قوة شعبية أقوى من بطش السلطة

الخميس 20 حزيران 2019
جرافيتي من مصر، من العام 2012. مصدر الصورة رويترز

هذا المقال نتج عن مشاركة الكاتبة في ورشة حبر الأولى لكتابة المقال التي عقدت في نيسان وأيار 2019. 

هل يمكن لرسوم جرافيتي على أسوار المدينة أو الاحتجاج بالصفير في الميادين أن يسقط نظامًا ديكتاتوريًا؟ قد يبدو الجواب بالنفي بديهيًا. ففي ظل الأنظمة القمعية المتوغلة عميقًا في بنية الدولة، والمتسلّطة على أي معارضة محتملة يبدو التغيير عصيًا وبعيدًا جدًا. فكيف لممارسات بسيطة من هذا النوع أن تحدث تغييرًا؟

في كتابه الصادر عام 2010، والذي حمل عنوان «Small Acts of Resistance»، وترجمته إلى العربية عام 2012 المترجمة هالة سنّو، واختارت له عنوان: «حركات ثورية: قصص شعوب غيرت مصيرها»، يعرض علينا الكاتب والصحفي البريطاني، ستيف كراوشو الذي سبق له أن عمل في أوروبا الشرقية في نهاية الثمانينيات، وعمل مع صحف مثل الإندبندنت والغارديان، والذي يدير حاليًا منظمة «الحرية من التعذيب»، قصصًا من حول العالم لأفراد وجماعات وشعوب من حول العالم، القاسم المشترك بينهم هو أنهم تحدّوا السلطة، وحاولوا إيجاد طرائق مبتكرة لمواجهة التعسف وإحداث تغيير في مجتمعاتهم.

بعض الشخصيات الرئيسية في تلك القصص أيقونات معروفة مثل محمد علي كلاي ونيلسون مانديلا، لكن أكثرهم أبطال مغمورون لم ينصفهم التاريخ، أو تأخر الاعتراف بجهودهم. بل إن بعضهم توفّي دون أن يلقى أي اعتراف بمجهوده.

قسّم الكاتب القصص إلى فصول حسب الموضوعات والحركات التي رأى أنها متشابهة، مثل المقاومة الرقمية، والحركات النسوية، وقوة الجماعة وغيرها. وشملت القصص أشكال مختلفة من الحراك الشعبي مثل المظاهرات والاعتصامات، وأشكال من المقاطعة الثقافية والاقتصادية، بالإضافة إلى أشكال أخرى وظّفت الفن والرياضة والفكاهة وغيرها من الأدوات المتاحة.

تناول الكتاب عددًا من القصص اللافتة على غرار النشاط الطلابي في بريطانيا وصربيا وعدد من المدن الجامعية حول العالم. أحد الأمثلة كان الجرافيتي ضد بنك باركليز. ففي أواسط الثمانينيات قام طلاب في مدينة أكسفورد وعدد من المدن البريطانية بحملة احتجاجية على تورط بنك باركليز العلني في دعم النظام الجنوب إفريقي وسياساته في الفصل العنصري. استخدم النشطاء للضغط على البنك شكلًا بسيطًا من أشكال الجرافيتي بكتابة «للسود» فوق نقاط الصراف الآلي للبنك، و«للبيض فقط» على نقاط أخرى. وجود تلك الكلمات لم يؤثر على تقديم خدمات الصراف الآلي بالطبع، لكنه أربك مستخدمي الصرّاف الذين شُوهدوا محتارين أين يقفون وهم ينظرون لكلمات «للسود» و«للبيض فقط». سببت تلك الحملة الاحتجاجية شعورًا بعدم الارتياح لعملاء البنك، وعلى إثرها انخفضت، بحسب الكتاب، حصة بنك باركليز السوقية من 27% إلى 15%.

في عام 1986 أذعن البنك لتلك الحملات وسحب استثماراته من جنوب إفريقيا مسببًا ضغوطًا على النظام الذي تضرر اقتصاديًا. في العام 1990 أُطلق سراح نيلسون مانديلا، وأجريت انتخابات ديمقراطية عام 1994. ولم يرجع بنك باركليز لتقديم خدماته المصرفية في جنوب إفريقيا حتى عام 2005.

وفي فصل آخر خصصه الكاتب لقصص إحباط الشعوب لسرقة أصواتها الانتخابية، يروي عددًا من القصص من بينها قصة الانتخابات الرئاسية في جمهورية إنغوشيتيا، الجمهورية الصغيرة المنفصلة عن الشيشان حديثًا، ففي عام 2007 كان مواطنو إنغوشيتيا يعرفون أن الانتخابات ستتعرّض للتزوير من قبل الرئيس مراد زيزكوف، والذي كان مدعومًا من روسيا ومشهورًا بالبطش والقمع والتعذيب.

زعم الإعلام الرسمي أن نسبة الاقتراع كانت 98٪ من 163000 مواطن ومواطنة مسجلين ويحق لهم الاقتراع، وأن غالبية الأصوات كانت لصالح زيزكوف.

رد المواطنون على تلك النتائج بإطلاق حملة «لمْ أصوّت» ودعوا من قاطع الانتخابات إلى توقيع عريضة يشارك فيها الاسم والعنوان والرقم الوطني. وقّع على العريضة أكثر من 90 ألف مواطن ومواطنة قالوا إنهم لم ينتخبوا في حياتهم، مما أحرج الإعلام الرسمي على نسبه غير الواقعية. توعد زيزكوف القائمين على تلك الحملة التي وصفها بالغباء. لكن، بحسب الكتاب، أجبرت موسكو زيزكوف على التنحي عام 2008 وقيل أن حملة «لم أصوت» كانت أحد أسباب خسارة زيزكوف شرعيته وعزله من منصبه.

لم تقتصر الأمثلة المذكورة على القصص ذات النهايات السعيدة. ذكرت مواقف تطلب أخذها شجاعة وإن لم تسفر عن تغييرات دراماتيكية مباشرة واكتفت بإثارة الرأي العام وكشف الحقيقة. من الأمثلة المذكورة كانت كاثرين غون التي عملت في مكاتب الاتصالات الحكومية التابعة لوكالة الاستخبارات البريطانية، والتي قامت بتسريب معلومات سرية حول الأنشطة غير القانونية التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية لغزو العراق عام 2003. ومثال آخر كان الجندي الأمريكي جو داربي والذي فضح ممارسات الجيش الأمريكي في سجن أبو غريب في بغداد. أفراد مثل غون وداربي لم يستطيعوا أن يمنعوا حدوث الحرب والانتهاكات لكنهم عندما كانوا على المحك خسروا وظائفهم واتهموا بأنهم خونة وغدّارين في سبيل كشف الحقيقة. قد تكون بطولتهم عرضة للمساءلة، فقد كانوا فعليًا جزءًا من المنظومة، لكنهم لم يستطيعوا أن يغضوا الطرف عما يحدث وتحمّلوا تبعات ما قاموا به وقد يكون ذلك مصدر إلهام لآخرين في مواقع مشابهة.

حكايات مختصرة

على مدى مئتي صفحة يسرد الكتاب ثمانين قصّة، وهذا يدّلنا على أن القصص كانت مختصرة، ومفتقدة للعمق، لا في التحليل فقط وإنما في السرد كذلك، فقد اكتفى الكاتب بذكر الخطوط العريضة للقصص التي تناولها وربطها بأحداث تاريخية مفصلية كسقوط جدار برلين، وانهيار الاتحاد السوفياتي والإطاحة بدكتاتوريات أمريكا اللاتينية، بينما أغفل عددًا من الحيثيات التاريخية المهمة والتي لها صلة أكثر وضوحًا بتلك التغييرات السياسية.

فمثلًا، لا بد أن الإطاحة برئيس البيرو السابق ألبرتو فيوجيموري، احتاجت إلى أكثر من عدة فعاليات في نهاية الأسبوع لغسل العلم. احتلت القصة المذكورة في الكتاب صفحة واحدة فقط، وذكرت أن الآلاف كانوا يتجمعون في ميادين العاصمة البيروڤية ليما أيام الجُمع لغسل العلم في رمزية أن البيرو وعلمها أصبحا متسخين بسبب الفساد وجرائم القتل المرتكبة في عهد فوجيموري. الربط المباشر بين تلك الفعاليات والإطاحة بالرئيس فيه اختزال لسنوات من الحراك وتغاضٍ عن الثمن الذي دفعته المعارضة ومن نادوا بالتغيير. هذا لا يعني أن هذه الفعالية لم تكن ذات قيمة وأنها لم تسفر عن أي تغيير يذكر، لكنها كانت جزءًا من حراك طويل احتاج اصرارًا وطول نفس أدى إلى عزل البرلمان للرئيس وعدم تنازله عن معاقبة الرئيس الذي حُكم عليه في العام 2009 بالسجن لخمسة وعشرين عامًا على جرائم القتل التي ارتكبت في عهده. أي بعد تسع سنوات على تنظيم فعاليات غسل العلم.

من الأمثلة الاختزالية كذلك، قصة التلفاز المحمول، التي شهدها الكاتب شخصيًا، عام 1982. كان البولنديون في «سودنك»، إحدى المدن الصغيرة شرق بولندا يضعون أجهزة التلفاز وهي مغلقة في عربات الأطفال وعربات التسوق وينزلون فيها إلى الميادين وقت نشرة الأخبار الرئيسية في الساعة الثامنة مساءً اعتراضًا على ما يبثّه النظام في الأخبار. فقامت السلطات بفرض حظر للتجول الساعة الثامنة لمنع المحتجين من النزول، فرد المحتجون على ذلك بوضع أجهزة التلفاز وهي مغلقة على شرفات المنازل أو في النوافذ المطلة على الشارع وقت نشرة الأخبار لإيصال رسالة أن لا أحد يشاهد التلفاز. أثارت تلك الحركة حفيظة النظام لكنها لم تكن مخالفة لأي قانون فلم يستطع أن يفعل شيئًا حيالها، حتى أنه لم يستطع أن يوقف انتشارها لقرى ومدن بولندية مجاورة.

يؤكد الأكاديمي دانييال ك. جيلين في كتابة «القوة السياسية للاحتجاج» أن نجاح الاحتجاج لا يعتمد على شكل الاحتجاج ونوعه فقط وإنما على مدته أيضًا. قام جيلين بدراسة حركات الاحتجاج المدني للمطالبة بحقوق الملونين في الولايات المتحدة الأمريكية بين عام 1950 و1990 ويرى أن تمرد روزا باركس التي رفضت إعطاء كرسيها للرجل الأبيض في الحافلة كان بداية لإلغاء قوانين التمييز العنصري، لكن السبب الحقيقي هو حركة طويلة من الاحتجاج أطلق عليها «مقاطعة مواصلات مونتغمري». نجحت باركس في إشعال حركة التمرد لكن ما أدى إلى التغيير الحقيقي كان المواظبة على المقاطعة لمدة 381 يومًا التزم بها عدد كبير من الأفراد وقادة الرأي.

أفق الحركات التي ذكرت في كتاب والتي يرى الكاتب أنها «ثورية» متفاوتة. بعضها نجحت في إحداث تغييرات في الحقوق المدنية وتعديل لنصوص القانون على غرار حراك الملونين في الولايات المتحدة الأمريكية ضد سياسات وقوانين التمييز العنصري، وبعضها نجح في إثارة الرأي العام لقضايا مهمة مثل التسريبات عن انتهاكات الولايات المتحدة في سجن أبو غريب وغوانتانامو. وبعضها الآخر لا يعدو كونه محاولة لإثارة جلبة مشاكسة للتعبير عن أن المعارضة لا تزال موجودة أمام أنظمة قمعية توحي أنها عصية على التغيير.

ما يؤخذ من كتاب «حركات ثورية» هو أن تلك الحركات من المقاومة، مهما كانت بسيطة، ورغم أنها قد لا تكون السبب المباشر للتغيير إلا إنها بلا شك تساهم في حدوثه. كما نستفيد منه أن بطش السلطة لن يعيق الناس، أفرادًا وجماعات، عن التعبير عن احتجاجهم ومقاومة الظلم بشتى الأشكال الممكنة.

قد ترهب السلطات الناس وتستدعي النشطاء للتحقيق والتوقيف، وتمنعهم من السفر وتحجب مواقعهم الإلكترونية كما يحصل حاليًا في مصر، إلّا أنها لن تستطيع تكميم الأفواه إلى الأبد. سيجد الناس دائمًا طرقًا للتعبير عن أنفسهم مهما كان النظام مستبدًا.

من المهم أن لا نحمّل تلك الحركات الاحتجاجية أهدافًا غير واقعية، وأن نتصالح مع فكرة أن نجاحها في بعض المراحل مقرون بإحداث جلبة وإثارة الرأي العام وإشعار السلطة بوجود المعارضة. فهي تشكل جزءًا من سلسلة طويلة من الممارسات الاحتجاجية المتفاوتة في التنظيم والتوقيت والمشاركة الشعبية التي ستفضي في النهاية للتغيير المأمول.