اعتصام المعلّمين الأردن

لماذا يعتصم معلمو ومعلمات الأردن؟

من اعتصام المعلّمين في عمّان، 5 أيلول 2019. تصوير خليل مزرعاوي. أ ف ب.

لماذا يعتصم معلمو ومعلمات الأردن؟

الخميس 05 أيلول 2019

حبر – شهدت عمان اليوم حالة غير اعتيادية من إغلاقات الشوارع والتواجد الأمني على الطرق والساحات العامة، بعد أن منعت وزارة الداخلية اعتصامًا لنقابة المعلمين الأردنيين كان من المنوي إقامته على الدوار الرابع، وأغلقت عددًا من الشوارع المؤدية إلى الدوار.

فقد دعت نقابة المعلمين أواخر شهر آب الماضي إلى الاعتصام على الدوار الرابع، بتاريخ الخامس من أيلول 2019 للمطالبة بالعلاوة التي يبلغ قدرها 50% من الراتب الأساسي، وهو جزء من الراتب المستحق للمعلم. لكن وزارة الداخلية أعلنت أمس الأربعاء رفض السماح للمعلمين بالتظاهر على الدوار الرابع أو على دوار الداخلية، وسمحت لهم بالاعتصام في الساحة المقابلة لمجلس النواب في منطقة العبدلي. 

يأتي احتجاج نقابة المعلمين للضغط على الحكومة للمطالبة بعلاوة الخمسين بالمئة، التي سُميت علاوة الطبشورة. إذ كانت نقابة المعلّمين قد صرحّت «أن مطلبنا المتعلق بعلاوة الـ50%، هو مطلب حق ومستحق منذ خمس سنوات، وقد تم الاتفاق عليه، والحكومة هي من نكثت اتفاقها»، وذلك بناء على اتفاق غير رسمي توصلت إليه الحكومة مع نقابة المعلمين عام 2014، فكت النقابة على أساسه إضرابًا كانت تخوضه.

ما هي مطالب المعلّمين؟ 

قبل عام 2018، كانت علاوات المعلمين خاضعة لتعليمات صادرة بموجب نظام الخدمة المدنية، حددت العلاوة الإضافية للمعلم في وزارة التربية والتعليم لعام 2012 بـ85% من الراتب الأساسي، على أن ترفع إلى 100% من بداية عام 2013. 

في آب 2014، قبيل بداية السنة الدراسية لعام 2014/2015، نفذت النقابة إضرابًا دام 13 يومًا، طالبت فيه «بتعديل نظام الخدمة المدنية وإقرار زيادة علاوة المهنة [وهي العلاوة الأساسية] من 100% إلى 150%، وسن تشريعات لحماية المعلم، ونظام المؤسسات التعليمية الخاصة، وتحسين خدمات التأمين الصحي، وإحالة صندوق ضمان التربية إلى مكافحة الفساد». وقبل ساعات من اليوم الأول للدوام المدرسي، علقت النقابة الإضراب، بناء على اتفاق بينها وبين الحكومة بشأن هذه المطالب.

في ذلك الوقت، أكّدت الحكومة على موافقتها على جميع هذه المطالب الستة، باستثناء العلاوة، وهو ما تظهره وثيقة بهذا الصدد صادرة عن وزير التربية والتعليم الأسبق، محمد الذنيبات، في 28 آب 2014، جاء فيها «لا نستطيع النظر في العلاوة أو الالتزام بأي مبلغ حاليًا أو مستقبليًا نظرًا لعجز الموازنة المتراكم وصعوبة قراءة المستقبل، وفي حال تحسن الوضع المالي للموازنة ستكون الأولوية للمعلم».

لكن نقيب المعلمين السابق، حسام المشة، الذي كان على رأس النقابة في ذلك الوقت، يقول إن النقابة وُعدت في حينه بجدولة العلاوة على مدى السنوات الخمس المقبلة كحد أقصى، بحيث تصل الـ50% في عام 2019، وهو ما يؤكده النائب محمد القطاطشة، رئيس لجنة التربية النيابية، الذي كان شاهدًا على الاتفاق بين النقابة والحكومة في ذلك الوقت. ويقول المشة إن هذه الوعود كانت برعاية مجلس النواب.

تقول عبير الأخرس، عضو الهيئة المركزية للنقابة الحالية، والتي كانت عضو مجلس نقابة عام 2014، إن مجلس النقابة راسل ابتداءً من شهر أيار من العام الحالي كلًا من رئاسة الوزراء ومجلس النواب ووزارة التربية والتعليم ووزارة الداخلية وديوان الخدمة المدنية ووزارة المالية، باعثًا «رسائل وكتب رسمية إنه إحنا ننتظر الوفاء بالوعود اللي وعدتونا فيها بالـ2014. لم يستجب أحد، وحكينا لهم حاوِرونا، لكن بدون إجابة من الحكومة». وتضيف إن النقابة تلقت وعودًا بجدولة علاوة الـ50% في ميزانية عام 2016، لكن ثلاث سنوات مرت بعدها دون أن تنفذ ذلك. «إحنا عم نحكي عن 50% برغم التضخم اللي صار بالاقتصاد الأردني اللي صار الضعف، وارتفاع الضرائب والرسوم. تآكلت رواتب المعلمين فهذا اللي خلاهم يرجعوا ويطالبوا»، تقول الأخرس.

وتقول سماهر السرحان، وهي معلمة لغة عربية في إحدى مدارس ماركا في عمان، حاصلة على درجة الدكتوراه، إن المعلمين والمعلمات لم يلجأوا لهذا الاعتصام خلال السنوات التي تلت اتفاق 2014 لأنهم كانوا ينتظرون تحقق «وعود الحكومة»، بحسبها. وحاولت السرحان الوصول إلى مكان الاعتصام على الدوار الرابع دون جدوى، لتتظاهر مع مجموعة من المعلمات قرب دوار الشميساني. «نقابتنا هيك قررت وإحنا ماشيين مع النقابة. لا مجال أمام الحكومة إلا أن تفي بوعودها أمام هذا الزخم من المعلمين المتواجدين على كل شوارع عمان»، تقول السرحان.

متظاهرة قرب دوار الشميساني في عمان اليوم. تصوير محمد غباري.

ربط العلاوة بالمسار المهني

خلال تولي عمر الرزاز لوزارة التربية والتعليم، أعدّت مسودة نظام مزاولة المهن التعليمية لسنة 2018 الذي حل مكان نظام الخدمة المدنية للمعلمين فيما يتعلق بالعلاوات، على أن يُعمل به من بداية العام الدراسي 2018/2019. وهدف النظام بحسب الرزاز حينها إلى «تحديد مسار وظيفي خاص بالمعلمين (..) يتضمن معايير لتقييم الأداء والحوافز والعلاوات ويسهم في تنميتهم مهنيًا، ويراعي خصوصيتهم». كما أوضح الرزاز حينها أن «نظام مزاولة المهنة يختلف تمامًا عن المنحنى الطبيعي المتبع في ديوان الخدمة المدنية المخصص لتقييم أداء موظفي المؤسسات والوزارات الحكومية».

يميز النظام بين أربعة أنواع من العلاوات. أولها علاوة معلم متدرب، وتستحق عند التعيين، وقدرها 50% من الراتب الأساسي. وحين يحصل المعلم أو المعلمة على رخصة مزاولة المهنة، يتلقى العلاوة الأساسية، ومقدارها 100% من الراتب الأساسي، وتسمى أيضًا علاوة المهنة. 

النوع الثالث هو العلاوة الفنية، التي تسمى أيضًا علاوة المسار المهني، والمرتبطة بالمستوى الذي يصله المعلم بحسب النظام. الترقي في هذا المسار يمر بفئات لها متطلبات مهنية وتتراوح مدة كل منها في الغالب بين 3-5 سنوات. وبحسب النظام، تتدرج هذه العلاوة من 25% من الراتب الأساسي للمستوى الثاني، 50% للمستوى الثالث، 100% للمستوى الرابع. بالتالي، فإن الحد الأقصى لهذه العلاوة لمن يصل الفئة الأخيرة من المستوى الرابع عند جمعها مع العلاوتين الأولى والثانية يصل إلى 250% من الراتب الأساسي.

فمثلًا، لو كان الراتب الأساسي لمعلمة من المستوى الأول هو 190 دينارًا، فإنها تحصل على 190 دينارًا إضافية كعلاوة أساسية قدرها 100%، ليكون راتبها 380 دينارًا. ومن أجل الحصول على علاوة فنية قدرها 50%، ليصبح راتبها 475 دينارًا، فعليها الوصول إلى المستوى الثالث، أي فئة المعلم الخبير، بعد مدة تتراوح بين 9 و15 سنة من تاريخ تعيينها، وذلك في حال توفر شواغر.

أما علاوة التميز، فيستحقها المعلمون والمعلمات «من ذوي الأداء المتميز»، وتصل في حدها الأقصى 50% من الراتب الأساسي، لكن النظام لا يحدد تدرجها أو أسس منحها أو مدتها، ويحيل ذلك إلى «تعليمات خاصة يصدرها الوزير لهذه الغاية». كما أنها مشروطة بتوفر المخصصات. وبحسب عضو مجلس نقابة المعلمين الحالي، غالب أبو قديس، فإن تحصيل هذه العلاوة يعتمد إلى حد كبير على حصول المعلم على شهادات ودورات مهنية مختلفة، لا على جودة التعليم، وهو ما يرتب على المعلمين والمعلمات كلفًا عالية لهذه الدورات في حال أرادوا السعي لتحصيل علاوة التميز.

بالتالي، فإن المطلب الرئيسي للمعلمين والمعلمات المحتجين هو رفع مقدار العلاوة الأساسية من 100% إلى 150%، وهو ما تم التعارف على تسميته علاوة الخمسين بالمئة، أو الطبشورة.

تؤكد الحكومة على أنها اتفقت مع مجلس النقابة السابق على ربط العلاوات بالمسار المهني، حيث قالت في بيان صادر اليوم الخميس إنها «عقدت العديد من اللقاءات والاجتماعات مع مجلس النقابة للوصول إلى حلول بشأن المطالب التي تطرحها، وتمخّض عنها التوافق على إقرار نظام مزاولة المهن التعليميّة الذي يتيح علاوات تصل إلى 250% مقترنة بنوعية الأداء، وقد صادق عليه مجلس النقابة السابق»، معتبرة هذا النظام «وثيقة قانونية ملزمة».

لكن عضو مجلس النقابة السابق، عبد الرحمن الزبن، يقول إنه موضوع ربط العلاوة بالمسار المهني «صار فيه نقاش لكن ما صار عليه اتفاق بشكل نهائي»، مضيفًا أن هناك خلافًا على كثير من المواد المتعلقة بذلك في النظام، وأن النقابة اعترضت فيه حينه عليها. لكن الوزارة أرسلت النظام «لديوان التشريع والرأي دون توقيع النقابة عليه ودون الأخذ بتعديلات نقابة المعلمين».

أما النقابة الحالية، فترفض ربط العلاوة بالمسار المهني، إذ يقول عضو مجلسها، أبو قديس، إن «المسار المهني عبارة عن لعبة من الحكومة أرادت فيها خديعة المعلمين والجسم التربوي. هي تدعي بأن المسار المهني قد يصل فيه المعلم إلى [علاوة] 250%»، لكن ذلك عمليًا شبه مستحيل، بحسبه، نظرًا إلى أن ذلك يتطلب اجتياز جميع المستويات المحددة في المسار. فمثلًا، المستوى الثالث بحسب النظام هو مستوى المعلم الخبير، ويتلقى علاوة قدرها 50% من الراتب الأساسي. لكن بحسب أبو قديس، فإن عدد المعلمين الواصلين لهذا المستوى هم «تقريبًا 90 معلم خبير فقط على مستوى المملكة، مع العلم أن ترفيع المعلم من فئة إلى فئة هو حسب الشاغر، يعني إذا ما توفر شاغر، ما في ترفيع».

من جهة أخرى، نظرًا إلى أن نظام مزاولة المهن التعليمية يحدد مددًا زمنية للانتقال من فئة إلى فئة أخرى في المسار المهني، فإن الوصول إلى المستوى الأخير يتطلب ما بين 12 و20 سنة من تاريخ التعيين في مدارس الوزارة.

ويضيف أبو قديس أن هذا الربط كان مخالفًا للقانون المعدل لقانون نقابة المعلمين الأردنيين لسنة 2018، الذي جاء في المادة 5 منه أن النقابة تلتزم بـ«عدم التدخل بسياسات التعليم والمناهج والبرامج والمعايير المهنية وشروط مزاولة مهنة التعليم والمسار المهني والوظيفي للمعلمين». بالتالي، فلا صلاحية لمجلس النقابة السابق بالموافقة على هذا الربط بين العلاوة والمسار المهني.

من اعتصام المعلّمين في عمّان، تصوير خليل مزرعاوي. أ ف ب.

إغلاقات وتضييقات على المعتصمين

كانت وزارة الداخلية قد أعلنت يوم الأربعاء الماضي السماح باعتصام المعلمين في الساحة المقابلة لمجلس النواب، فيما أصرّت النقابة على الاعتصام على الدوار الرابع، والذي أطلقت عليه اسم دوار أحمد الحجايا، بعد وفاة نقيب المعلّمين السابق أحمد الحجايا في حادث سير على الطريق الصحراوي قبل أسبوع. فيما كانت وزارة التربية والتعليم قد صرّحت عبر الناطق باسمها، وليد الجلّاد، ضرورة الالتزام بالدوام اليوم.

صباح اليوم أقامت الأجهزة الأمنية نقاط غلق في منطقتي القطرانة والحسا على الطريق الصحراوي، وبحسب الأخرس فإنها منعت قدوم المعلمين من محافظات الجنوب. «باصاتهم انمنعت وانلمّت الرخص من كثير من السائقين وانحجزت هويّات الكثير من المعلمين لحتى ما يكملوا الطريق. طبعا نزلوا مشيًا على الأقدام وبعدين صاروا يطلعوا بالسيارات الخاصة»، تقول الأخرس.

في المفرق، وبحسب المعلّمة عالية خنفر التي وصلت مكان الاعتصام بسيّارتها الخاصة، كان مقرّ نقابة المعلمين في المدينة هي نقطة التجمّع التي كان من المفترض أن تنقل منها، باصات استأجرتها نقابة المعلّمين، المعلّمات إلى الدوار الرابع، فيما سيذهب المعلّمون إلى الاعتصام بسيّاراتهم الخاصة، لكن تم منع الباصات من الانطلاق، ومن ثم انتقلت المعلّمات «لمكان ثاني وجابولنا باصات على مكان ثاني وبرضه حجزونا وطلعونا من الباصات» بحسب خنفر. 

لكن العديد من المعلّمين والمعلّمات وصلوا إلى محيط الدوار الرابع، رغم الإغلاقات التي طالت العديد من شوارع العاصمة القريبة من مكان الاعتصام، لتشهد عمّان أزمات مرورية خانقة في العديد من شوارعها. 

وقد أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق المعتصمين، بحسب غالب أبو قديس، عضو مجلس نقابة المعلّمين، كما استعملت مرشات المياه لإجبار المعلمين على مغادرة المكان، بحسب موقع عمون. ونقلت مواقع إخبارية أخبار عن اعتقال حوالي عشرات المعلمين. 

تعزيزات أمنية قرب دوار الداخلية، تصوير محمد غباري.

وتعليقًا على تعامل الحكومة مع الإضراب، يقول النقيب السابق المشة إن الحكومة «لم تتصرف بعقلانية ولا بحكمة. كان بامكانهم أن يتركوا المعلمين يتوجهوا إلى الدوار الرابع لا أن يوقفوهم على الطريق الصحراوي، ويمنعوهم من [المجيء] من كل المحافظات، ويفرقوا المعلمين، ويقطعوا الاعتصام إلى عدة اعتصامات».

وعبّر أبو قديس عن سعادته بمدى المشاركة في التظاهر رغم هذه الإغلاقات بالقول «الالتزام في الاعتصام جميل جدًا وشيء يرفع الرأس، خصوصًا من زميلاتنا المعلمات، اللي لأول مرة بلبوا نداء النقابة بهذا الحجم».

ومع ساعات العصر، وبعد أن انتهت المهلة التي منحتها النقابة للحكومة من أجل فتح الطرقات، أعلنت النقابة الإضراب يوم الأحد القادم. 

وأكدت الحكومة في بيانها الصادر اليوم «التزامها بالحوار وحرصها على التفاعل مع مطالب نقابة المعلّمين مع مراعاة المصلحة الوطنيّة، وعدم الإضرار بحقّ الطلبة في التعليم».

تعلق السرحان على ذلك بالقول «أي حوار؟ هذول الدرك الموجودين أسلوب حوار؟ (..) إحنا بدنا نطلع وقفة احتجاجية واعتصام وهذا شيء سمح فيه القانون والدستور الأردني». وتضيف «إحنا مصالحنا معطلة من أربع سنين، ليه ما فكروا فينا؟ إحنا لازم نفكر بالآخر دائمًا؟ المعلم لازم يدفع الثمن دائمًا؟ والمجتمع يتفرج يعني، لا خليهم يحسوا».

ساهم الزميل محمد غباري في إجراء المقابلات الميدانية.