«دولتان، أمة واحدة»: قاراباغ والعلاقات التركية الأذرية

الخميس 29 تشرين الأول 2020
تركيا أذربيجان
أعلام تركية وأذرية مرفوعة خلال مسيرة تضامن مع أذربيجان في إسطنبول، في تشرين أول 2020. تصوير ياسين أكجول، أ ف ب

مع تعالي أصوات مدافع الحرب في إقليم قاراباغ المتنازع عليه بين أذربيجان وأرمينيا، وبروز الموقف التركي من هذا الصراع، عادت خصوصية العلاقات التركية الأذرية إلى الواجهة من جديد.

تعترف الهيئات الدولية ومن ضمنها مجلس الأمن الدولي، بإقليم قاراباغ جزءًا من أراضي أذربيجان، وهو محتلّ من قبل القوات الأرمنية منذ حوالي ثلاثة عقود. ويعتبر الصراع عليه أحد أسخن الصراعات المتجددة في الفضاء السوفيتي السابق، بل وأحد أهم العوامل التي صاغت شكل العلاقات الحالية بين تركيا وأذربيجان، وبالمثل بين تركيا وأرمينيا.

وقاراباغ عبارة عن جيبٍ جبليٍ يقع جنوب غرب أذربيجان، ويتكون من خمس محافظات تسكنها تاريخيًا أغلبية أرمنية مع وجود أذري ملحوظ، وتحيطه وتفصله عن أرمينيا أراضي سبع محافظات أذرية أخرى تسكنها غالبية أذرية، وجميع هذه المحافظات والمناطق تحتلها القوات الأرمنية والانفصاليون الأرمن منذ عقود.

قاراباغ: الصراع المتجدد

تعود جذور هذا الصراع الدامي إلى الاستقطاب العرقي خلال فترة الحرب العالمية الأولى، وما بعدها، وسياسات التفريق والفصل العرقي السوفيتية في المنطقة. لكن، وإبان مرحلة تفكك الاتحاد السوفيتي، ظهرت أولى إرهاصات الأزمة من جديد، في عام 1988، حينما طالب الممثلّون الأرمن في المجلس الوطني لإقليم قاراباغ بانضمام الإقليم إلى أرمينيا. ووقتها كان الإقليم، وفقًا للتقسيم السوفيتي، يتبع دولة أذربيجان، لكنّه يتمتّع بحكم ذاتي.

ومع هذه الدعوة، سرعان ما تدحرجت الأحداث بين الجانبين بشكل عنيف، وتحول هذا الصراع إلى حرب دامية استمرت حتى توقيع كافة الأطراف اتفاقية وقف إطلاق النار، المعروفة باسم «بروتوكول بيشكيك» عام 1994، وقبولها الاحتكام إلى قنوات المفاوضات السياسية لحل الصراع، برعاية مجموعة مينسك. وهذه المجموعة أسستها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا خصيصًا للسعي لحل هذا الصراع برئاسة كل من فرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

خلفت الحرب التي تخللتها العديد من المجازر قرابة 30 ألف قتيل وعشرات آلاف الجرحى لدى الطرفين، ونتج عنها أزمة لاجئين ومُهجّرين داخليًا لا زالت تؤثر حتى اليوم على حياة قرابة مليون شخص، إذ تم تهجير حوالي 700 ألف أذري من أرمينيا وإقليم قاراباغ والمحافظات المحيطة به، إضافة إلى تهجير قرابة 235 ألف أرمني من أجزاء مختلفة في أذربيجان.

بعد مناوشات قصيرة في تموز الماضي، تصاعدت حالة الاستقطاب بين البلدين، لتنفجر الأحداث نهاية أيلول وتتحول إلى حالة حرب هي الأعنف منذ توقيع بروتوكول بيشكيك.

خلال هذه الحرب احتلت أرمينيا والانفصاليون الأرمن بدعم روسي جيب قاراباغ والمحافظات التي تحيطه وتفصله عن أرمينيا بمساحة تصل إلى 18 ألف كيلومتر مربع، أي حوالي 20% من أراضي دولة أذربيجان. حيث أعلن الانفصاليون الأرمن في قاراباغ الاستقلال عام 1992 وتأسيس جمهورية ناغورني قاراباغ، التي تغيّر اسمها عام 2017 إلى جمهورية أرتساخ، لكن هذه الدولة لا تعترف بها أي دولة عضو في الأمم المتحدة، ولا حتى أرمينيا نفسها.

بيد أن أرمينيا وفّرت الدعم الكامل لسلطة الأمر الواقع هناك، بل واحتلت مباشرةً محافظات أذرية تفصل بينهما، خاصة منطقة رواق لوتشين الاستراتيجية، التي تعتبر أضيق منطقة فاصلة بين جيب قاراباغ وأراضي أرمينيا المعترف بها دوليًا. ومنذ ذلك الحين، ورغم كل محاولات حلّه عبر القنوات السياسية، لم تصل المساعي إلى نتيجة تضع حدًا لحالة الصراع القائمة. وتتهم أذربيجان دولةَ أرمينيا بالسعي للحفاظ على حالة اللا حل، وتنتقد دول مجموعة مينسك وتتهمها بالانحياز للجانب الأرمني والسعي للحفاظ على الوضع القائم.

بعد مناوشات قصيرة في شهر تموز الماضي، تصاعدت حدة التصريحات وحالة الاستقطاب بين البلدين، لتنفجر الأحداث مرة أخرى في نهاية شهر أيلول المنصرم، ويعلن البلدان على إثرها التعبئة العامة والقوانين العرفية، وتحوّلت المناوشات إلى حالة حرب هي الأعنف منذ توقيع بروتوكول بيشكيك، لا سيما على صعيد الخسائر البشرية والمادية لدى الطرفين.

وفي الوقت نفسه فإن المعطيات الميدانية لهذه الجولة الجديدة من الصراع، خاصةً نجاح الجانب الأذري في كسر خطوط الدفاع الأرمنية وتقدمه على عدة جبهات على طول خط وقف النار، أعاد خلط الأوراق في منطقة جنوب القفقاس (القوقاز) من جديد، بشكل يتجاوز حيثيات الصراع المباشر بين أذربيجان وأرمينيا، بل بما يشمل تشابك أدوار الدول المحيطة واللاعبين الإقليميين والدوليين، وعلى رأسهم روسيا وإيران وتركيا و«إسرائيل» وفرنسا والولايات المتحدة.

العلاقات التركية الأذرية

يمكن اعتبار شعار «دولتان، أمة واحدة»[1] مدخلًا مهمًا للتعريف بالخصوصية التي تحظى بها العلاقات التركية الأذرية، حيث يُستخدم هذا الشعار الذي ينسبه البعض للرئيس الأذربيجاني السابق حيدر علييف، على المستويات الرسمية والشعبية في كلا البلدين، للإشارة إلى عمق العلاقات بينهما.

علاقات تزيد من قوتها، الجذور التاريخية والثقافية للشعبين التركي والأذري، وكذلك كونهما من أصول عرقية مشتركة، والقرب الشديد بين لغتيهما. إضافة إلى هذه العوامل، يمكن النظر إلى موقع البلدين الجيوبوليتيكي الاستراتيجي، الذي يمكنهما من خدمة مصالح بعضهما البعض.

وفي الوقت نفسه عملت عوامل مختلفة؛ مثل قوة المشاعر القومية والمصالح الثنائية، والتعاضد في وجه التحديات المشتركة في المنطقة خاصة في العلاقات مع المحيط، إضافةً إلى التجربة العلمانية في كلا البلدين، على دفع الحساسيات التي قد تؤدي إليها الاختلافات المذهبية بين الشعبين إلى خلفية المشهد.

عند الحديث عن تاريخ العلاقات التركية الأذرية، يستحضر «جيش القفقاس الإسلامي»، وهو جيش عثماني قاتل ضمن الحملة القفقاسية العثمانية نهايات الحرب العالمية الأولى، ونجح عام 1918 بالتعاون مع آلاف المتطوعين الأذريين في السيطرة على باكو ومدن كبرى في أذربيجان اليوم، بما فيها مدن إقليم قاراباغ، بعد معارك واجه فيها القوات الروسية وحلفائها الأرمن. ويمثل هذا الجيش بالنسبة للشعبين قطعة مهمة من التاريخ المشترك، لا يزالان يحتفلان بها إلى اليوم. فمثلًا هنأت تركيا رسميًا أذربيجان بمئوية تحرير باكو عام 2018، وشارك حينها الرئيس أردوغان في حفل إحياء هذه الذكرى في العاصمة الأذرية باكو مستذكرًا النضال المشترك.

أعلنت أذربيجان استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991، وكانت تركيا أوّل بلد يعترف بها. وتحظى أذربيجان بدعم تركي لا سيما فيما يتعلق بالحرب مع أرمينيا.

تمتلك الدولتان حدودًا قصيرة جدًا تصل إلى 17 كيلو مترًا فقط، وهي في الأصل بين تركيا وجمهورية نخجوان ذاتية الحكم. وتتبع نخجوان لأذربيجان، لكنها منفصلة جغرافيًا عن بقية الأراضي الأذرية، حيث تحيطها أراضي إيران وأرمينيا من معظم الجهات، بيد أن تركيا تعتبر الدولة الضامنة والحامية لهذه المنطقة وفق اتفاقيتي موسكو وقارص، الموقعتين عام 1921 بين ممثلي تركيا والاتحاد السوفيتي وجمهوريات أرمينيا وأذربيجان وجورجيا السوفيتية. علاقة الضامن هذه، شكلت مفتاحًا مهمًا في العلاقات العسكرية والسياسية والاقتصادية بين البلدين، خاصةً في ظلّ حالة الحرب والتهديد المستمرة التي تعيشها أذربيجان.

أعلنت أذربيجان استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991، وكانت تركيا أوّل بلد يعترف بها، ليتبع ذلك توقيع العديد من الاتفاقيات الثنائية. وتحظى أذربيجان بدعم تركي ملحوظ سياسيًا واقتصاديًا وفي المحافل الدولية، لا سيما فيما يتعلق بالحرب مع أرمينيا، فمثلًا رعت تركيا قرارًا أمميًا طالب فيه مجلس الأمن القوات الأرمنية عام 1993 بالانسحاب الفوري من الأراضي الأذرية التي احتلتها.

وفي المقابل، فرضت تركيا، التي تملك علاقات شائكة مع الأرمن وأرمينيا، عام 1993 مقاطعة اقتصادية كاملة على أرمينيا وإغلاقًا للحدود بين البلدين (لا تزال مستمرة حتى الآن)، ووضعت شرط الانسحاب الأرمني من المناطق المحتلة في أذربيجان كأحد شروطها لتطبيع العلاقات مع أرمينيا. ومع اشتداد المعارك بين أذربيجان وأرمينيا، وتوجه الأخيرة نحو جمهورية نخجوان ذاتية الحكم، حشدت تركيا قواتها على الحدود، في تحذير مباشر لأرمينيا، فيما عرف بأزمة نخجوان 1992- 1993.

بعد توقف الحرب في إقليم قاراباغ عام 1994، شكّلت محاولات دعم جهود الحلّ السياسيّ بين أرمينيا وأذربيجان أحد أهم أوجه العلاقات السياسية بين تركيا وأذربيجان. وسعت تركيا إلى الجمع بين الطرفين في مفاوضات مباشرة، كما حدث في قمة إسطنبول عام 2004، التي اجتمع فيها وزراء خارجية الأطراف الثلاثة للتباحث حول حلّ هذه القضية.

لفهم عمق العلاقات التركية الأذرية، يكفي النظر إلى ردود الأفعال الشديدة في تركيا عند حصول أي مناوشات عسكرية بين أذربيجان وأرمينيا. إذ أدانت تركيا رسميًا على لسان العديد من المسؤولين الاعتداءات الأرمنية خلال المعارك الأخيرة، مؤكدةً دعمها الكامل لأذربيجان ووحدة أراضيها، بل وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الحل الوحيد للصراع هو انسحاب أرمينيا من الأراضي الأذرية المحتلة. كما تصدّرت شعبيًا وإعلاميًا وسوم داعمة لأذربيجان وسائل التواصل الاجتماعي، منذ اندلاع المعارك الأخيرة. وتحظى التطورات الميدانية الحالية بمتابعة حثيثة ويومية على مستوى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تغطيةٍ إعلاميةٍ تركيةٍ موسعة من الميدان.

أمّا على صعيد السياسة الداخلية في تركيا، فقد أعلنت أربعة أحزاب تركية -من أصل خمسة تشكل البرلمان التركي- دعمها لأذربيجان وإدانتها الاعتداءات الأرمنية، في بيان مشترك يشي بما يشبه الإجماع بين الأحزاب السياسية في تركيا على دعم أذربيجان. لا يخرق هذا الإجماع إلّا حزب الشعوب الديمقراطي، الحزب الثالث في البرلمان التركي، والذي يمثل مجموعة من الأقليات في تركيا أهمها الكردية والأرمنية، إذ دعا الحزب لإيقاف الحرب وعدم التشجيع عليها وتفعيل المسارات السياسية.

على الجانب الآخر؛ ظلّت أذربيجان من الحلفاء القلائل الذين حافظوا على علاقات ثابتة نسبيًا وداعمة لتركيا طوال العقدين الأخيرين، حيث يلاحظ دعم أذربيجان شبه التلقائي لتركيا في عملياتها العسكرية في السنوات الأخيرة، بل ودعم الرئيس الأذري الحالي إلهام علييف الموقف التركي في شرق المتوسط، عند قبوله تعيين السفير اليوناني الجديد في أذربيجان هذه السنة، مؤكدًا وقوف أذربيجان إلى جانب تركيا في هذه القضية.

العلاقات الاقتصادية والتجارية: تضافر التاريخ والجيوسياسة والثروات

نجحت كل من أذربيجان وتركيا في توظيف خصوصية علاقاتهما عبر العديد من المشاريع الاقتصادية الضخمة، التي شكلت عوامل مهمة في دعم اقتصاديهما وتعميق العلاقات بينهما، وكذلك التأثير على علاقاتهما مع الدول الأخرى. فعملت أذربيجان، الدولة التي تمتلك موارد طبيعية هائلة لا سيما من النفط والغاز والمعادن، على تعزيز مكانتها الاقتصادية عالميًا من خلال التعاون مع تركيا وجورجيا لتصدير الغاز والثروات الأذرية عبر أراضيهما، الأمر الذي يساهم في سدّ احتياجات هذين البلدين من الطاقة، وتعزيز موقعهما على خارطة طرق تصدير الطاقة العالمية.

ينقل مشروع تاناب (TANAP) الغاز الأذري إلى أوروبا، مرورًا بتركيا، ويجعل أذربيجان مورّد الغاز الأول لتركيا، وهو ما يخدم السياسة التركية الساعية إلى تنويع مصادر الطاقة التي تحتاجها.

إذ ينقل خط أنابيب (باكو- تبليسي- جيهان) النفط الأذري عبر ميناء جيهان التركي إلى العالم، وينقل خط أنابيب (باكو- تبيليسي- أرضروم) الغاز الأذري إلى جورجيا وتركيا، فيما يعزز خط سكة حديد (باكو- تبليسي- قارص) التجارة بين البلدان الثلاثة، ويشكل أيضًا جزءًا من مشروع طريق الحرير الحديدي الضخم لربط الصين بأوروبا.

بالإضافة إلى ذلك، فإن أحد أهم صفحات التعاون بين تركيا وأذربيجان هو مشروع تاناب (TANAP) الذي ينقل الغاز الأذري إلى أوروبا، مرورًا بتركيا، ما يحمل انعكاسات إيجابية على اقتصاد البلدين وعلاقتهما أيضًا. بيد أن هذا المشروع بالذات يحمل دلالة جيوسياسية مهمّة بالنسبة لتركيا، إذ ومنذ تجهيزه نهايات عام 2019، ساهم هذا التدفق الجديد للغاز بأن تصبح أذربيجان مورّد الغاز الأول لتركيا، وهو ما يخدم السياسة التركية الساعية إلى تنويع مصادر الطاقة التي تحتاجها، خاصة في ظل زيادة الملفات الشائكة مع روسيا على جبهات عدة.

وفي هذا السياق يرى الشارع التركي في استهدافات القوات الأرمنية الصاروخية الأخيرة -خلال المعارك الحالية- للمناطق البعيدة عن خطوط القتال، والتي تمر منها خطوط الغاز والنفط المتوجهة إلى تركيا، مؤامرة مدعومة روسيًا لكسر فرص المنافسة الأذرية في أسواق الطاقة، وكذلك تقليل قدرة تركيا على توفير بديل للغاز الروسي.

تملك تركيا وأذربيجان مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى، يشرف من خلاله قادة ومسؤولو البلدين على تعميق العلاقات على مختلف الأصعدة. وتجاريًا، احتلت تركيا طوال السنوات الماضية المركز الثاني في قائمة أكثر المستوردين والموردين إلى أذربيجان، حيث بلغ حجم التجارة بين البلدين 4.4 مليار دولار في عام 2019، بيد أن وزراء التجارة في البلدين يريان هذه الأرقام أقل من أن تعكس الفرص التجارية الحقيقية بينهما، حيث يسعى البلدان إلى توقيع اتفاقية تجارة حرة لرفع حجم التجارة والتعاون بينهما.

العلاقات العسكرية والحرب الحالية في قاراباغ

بدأت العلاقات العسكرية التركية الأذرية من خلال اتفاقية تعاون عسكري وقعها البلدان عام 1992، يتم بموجبها تدريب الكوادر العسكرية الأذرية في تركيا.

ازدهار العلاقات التركية الأذرية لم ينعكس بشكل كبير حتى الآن على الواردات العسكرية بين البلدين، خاصةً في ظلّ توجه أذربيجان نحو التعاون العسكري المكثف مع أطراف أخرى على رأسها «إسرائيل»

إلّا أن التعاون العسكري بين البلدين ظلّ متواضعًا في تلك الفترة، ولم يحصل التغير المهم فيه إلّا مع توقيع اتفاقية «الشراكة الاستراتيجية والتعاون المتبادل» عام 2010، حيث شكلت هذه الاتفاقية أرضيةً قانونيةً وعمليةً لزيادة التنسيق وتوسيع دائرة التعاون العسكري العملي بين البلدين، وتمّ خلال السنوات الماضية إقامة العديد من المناورات العسكرية المشتركة الموسعة، كان آخرها قبل شهرين. كما نصّت هذه الاتفاقية على «تشكيل تصورات دفاع وأمن مشتركة» في حال وقوع هجوم من أي بلد آخر على أحدهما.

بيد أن هذا الازدهار في العلاقات، لا سيما العسكرية منها، لم ينعكس بشكل كبير حتى الآن على الواردات العسكرية بين البلدين، خاصةً في ظلّ توجه أذربيجان نحو التعاون العسكري المكثف مع أطراف أخرى على رأسها «إسرائيل»، حيث تشير تقارير إلى أنها حصلت على أكثر من ثلثي وارداتها العسكرية الكلية خلال العام الماضي من «إسرائيل».

لكن، وفي نفس الوقت، تشير العديد من التقارير إلى ارتفاع حجم الواردات العسكرية الأذرية من تركيا بشكل متسارع هذه السنة، إذ وبينما بلغت الواردات الأذرية من المنتجات العسكرية التركية قرابة 280 ألف دولار فقط في شهر تموز الماضي، فإنها قفزت بشكل متسارع إلى 36 مليون دولار في شهر آب، ثم إلى 77 مليون دولار في شهر أيلول، لتتصدر أذربيجان قائمة مستوردي السلاح التركي في ذلك الشهر. كما يشير العديد من الخبراء إلى أن جزءًا مهمًا من هذه الواردات تركز على المسيّرات التركية، حيث شهدت المواجهات الحالية حضورًا ملحوظًا لها، في ظل مديح أذري رسمي على لسان الرئيس إلهام علييف لدور هذه المسيّرات في المعارك.

تركيا: الانفتاح على أرمينيا وتأثيره على العلاقة مع أذربيجان

سعي حزب العدالة والتنمية عام 2008 في إطار سياسة «صفر مشاكل» إلى تطبيع العلاقات مع أرمينيا، وذلك من خلال دبلوماسية كرة القدم، حيث زار الرئيس التركي آنذاك عبد الله غول أرمينيا على هامش مباريات تصفيات كأس العالم، وحضر مع نظيره الأرمني مباراة منتخبي البلدين، لتتبعها مفاوضات بين الطرفين، انتهت بتوقيع وزراء الخارجية على بروتوكول خارطة طريق لتطبيع العلاقات. وبعدها زار الرئيس الأرمني حينها سيرج سركسيان تركيا لحضور مباراة العودة بين المنتخبين.

هذه المحاولات لتطبيع العلاقات باءت بالفشل في كلا البلدين، ففي تركيا لاقت هذه الخطوة رفضًا شديدًا من الأحزاب السياسية وشرائح الشعب المختلفة، بسبب ما وصفوه بالتخلي عن أذربيجان الشقيقة، خاصةً أن الصراع على إقليم قاراباغ لم يحلّ، كما أبدت أذربيجان غضبًا شديدًا كان من المتوقع أن يؤثر على العلاقات السياسية والاقتصادية مع تركيا لا سيما في مجال الطاقة، لتتراجع تركيا عن هذه الخطوة وتُدفن هذه البروتوكولات في أدراج السياسة.

الدعم التركي لأذربيجان في جولة الصراع الحالي

تميز الموقف التركي من الجولة الحالية من الصراع بين أذربيجان وأرمينيا بتبنيه خطابًا أكثر جذرية على كافة الأصعدة. إذ منذ بداية هذه الجولة، وإلى جانب التأييد والدعم التركي المعتاد الذي يتسم بلغة دبلوماسية داعية لحلول سلمية تضمن حلًا سياسيًا دائمًا لهذا الصراع، صعَّدت تركيا من لهجة استعدادها لدعم حليفتها أذربيجان بكل الوسائل، على لسان العديد من المسؤولين الأتراك. حيث صرح وزير الخارجية التركي مولود تشفوش أوغلو في الأيام الأولى للاشتباكات عن استعداد بلاده دعم أذربيجان «بكل ما يلزم». إضافة إلى ذلك أعلن نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي استعداد بلاده إرسال قوات عسكرية لمساعدة أذربيجان في حال طلبت باكو ذلك، موجهًا في السياق نفسه اتهامات لمجموعة مينسك بدعم أرمينيا ومحاولة إدامة الصراع.

أدانت تركيا رسميًا على لسان العديد من المسؤولين الاعتداءات الأرمنية خلال المعارك الأخيرة، مؤكدةً دعمها الكامل لأذربيجان ووحدة أراضيها.

أما الدعم العسكري التركي الفعلي لأذربيجان فيتمثل في وجود عسكري تركي، في الأراضي الأذرية، لا يُعرف حجمه. يتكون هذا الحضور العسكري من بقايا القوات التي شاركت في المناورات العسكرية المشتركة بين البلدين قبل شهرين. وأبرز عناصره مجموعة من الطائرات المقاتلة التركية من نوع إف-16، والتي صرّح الرئيس الأذري إلهام علييف أنها لم تشارك في الأعمال القتالية بعد، مضيفًا أن أذربيجان ستستخدمها في حال تعرضها لعدوان خارجي.

كما تقدّم تركيا دعمًا سياسيًا لأذربيجان، يتركز على المشاركة في تقديم تغطية دبلوماسية وسياسية لها، حيث ظهر ذلك بوضوح من خلال تواصل الجهات التركية مع العديد من الأطراف، وعلى رأسها روسيا، بشأن هذا الصراع. وبالإضافة إلى التغطية الإعلامية المكثفة داخليًا لحيثيات الصراع، قامت تركيا بتسخير كل قدراتها الإعلامية الموجهة للخارج في دعم الموقف الأذري والترويج له بمختلف اللغات وفي مختلف الأوساط.

تحظى العلاقات التركية الأذرية بخصوصية مميزة لكلا البلدين؛ سواء من الناحية المعنوية أو المصلحية، وقد شهدت هذه العلاقات في العقود الثلاثة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في مستوى التعاون والتقارب والتنسيق، في مواجهة التحديات المشتركة، الأمر الذي يُتوقع أن يشهد استمرارًا خلال السنوات اللاحقة أيضًا. كما لا يمكن إنكار الدور المستمر للصراع في قاراباغ في تشكيل هذه العلاقات الثنائية وتوجيهها، بل ربما تعميقها، خاصةً في ظل عدم التوصل إلى حل سياسي حتى الآن.

حاليًا، ورغم عدم إمكانية التنبؤ بشكل ومدى التغيرات على الأرض في معارك قاراباغ، أو انعكاسات ذلك على علاقات الأطراف المتحاربة مع الدول المحيطة واللاعبين المؤثرين في هذا الصراع، إلّا أن المزاج الرسمي والشعبي في تركيا -كما يتّضح- سيظلّ يميل إلى دعم أذربيجان بشكل كامل وبكل السبل الممكنة.

  • الهوامش
    [1] بالتركية: Bir Millet, İki Devlet، وبالأذرية: Bir Millət, İki Dövlət.