لبنان ينازع: بين الجوع والمصالح الأجنبيّة

الأحد 20 أيلول 2020
أزمة لبنان المالية
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلتقي بالرئيس اللبناني ميشال عون في القصر الرئاسي في بعبدا، في الأول من أيلول 2020. تصوير غونزالو فوينتس. أ ف ب

بعد أقل من ثلاثة أسابيع على كارثة مرفأ بيروت، استفاق اللبنانيون على خبرٍ مقلقٍ جديد. حاكم المصرف المركزي ينبىء الجميع بأن ما تبقى لديه من احتياطات من العملات الأجنبيّة لا يتجاوز مستوى 19.5 مليار دولار، من بينها نحو 17.5 مليار دولار من السيولة التي لا يمكن المساس بها، لكونها تمثّل احتياطات إلزاميّة أودعتها المصارف لديه مقابل ودائعها بالعملة الصعبة. بمعنى آخر، ما تبقى من سيولة قابلة للاستخدام لتمويل ودعم استيراد السلع الحيويّة، من دواء وقمح ومحروقات ومواد غذائيّة، لا يتجاوز مستوى الملياري دولار، وهو ما لن يكفي البلاد لأكثر من ثلاثة أشهر إذا أخذنا بعين الاعتبار وتيرة استنزاف هذه الاحتياطات خلال الأشهر الماضية. 

كارثة وقف الدعم

لا يحتاج المرء إلى الكثير من التحليل ليعرف ما سيحصل بعدها. في الوقت الراهن، يوفّر مصرف لبنان من احتياطاته من الدولارات المطلوبة لاستيراد القمح والدواء والمحروقات، وفقًا لسعر الصرف الرسمي القديم الذي يبلغ حدود 1507.5 ليرة مقابل الدولار، فيما يوفّر الدولارات المطلوبة لاستيراد السلع الغذائيّة من منصّة خاصّة بتداول العملات الأجنبيّة، وفقًا لسعر صرف يبلغ حاليًّا 3900 ليرة مقابل الدولار. بعد نهاية الدعم، سيكون على المستوردين الحصول على الدولارات من السوق الموازية، أو ما يُعرف بالسوق السوداء، التي يتجاوز سعر الدولار فيها اليوم مستوى 7500 ليرة مقابل الدولار. باختصار، ستتضاعف أسعار الخبز وجميع مشتقات النفط والدواء بحوالي خمسة أضعاف، إذا احتسبنا الفرق بين سعري الصرف، فيما سترتفع أسعار السلع الغذائيّة المستوردة بحدود الضعف.

ستتضاعف أسعار الخبز وجميع مشتقات النفط والدواء بحوالي خمسة أضعاف، إذا احتسبنا الفرق بين سعري الصرف، فيما سترتفع أسعار السلع الغذائيّة المستوردة بحدود الضعف. 

الكارثة التي ستنتج عن وقف الدعم لن تقتصر على السلع المدعومة فقط. فمصرف لبنان أمّن لغاية 15 تموز من هذه السنة ما يقارب 2.12 مليار دولار من احتياطاته لتمويل استيراد السلع الحيويّة، أي بمعدّل يقارب 10.9 مليون دولار يوميًّا. بعد رفع الدعم عن الاستيراد، سيحال كل هذا الطلب على الدولار إلى السوق السوداء، التي يتراوح حجم الطلب فيها على الدولار ما بين خمسة وسبعة ملايين دولار يوميًّا. باختصار، سيكون الأثر الطبيعي لرفع الدعم ارتفاع غير مسبوق في سعر صرف الدولار في السوق الموازية، مع كل ما يعنيه ذلك من ارتفاع في أسعار جميع السلع المستوردة دون استثناء، وارتفاع قياسي في نسبة القابعين تحت خط الفقر.

كانت كل هذه المخاطر تلوح في الأفق، بينما كانت البلاد تدخل في أزمة فراغ حكومي، بعد أن استقالت الحكومة اللبنانيّة إثر انفجار المرفأ وما تلاه من احتجاجات شعبيّة، وهو ما جعلها حكومة تصريف أعمال غير قادرة على المبادرة واتخاذ أي قرارات مصيريّة في أي من الملفات الماليّة أو النقديّة الحساسة. ومع مرور الأيام والأسابيع وتأخّر تشكيل الحكومة الجديدة، كان اللبنانيون قد بدأوا بتحسس خطورة المرحلة القادمة عليهم.

صندوق النقد يمتنع عن المساعدة

في مكان آخر من العالم، وعلى وقع هذه الضغوط النقديّة المخيفة، كان المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي يجتمع في الولايات المتحدة لمناقشة إمكانيّة منح لبنان مساعدات ماليّة طارئة باستخدام «أداة التمويل السريع»، التي تُعدّ من أنواع التسهيلات الماليّة العاجلة التي يمنحها الصندوق للدول التي تعاني من ظروف مستجدة وضاغطة. كان لبنان يراهن في طلبه الجديد هذا على استعطاف الدول التي تملك حق التصويت في المجلس التنفيذي للصندوق، خاصةً بعد ما ألمّ بالبلاد نتيجة انفجار المرفأ، لكنّ الرياح لم تجرِ بما تشتهي سفن لبنان.

رفض المجلس التنفيذي الطلب اللبناني، ولأسباب باتت واضحة لدى الجميع. إذ فاوض وفد الصندوق طوال الأشهر الماضية الحكومة اللبنانيّة على جملة من الإصلاحات والشروط التي طلبها بهدف ضمان قدرة الحكومة على سداد الديون التي تطلبها من الصندوق، لكنّ الحكومة فشلت في تحقيق أبسط هذه الشروط، لأسباب تتصل بشكل وثيق بمصالح أقطاب السلطة في المنظومتين السياسيّة والاقتصاديّة.

بين الفراغ الحكومي، وخطر الجوع الداهم، وانسداد أفق المفاوضات مع صندوق النقد، بات المشهد قاتمًا إلى حد بعيد.

على مدى الأشهر الماضية، فشلت الحكومة اللبنانيّة في تمرير مرسوم مشروع قانون «الكابيتال كونترول»، والذي يُعنى بفرض ضوابط موحّدة على السيولة المتبقية في النظام المصرفي، ويمنع الاستنسابيّة في التعامل مع المودعين، مما يحول دون استفادة البعض من نفوذهم في النظام السياسي والمالي لتهريب ودائعهم إلى الخارج، على حساب الغالبيّة الساحقة من أصحاب الودائع المحتجزة في النظام المصرفي. مع العلم أن إقرار هذا القانون بالذات شكّل الشرط الأساسي للصندوق قبل منح أي دعم للبنان، لضمان عدم تهريب الدولارات التي يجري منحها للبلاد كقروض ومساعدات من النظام المصرفي، لمصلحة أصحاب النفوذ السياسي والمالي.

كما فشلت الحكومة اللبنانيّة في التوصّل إلى تفاهم داخلي على خطّة ماليّة شاملة للتعافي الاقتصادي، بعد رفض النخبة السياسيّة والماليّة الدخول في مسار يمكن أن يؤدّي إلى الاعتراف بخسائر النظام المصرفي، وإلى تحميل هذه الخسائر إلى رساميل المصارف. 

في الوقت نفسه، كانت الحكومة تفقد مصداقيّتها في الكثير من الملفات؛ من التعيينات القضائيّة التي لم يجرِ توقيعها من قبل رئيس الجمهوريّة، بسبب الخلاف على الحصص في التعيينات، إلى الألاعيب التي أحاطت بملف التدقيق الجنائي في أرقام وميزانيات مصرف لبنان، والتي انتهت بتوقيع عقد مع شركة غير متخصصة بالتدقيق الجنائي، وببنود غير قادرة على تخطي مسألة السريّة المصرفيّة التي تعيق هذا التدقيق. وفي ملف الكهرباء، فشلت الحكومة في إقرار خطة الكهرباء دون تضمينها بعض المشاريع التي أصرّ عليها بعض أقطاب الحكم لأسباب فئوية. 

كل هذه الملفّات كانت في دائرة اهتمام صندوق النقد خلال فترة التفاوض مع لبنان، وفي النتيجة، توصّل وفد الصندوق إلى خلاصة مفادها أن السلطة السياسيّة غير راغبة في تنفيذ أبسط الإصلاحات التي يمكن أن تُطلب منها، لتعارض هذه الإصلاحات مع مصالحها في النظامين المالي والاقتصادي. ولذلك، فضّل صندوق النقد سحب يده مؤقّتًا من الملف اللبناني، مع إبقاء بعض الإيجابيّة البروتوكوليّة إعلاميًّا، بانتظار حصول تغيير ما في أولويّات السلطة الحاكمة في لبنان.  

الانتداب القديم يطل برأسه

بين الفراغ الحكومي، وخطر الجوع الداهم، وانسداد أفق المفاوضات مع صندوق النقد، بات المشهد قاتمًا إلى حدّ بعيد. في هذه الظروف بالذات، أطل الرئيس الفرنسي برأسه على المشهد اللبناني، في اهتمام مركّز ومستجد بتفاصيل الشأن اللبناني وأزمته. جاء ماكرون إلى لبنان مرّتين خلال أقل من شهر بعد انفجار المرفأ، ووعد اللبنانيين بزيارة ثالثة قريبًا. وفي الزيارتين، حرص الرئيس الفرنسي على ملء المشهد بخطوة ذات دلالات كثيرة، إذ جمع مرّتين جميع رؤساء الكتل النيابيّة الوازنة في قصر الصنوبر الشهير في بيروت، الذي شهد إعلان دولة لبنان الكبير من قبل المفوّض السامي الفرنسي الجنرال غورو قبل 100 سنة بالضبط. 

خلفيّة الرئيس المكلّف، مصطفى أديب، تعبّر جيّدًا عن مضمون التسوية؛ إذ يحمل الجنسيّة الفرنسيّة، ومعروف وموثوق جيّدًا من قبل دوائر قصر الأليزيه في فرنسا، ويُعد والد زوجته الفرنسيّة أحد المقرّبين من الرئيس الفرنسي.

عمليًّا، كان واضحًا أن فرنسا دخلت إلى المشهدين السياسي والاقتصادي من بابهما العريض، وأنّ ثمّة مبادرة سترسم بموجبها فرنسا خارطة طريق ماليّة وسياسيّة للبنان، في مقابل منحه غطاءً دوليًا معيّنًا يسمح باستقدام المساعدات الماليّة على أساس هذه الخارطة. وما فشلت الحكومة المستقيلة في فعله طوال الأشهر الماضية، من صياغة خطّة ماليّة قادرة على التفاوض على أساسها مع المجتمع الدولي، ستفعله فرنسا بثقلها السياسي والدبلوماسي داخليًّا ودوليًا. 

بالتأكيد، ينطلق الاهتمام الفرنسي بالملف اللبناني من اعتبارات عديدة، تبدأ من التنافس مع تركيا على مساحات النفوذ البحريّة في شرق المتوسّط، ومستقبل مرفأ بيروت وهويّة الشركات التي سيتم تلزيمها عمليّة إعادة بناء المرفأ وتشغيلها لفترات زمنيّة طويلة، وصولًا إلى الصندوق السيادي اللبناني الذي يُفترض أن يتم تأسيسه خلال الفترة القادمة، ليضم المؤسسات العامّة المدرّة للأرباح، والتي يمكن أن تطفىء جزءًا من خسائر الانهيار عبر عمليّات الشراكة ما بين القطاعين العام والخاص. ومن المعلوم أن هذا الصندوق وعمليّاته سينطوي على فرص استثماريّة كبيرة للشركات الأجنبيّة. 

ولذلك، لم يكن من قبيل الصدفة أن يصطحب ماكرون معه في زيارتيه نخبةً من رجال الأعمال الفرنسيين المهتمين بالشأن اللبناني، وعلى رأسهم مدير شركة CMA الفرنسيّة، التي كانت تنافس على عقد تشغيل محطة الحاويات في مرفأ بيروت قبل الانفجار، والتي أصبحت تملك اليوم رؤية متكاملة لإعادة بناء وتشغيل المرفأ، مع مجموعة من الشركات الفرنسيّة التي تعمل في مجال الأمن والصناعات البحريّة وإدارة الموانىء. 

مبادرة ماكرون فعلت فعلها، وأنتجت تكليف السفير اللبناني في ألمانيا مصطفى أديب لتشكيل الحكومة القادمة. خلفيّة الرئيس المكلّف، تعبّر جيّدًا عن مضمون التسوية؛ إذ يحمل الجنسيّة الفرنسيّة، ويعد معروفًا وموثوقًا جيّدًا في دوائر قصر الأليزيه في فرنسا، وهو والد زوجته الفرنسيّة أحد المقرّبين من الرئيس الفرنسي. كما عمل سابقًا كمستشار لدى رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، الذي ساهم أيضًا في تسويق اسمه لدى الفرنسيين، مع العلم أن ميقاتي يشارك شركة CMA نفسها في عقد تشغيل وإدارة محطة الحاويات في مرفأ طرابلس. 

إعادة إنتاج السلطة

ما إن انطلق الرئيس المكلّف بمهمة تشكيل الحكومة، حتى ظهر واضحًا أن اللبنانيين بصدد اختبار تجربة شبيهة بتجربة حكومة حسان دياب المستقيلة، أي حكومة تحمل شكلًا عنوان «حكومة تكنوقراط»، إنما تخفي ضمنًا شبكة عميقة من المصالح التي نسجها أقطاب السلطة في النظامين السياسي والمالي. برز ذلك سريعًا من صراع الكتل النيابيّة على المناصب، والذي كان يتسرّب إلى الإعلام، فرئيس المجلس النيابي نبيه بري يحاول الحفاظ على وزارة الماليّة، تحت عناوين طائفيّة، فيما بدا واضحًا أن رئيس المجلس مهتم بالدور الذي ستلعبه هذه الوزارة تحديدًا في جميع الملفات المتصلة بالأزمة الاقتصاديّة، من الكابيتال كونترول إلى التدقيق الجنائي في أرقام المصرف المركزي وصولًا إلى الخطة الماليّة التي سيتم اعتمادها. أما رئيس الجمهوريّة وباقي الكتل النيابيّة، فتحايلوا برفع شعار المداورة، أي تغيير هويّة الطرف السياسي الذي يضع يده على كل وزارة، لسحب وزارة الماليّة من يد برّي.

لن تكون المساعدات الماليّة سوى جرعات دعم للنظام السياسي القديم، دون أن تقدّم أي إصلاح جدّي أو جذري في بنية النظام الاقتصادي المتهاوي وطبيعة النظام السياسي المأزوم.

باختصار، يعود أقطاب النظام السياسي إلى لعبة التحاصص، وتناتش الوزارات والحقائب والملفات الماليّة الدسمة، مع كل ما يتصل بذلك من صراعات نفوذ ومصالح على أعتاب مرحلة توزيع الخسائر وصياغة الخطة الماليّة للدولة. لكن هذه المرّة، يدخل على هؤلاء الأقطاب شريك دولي يضغط لتشكيل الحكومة بالسرعة القصوى، وهذا الشريك يملك بدوره شبكة كبيرة من المصالح الاقتصاديّة المتصلة بالملف اللبناني، وبملف المعالجات الماليّة التي ستسير بها البلاد في المرحلة القادمة. الصفقة واضحة: لماكرون مصالحه واعتباراته، وللطبقة السياسيّة اللبنانيّة أطماعها التي تحتاج بدورها غطاءً دوليًا سيتكفّل الوصي الفرنسي الجديد بتأمينه. أما المساعدات الماليّة، فلن تكون سوى جرعات دعم للنظام السياسي القديم، دون أن تقدّم أي إصلاح جدّي أو جذري في بنية النظام الاقتصادي المتهاوي وطبيعة النظام السياسي المأزوم.

في المقابل، ثمّة أسئلة كثيرة برسم المرحلة المقبلة، تبدأ بمصير المفاوضات الجارية اليوم لتشكيل الحكومة، وتحديدًا في ظل تلويح الرئيس المكلّف بخيار الاعتذار عن تشكيل الحكومة في حال تعقّد المفاوضات وتعنّت أقطاب الحكم في صراعهم على الحصص في الحكومة الجديدة. أما السؤال الأساسي، فيدور حول قدرة فرنسا على الضغط على أقطاب النظام السياسي لتقديم بعض التنازلات في المرحلة المقبلة، وتنفيذ بعض الإصلاحات التي يشترطها صندوق النقد الدولي.

يترقّب اللبنانيون مستقبل الأزمة النقديّة والجوع الذي سينتظرهم بعد استنزاف قدرة مصرف لبنان على دعم استيراد السلع الحيويّة، كما يترقّبون كل مساعي أقطاب الحكم لإعادة إنتاج سلطة قادرة على حماية مصالحهم في المرحلة القادمة. وبين العاملين، سيكون علينا انتظار أثر دخول اللاعب الدولي الجديد، فرنسا، وما سينتج عن التسوية الجديدة التي عقدها ماكرون مع الطبقة السياسيّة اللبنانيّة.