الكورونا تصيب لبنان في عزّ الانهيار الاقتصادي

الخميس 26 آذار 2020
رجل يمشي بمحاذاة كورنيش بيروت، 15 آذار. محمود زيّات، أ ف ب.

حلّت جائحة الكورونا ضيفًا ثقيلًا على لبنان، شأنه شأن الكثير من الدول في مختلف أنحاء الأرض، وفرضت الأزمة على الدولة اللبنانيّة إعلان حالة التعبئة العامّة والطوارئ الصحيّة لتخطّي المرحلة. لكنّ لسوء طالع اللبنانيين، شاءت الظروف أن تتقاطع أزمة حلول الكورونا في ديارهم مع مرور البلاد بأسوأ انهيار مالي واقتصادي عرفته البلاد، وهو ما أنتج محنة قاسية تختلف ظروفها عن الكثير من الدول التي تشهد اليوم أزمة انتشار جائحة الكورونا. فمن قطاع الاستشفاء الذي كان على حافّة الانهيار قبيل أزمة الكورونا بفعل عدم توفّر الدولار لاستيراد المعدّات، إلى تراجع مخزون الأدوية لدى تجّار الدواء للسبب نفسه، وصولًا إلى المأساة المعيشيّة التي كان يعاني منها اللبنانيون قبل وصول كورونا ودخول البلاد في مرحلة الإقفال التام، كان هناك ما يكفي من عوامل لتكون البلاد في أقصى حالات الهشاشة أمام الفيروس المستجد. 

وفي الأيام الماضية، كان الإعلام اللبناني قاسيًا في تعامله مع المواطنين والمقيمين الذين لم يتجاوبوا مع دعوات التعبئة العامّة لتفادي التجوّل غير الضروري، وصولًا إلى حد استعمال نبرة شديدة اللهجة عند التحدّث عنهم. لكنّ الإصرار على عدم التجوّل واحترام قواعد التباعد الإجتماعي، على أهميّته، لم يقترن بأي إجراءات أو تصوّر لكيفيّة توفير مقوّمات الصمود للفئات الأكثر هشاشة عند اتباع هذه القواعد وتوقّف نشاطها الاقتصادي، خصوصًا أنّ هذه الفئات كانت تعاني أساسًا من وطأة التدهور الاقتصادي عليها قبل إعلان التعبئة العامّة. 

كلّ هذه الظروف تحيلنا إلى التساؤل عن قدرة المجتمع اليوم على الصمود في ظل هذه الظروف التي تقاطعت بهذا الشكل، سواء من ناحية القطاعات المعنيّة بتوفير الأمن الصحّي والغذائي، أو من ناحية الفئات الإجتماعيّة الأكثر تضرّرًا من هذه الظروف. ويُضاف إلى هذا التساؤل، السؤال عن قدرة الدولة على التعامل مع كل هذه الظروف، خصوصًا أنّها أصبحت في مرحلة التعثّر الصريح منذ إعلانها التوقّف عن سداد ديونها السياديّة، مع ما يعنيه هذا الأمر من فقدانها لمصادر التمويل المعتادة من أسواق المال. 

مأساة قطاع الاستشفاء 

في الأشهر الستّة الأخيرة، لم يستورد لبنان سوى 5% فقط من المستلزمات والمعدّات الطبيّة التي تحتاجها المستشفيات عادةً لعمليّاتها اليوميّة، بما فيها أبسط المواد الضروريّة مثل مواد التعقيم والتطهير، والتجهيزات والمواد التي يحتاجها عادةً ذوو الأمراض المزمنة، وهي الفئة الأكثر تأثّرًا عادةً عند الإصابة بفايروس كورونا المستجد. وهكذا، دخلت البلاد أزمة الكورونا بقطاع استشفائي هش وضعيف، يعاني حتى في تشغيل أجهزة التنفّس الإصطناعي الضروريّة لبعض حالات الكورونا، والتي تبيّن لاحقًا أنّ 80% منها لا يعمل بسبب النقص في قطع الغيار المطلوبة لها.

وتعود أزمة النقص في هذه التجهيزات والمعدّات تحديدًا إلى طبيعة الانهيار المالي التي تعاني منه البلاد منذ تشرين الأوّل الماضي. فالمصارف التجاريّة عمدت منذ ذلك الوقت إلى فرض ضوابط مشدّدة على السيولة المتوفّرة لدى المودعين بالعملة الصعبة، ووصلت هذه الضوابط إلى حد منع التحويلات الماليّة إلى الخارج باستثناء حالات الحاجة الشخصيّة الملحّة. وهكذا، باتت جميع أنشطة الاستيراد في البلاد، بما فيها تلك المتعلّقة بالمعدّات والمستلزمات الطبيّة، مكبّلة بهذه الضوابط التي فرضها القطاع المصرفي على الجميع. وبالرغم من إعلان مصرف لبنان عدّة مرّات عن حلول مؤقّتة لأزمة التحويلات لمستوردي التجهيزات والمستلزمات الطبيّة، عبر تعاميم خاصّة، ظلّت هذه الأزمة دون معالجة فعليّة، بعدما تبيّن أن الغالبيّة الساحقة من المصارف اللبنانيّة امتنعت عن تنفيذ هذه التعاميم لعدم وجود مصلحة لديها بذلك.

أزمة التحويلات مع المصارف ليست سوى جزء بسيط من مشكلة استيراد المعدّات والمستلزمات الطبيّة، فالجزء الأهم من المشكلة يكمن تحديدًا في سعر صرف الليرة مقابل الدولار في السوق السوداء. فمع امتناع المصارف عن بيع الدولار للمستوردين وفقًا للسعر الرسمي، بات على المستوردين اللجوء إلى السوق السوداء لتأمين الدولار وفق سعر صرف بلغ في بعض الأحيان ضعفي سعر الصرف الرسمي. وبذلك، أصبح توفير المستلزمات الطبيّة على هذا النحو مسألة مكلفة وخاسرة بالنسبة إلى المستشفات، خصوصًا أن الكثير من عمليّاتها يتم تسعيرها وفق جداول محددة بالإتفاق مع وزارة الصحّة والصندوق الوطني للضمان الإجتماعي.

هكذا، دخلت مستشفيات لبنان المعركة في وجه كورونا بلا سلاح، حتّى أنّ منظمة «هيومن رايتس واتش» نفسها رفعت الصوت في ظل أزمة الكورونا، محذّرةً من نقص اللوازم الضروريّة لمواجهة فيروس كورونا، ومعربةً عن قلق الطواقم التمريضيّة إزاء عجز الحكومة والمستشفيات عن توفير التجهيزات اللازمة لحماية العاملين في الحقل الطبي من الإصابة بالفيروس. وتفيد المعطيات المتوفّرة اليوم إلى أنّ مخزون البلاد من أبسط مستلزمات العمل في مواجهة الفيروس، مثل البدلات الواقية، بات يكفي لحدود شهر، وهو ما يعني أنّ البلاد قد تكون على مشارف كابوسٍ ما، إن لم يقم المعنيّون بالعمل على معالجة المسألة، خصوصًا أن ترتبيات استيراد مثل هذه اللوازم تحتاج إلى وقت في ظل الطلب المرتفع عليها من قبل مختلف الدول.

وفي كل الحالات، يفاقم الأزمة التي يواجهها قطاع الاستشفاء اليوم عجز الدولة المالي، في ظل تراكم مستحقات كبيرة عليها لصالح المستشفيات الخاصّة والحكوميّة، بما فيها المستحقات المترتبة على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وغيرها من الصناديق الصحيّة. وطوال الفترة الماضية، أدّت هذه الأزمة بدورها إلى ضغوط كبيرة على ميزانيّات المستشفيات الخاصّة والحكوميّة، التي تراجعت قدرتها إلى حد كبيرة على توفير الصيانة المطلوبة والتحديث اللازم لمعدّاتها، ناهيك عن سداد متوجّباتها للطواقم الطبيّة والتمريضيّة نفسها. 

وكانت الحصيلة الطبيعيّة لكل هذا التردّي في ظروف عمل قطاع الاستشفاء سماع اللبنانيّين في أوج أزمة الكورونا خبر إعلان لجنة مستخدمي ومتعاقدي وأجراء مستشفى رفيق الحريري الحكومي الإضراب الفوري والتوقّف عن العمل، على خلفية الظروف القاسية التي يعمل في ظلّها عاملو المستشفى. مع العلم أن هذا المستشفى تحديدًا يُعد أكبر المستشفيات الحكوميّة، وتم تخصيصه لاحتواء حالات الكورونا التي تتعامل معها وزارة الصحّة. ورغم أن اللجنة حرصت على استثناء قسم الكورونا من الإضراب، كان مجرّد إعلان الإضراب في تلك الظروف بالذات إشارة للرأي العام لطبيعة الإهمال التي لحق بهذا المستشفى، ونوعيّة المخاطر التي تترتّب اليوم بسبب هذا الإهمال على العاملين فيه في ظل هذه الأزمة.

بين التعبئة العامّة والجوع

كانت البلاد على شفير الجوع منذ بداية العام، وقبل دخول فيروس كورونا وتبعات التعبئة العامّة على الخط. فالأرقام المتداولة كانت تفيد بتراجع أعمال الشركات التجاريّة بنسب تراوحت بين 70% و80% منذ بداية العام، فيما كان إقفال المؤسسات وانضمام الشباب إلى صفوف العاطلين عن العمل سيّد الموقف. وبحسب بعض الإحصاءات، بلغت نسبة المؤسسات التي أقفلت جراء الأزمة حدود 20%، فيما بلغت نسبة البطالة 40% وسط توقّعات ببلوغها مستوى 50%. وبمعزل عن تراجع الأعمال التجاريّة وإقفال المؤسسات، كان من تبقّوا في سوق العمل يرون بأم العين تراجع القدرة الشرائيّة لرواتبهم، مع هبوط سعر الصرف إلى مستويات قياسيّة كل يوم. وبشكل عام، يُقدّر عدد الذين باتوا دون خط الفقر بعد الانهيارالاقتصادي الذي ضرب البلاد بحدود 1.3 مليون شخص.

في ظل كل هذه الضغوط الاقتصاديّة جاءت محنة فيروس الكورونا، ودخلت البلاد في إقفال شامل منذ منتصف الشهر. وهكذا، بات ما تبقّى من مؤسسات تحت وطأة الإقفال القسري وتوقّف النشاط التجاري بشكل تام، فيما بات جزء كبير من هذه المؤسسات غير قادرٍ على الاستمرار بدفع الرواتب للموظفين. أمّا المشكلة الأكبر، فتكمن تحديدًا في النسبة الكبيرة من العمال التي تقع إمّا في خانة العمال المياومين، الذين يعتمد دخل معظمهم على نشاطهم الاقتصادي اليومي ولا يملكون دخلًا شهريًا ثابتًا، أو العمال غير النظامين، الذين لا يملكون أي ضمانات قانونيّة تمنحهم دخلًا شهريًا ثابتًا ومستقرًا. وعمليًا، تمثّل هذه الفئة من العمّال تحديدًا أغلبيّة القوّة العاملة في لبنان بحسب تقديرات البنك الدولي، ومن الطبيعي أن تكون هذه الشريحة من العمّال اليوم الأكثر تأثّرًا بقرارات التعبئة العامّة ووقف مختلف الأنشطة الاقتصاديّة، خصوصًا أنّ هذه الفئة كانت تعاني أساسًا من تداعيات الانهيار الاقتصادي في لبنان.

وبالإضافة إلى أثر قرارات التعبئة العامّة على العمّال غير النظاميين والمياومين اللبنانيين، تكمن المشكلة الأكبر في واقع مخيّمات اللجوء الفلسطيني والسوري في ظل هذه الأزمة. فهذه الفئة من المقيمين، تعاني أساسًا ومنذ زمن طويل من فقدانها القدرة على ممارسة أي نشاط اقتصادي مستقر، بسبب قوانين العمل المحليّة. ولذلك، تعتمد هذه الفئة الاجتماعيّة تحديدًا على أنشطة اقتصاديّة غير مستقرّة بطبيعتها، وهو ما يعني تأثّرها بشكل مضاعف بتداعيات أزمة الكورونا وتوقّف النشاط الاقتصادي.

«خلّيك بالبيت»، لكن كيف نصمد؟

مع بدايات انتشار وباء الكورونا في لبنان، انتشرت على صفحات التواصل الإجتماعي والمحطات التلفزيونيّة حملة «خليك بالبيت»، التي هدفت إلى حث المقيمين على تفادي الخروج من المنازل، والإلتزام بدعوات التعبئة العامّة وتجنّب الاختلاط. لكنّ هذه الدعوات، وبمختلف أشكالها، لم تلحظ جانبًا أساسيًا من المشكلة: كيف يمكن أن نوفّر المقوّمات الاقتصاديّة للبقاء في المنزل للشرائح الاجتماعيّة الأضعف، والتي ستواجه تحدّيات معيشيّة كبرى مع توقّف نشاطها الاقتصادي وملازمتها منازلها؟ في إحدى الحوادث التي شهدها لبنان بالتزامن مع تطبيق إجراءات التعبئة العامّة، قام سائق إحدى سيّارات الأجرة بإضرام النار بسيارته وحاول إحراق نفسه معها، احتجاجًا على تسطير محضر ضبط بحقّه لمحاولته العمل بخلاف قرارات مكافحة الكورونا. كانت هذه الحادثة بمثابة جرس إنذر للجميع، لتذكيرهم بوجود فئات اجتماعيّة غير قادرة على الصمود.

وبموازاة هذه الأسئلة حول قدرة الفئات الاجتماعيّة الأضعف على الصمود، ثمّة أسئلة جديّة أيضًا حول قدرة البلاد بأسرها على المواجهة، في ظل الانهيار المالي. فالقطاع الاستشفائي كان قادرًا على التعامل مع عدد محدود من الإصابات عبر عزلها وتوفير العناية المطلوبة، لكنّ ظروفه الحاليّة بالتأكيد لن تسمح بالتعامل مع سيناريوهات سوداء في حالة تفشّي المرض على نطاق أوسع. تحيلنا الأسئلة عن الدعم المطلوب، إلى الدولة التي تعاني بدورها من تبعات إعلانها التعثّر الصريح في سداد ديونها، والتي عليها أن تتعاملَ مع مرحلة الإفلاس العلني بالتوازي مع تعاملها مع تبعات حلول الكورونا ضيفًا على نظامها الصحّي. 

قد تكمن الإجابة على السؤال عن الفئات الإجتماعيّة الأضعف في اللجوء إلى أساليب التضامن الإجتماعي المعتادة في حالات الكوارث الإنسانيّة، لكنّ الإجابة عن التساؤلات حول وضع القطاع الصحّي أكبر من التضامن الإجتماعي المحلّي. هذه الفجوة لم تعالجها الخطط الحكوميّة المعلن عنها حتّى الآن، وطالما أنّ المسؤولين لا يملكون الإجابة المناسبة، سيحق للبنانيين أن يقلقوا من هذا الأمر بالتوازي مع قلقهم من الذين لم يلتزموا بـ«خليك بالبيت»!