لدى الأردن ما يمكّنه من مواجهة جائحة الكورونا، لكن هل يستفيد منه؟

الأربعاء 25 آذار 2020
طبيب يفحص مريضًا في عمّان.

رغم تسارع التطورات محليًا وعالميًا في أزمة فيروس كورونا المستجد، ما نزال نعيش في الأردن اليوم مرحلة احتواء الفيروس، من خلال منع السفر والحجر الصحي ومنع التجول. لكن المؤكد هو أن علينا الاستعداد للمرحلة التالية مع المواجهة، في حال زيادة عدد حالات الإصابة. في هذه المرحلة تصبح مهمة حماية الشعب الأردني من الفيروس ملقاة على عاتق النظام الصحي في الأردن، إذ تهدف هذه المرحلة الثانية إلى تخفيف أضرار هذه الجائحة، وتتولاها الكوادر الصحية التي قد تتعرض لضغط هائل، مما يتطلب فهم نقاط القوة والضعف في النظام الصحي من أجل تقديم أفضل مساندة لكوادره في مهمتهم النبيلة.

ورغم صعوبة المرحلة والمشاكل العديدة التي قد تشوب إدارتها، إلا أن الأردن يتمتع بمجموعة من الميزات التي لا تتوفر لكثير من دول العالم الثالث؛ ميزات قد تكون محورية في مواجهة الكورونا، لكن ذلك يعتمد بالدرجة الأولى على مقدار الاستفادة من هذه الميزات بالشكل الصحيح.

الكوادر والخبرات الطبية في الأردن

يملك الأردن أحد أكبر نسب الكوادر الصحية للسكان، مقارنة مع دول العالم الثالث. فبحسب بيانات البنك الدولي، يصل عدد الأطباء في الأردن إلى 2.3 طبيب لكل ألف من السكان، مقارنة بـ1.1 لكل ألف في العالم العربي، وبـ2 لكل ألف في الشريحة العليا من الدول متوسطة الدخل، التي ينتمي إليها الأردن بحسب تصنيف المؤسسات الدولية. وكان أحد أسباب ذلك اتجاه الطلاب الأردنيين خلال العقود الماضية لدراسة الطب في شتى بقاع الدنيا بتكلفة بسيطة في الدول الاشتراكية سابقًا.

يملك الأردن أحد أكبر نسب الكوادر الصحية للسكان، مقارنة مع دول العالم الثالث، إذ يصل عدد الأطباء في الأردن إلى 2.3 طبيب لكل ألف من السكان

لكن السياسات الصحية التي مارستها الحكومات المتعاقبة فيما يتعلق بإدارة كوادرها أدّت لهجرة آلاف الأطباء للخارج. فمن أصل 28 ألف طبيب مسجل في نقابة الأطباء الأردنيين، يعمل في الأردن أقل من 24 ألفًا، بحسب بيانات وزارة الصحة لعام 2018. كما أن نسبة الأطباء للسكان حاليًا (رغم أنها مرتفعة مقارنة بدول أخرى) هي أقل مما كانت عليه في السابق، إذ وصلت 2.9 طبيب لكل ألف عام 2014، كما كان معدل النسبة خلال العقد الأخير 2.5 طبيب لكل ألف من السكان.

ولربما الأهم هو أن أقل من ربع هؤلاء الأطباء العاملين في الأردن يعملون في وزارة الصحة الأردنية اليوم، إذ يقل عدد أطباء الوزارة عن 6000 طبيب وطبيبة، ثلثهم اختصاصيون، فيما يعمل أكثر من 60% من مجمل الأطباء في البلد في القطاع الصحي الخاص، بحسب بيانات الوزارة. بالتالي، فإن الاستفادة من نعمة توفر هذا العدد من الأطباء، الذي لا يتوفر في العديد من البلدان، مشروطة بتشغيلهم في وزارة الصحة.

من حسن حظنا أن الخصخصة لم تكتمل في القطاع الصحي الأردني، إذ ما زال جزءٌ من هذا القطاع، متمثلًا في وزارة الصحة إلى جانب الخدمات الطبية الملكية، كفؤًا وفعالًا ويعتمد ثقافة الخدمة بدلًا من السعي للربح. حيث تضم الوزارة عشرات الآلاف من الكوادر الطبية في مختلف المستويات، ومستشفيات بنيت في زمن آخر لخدمة الناس ولم تطلها بعد مشاريع الخصخصة. وبطبيعة الحال، فإن الخدمات الطبية الملكية، بوصفها إحدى وحدات القوات المسلحة، ورغم أنها تقدم خدماتها لعدد من المدنيين، فهي ليست جهة تقديم خدمة صحية عامة، وليس لها صلاحية إدارة أزمة صحة عامة كالتي نشهدها. لذا، فإن الجهة المنوط بها إدارة الأزمة هي وزارة الصحة بالتحديد، وقد أثبتت كفاءتها العالية في مواجهة الفيروس لغاية هذه اللحظة، لكن هذه الوزارة بحاجة ماسة للدعم المادي الكبير وتحسين ظروف عمل العاملين بها وتقدير عملهم وجهدهم حتى تتمكن من النجاح في مهمتها. 

يحتاج هذا الخط الأمامي لمواجهة الوباء بشدة إلى دعمنا في ضوء ازدياد عدد حالات الإصابات. فالكوادر الصحية تحتاج للحماية من مخاطر هذا الوباء لأنها الأكثر عرضة للإصابة به نتيجة مخالطتهم الاضطرارية للمصابين بالفيروس حيث يتولون علاجهم ورعايتهم، مما يجعلهم بحاجة أكثر لمعدات الحماية الشخصية. كما أنهم بحاجة إلى تدريب خاص، وإعادة التدريب لأنهم سيقومون بأعمال غير مألوفة سابقًا وليس لهم خبرة سابقة بالتعامل معها.

كما أن عدد هؤلاء غير كاف، حيث تحتاج وزارة الصحة لكوادر إضافية يجب توظيفها بشكل عاجل، خصوصًا من الأطباء والممرضين، وإلى مزيد من الكوادر المتخصصة بالإسعاف والطوارئ، والعناية الحثيثة والعزل الطبي. وللأسف فإن مثل هذه الكوادر متوفرة بكثرة خارج الوزارة، لكنها عاجزة عن القيام بأي دور لمقاومة الفيروس إلا من خلال الوزارة. 

هذا هو الوقت المناسب لاستعادة أكبر عدد ممكن من الكوادر الطبية لوزارة الصحة، والعمل على توظيف هذه الخبرات فيها، مما يسمح ويمهد لعودتها لتكون الحلقة الأقوى في القطاع الصحي، كما يجب وينبغي، وكما تثبت تجربتنا مع جائحة الكورونا، بل وكل تجاربنا وتجارب الدول الأخرى، في الأزمة الحالية كما في السابق.

كما يملك الأردن خبرات طبية متقدمة في مجال الصحة العامة، وليس فقط في الطب المتخصص. ويعود ذلك جزئيًا بسبب اهتمام حكومات العالم ومنها الحكومات الأردنية بمكافحة الأمراض السارية، وبفضل الجهود التي بذلها الأطباء الأردنيون الروّاد في مكافحة الملاريا والسل وغيرها من الأمراض السارية، والخبرات المتراكمة التي اكتسبوها في هذا المجال. كما يرجع جزئيًا لبقاء مهمة الصحة العامة والطب الوقائي بيد وزارة الصحة، حيث لم تتم خصخصتها كما فعلت الحكومة مع الطب العلاجي. 

انعكس ذلك في نجاح اللجنة الوطنية للأوبئة التي قدمت توصيات ممتازة للحكومة لمواجهة الوباء. صحيح أن الحكومة قد التزمت بمعظم هذه التوصيات مما قد يحد من انتشار الوباء مقارنة بالدول الأخرى، لكنها تأخرت في تطبيق بعضها مما أثر سلبًا على عدد الحالات المصابة. ويعود الفضل في تبني الأردن للحجر والعزل الصحي بالدرجة الأولى لهذه اللجنة تحديدًا.

الموارد اللازمة لمقاومة الوباء

يحتاج علاج الحالات المتوقع تزايدها توفر عددٍ كبيرٍ من غرف الإنعاش وأجهزة التنفس، وهي متوفرة بعدد ضئيل في وزارة الصحة مقارنة مع القطاعات الأخرى وخصوصًا في مستشفيات القطاع الخاص، نتيجة إهمال الحكومات لوزارة الصحة ودعمها للقطاع الخاص، بما في ذلك خصخصة الكثير من وظائف الوزارة. مما يتطلب توفير هذه الغرف والأجهزة للوزارة على وجه السرعة، وخصوصًا في ظل عدم إمكانية استعمالها في القطاع الخاص بسبب تكلفتها المرتفعة جدًا. ويمكن في هذا الإطار شراء العديد من المرافق الصحية التي يملكها القطاع الخاص والتي تعثرت بسبب تراجع السياحة العلاجية، بدلًا من السعي للتوسع في بناء المرافق الخاصة لخدمة السياح.

ارتفع الإنفاق الصحي في الأردن في السنوات الماضية، نتيجة التوسع في القطاع الخاص ومشاريع الخصخصة، لكن ذلك ترافق من جهة أخرى مع تخفيض ميزانية وزارة الصحة في السنوات الخمس الأخيرة، لتصل إلى أقل من ثلث مجمل الإنفاق الصحي في الأردن. كما وصل الإنفاق الخاص من جيوب المواطنين إلى حوالي نصف الإنفاق الصحي الكلي، بعدما كانت حوالي الثلث عام 2013، بحسب الاستراتيجية الوطنية للقطاع الصحي. وهذا يستدعي العمل فورًا على زيادة موازنة الوزارة (التي بلغت العام الحالي 611 مليون دينار) للضعف على الأقل، حتى تستطيع مواجهة هذا البلاء.

حصل الأردن في السابق على مساعدات غنية في المجال الصحي من المجتمع الدولي (بما فيها وكالة الغوث) بسبب موقعه الجغرافي خصوصًا كمستقبل للاجئين، وقد ساهمت هذه المساعدات بشكل خاص في بناء العديد من المستشفيات والمراكز الصحية خصوصًا تلك التابعة للقطاع العام. ومن الضروري استمرار هذه المساعدات في ظل هذه الجائحة أيضًا، حيث أن الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل لا تستطيع لوحدها توفير الموارد اللازمة لمواجهة أوبئة بمثل هذا الحجم، وبشكل خاص التجهيزات والعدد اللازمة للكشف عن وفحص وعلاج المصابين بالوباء.

كما خلقت الكوارث السياسية التي عصفت بالمنطقة مبادرات تطوعية في المجال الصحي من الكوادر الطبية في القطاعين العام والخاص، ساهمت في إنقاذ حياة عشرات المصابين في العراق وغزة ولبنان وغيرها، وتشكلت لديها تجربة غنية في هذا المجال. وقد هرع المتطوعون للمساعدة في التصدي للوباء أيضًا، وعلينا الاستفادة في أسرع وقت من هؤلاء المتطوعين.

الفئات التي تحتاج دعمًا خاصًا

صحيح أن الوباء يهدد الجميع، لكنه يلحق الضرر بفئات من السكان أكثر من غيرهم، فهو أشد خطورة وفتكًا بالمسنين والمصابين بأمراض القلب والرئتين، والعجزة وذوي الإعاقة، كما أن الإجراءات التي يتخذها المجتمع تعرض فئات أخرى للإصابة، مثل من يضطرون لمغادرة منازلهم لأن المجتمع بحاجة لخدماتهم ولا يستغني عنها، وهذه الجائحة التي أظهرت أحسن السلوكات في المجتمع وخصوصًا فئة المتطوعين الذين نحتاجهم في هذا الظرف الصعب.

تحتاج وزارة الصحة لكوادر إضافية يجب توظيفها بشكل عاجل، خصوصًا من الأطباء والممرضين، وإلى مزيد من الكوادر المتخصصة بالإسعاف والطوارئ، والعناية الحثيثة والعزل الطبي.

ونتيجة تدابير الوقاية مثل الحجر المنزلي ومنع التجول، ستتعرض فئات أخرى إلى نقص شديد في الخدمات التي كانوا يتلقونها من المجتمع المحلي، مما يستدعي ضمان استمرار تلبية احتياجاتهم من الأدوية والعناية الشخصية، ومن المفيد في هذا المجال إشراك المتطوعين والجيران (المستعدين) للمساعدة في تلبية الاحتياجات اليومية مثل التسوق وتقديم وجبات الطعام ومهام أخرى. وتشمل هذه الفئات المسنين، وأصحاب الأمراض المزمنة، ومرضى السرطان، ومرضى غسيل الكلى، وبعض الأمراض العقلية. كما يجب وضع ترتيبات خاصة لنزلاء مستشفى الأمراض العقلية، ونزلاء السجون لتدابير خاصة لمنع انتشار المرض بينهم. أما الفئة الأخيرة التي تمر بوضع صعب في هذه الجائحة فهي فئة العمال الأجانب وخصوصًا الذين يعملون دون تأشيرة، لأنهم غالبًا ما يخشون استخدام الخدمات الصحية خوفًا من القبض عليهم. على الحكومة أن توضح أنه لن تكون هناك حواجز تعترض رعاية هؤلاء السكان خلال هذه الأزمة.

من غير الممكن التوقف عن الخدمات الصحية الأخرى في زمن الوباء، لكن الحكومة مجبرة في هذه المرحلة على تنظيم الأولويات وتأجيل الجراحات الاختيارية غير العاجلة. ومن المنطقي أيضًا استخدام التكنولوجيا لبعض الوظائف وخصوصًا للمؤتمرات والاستشارات عن بعد لتقليل الحضور للمراكز الصحية والمستشفيات، ويمكن استخدام ذلك بشكل خاص للعيادات والمراكز الصحية خارج المستشفيات، حيث يمكن تقديمها عبر الإنترنت، وهذا ينطبق أيضًا على تقديم المعلومات والنصائح الطبية. يشكل هذا الوباء فرصة جيدة لمشاركة الجمهور والمرضى في صميم سياسات وزارة الصحة وهذا أمر معمول به في الدول المتقدمة وخصوصًا في الحالات الطارئة.

وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية 

سيتضرر الاقتصاد من الوباء، وستتوقف الكثير من الخدمات التطوعية التي تقدمها المنظمات غير الحكومية لمساعدة المحتاجين، وسيفقد بعض العمال، وخصوصًا العمالة اليومية والعمالة غير المنظمة والمهن الفردية، أعمالهم ويتوقف دخلهم اليومي الذي يعتمدون عليه لاستمرار معيشتهم ومعيشة عائلاتهم. هذا الوباء سيستمر لأشهر وسيصرف الناس من هذه الفئات مدخراتهم الضئيلة بسرعة شديدة.

لقد انتبهت الكثير من دول العالم إلى أن الصحة ترتبط ارتباطًا وثيقًا مع تلبية الحاجات المعيشية للمواطنين، إذ لا صحة لمن لا دخل له، مما دعاها إلى استبدال وزارة الصحة لتصبح وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية، وقد حان الوقت أن يتم ذلك في الأردن. 

تحتاج الرعاية الاجتماعية إلى اهتمام خاص، وإلى الاستثمار والدعم السخي في وقت مثل هذه الطوارئ، وهي شرط أساسي لنجاح احتواء جائحة الكورونا والتخفيف من ضررها. حيث يبدو أن الأشخاص الأكثر عرضة للخطر هم الأكثر عرضة للإهمال. 

ختامًا، بحسب هذا الاستعراض، لدى الأردن الكثير مما يمكن استغلاله بشكل مؤثر لمواجهة جائحة الكورونا، ولا تتوفر معظم هذه الميزات لغيره من دول العالم الثالث. لكن مع ذلك، فإن نجاحه في مواجهة الجائحة يعتمد بالدرجة الأولى على مقدار الاستفادة من هذه الميزات بالشكل الصحيح، عبر تمكين وزارة الصحة، بزيادة ميزانياتها ومواردها خاصة البشرية، وتوفير كل ما يلزم لحماية أرواح وسلامة أفراد الجهاز الصحي المقاوم للوباء، والاستفادة من العمل التطوعي وتنظيمه، ورعاية الفئات الأشد تضررًا من تدابير احتواء الحائجة.

  • Rania E

    شكرا لك على هذا المقال الممتاز.

    “الأشخاص الأكثر عرضة للخطر هم الأكثر عرضة للإهمال.” كم هذا صحيح بالنسبة لجميع الكوارث في زمننا الحالي. شكرا لتوضيحك بأن الأزمات هي التي تكشف عن عواقب إهمال القطاع العام وضرورة إعادة إحيائه وتمكينه، لأن القطاع الخاص لن يحتوي وباء، ولن يحمي الملايين من الجفاف والحر والفيضانات القاتلة وتغير المناخ. إنها ضرورة ملحة لن تحتمل الانتظار، لأننا في عقود الكوارث، والقادم أسوأ.