هل ستؤجل جائحة كورونا الانتخابات النيابية؟

الجمعة 09 تشرين الأول 2020
رجل يمر قرب لافتة للهيئة المستقلة للانتخاب في عمّان تدعو للمشاركة في الانتخابات النيابية. عن موقع أخبار الأردن.

تمضي الاستعدادات للانتخابات النيابية لمجلس النواب التاسع عشر، في إجراءات غير مسبوقة ومختلفة عن سابقاتها، فلا مقرات ولا مهرجانات انتخابية، مع تفاقم الوضع الوبائي وارتفاع أعداد الوفيات والإصابات داخل المملكة.

حُدّد العاشر من شهر تشرين الثاني موعدًا للانتخابات النيابية المقبلة، وسط تأكيدات من رئيس مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب، خالد الكلالدة، على أن تعديل موعد الانتخابات خيار مطروح في ظل انتشار فيروس كورونا. ولا يوجد ما يلزم الهيئة بموعد محدد للإعلان عن تعديل موعد الانتخابات.

في الزرقاء، يخبرنا نائبٌ سابق ومرشّح عن الدائرة الأولى في المدينة عن الصعوبات التي فرضتها الجائحة على النشاط الانتخابي، فيشير إلى تأثيرها على قدرته على التحرّك داخل المدينة، واضطراره إلى عقد لقاءات لا يزيد عدد الموجودين فيها عن عشرين شخصًا، مع انقطاع زيارته داخل مناطق الزرقاء الجديدة والبتراوي، التي عُزلت ودخلت في حظر شامل منذ الأول من الشهر الحالي.

المرشح الحالي، بدا قلقًا خلال اجتماعاته، إذ يحرص على حضور الاجتماع الواحد 15 شخصًا فقط، احتياطًا في حال حضور ضيوف آخرين، دون موعد، حتى لا يزيد العدد إلى أكثر من 20 شخصًا، التزامًا بأمر الدفاع رقم 11، والذي يمنع أي تجمع يزيد على 20 شخصًا، مع التزامهم بإجراءات التباعد الاجتماعي.

يشكو المرشح عن الدائرة الأولى من زيادة عدد ساعات التواصل مع الناخبين. «بَطلع من الصبح بروّح آخر الليل، اللقاءات كثيرة، وجهد كبير بدك تمضيه يوميًا، ومرّات كثير بدك تعيد نفس الحديث لمجموعات مختلفة. الأمر مرهق. بالدورات السابقة، كان في مقر انتخابي، وفي حفل افتتاح بغني عن نصف شغلنا الحالي».

ويتحدث المرشح عن مناطق لم يدخلها جرّاء عزلها وحظر التجوّل فيها، ليلجأ للتواصل مع الناخبين في تلك المناطق عبر الهاتف أو منصات التواصل الاجتماعي. «قدر الإمكان بحاول أتواصل مع القاعدة الانتخابية هناك عبر منشورات الفيسبوك أو رسائل الواتساب، وكثير أحيان برنّ عليهم بشكل شخصي، مع صعوبة الأمر».

ويتوقع أن تنخفض نسبة المشاركة في العملية الانتخابية بسبب جائحة كورونا، مع وجود مخاوف لدى المواطنين من الاختلاط أو التواجد في أماكن تشهد اكتظاظا كبيرًا مثل قاعات الاقتراع، خاصة مع زيادة الإصابات المسجلة داخل المملكة. ولا يستبعد المرشح انتشار ما وصفها بـ«ظاهرة» المال السياسي، مع تردّي الوضع الاقتصادي للمواطنين، حيث عُرضت عليه أكثر من مرة، من قبل سماسرة، كشوفات بأسماء ناخبين في الدائرة نفسها، بشرط الدفع لصاحب الكشف.

«ظروف مريحة للمال السياسي»

يتفق الصحفي والخبير في الشؤون البرلمانية، جهاد المنسي، مع مصطلح «ظاهرة» المال السياسي أو الأسود، إذ يرى أن ظروف الانتخابات الحالية مريحة للمال السياسي، مع تضرر قطاعات واسعة في السوق الأردني جراء كورونا، وتعطل الآلاف من الأردنيين عن العمل، مما يعني اتساع رقعة الفقر على امتداد مساحة المملكة.

ويؤكد المنسي، خلال حديثه مع حبر، أن نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة، ستكون أضعف مما سبق، جراء تفاقم الوضع الوبائي في الأردن، وعدم اهتمام المواطنين بالانتخابات بشكل عام، وفقدانهم الثقة بالبيت التشريعي، جرّاء ما يصفه بتغول الحكومة عليه، إضافة إلى تركيز المواطنين المنصبّ على فيروس كورونا وتطوراته داخليًا، أكثر من اهتمامهم بشكل المجلس القادم. ويتوقع المنسي تأجيل الانتخابات البرلمانية إلى السنة القادمة، بعد التمكن من ضبط الحالة الوبائية داخل المملكة.

من جهته، يعتقد الكاتب والنائب السابق جميل النمري، أن المال الأسود قد بدأ بالظهور بالفعل خلال الأسابيع الماضية، بما يشمله من صفقات الانتخابية وعمل للسماسرة. ويرى أن هذا الأمر سيستمرّ خاصة مع الركود الاقتصادي الكبير وارتفاع معدل البطالة، إلّا إذا كانت هناك إرادة سياسية للتصدي لهذه الظاهرة.

ويقول النمري لحبر، إنه من الممكن أن تتأثر العملية الانتخابية جراء تفاقم الوضع الوبائي للمملكة، لأن هناك أوساطًا خائفة على صحتها، مع عدم وجود أسباب مقنعة لتخاطر بصحتها من أجل مرشح ما. كما يشير إلى أن تفعيل قانون الدفاع حدّ من الاتصال المباشر بين المرشحين والناخبين، مما يعني ضعف اهتمام المواطنين بالعملية الانتخابية بالمجمل.

ويتوقع النمري ألّا توجّل الانتخابات البرلمانية لعدة مؤشرات، أبرزها؛ دعوة الملك إلى عقد انتخابات نيابية وحلّ مجلس النواب، كما أن الانتخابات استحقاق دستوري لا بد منه. ولا يتفق النمري مع الربط الحاصل بين الحالة الوبائية والانتخابات، إذ يرى أنه لا ضمانات لتحسّن الوضع الوبائي في المملكة قريبًا، خاصة وأن هنالك تأكيدات طبية تتحدث عن استمرار الفيروس لأشهر طويلة.

وسبق أن حدد مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب، العاشر من تشرين الثاني القادم موعدًا لإجراء الانتخابات النيابية، فيما صدرت الإرادة الملكية بحل مجلسيْ النواب والأعيان، في السابع والعشرين من أيلول الماضي. وبعد نحو أسبوع، قدمت حكومة عمر الرزاز استقالتها، قبل أن يُكلّف الملك بشر الخصاونة بتكليف حكومة جديدة.

«صعوبة في التواصل»

يواجه مرشحٌ في الدائرة الثالثة بعمّان، صعوبة في التواصل وعقد الاجتماعات مع القاعدة الشعبية العريضة في الدائرة، والتي تبلغ حوالي 266 ألف ناخب، مما أجبره على تغيير طريقة التواصل مع الناخبين من اللقاءات الشخصية والمهرجانات الخطابية، إلى مخاطبتهم عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، وهي الطريقة الأصعب.

ويدعو المرشح لتأجيل الانتخابات النيابية إلى نهاية شهر كانون الثاني المقبل، لتشجيع المواطنين على المشاركة في الاستحقاق الدستوري، وتقليل حجم العزوف الكبير المتوقع حصوله بسبب الجائحة، والذي سيقلّل من نسبة المشاركة في العملية الانتخابية، معتبرًا أن إجراء الانتخابات في العاشر من تشرين الثاني قرار يفتقد للحكمة.

ويوضح المرشح عن الدائرة الثالثة أن الانتخابات بشكلها الحالي تخدم نوعين من المرشحين؛ الأول مرشح المال السياسي، والمنتشر جرّاء تردي الوضع الاقتصادي، أمّا النوع الثاني وهو مرشح الحزب المنظم، حيث ستشاركه قاعدته بالعملية، بشكل مختلف عن المرشح غير الحزبي.

وعلى النقيض من المرشح السابق، يشعر مرشح عن الدائرة الأولى في محافظة إربد، أن التواصل مع 20 شخصًا يزيد من التفاعل فيما بينهم، ويعطي المرشح والناخب المساحة الواسعة لطرح الأسئلة والإجابة عليها بالشكل المناسب. لكنه في المقابل يرى أنه لا يوجد للمرشح وقت كافٍ للقاء القاعدة الانتخابية كاملة، مما يضطرّه للتوجه نحو منصات التواصل والرسائل النصية عبر الهاتف والمكالمات المطولة.

المرشح عن الدائرة الأولى في إربد، والمنتخب من قبل عشيرته لتمثيلها في مجلس النواب، يتوقع أيضًا تأثر نسبة المشاركة في العملية الانتخابية سلبًا، نتيجة خوف المواطنين من الاختلاط أو الدخول إلى أماكن تشهد اكتظاظا كبيرًا، غير أنه يثق بوصول الناخبين من عشيرته إلى صناديق الاقتراع رغم الظروف الوبائية الحالية

ويعتقد أن وجود المال السياسي وتأثيره في إربد ضعيف لوجود إجماعات عشائرية معروفة لدى الجميع، ولذا فإن أي شخصٍ يتجه نحو شراء الأصوات من أبناء العشيرة قد لا يجد من يبيع له صوته، لكنه يؤكد وجودها بشكل محدود، لا يمكن أن يطلق عليه مسمى «ظاهرة».

ويتفق الناطق باسم مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب، جهاد المومني، مع أن الجائحة حدّت من التواصل بين الناخب والمرشح، لكنه يقول إن صحة وسلامة المجتمع أهم من التواصل. ويضيف أن الهيئة لم تمنع التواصل لكنها وضعت ضوابط ومحددات، غير أن هناك طرقًا جديدةً من خلال التكنولوجيا ووسائل التواصل يمكن للمرشحين استخدامها والتواصل عبرها مع القاعدة الانتخابية في المملكة.

وحول رقابة الهيئة على التجاوزات الحاصلة، يقول المومني إن الهيئة تتابع الشكاوى التي تردها باستمرار وتتعامل معها بحزم، وقد حوّلت ملفات إلى القضاء، لكن بعض القضايا سرية وبحاجة إلى أدلة مثبتة وشهادات. مضيفًا أن الهيئة تعاملت مع 254 مخالفة انتخابية منها نحو 50 بلاغًا عن مخالفات تتعلق باستخدام المال السياسي وشراء الأصوات، وباقي المخالفات تختلف طبيعة جسامتها، وأغلبها تتعلق بمخالفة تعليمات الدعاية الانتخابية. ويرفض المومني وصف عمليات شراء الأصوات بـ«الظاهرة» أو أنها عملية ممنهجة، ويرى أنها حالات فردية غير مرتبطة بالتداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، فالوضع الاقتصادي الحاليّ لا يختلف كثيرًا عن عام 2016 والذي شهد انتخابات نيابية.

وشهد الاقتصاد الأردني تقلّصًا للنشاط الاقتصادي في الربع الثاني من هذا العام، وانكماشًا بنسبة 3.6%، كما ارتفع مُعدّل البطالة خلال الفترة نفسها إلى 23%، مقارنة بـ19.2% في الربع الثاني من 2019، وفق أرقام دائرة الإحصاءات العامة.

ونصّت المادة 59 من قانون الانتخاب على أنّه «يعاقب بالأشغال الشاقة مدّة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات كل من أعطى ناخبًا مباشرة أو بصورة غير مباشرة أو أقرضه أو عرض عليه أو تعهد بأن يعطيه مبلغًا من المال أو منفعة أو أي مقابل آخر من أجل حمله على الاقتراع على وجه خاص أو الامتناع عن الاقتراع أو للتأثير في غيره للاقتراع أو الامتناع عن الاقتراع».

كما نص القانون على أنّه «يعاقب كل من قبِل أو طلب مباشرة أو بصورة غير مباشرة مبلغًا من المال أو قرضًا أو منفعة أو أي مقابل آخر لنفسه أو لغيره، بقصد أن يقترع على وجه خاص أو أن يمتنع عن الاقتراع أو ليؤثر في غيره للاقتراع أو للامتناع عن الاقتراع».

ويطالب مرشح عن الدائرة الأولى في العاصمة عمّان الجهات الرسمية تكثيف الرقابة على المال السياسي، الذي يشهد باعتقاده انتشارًا أكثر من الدورات الانتخابية السابقة، حيث يقوم مرشحون، بحسبه، بتعيين ضباط ارتباط بمكافأة مالية تصل لما بين 1000 و500 دينار، لشراء أصوات مقابل التصويت لمرشحهم، بشرط الحلفان على المصحف وتصوير ورقة الاقتراع، مطالبًا بعدم إدخال الهواتف النقالة إلى قاعات الاقتراع.

ويقول المرشح الحزبي والنائب السابق إنه لا يواجه صعوبات في التواصل مع قاعدته الشعبية، في دائرته الانتخابية؛ لأن الاتصال لم ينقطع طيلة السنوات الأربع الماضية، مع استمرار عقد زيارات للمواطنين بشكل فردي أو جماعي مع قائمته الانتخابية.

ويتفق أن بعض القوائم الانتخابية تأثرت من جزئية عقد اجتماعات بعدد لا يزيد على 20 شخصًا، لكن أمر الدفاع ينطبق على الجميع دون وجود استثناءات، وهو ما يتطلّب من المرشحين والقوائم خلقَ تواصل شخصي وسريع مع أكبر عدد ممكن من أبناء الدائرة الانتخابية، متوقعًا عدم تأجيل الانتخابات أو تعديل موعدها. ويقول إنه في جميع الأحوال فإن الدعاية الانتخابية ستستمر ولن تكون معلنة، بحيث سيكون التواصل فردي للمرشحين، بل فرصة ستكون لبعض المرشحين الجدد للتواصل الأكبر مع المواطنين.

ويوضح المومني لحبر أن الهيئة هي صاحبة القرار في تعديل موعد الانتخابات وليس تأجيلها، فالتأجيل بيد الملك فقط، مشيرًا إلى أن تعديل الموعد مرتبط بالوضع الوبائي للمملكة وقرار فرض حظر شامل في البلاد. ويقول إنه يمكن للهيئة تعديل موعد الانتخابات لغاية السابع والعشرين من شهر كانون الثاني المقبل، مشيرًا إلى أنه وفي حال تأجيل الانتخابات ستجمّد الإجراءات، وتستكمل من حيث توقفت بعد تحديد موعد جديد لها.

وفي الانتخابات النيابية عام 2016، وصلت نسبة التصويت لـ36%، ووصل عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم لحوالي 1.5 مليون من أصل 4.134 مليون ناخب يحق لهم الاقتراع، وتنافست خلالها 225 قائمة، ضمّت 1252 مرشحًا على مستوى المملكة، في حين وصل إجمالي عدد القوائم المتقدمة بطلبات ترشح للانتخابات المقبلة إلى 295 قائمة، فيما بلغ إجمالي عدد المتقدمين بطلبات الترشح في هذه القوائم 1717 مرشحًا ومرشحة.

تم إنتاج هذا التقرير ضمن مشروع «عيون» للصحافة المحلية.