and Crisis of the Anarchist Liberation Movement in Greece, 1973- 2012,» وهو فصل من كتاب The City is Ours: Squatting and Autonomous Movements in Europe from the 1970s to the Present.

    [3] ينظر أيضًا: 

    Lauren Oyler, «Urban Squatting’s History is More Radical than You Imagined.»

    [4] Kritidis, «The Rise and Crisis of the Anarchist Liberation Movement in Greece.»

    [5] ينظر على سبيل المثال:

    nikos Sotirakopoulos, George Sotiropoulos, «’Direct Democracy Now!’: The Greek Indignados and the Present Cycle of Struggles,» و Marilena Simiti, «Rage and Protest: The Case of the Greek Indignant Movement.»

    [6] Kritidis, «The Rise and Crisis of the Anarchist Liberation Movement in Greece.»

    [7] قبل أن تتخلى عنهم أمريكا وتتركهم لقمة سائغة للتدخل التركي.