حُكم العالم ونَهبه: قائمة كتب حول صندوق النقد والبنك الدوليين

السبت 28 أيلول 2019
من معرض عمان الدولي للكتاب 2017.

(هذا هو المقال السابع ضمن سلسلة مقالات ملف الأردن وصندوق النقد الدولي، والذي تستعرض مقالاته ثلاثين عامًا من العلاقة بين الأردن وصندوق النقد).

في شباط من هذا العام، أتمّت حبر حلقة دراسية نظمتها حول صندوق النقد والبنك الدوليين. جاءت هذه الحلقة لإتاحة الفرصة لنا ولـ15 مشاركًا ومشاركة لقراءة ومناقشة نصوص تدرس دور المؤسسات المالية الدولية في تشكيل الكثير من اقتصادات العالم، ومن بينها الأردن، وأثر هذا الدور على الواقع المعيشي للغالبية العظمى من السكان. وانطلقت الحلقة من فهم محدد للاقتصاد بوصفه مجالًا يمكن أن يعاد فيه تشكيل المجتمع، بالتالي يجب أن يظل مفتوحًا أمام العامة، خاضعًا للمساءلة، لا حكرًا على فئة قليلة من المختصين التقنيين.

من هذه الحلقة الدراسية، وُلد ملف صندوق النقد الدولي الذي تنشر حبر مواده منذ تموز الماضي. في هذه المادة السابعة ضمن الملف، نقدم -بالتزامن مع معرض عمان الدولي للكتاب- قائمة كتب كانت جزءًا من القراءات التي تم تناولها في الحلقة، تتناول السياق الاقتصادي العالمي الذي برزت فيه المؤسسات المالية الدولية، وتاريخ نشأتها وتطورها، وآثارها السياسية والاجتماعية، وقصص حضورها في اقتصادات عديدة حول العالم.

«الليبرالية الجديدة: موجز تاريخي»، ديفيد هارفي
ترجمة مجاب الإمام، 2008، دار العبيكان، الرياض. 

يستعرض أستاذ الجغرافيا والأنثروبولوجيا، ديفيد هارفي، سيرة النيوليبرالية، أو الليبرالية الجديدة، خلال قرابة ثلاثة عقود، في كتاب يمكن اعتباره مؤسسًا لمقاربة تاريخية نقدية لهذه العقيدة وأصولها وصعودها ومضامينها.

منذ السبعينيات، شهدت معظم دول العالم تحولًا واضحًا نحو الممارسات السياسية – الاقتصادية النيوليبرالية، من تحرير الأسواق والتجارة، إلى الخصخصة، إلى انسحاب الدولة من مجالات عديدة. يستعرض هارفي باستفاضة تاريخ هذا التحول في أوروبا والولايات المتحدة، وعدد من دول أميركا الجنوبية، وكذلك في الصين وروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. إلا أن النيوليبرالية لم تؤثر فحسب على الأطر المؤسساتية السياسية والاقتصادية، فقد نتج عنها بحسب هارفي الكثير من «التدمير الخلّاق» للعلاقات الاجتماعية وطرق الحياة والتفكير.

هذا الاستعراض يفضي إلى إقامة تمييز واضح بين مقاربتين للنيوليبرالية: الأولى تراها «مشروعًا طوباويًا يهدف إلى تحقيق مخطط نظري لإعادة تنظيم الرأسمالية العالمية»، والثانية تعتبرها «مشروعًا سياسيًا لإعادة توطيد الشروط الملائمة لتراكم رأس المال واستعادة [أو تشكيل] سلطة النخب الاقتصادية». بحسب هارفي، فقد استخدم الفهم الأول كغطاء لتمرير المشروع الثاني، وهو ما توضحه النماذج التي يدرسها الكتاب.

بناء على ذلك، يبني هارفي واحدة من أهم الملاحظات التي يخلص إليها الكتاب هي المرونة النظرية للنيوليبرالية، التي تسمح بتناقضات أساسية بين الفكر والممارسة. فحين «تتعارض المبادئ الليبرالية الجديدة مع الحاجة إلى استرجاع أو توطيد وإدامة سلطة النخبة، فإنه غالبًا ما يتم التخلي عن تلك المبادئ أو ليّها إلى درجة يستحيل التعرف إليها». ولعل الأزمة المالية العالمية عام 2008، بعد ثلاثة أعوام على صدور الكتاب في نسخته الإنجليزية، وما جرى فيها من تدخل حكومي أمريكي لإنقاذ مصارف كبرى باستخدام أموال العامة، شكّلت مثالًا واضحًا على هذه «المرونة». 

«صندوق النقد الدولي: قوة عظمى في الساحة العالمية»، إرنست فولف
ترجمة عدنان عباس علي، 2016، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.

«هذا الكتاب هدية لبني البشر في أفريقيا وآسيا وجنوب أمريكا، الذين لا يستطيعون قراءته، لأن سياسة صندوق النقد الدولي قد حرمتهم من الالتحاق بالمدارس». بهذا الإهداء المؤثر، يفتتح إرنست فولف كتابه، الذي حملت نسخته الإنجليزية الصادرة عام 2014 عنوانًا ترجمته «نَهْبُ العالم: تاريخ صندوق النقد الدولي وسياساته». 

يستعرض فولف التاريخ شبه الكامل لصندوق النقد الدولي الذي شهدت أدواره تحولات كبيرة، منذ تأسيسه أواخر الحرب العالمية الثانية، حين كان الهدف من إنشائه رسميًا توسيع التعاون في مجال السياسات النقدية والتجارة الدولية، العمل على تحقيق استقرار في أسعار الصرف، إلى أن توسع نفوذه ليصبح لاعبًا أساسيًا في اقتصادات الدول، خاصة المأزومة اقتصاديًا، وتصبح تدخلاته بحسب الكاتب أشبه بـ«غزوات جيوش متحاربة».

في 22 فصلًا، يدرس كتاب فولف نماذج تاريخية عديدة، من تشيلي والأرجنتين إلى المكسيك وجنوب إفريقيا، إلى آيسلندا وإيرلندا، وغيرها، ليدرس الأدوار التي لعبها الصندوق في اقتصادات هذه الدول ونتائجها، التي يجمع بينها في أغلب الأحوال الدخول في حلقات من سياسات التقشف. وفي حالة الدول متدنية الدخل تحديدًا، كانت النتيجة شبه الموحدة هي تحميل الجماهير العاملة تبعات هذا التقشف، بشكل حرم ملايين العمال من فرص العمل والرعاية الصحية والتعليم والسكن.

«فخ العولمة: الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية»، هانس-بيتر مارتن وهارالد شومان
ترجمة عدنان عباس علي، 1998، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.

يطرح هذا الكتاب أسئلة أصبحت ملحة وقت صدوره، قبيل انقضاء القرن العشرين، حول ما تبقى من سيادة للدولة القومية في ظل العولمة الاقتصادية، بانفتاح الأسواق واستشراء الخصخصة، وتعاظم دور المؤسسات المالية الدولية، بالأخص صندوق النقد والبنك الدولي، في رسم السياسات الاقتصادية -والاجتماعية- حول العالم. 

ينظر المؤلفان إلى العولمة، في أشكالها الاقتصادية، بوصفها محاولة لمحو مكتسبات الطبقات العاملة والوسطى خلال القرن الماضي، على الأقل في أوروبا، من خلال رفع الدولة يدها كثير من الأدوار، ويريان ازدياد الهشاشة التي تتجلى في ارتفاع البطالة وانخفاض الأجور وغياب شبكات الحماية الاجتماعية كنتيجة مباشرة لهذه العولمة. 

لكن الكتاب يطرح كذلك أسئلة سياسية وثيقة الصلة، حول انعكاس هذه التغيرات على أشكال الحكم. فالعولمة خلقت سبلًا لفرض السياسات لا تستدعي بالضرورة تحريك الجيوش، ولا تشترط في النخب التي تتخذ قرارات حاسمة في حياة الملايين أن تكون منتخبة من قبلهم، وهو ما يثير التساؤل حول ما تبقى من معنى للديمقراطية في ظل ما يسميه المؤلفان «دكتاتورية السوق العالمية».

«المال ضد الشعوب: البورصة أو الحياة»، إيريك توسان
ترجمة عماد شيحة ورندة بعث، 2006، دار الرأي، دمشق.

«يناضل مئات الملايين من الأفراد في حياتهم اليومية، وينظّمون أنفسهم في حركات تهدف لإيجاد عالم أفضل، إن هذا العمل مهدى إليهم وإليهن». يخاطب توسان في كتابه هذا أولئك الذين يعانون يوميًا مما يسميه «فرض البربرية على جزء كبير من البشرية». يستهل الكاتب مقدمته بتذكيرنا بأطفال شوارع كولومبيا الذين يشمون الصمغ، ليقطعوا دابر الجوع. ما هو متوسط الحياة المتوقع لديهم؟ يتساءل توسان عنهم وعن مستقبل أكثر من 250 مليون طفل مجبرين على العمل من أجل البقاء على قيد الحياة. إنهم اولئك «القابلون للرمي» بحسب تعبيره، الذين يموتون على وقع السياسيات الاقتصادية أو برصاص الأمن بغية «تنظيف» المدن منهم.

يعتمد الكتاب على تحليل نقدي للبيانات الإحصائية التي يقدمها البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للحديث عن المسار الذي يجري فيه إنتاج الثروة في العالم وكيف تستحوذ شبكات رؤوس الأموال على فائض إنتاج العمل البشري بطرق عدة أهمها، نظام الدين السائد في العالم.

يعود توسان في كتابه إلى جذور أزمة مديونية العالم الثالث الذي تضاعف دينه أربع مرات منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويشرح الطريقة التي أدارت فيها البلدان الدائنة والمدينة والمؤسسات الدولية المتمثلة بصندوق النقد والبنك الدولي ونادي باريس ولندن أزمة المديونية هذه، وكيف أصبحت الديون آلية لضخ الثروات من دول الجنوب إلى دول الشمال من خلال استنزاف الموارد والقوى البشرية العاملة إلى أبعد حد تسمح به برامج التكييف الهيكلي التي يفرضها صندوق النقد الدولي على شعوب وبلدان العالم الثالث. 

«التقشف: تاريخ فكرة خطرة»، مارك بليث،
ترﺟﻤﺔ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ أﻳﺎس، 
2016، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.

منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، بات التقشف سياسة معتمدة في العديد من الاقتصادات المأزومة، سواء في الدول متدنية الدخل أم مرتفعة الدخل، باعتباره وصفة قادرة على دفع الحكومات لاجتياز أزمات الديون عبر تقليص النفقات العامة إلى حدودها الدنيا. لكن بعيدًا عن هذا التصور المحايد للتقشف بوصفه مجرد أداة يمكن اللجوء إليها مؤقتًا في الأزمات، يرى بليث أن لهيمنة التقشف أسباب مادية وأيديولوجية معًا. 

يتتبع الكتاب التاريخ الفكري والسياسي للتقشف، محاولًا تفسير كيف أصبحت هذه السياسة مرادفًا للحكمة والانضباط الماليين، وكيف نجحت الحكومات في تصوير الإنفاق العام على إنه تبذير وسوء إدارة، في مقابل استعدادها لإنفاق الملايين من أجل إنقاذ مصارف كبرى، وفي تجاهل للأسباب الفعلية لأزمات الديون. 

إلى جانب مناقشته النتائج الكارثية للتقشف على حياة العامة وفرصهم في الرفاه، بل في الحياة نفسها، يحاجج بليث بأن التقشف لم ينجح يومًا من الأساس. ففي الحالات القليلة التي يبدو أن التقشف نجح فيها، تعود الأسباب الفعلية لعوامل أخرى، ولا تعدو قصص النجاح القائمة على التقشف كونها «قصصًا خيالية»، بحسب بليث. أما في غالبية الحالات، فقد جرّ التقشف «سياسات طبقية، وأعمال شغب وعدم استقرار سياسي، وديونًا أكثر لا أقل، واغتيالات، وحروبًا. ولم ينجز مرة واحدة قط ما وعد به».

«حكم الخبراء: مصر، التنكو-سياسة، الحداثة»، تيموثي ميتشل
ترجمة بشير السباعي وشريف يونس. 2010، المركز القومي للترجمة، القاهرة.

هل الناموسة تتكلم؟ سؤال كان قد اختاره تيموثي ميتشل كي يبدأ به كتابه الذي يدور حول تفكيك ونقد الممارسات الحداثية «التنموية» للبلدان الاستعمارية في مصر خلال القرن الماضي. ينطلق ميتشل في كتابه من دراسة حدثين مؤسسيْن لتقنيات وديناميكيات التنمية في مصر الحديثة. أولهما وباء الملاريا الذي نقلته بعوضة «جامبي» التي استفادت من مواصلات الحرب وطرق الري الحديثة وقتلت ملايين المصريين في جنوب مصر تزامنًا مع الحرب العالمية الثانية. وثانيهما بناء خزان أسوان وتعليته في العقود الأولى من القرن الماضي.

يكشف ميتشيل فشل التقنيات البريطانية والأمريكية في التعامل مع الحدثين. ويعزو الكتاب هذا الفشل إلى عدم معرفة «خبراء التنمية» بطبيعة الواقع المحلي للفلاح المصري، مضافًا إليه الطبيعة الجغرافية ونوع التربة وخصائص مياه النيل وتجاوزهم واستعلائهم على المعرفة التي راكمها المصريون عبر آلاف السنين.

فتحت الناموسة الباب أمام موضوعات عديدة يتناولها ميتشيل في كتابه، كالصحة العامة والمرض والإسكان وهندسة نهر النيل وطرق الري والملكية والأسمدة المصنعة ونظام العزبة، وعلاقة كل هذا ببرامج التنمية المستوردة التي صاغت وشكلت الريف المصري في القرن الماضي.

امتدادًا لهذا، يدرس الكتاب في فصوله الأخيرة خطاب التنمية الدولية المتمثل بالبنك الدولي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) بوصفه «خبرة ومعرفة منفصلتين تمامًا عن البلد والشعب اللتين تصفهما»، والذي يقدم من قبل مؤسسات التنمية الدولية على أنه مشكلة جغرافيا في مواجهة ديموغرافية، أي مشكلة «فيض سكان ونقص أرض» كما يقول الكاتب. ويركز ميتشل في كتابه المثير حقًا على أثر وخطاب هاتين المؤسستين على الريف المصري بعد دخول مصر في سياسة الانفتاح في سبعينيات القرن الماضي.