لبنان وسوريا: قانون قيصر وتقاطع النكبات الاقتصاديّة

الخميس 11 حزيران 2020
محتجون لبنانيون يتجمعون أمام مصرف لبنان للاحتجاج على الفساد وارتفاع الضرائب. تصوير محمود زيّات. أ ف ب

على جانبي الحدود السوريّة اللبنانيّة، يعيش كلٌ من البلدين نكبته الاقتصاديّة الخاصّة اليوم. فلبنان دخل في مرحلة إفلاس الدولة، وانهيار القطاع المصرفي وشحّ التحويلات الخارجيّة التي أدمنها اقتصاده منذ عقود. أمّا سوريا، فعبرت إلى الانهيار من بوّابة الحرب وما نتج عنها من تدمير للبنية التحتيّة والقطاعات الإنتاجيّة، وتمزّق في النسيج الاجتماعي وبنية الاقتصاد، وصولًا إلى العقوبات الأميركيّة الجديدة التي ستدخل حيّز التنفيذ منتصف حزيران الحالي، والتي يبدو أنّها أدخلت النظام والاقتصاد السوريين في نفق معتم جديد لن يخرجا منه قريبًا.

لكنّ اختلاف الأسباب والخلفيات لا يعني انفصال مساطر الانهيارين؛ فطوال الفترة الماضية كانت نتائج الظروف الاقتصاديّة والماليّة في كل من الدولتين تتفاعل وتتقاطع عبر الحدود، ليُنتج تفاعلها مزيدًا من الارتدادات الكارثيّة على الشعبين. لم يكن من قبيل الصدفة أن يدخل الاقتصاد السوري في أصعب مراحل الأزمة مع دخول الاقتصاد اللبناني مرحلة الانهيار الشامل والصريح، في تجلٍّ واضح لأثر المستجدات الاقتصاديّة اللبنانيّة على واقع الاقتصاد السوري. ولم يكن من قبيل الصدفة أيضًا أن يكتشف اللبنانيّون في عدّة مناسبات، أنّ بعض عوامل التأزّم الاقتصادي في لبنان ترتبط بما يجري في سوريا نفسها، أو على الحدود معها.

وفيما يدخل قانون قيصر حيّز التنفيذ هذا الشهر، سيكون واضحًا للجميع أنّ بإمكان كلّ هذه التفاعلات المتبادلة عبر الحدود أن تلتقي في لحظة واحدة، لتنتج مشهدًا مخيفًا يخيّم على الدولتين معًا، ولذلك أصبحت كل هذه العلاقة بين الاقتصادين المتجاورين تحت المجهر في هذه اللحظة بالذات.

قطع شرايين سوريا في لبنان

تاريخيًّا؛ مثّل النظام المالي اللبناني أحد شرايين القطاع الخاص السوري. فاعتماد لبنان على نظام السريّة المصرفيّة، وانفتاح النظام المصرفي اللبناني على النظام المالي العالمي، مثل دائمًا عامل جذب للمودعين السوريين والشركات التجاريّة السوريّة، حتّى أن بعض التقديرات كانت تشير إلى أن حجم ودائع السوريين في النظام الماليّ اللبنانيّ يتراوح بين 15 و18 مليار دولار، قبيل حدوث الانهيار المالي في لبنان. وحين استهدفت العقوبات الأميركيّة والأوروبيّة سنة 2011 النظام النقدي السوري، من خلال فرض قيود على التعاملات بالدولار، مثّل النظام المالي اللبنانيّ حينها ملاذًا آمنًا للشركات والتجّار السوريين، ومنفذًا نحو الاقتصاد العالميّ، وهو ما أعطى النظام المصرفيّ اللبنانيّ أهميّةً حيويّةً بالنسبة للاقتصاد السوري. 

لهذا؛ مثّل انهيار النظام المصرفيّ اللبنانيّ الذي بدأ في تشرين الأوّل الماضي، ضربةً قاسيةً جدًّا بالنسبة للسوريين. فخلال شهرين فقط، انهار سعر صرف الليرة السوريّة من حدود 600 ليرة في شهر أيلول، إلى حوالي 940 ليرة بداية شهر كانون الأوّل، وهو ما يمثّل عمليًّا تراجعًا بنسبة 57% في سعر صرف الليرة السوريّة بين الفترتين.

لم يكن من قبيل الصدفة أن يدخل الاقتصاد السوري في أصعب مراحل الأزمة مع دخول الاقتصاد اللبناني مرحلة الانهيار الشامل والصريح، في تجلٍّ واضح لأثر المستجدات الاقتصاديّة اللبنانيّة على واقع الاقتصاد السوري

باختصار، خنق الانهيار السريع الذي شهده القطاع الماليّ اللبنانيّ مصدرًا أساسيًا من مصادر تدفّق الدولار إلى الاقتصاد السوري، كما أدّى هذا الانهيار إلى حبس ودائع السوريين في المصارف اللبنانيّة، بعد تطبيق هذه المصارف قيودًا صارمة على عمليّات السحب النقدي بالدولار والتحويل إلى الخارج.

لم تكن هذه الضربة الأخيرة التي تلقّتها سوريا نتيجةً للانهيار الماليّ اللبنانيّ؛ فالمصرف المركزيّ السوريّ اعتمد سياسة تسليم التحويلات الواردة للسوريين عبر شركات تحويل الأموال بالليرة السوريّة حصرًا، وفق سعر صرف حدده عند مستوى 700 ليرة سوريّة مقابل الدولار، وهو ما يقل كثيرًا عن سعر الصرف الفعليّ الذي تجاوز عتبة 3175 ليرة سوريّة مقابل الدولار حتى مساء 8 حزيران، ويستمر حاليًّا بالتدهور بشكل يوميّ. ولذلك، لجأ السوريّون طوال الفترة الماضية إلى شركات تحويل الأموال اللبنانيّة لتلقي التحويلات بالدولار النقدي سواء من المغتربين أو للعمليات التجاريّة. لكنّ مصدر الدولار النقدي هذا تعرّض بدوره لانتكاسة كبيرة، حين قرر مصرف لبنان أواخر شهر نيسان الماضي، اعتماد آليّة مشابهة لتلك التي اعتمدها المصرف المركزيّ السوريّ، من خلال تسليم التحويلات الواردة بالليرة اللبنانيّة بدل الدولار الأمريكي، بسعر صرف يقل أيضًا عن سعر الصرف الفعليّ (الذي يحدده مصرف لبنان اليوم عند حدود 3200 ليرة لبنانيّة مقابل الدولار، فيما يتجاوز سعر الصرف الفعليّ اليوم 4100 ليرة مقابل الدولار). 

إذًا، خنقت الأزمة اللبنانيّة تدريجيًّا مصادر الدولار التي كان يلجأ إليها الاقتصاد السوري في لبنان، وساهمت هذه العوامل مع عوامل أخرى متعددة في دفع الليرة السوريّة نحو الانهيار. ومع فقدان الاقتصاد السوريّ للنافذة التي أمنها له تاريخيًا النظام الماليّ اللبنانيّ، فقد كانت الأمور معدّة بشكل مثالي للانهيار النقدي السوري الكبير الذي يحصل اليوم مع دخول عقوبات قانون قيصر حير التنفيذ.

التهريب واستنزاف دولارات لبنان

عمليًّا؛ وكما حملت الأزمة الماليّة اللبنانيّة الكثير من العوامل الضاغطة على الاقتصاد السوريّ، حصل العكس أيضًا؛ فاحتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبيّة كانت قد بلغت حتّى أواخر شهر نيسان الماضي حدود 20 مليار دولار، وهي احتياطات مازال مصرف لبنان يستعملها لتوفير الدولار بالسعر المدعوم (عند حدود 1507.5 ليرة مقابل الدولار) لاستيراد السلع الحيويّة مثل الدواء والقمح والمحروقات. وخلال الفترة الماضية، كان مصرف لبنان يستعد أيضًا للاعتماد على منصّة خاصّة لتداول العملات، لتوفير الدولار بسعر مدعوم آخر (عند حدود 3200 ليرة لبنانيّة) لاستيراد السلع الغذائيّة الأساسيّة، بعد أن ارتفع سعر الصرف الفعلي ليتجاوز مستوى 4100 ليرة لبنانيّة مقابل الدولار، وبدأ بتهديد قدرة الكثير من العائلات على توفير الاحتياجات الأساسيّة. 

في المقلب الآخر من الحدود، كان شحّ الدولار يفرض على النظام السوري تقنين بيع المحروقات ضمن حدود ضيّقة جدًّا، فيما بدأ شح هذه المواد يدفع بأسعارها في السوق السوداء صعودًا. وفي الوقت نفسه، كانت أسعار الخبز ترتفع بالتوازي مع ارتفاع أسعار القمح، نتيجة تراجع مخزون البلاد منه. هنا، سرعان ما وجد مقتنصو الفرص من المهرّبين ضالّتهم، إذ بات بإمكانهم شراء المحروقات والقمح من لبنان بالسعر المدعوم، قبل تهريبه وبيعه لاحقًا في سوريا بالدولار النقدي وبالسعر المرتفع، محققين أرباح خياليّة. ويمكن تخيّل حجم الأرباح التي تمكّن هؤلاء من تحقيقها إذا عرفنا أن سعر صرف الدولار الفعلي، في السوق اللبنانيّة يوازي 2.8 مرّات سعر الصرف الرسمي المدعوم.

كانت العمليّة بأسرها تنطوي على هدر كبير لما تبقى من احتياطات محدودة من العملة الصعبة في لبنان، في حين كان المستفيد من هذه العمليّات قلّة قليلة من المهرّبين على جانبي الحدود، ومن محتكري السلع الحيويّة في الداخل السوري. والنتيجة كانت ببساطة هدر أكثر من 5 مليارات دولار من احتياطات مصرف لبنان منذ بداية 2019 كنتيجة لهذه العمليّات، وهو ما يوازي حوالي 25% من الاحتياطات المتبقية في مصرف لبنان من العملة الصعبة.

ما يحصل من تهريب للمحروقات والقمح اليوم، قد يتوسّع غدًا ليشمل كلّ السلع الغذائيّة الأساسيّة التي ينوي مصرف لبنان دعمها

عمليًا، تحاول الحكومة اللبنانيّة إعطاء الانطباع بتعاطيها الجدّي مع هذا الموضوع، خاصةً أن صندوق النقد -الذي يراهن لبنان على قرضه اليوم- سيتحفّظ حكمًا على إعطاء أي قروض للبنان ما لم يثبت قدرته على منع هدر السيولة التي سيقترضها في عمليّات من هذا النوع. لكن نجاح هذه الجهود سيعتمد حكمًا على مدى تجاوب حزب الله معها، كونه الطرف الأكثر نفوذًا في المناطق الحدوديّة الشرقيّة مع سوريا، وكونه أيضًا الطرف الحذِر من شعارات ضبط الحدود بالنظر إلى أثرها على طرق إمداده العسكريّة هناك. وفي آخر مواقف الحزب، ربط أمينه العام معالجة هذه المسألة مع تطبيع العلاقات السياسيّة بين لبنان وسوريا، وهو مطلب شائك بالنسبة للنظام اللبناني، خصوصًا مع دخول النظام السوري في نفق العقوبات الأميركيّة.

سيبقى الموضوع معلّق إذًا. فالمخاوف في الوقت الحالي تتركّز على إمكانيّة توسّع أعمال التهريب هذه، بعد دخول مصرف لبنان في مرحلة دعم السلع الغذائيّة، من خلال منصّته المخصصة لتداول العملات الأجنبيّة. باختصار، ما يحصل من تهريب للمحروقات والقمح اليوم، قد يتوسّع غدًا ليشمل كلّ السلع الغذائيّة الأساسيّة التي ينوي مصرف لبنان دعمها من خلال منصّته.

قانون قيصر: حين تتقاطع كل هذه العوامل

يدخل قانون قيصر حيّز التنفيذ، ومعه تدخل الليرة السوريّة مرحلة السقوط الحر. في مساء 8 حزيران كان سعر صرف الليرة السورية قد بلغ 3175 ليرة سورية مقابل الدولار، مع العلم أن هذا السعر بالكاد تجاوز عتبة 2000 ليرة مقابل الدولار قبل خمسة أيام، ما يعني أن الليرة السوريّة خسرت 59% من قيمتها خلال خمسة أيام فقط. 

هذه المرّة، وبخلاف كل العقوبات السابقة، لن تكتفي العقوبات بفرض الحظر على مسؤولي النظام فقط، بل ستشمل أي شركة تنخرط في أعمال استثماريّة داعمة للنظام في قطاعات واسعة، وهو ما يعني تشديد الخناق على النظام السوري إلى أقصى حدّ. وبخلاف كل العقوبات السابقة أيضًا، لن يكون أمام سوريا هذه المرّة المنفذ المالي التقليدي في لبنان، والذي كان يسمح لها بالولوج إلى النظام المالي العالمي. عمليًّا؛ تقاطعت محنة العقوبات المستجدة مع أسوأ ظروف ماليّة ونقديّة يمكن أن يمر بها لبنان، وهو ما يضاعف اليوم أثر هذه العقوبات على سوريا ونظامها معًا.

من الناحية اللبنانيّة، بدأت الأصوات ترتفع معبّرة عن كثير من المخاوف التي تحيط بالمرحلة القادمة مع تطبيق قانون قيصر، وهي مخاوف تمتد من توسّع أعمال التهريب نتيجة الضغوط النقديّة في سوريا، وهو ما سيزيد من استنزاف السيولة بالعملة الصعبة في لبنان، وصولًا إلى الخشية من وقوع لبنان بين مطرقة المفاوضات مع صندوق النقد الذي تمتلك الولايات المتحدة النفوذ الأكبر فيه، وسندان حلفاء النظام السوري في لبنان الذين يملكون النفوذ الأكبر داخل الحكومة. هنا أيضًا، تقاطعت ارتدادات العقوبات على سوريا مع أسوأ ظروف يمكن أن يواجه بها لبنان هذه الارتدادات.

لطالما اتصلت أقدار البلدين تاريخيًّا، بحكم الجغرافيا والعلاقات الاجتماعيّة بينهما، وإشكاليّات وتقلّبات السياسة مع كل ما حملته من متغيّرات. لكن اليوم، بات الاتصال هذا يتعلّق بانهيار يضع الشعبين على حافّة المجاعة، مع كل ما يعنيه ذلك من مخاطر انفجارات اجتماعيّة وسياسيّة كبيرة. ثمّة من يتوقّع اليوم المزيد من الفوضى في المنطقة بأسرها كنتيجة لكلّ هذه التطوّرات، وثمّة من ينتظر من هذه الأحداث تغيّرات سياسيّة في وجه النظامين معًا، يمكن أن يتزامن فيها «ربيع» البلدين، على النحو الذي حلم فيه في الماضي مثقّفون من الشعبين. كلّ هذه الأسئلة ستبقى مفتوحة في المرحلة المقبلة، تحديدًا وأن التجارب تثبت أن الانهيارات الاقتصاديّة المؤلمة اجتماعيًّا قادرةٌ أن تقود إلى أيّ من السيناريوهين.