لبنان: انهيار للعملة وعودة للشارع

الإثنين 04 أيار 2020
متظاهرون وعنصر أمن أمام فرع مصرف لبنان في مدينة صيدا الجنوبية، 28 نيسان 2020. تصوير محمود زيّات، أ ف ب.

كان كلّ شيء مهيًّأ لتلك اللحظة تحديدًا، وكلّ ما تطلّبه الأمر شرارة البداية فقط. سعر صرف الليرة يتهاوى منذ أشهر، ومعه تتهاوى القدرة الشرائيّة للغالبيّة الساحقة من اللبنانيين الذين يتقاضون أجورهم بالليرة اللبنانية. معظم السلع في السوق مستوردة، بما فيها السلع الغذائيّة الحيويّة، وأسعارها باتت تقفز صعودًا كلّ يوم مع كلّ ارتفاع في سعر الصرف. ثم جاءت أزمة «كورونا»، فلزم الجميع منازلهم بحسب قرار التعبئة العامّة الصادر عن الحكومة، وبهذا فقدت شريحة كبيرة من اللبنانيين مصدر دخلها، خصوصًا تلك التي لا تملك دخلًا وظيفيًا مستقرًا. ومع التمديدات المتعاقبة لفترة التعبئة العامة، توالى إقفال الشركات، وتوقّف بعضها عن دفع الأجور للعمّال والمستخدمين، فأصبح المشهد قاتمًا للغاية. بات الجميع أفقر، وبدأت البطون الخاوية تلعب دورها في شحن النفوس الممتلئة غضبًا منذ ثورة 17 تشرين الأوّل.

كان التدهور السريع في سعر صرف الليرة نهار الأحد 26 نيسان الشرارة الأولى، حين تجاوزت قيمة الدولار الأميركي في الأسواق عتبة الـ4200 ليرة، وهو ما يقارب 2.8 مرّات قيمة سعر الصرف الرسمي المحدد من مصرف لبنان. ثارت النفوس فبدأت الاحتجاجات في اليوم التالي تتوسّع في أكثر من منطقة لبنانيّة، لكنّ أكبرها كان في مدينة طرابلس التي اندلعت فيها أكبر المظاهرات وأكثرها صخبًا. كان انطلاق الشرارة الأولى من مدينة طرابلس مجرّد نتيجة لتنامي مستويات الحرمان والتهميش في المدينة الشماليّة مقارنة بالمدن اللبنانية الأخرى، بالإضافة إلى تكرار خيبات الأمل من جميع الزعامات والسلطات المتعاقبة ووعودها. اشتعلت فروع المصارف في المدينة، وهو ما لم يكن سوى تعبير صارم عن الغضب الشعبي إزاء حبس النظام المالي لودائع اللبنانيين والتفريط فيها، ثمّ تفاعلت سريعًا الأحياء الشعبيّة في المدينة لتكبر كرة النار بسرعة.

عندها دخلت الدولة بقبضتها الأمنيّة والعسكريّة على خط مواجهة المحتجين، وبأكثر الأشكال عنفًا، فسقط الشاب فوّاز السمّان قتيلًا بنيرانها. بعد ذلك خرجت الأمور عن السيطرة كليًا في طرابلس، وانتفضت باقي المدن اللبنانيّة ثأرًا لمقتل السمّان لتنضم بذلك إلى المواجهة إلى جانب طرابلس. لم يحتج المحتجّون إلى الكثير من الوقت للتلاقي وتنظيم الوقفات الاحتجاجيّة في المدن المختلفة؛ فشبكات الناشطين في المناطق المختلفة موجودة منذ تشرين الأوّل الماضي، والاحتقان كفيل بدفع الجميع إلى التلاقي والتحرّك بالسرعة القصوى.  

كارثة معالجات مصرف لبنان

لا يمكن فهم كلّ هذه المجريات السريعة دون تحليل الواقع النقدي والمالي خلال شهر نيسان، والأسباب المرتبطة به التي فاقمت من الأزمة المعيشيّة التي يعيشها اللبنانيون. فالاقتصاد اللبناني يمر -بالتأكيد- بمرحلة من الانهيار منذ تشرين الأوّل الماضي، وأزمة «كورونا» لعبت دورها. لكنّ بالإضافة إلى كلّ ذلك، ثمّة عوامل محدّدة ساهمت خلال شهر نيسان في مفاقمة الأزمة الاقتصاديّة، والدفع بسعر الصرف للانهيار إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ لبنان. في الواقع، تكمن هذه العوامل تحديدًا في المعالجات والتعاميم الأخيرة التي بادر مصرف لبنان إلى إطلاقها، والتي يبدو أنّها اتجهت إلى التعاطي مع تبعات الانهيار وفق منطق حماية المنظومة الماليّة القائمة وتحميل الكلّفة إلى محدودي الدخل من خلال تدهور سعر الصرف.

في بداية شهر نيسان، أعلن مصرف لبنان عن إصدار تعميم حمل الرقم 148، نصّ في أحد بنوده على تمكين أصحاب الودائع الصغرى بالدولار الأميركي من سحب ودائعهم لكن بالليرة اللبنانيّة، وفق سعر صرف سمّاه «سعر السوق» (وهو سعر صرف يقل كثيرًا عن السعر الفعلي). ثم أتبع هذا التعميم بتعميم آخر حمل الرقم 151 حيث سمح لأصحاب الودائع الأكبر بالقيام بالأمر نفسه، وفق سقوف تُرك لكلّ مصرف تحديد تدرّجها بحسب حجم الوديعة، لكنّها تصل في حدّها الأقصى إلى 5000$ في الشهر

كان تعميم مصرف لبنان يعني مسألتين هنا؛ الأولى هي تمكين المصارف التجاريّة من التخلّص من عبء التزامها للمودعين بالدولار، في ظل أزمة السيولة التي يمر بها القطاع المصرفي، دون أن تخسر فعليًّا أي سيولة بالدولار الأميركي. أما المسألة الثانية والأهم، فهي تحميل كلّفة هذه المعالجة لعموم اللبنانيين من خلال التدهور الكبير في سعر الصرف الذي سينتج عن طبع وضخ كميّة كبيرة من السيولة بالليرة اللبنانيّة، والتي ستتحوّل بالتأكيد إلى طلب على الدولار عند شراء المواد الاستهلاكية المستوردة أو الإدخار. مع العلم أن أصحاب الودائع سيخسرون بدورهم عند سحب أموالهم بهذه الطريقة، نتيجة الفارق بين سعر الصرف المحدد لهذه العمليّات وسعر الصرف الفعلي. فبينما تحدد المصارف سعر الصرف المعمول به لهذه العمليات عند حدود 3000 ليرة للدولار الواحد، يتراوح سعر الصرف الفعلي في السوق بين 3900 و4250 ليرة مقابل الدولار بحسب النهار.

بينما كانت هذه التعاميم تفعل فعلها في الضغط على سعر صرف الليرة، قرر مصرف لبنان إضافة المزيد من العوامل المؤثّرة سلبًا على هذا المستوى. فبعد توقّف المصارف عن توفير السحوبات النقديّة بالدولار للمودعين، كانت التحويلات القادمة من خلال شركات تحويل الأموال آخر المصادر المتوفّرة للدولار النقدي في السوق، حيث كان المغتربون اللبنانيون يعتمدون على هذه الشركات لإرسال التحويلات إلى ذويهم. لكنّ مصرف لبنان قرر خنق هذا المصدر الأخير أيضًا، عندما أصدر تعميم حمل الرقم 551 قضى بمصادرة هذه الدولارات الواردة، مقابل سداد قيمتها للمستفيدين من التحويلات بالليرة اللبنانيّة، وفق سعر صرف أسماه مجددًا «سعر صرف السوق». فاق سعر الصرف هذا بقليل سعر الصرف المحدد لسحوبات المصارف، إذ وصل يوم السبت الماضي مثلًا إلى حدود 3200 ليرة مقابل الدولار، لكنّه ظلّ أقل بكثير من سعر الصرف الفعلي في السوق.

مجددًا، كان هذا التعميم يعني مسألتين؛ خدمة مصالح النظام المالي من خلال مصادرة دولارات المغتربين الواردة إلى ذويهم أولًا، وحرمان السوق المحلّي من آخر مصدر للدولار النقدي، واستبدال هذه الدولارات بالمزيد من الليرات التي يبذخ المصرف المركزي في طباعتها وضخّها ثانيًا، وهو ما عنى المزيد من التدهور في سعر الصرف. وبالتأكيد، سيخسر المستفيدون جزءًا كبيرًا من قيمة هذه التحويلات، من خلال الفارق بين سعر الصرف الفعلي في السوق وسعر الصرف المعتمد لسداد قيمة التحويلات بالليرة.

اتخذ مصرف لبنان كلّ هذه القرارات السريعة والخطرة خلال الأسابيع الماضية، وخلال فترة زمنيّة قصيرة قياسًا بخطورة نتائجها.

اتخذ مصرف لبنان كلّ هذه القرارات السريعة والخطرة خلال الأسابيع الماضية، وخلال فترة زمنيّة قصيرة قياسًا بخطورة نتائجها. وبينما كانت كلّ هذه القرارات تصب في صالح التخفيف من الضغوط النقديّة التي يعاني منها القطاع المصرفي والنظام المالي بأسره، كان جميع اللبنانيين يدفعون الثمن كلّ صباح مع تراجع سعر الصرف، وتهاوي القيمة الشرائيّة لدخولهم وتعويضات نهاية خدمتهم. ومع اقتراب شهر نيسان من نهايته، كانت الضغوطات المعيشيّة الناتجة عن هذا الوضع قد باتت فوق قدرة معظم الشرائح الاجتماعيّة على التحمّل، فأصبح الانفجار مسألة وقت ليس إلّا. 

وعلى أي حال، أصبح التشوّه أحد أبرز سمات النظام النقدي، بالأخص مع تعدد أسعار الصرف المعمول بها للتعاملات اليوميّة. فبعد كلّ هذه القرارات، أصبح هناك إلى جانب سعر الصرف الرسمي (1507.5 ليرة مقابل الدولار) سعر صرف لسحب الودائع المدولرة بالليرة (حاليًا عند مستوى 3000 ليرة مقابل الدولار)، وسعر صرف لتسديد قيمة التحويلات الواردة من الخارج بالليرة (حاليًا 3200 ليرة مقابل الدولار)، وسعر صرف فعليّ يتراوح اليوم بين 3900 و4250 ليرة مقابل الدولار حسب النهار، وسقف حدده مصرف لبنان لسعر الصرف لدى الصرافين عند مستوى 3200، لكنّه سعر غير معمول به فعليّا. 

لعبة عضّ الأصابع

بينما كانت الأسواق تشهد هذا الانهيار في سعر الصرف، كان الأقطاب المسؤولون عن الوضعين المالي والاقتصادي يدخلون في لعبة خطيرة فاقمت آثار الأزمة. كان من الواضح أنّ هناك غيابًا تامًا للانسجام بين رئيسي الحكومة والجمهوريّة من جهة، وحاكم المصرف المركزي ومن خلفه القوى التي تريد التصويب على حساب الحكومة من جهة أخرى. فالزعماء السياسيون غير الممثلين في الحكومة، كسعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع، أو حتّى المعارضين لرئيسها من داخلها كنبيه بري، سرعان ما اندفعوا إلى تأمين الغطاء السياسي المطلوب لحاكم المصرف المركزي في مبارزته مع رئيس الحكومة.

لكنّ غياب الانسجام تحوّل إلى ما هو أخطر؛ فمع تفاقم الأزمة المعيشيّة لم يقم أي من الطرفين بالتحرّك لمحاولة معالجتها، لا بل دخلا في لعبة عض أصابع يراهن فيها كلّ طرف على تحميل الطرف الآخر المسؤوليّة بغية إيلامه وإسقاطه أوّلًا. 

اجتمعت الحكومة في ظل هذه الظروف، وكان كلّ ما نتج عن الاجتماع خطاب لرئيسها لم يعلن فيه أي إجراء أو قرار لمحاولة التعاطي مع المستجدات، فيما حفل الخطاب بالعبارات والتساؤلات التي تحمّل حاكم المصرف المركزي مسؤوليّة التطوّرات، وكأن الحكومة مجرّد متفرّج على الساحة الماليّة والاقتصاديّة. من جهته سارع حاكم المصرف المركزي إلى الرد، في خطاب مطوّل ومثقل بالمصطلحات الماليّة والنقديّة، لكنّه لم يحمل بدوره أي تصوّر لكيفيّة الخروج من الظروف الصعبة، فيما تركّز مضمون الخطاب على لوم الحكومة على إفراطها في الاقتراض والدفاع عن سياسات المصرف المركزي خلال السنوات الماضية.

وهكذا، رأى اللبنانيّون بأم أعينهم إفلاس السلطة وعدم امتلاكها لأي تصوّر للخروج من الأزمة، وتهرّب حاكم المصرف المركزي وحرصه على مصالح المستفيدين من النظام المالي قبل حرصه على مصالحه. كانت التناقضات داخل النظام تؤكّد للبنانيين أن أي معالجة لن تأتي دون اللجوء إلى التصعيد، وهكذا كان.

ماذا يريد الشارع؟

إذًا امتلأت الشوارع مجددًا، بعد أشهر من انكفاء المحتجّين عقب ثورة تشرين الأوّل. إلا أن الثورة اليوم تختلف في طبيعتها وشكلّها؛ فثورة تشرين الأوّل جاءت كثورة سياسيّة كلّاسيكيّة، قوامها احتجاجات سلميّة الطابع يتخللها أحيانًا بعض الصخب وقطع الطرقات والمناوشات مع قوى الأمن الداخلي. أمّا ما يجري اليوم، فهو ثورة جياع بكلّ ما للكلّمة من معنى، المنتفضون اليوم -بشكلّ أساسي- شرائح اجتماعيّة مهمّشة باتت غير قادرة على توفير مقوّمات الحياة الأساسيّة، وساحة المواجهة هذه المرّة تقع على مشارف الأحياء الشعبيّة التي لطالما همّشتها السياسات الرسميّة والسلطات المتعاقبة دون استثناء.

هذا الطابع المستجد لتحرّكات الشارع اللبناني، سيعني بالتأكيد تمتّع التحرّك الشعبي بقوّة أكبر هذه المرّة، وصلات أكثر تلاحمًا مع الشرائح الشعبيّة المتضررة من النظام الحالي. لكنّه في الوقت نفسه، يطرح أسئلة كبيرة وجديّة تتعلّق بالوجهة السياسيّة لهذه التحرّكات. فخلال ثورة تشرين الأوّل، برز سريعًا إلى الواجهة مطلب إسقاط الحكومة، وتشكيل حكومة انتقاليّة مستقلّة، وهو ما جعل من بوصلة وأهداف التحرّكات مسألة واضحة أمام الرأي العام. لكن التحرّك اليوم لم يحمل حتّى اللحظة أي هدف واضح في مواجهة السلطة السياسيّة، فيما تفاوتت الشعارات على الأرض بين المطالبة باستقالة رئيس الحكومة والإطاحة بحاكم المصرف المركزي. 

قد تكون ضبابيّة المطالب حتّى اللحظة مسألة مفهومة، بالنظر إلى طبيعة التحرّك العفوي الذي أطلقته فئات مهمّشة ومسحوقة، ولم ينتج عن دعوات سياسيّة بأطر منظّمة. لكنّ عمليًّا، من المفترض أن يبادر الشارع خلال الأيّام المقبلة إلى بلورة هذه المطالب بشكلّ واضح، للتمكّن من ترجمة هذا الزخم الشعبي إلى ضغط قادر على حماية الفئات الاجتماعيّة الأضعف والأكثر هشاشة في ظل الانهيار الحاصل. 

من ناحية أخرى، سيكون على هذه الانتفاضة المستجدة رفع خطابها السياسي بشكلّ واضح في التحرّكات على الأرض، لقطع الطريق على أي استثمار سياسي في هذه التحرّكات من قبل بعض أقطاب النظام نفسه. فمن المعلوم أن أطراف سياسيّة عديدة داخل وخارج الحكومة باتت تتحيّن الفرصة لاستغلال أي تطوّر في الشارع للضغط في مواجهة رئيس الحكومة، كما من المعلوم أن بعض أقطاب النظام نفسه يملكون حسابات معيّنة في مواجهة حاكم مصرف لبنان لأسباب عديدة. وهكذا، من الطبيعي أن يسعى هؤلاء إلى محاولة التسلل إلى أي تحرّك في الشارع من أجل استثماره، وهو ما يفرض على الشارع رفع الخطاب السياسي بشكلّ أوضح خلال الفترة القادمة.