ليبيا ما بعد الثورة في زمن الصراعات المسلحةّ: تركة الاستعمار وإخفاقات الدولة الوطنية

من الاشتباكات التي شهدتها ضواحي طرابلس في نيسان 2019. تصوير فاضل سنّا

ليبيا ما بعد الثورة في زمن الصراعات المسلحةّ: تركة الاستعمار وإخفاقات الدولة الوطنية

الإثنين 09 آذار 2020

تدريجيًا، تصاعدَ التوتر العسكري في ليبيا في الفترة الأخيرة من حرب بالوكالة إلى تهديد بالتدخل العسكري ‏المباشر. سعت كل الأطراف إلى تسليح حلفائها الميدانيين بمختلف أنواع الأسلحة التي ‏تضمنُ شكلًا من التوازن الاستراتيجي بين الأطراف المتصارعة. إذ عملت كل من الإمارات ومصر على ‏الحفاظ على نسق الغارات الجوية، وزوّدت تركيا حكومة الوفاق ‏بالطائرات المسيرة «الدرونز». كما تتواتر الأخبار عن حضور سوداني وروسي مع المشير خليفة ‏حفتر، وعن توافد مقاتلين سوريين من تركيا إلى ليبيا.

مثّل توقيع مذكرة التفاهم التركية الليبية إشارة إلى دخول النزاع مرحلةً مختلفة عن سابقاتها، عدا عن مساهمة ذلك في ازدياد التوتر. فبينما عمدت تركيا لفرض التوازن لصالح حلفائها بالتهديد بالتدخل ‏العسكري المباشر، نفّذت مصر، بجيوشها الثلاثة، مناورة عسكرية أطلقت عليها اسم «قادر 2020». هذا التكثيف للصرّاع، زاد صداه محليًا ودوليًا، مما أعاد تحريك المبادرات الدولية قصد تجنب أي مواجهات مباشرة بين الدول المتدخلة.

تتقاذف الأطراف الليبية النيران، بينما تنظر الأطراف الدولية لمصالحها الممكنة، ساعيةً لفرض قدر من المكاسب في ساحة لا تهدأ. فالصراع يدور حول على النفط، وحول مرحلة ما بعد الحرب؛ هذه المرحلة السياسية القادمة التي لا تزال بعيدة المنال. ويزيد من تعميق المواجهة عدم وجود طرف واحدٍ قادرٍ على الحسم يمكن التعويل عليه من قبل أي طرف، لذا يأخذ الصراع هذا الشكل المعقد والمستمرّ والمتصاعد.

ولعل الهدف الأوضح في هذه المرحلة من الصراع هو تثبيت وجود الأطراف الدولية؛ تركيا وقطر، الداعمتين لحكومة الوفاق وحلفائها من المجموعات المسلّحة وقبائل الغرب الليبي من جهة، وروسيا ومصر والإمارات الداعمة لحفتر وما تبقى من نواب برلمان «طبرق» وقبائل الشرق الليبي من جهة أخرى، وأوروبا التي تنقسم مواقف دولها بين فرنسا الداعمة لحفتر، وألمانيا التي تقدّم نفسها على أنها طرف غير منحاز.

لكن فهم خارطة الصراع في ليبيا لا يقتصر على تحليل التحالفات الحالية والخطوات العسكرية، بل يتطلب نظرة أعمق ما وراء المؤتمرات الدولية، إلى بنية الدولة الليبية ما بعد الاستعمار، وتحولاتها في عهد معمر القذافي.

مؤتمرات تدوير الأزمة

تعددت المؤتمرات الدولية التي عُقدت حول ما بات يسمّى الأزمة الليبية، من «مؤتمر الصخيرات» بالمغرب في 17 كانون الأول/ديسمبر 2015 الذي سعى إلى بناء الإطار السياسي ‏والمؤسساتي للانتقال في ليبيا، إلى اتفاق باريس بفرنسا في 29 أيار/مايو 2018 الذي سعى للتمهيد لتبني ‏دستور ليبي وإطلاق العملية الانتخابية وبناء المؤسسات العسكرية والأمنية الموحدة، وهو ما فشل فيه عمليًّا. ولم يختلف ‏مصير «مؤتمر باليرمو» في إيطاليا في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2018 عن «مؤتمر باريس»، حيث بقيت مخرجاته ‏في حدود الخلاصات التي لم تلقَ الإجماع الليبي المشترك، خاصة مع مقاطعة المشير خليفة ‏حفتر له. وانتهى اتفاق «مؤتمر أبو ظبي» في 27 و28 شباط/فبراير 2019 إلى نفس النتيجة عندما ‏فرضت الجماعات المسلحة على أرض الواقع صوتها على مخرجات المؤتمر.

وعندما كان «مؤتمر موسكو» في 12 و13 كانون الثاني/يناير 2020 بصدد تقديم نتائجه عمليًا فيما يتعلّق بإعلان هدنة بين طرفي الصراع، بدأ الحديث عن ‏مؤتمر برلين، في سعي أوروبي لإعادة دور الاتحاد، الذي تقلّص أمام التحركات الروسية ‏والتركية،[1] خاصة بعدما لعبت تركيا أهم أوراقها بتوقيع مذكرة التفاهم الحدودي مع حكومة الوفاق، في ‏‏27 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، بمطامع استراتيجية واقتصادية واضحة وسط واقع شديد التغيّرات.

حضر مؤتمر برلين، في 19 كانون الثاني/يناير الفائت، كلٌ من روسيا، والصين، والولايات المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا، وبريطانيا، وتركيا، و‏مصر، والإمارات، والجزائر، ورئاسة الاتحاد الأفريقي، ورئاسة المجلس الأوروبي، ‏ورئاسة الاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة. وغابت عن المؤتمر تونس بعد ‏أن أعلنت الخارجية التونسية رفض الدعوة التي تأخرت، خاصة أن ألمانيا قد ‏أعلنت عن المؤتمر منذ أشهر دون تحديد موعده. من المحتمل أن يكون الموقف الألماني من ‏تونس مرتبطًا بقضية اللاجئين التي تمثّل هاجسًا رئيسًا للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل منذ انتخابات ‏‏2017 بسبب الخلاف الحاد بين الأحزاب الألمانية. فليبيا، إلى جانب تركيا، تُعتبران بوابتي دخول اللاجئين الرئيسيتين إلى ألمانيا. ‏وسبق أن أكدت تونس على الالتزام بالمعايير الدولية في قضايا اللاجئين مع ‏رفضها أن تكون مستقرًا نهائيًا لهم. مع أن هذا الالتزام دائمًا ما تضعه منظمات المجتمع المدني المحلية خاصة محلّ مسائلة من خلال معاينة حالات عديدة تصرفت فيها السلطات التونسية بمخالفة لحقوق طالبي اللجوء، هذه المخالفات التي تورطت فيها منظمات وجهات دولية.[2] 

يعود انعدام الثقة المتبادل في ليبيا للإرث الثقيل للدولة ‏الاستبدادية التي جعلت من تعبير الليبيين عن اختلافهم بالسلاح الحلّ الممكن

كما أن عدم الاستقرار السياسي في تونس، والتزامها الحياد في الشأن الليبي، خلافًا ‏للجزائر، التي أعلنت موقفًا معاديًا لحفتر بسبب خوفها من وصوله أو حلفائه إلى حدودها، استجابت للضغوط التركية لحضور المؤتمر. كل هذه الأسباب، جعلت من الحضور التونسي غير ذا أهمية بالنسبة لألمانيا، رغم العلاقات الجيدة التي تربهطما.

غابت المغرب أيضًا عن مؤتمر برلين رغم دورها الإقليمي والدولي الرئيسي منذ مؤتمر الصخيرات، وكانت الخارجية المغربية قد أبدت استغرابها لعدم ‏تلقيها دعوة للحضور متسائلة عن المعايير والدوافع التي تم على أساسها اختيار الدول ‏المشاركة، مع أن المغرب أقل تأثّرًا من الناحية الأمنية لأنه لا حدود جغرافية تربطها بليبيا.

يحيل غياب دول الإقليم عن مؤتمر برلين أو التأخر في دعوتها للتساؤل عن الهدف منه، بما يجعل المؤتمرَ اجتماعًا للأطراف الدولية ‏الغربية بالإضافة إلى تركيا على أعلى مستوى، بهدف تقريب وجهات النظر وإعادة توازن ما يحفظ ‏لأوروبا بالأساس دورها.

فمنذ المبادرة الروسية التي سعت لجمع الأطراف الليبية في موسكو، إضافة للنشاط التركي، ‏سواءً من خلال مذكرة التفاهم لترسيم الحدود البحرية أو عبر استعداد تركيا التدخل ‏عسكريًا، ظهرت مؤشرات واضحة على خروج الملف الليبي من أيدي الأوروبيين، خاصة مع كوْن ‏الحضور الروسي-التركي، بالتعاون مع حلفائهما، الأكثر تأثيرًا في مجريات ‏الصراع، منذ معارك طرابلس التي ما أن تنتهي إلّا وتتجدد.

لا تنتهي جولة مفاوضات إلّا ويعلن عن جولة جديدة، ومؤتمرات دولية تفضي إلى مؤتمرات دولية أخرى. وهنا يبرز التساؤل عن دور العامل الداخلي الليبي في إدامة هذا الوضع. حيث يمثل ‏جو عدم الثقة بين الأطراف الليبية المتصارعة أحد المعالم المميزة للمشهد، إضافةً لحرب الوكالة كعامل خارجي مؤثر يرتبط بالعامل الداخلي.

ويعود انعدام الثقة المتبادل في ليبيا للإرث الثقيل للدولة ‏الاستبدادية التي جعلت من تعبير الليبيين عن اختلافهم بالسلاح الحلّ الممكن ما دامت الأطراف الدولية مستفيدة من دخول السلاح لليبيا، ولأن هذه الأطراف لم تصل بعد لتفاهمات فيما بينها حول الاستفادة من المغانم الاقتصادية والاستراتيجية للاستقرار في ليبيا. وبذا، تكون الحرب الغنيمة التي تستفيد من آثارها الاقتصادية جميع الأطراف الدولية، فيما لا يجني من ذلك أغلبية الليبيين إلّا انعدام الاستقرار، وعدم وضوح مستقبل بلادهم، وتحوّل القتل والدماء إلى خبرٍ يوميٍّ لا يثير الاهتمام الذي تثيره تدفقات النفط الليبي خارج البلاد.

طبيعة الدولة ما بعد الاستعمارية في ليبيا

تحيلنا الصراعات التي تشقّ كيان ليبيا الحالي إلى مسار الاستعمار والتحرر منه وفشل الدولة في التعبير عن هوية جامعة لليبيين. فبالعودة لتاريخ حركة التحرر الوطني في ليبيا، نجد أن الجغرافيا التاريخية للأقاليم الثلاثة «برقة» في الشرق، و«فزان» في الجنوب الغربي، و«طرابلس» في الغرب ترتبط بمرحلة الاستعمار الإيطالي الذي كرّسه رسميًا عام 1934 تحت تسمية ليبيا الإيطالية بثلاث ولايات إدارية هي برقة -التي أحتلّت أولًا- وطرابلس وفزان. وبنمو حركة مقاومة الاستعمار وتطورها نحو حركة تحرر وطني ونشوء أحزاب وتنظيمات سياسية رفعت مطلب الاستقلال، برزت تنظيمات ذات طابع وحدودي، لكن مع المحافظة على شكل فيدرالي يناسب الخصوصية المحلية لكل إقليم. واستمرّ هذا الحال مع تقهقر إيطاليا مع قوات المحور إبّان الحرب العالمية الثانية، وتقاسم كلٍ من فرنسا وبريطانيا لأراضي المستعمرة الإيطالية، فاحتلت بريطانيا كلًّا من إقليمي برقة وطرابلس، في حين دخلت قوات فرنسا الحرة إلى إقليم فزّان.

مع الاستقلال، برز توجه مركزي في طرابلس، فيما تمسّكت فزّان وبرقة بالطابع الفيدرالي للدولة المراد بنائها، وهو ما تم، على الأقل في السنوات القليلة التالية للاستقلال الحاصل في 1952 بقرار من الامم المتحدة.

واستمر الوضع الفيدرالي إلى حين تمكن فيه النزعة المركزية من الغلبة، وذلك عام 1963 بعد عقد من الاستقلال الفيدرالي الذي ترك مساحة واسعة من اللامركزية السياسية لإدارات الأقاليم الثلاثة، شملت الإدارة والتشريع، رغم ضعف الدولة آنذاك. إذ ألغي الشكل الفيدرالي لصالح الشكل المركزي وأُعلنت الوحدة بعد ضغط شعبي واستقبل الليبيون هذا القرار بفرح مُعْلنٍ في كل أنحاء البلاد. واختلفت النظرة للدوافع التي جعلت الملك إدريس يندفع نحو قرار إلغاء النظام الاتحادي. ومع إعلان قرار الوحدة ونهاية الشكل الفيدرالي للدولة الفتيّة، كان إقليما فزّان وبرقة أمام إعلان آخر هو اكتشاف النفط ودخول الشركات النفطية الأجنبية، لتجد البلاد نفسها أمام ضغط إضافي. بالتالي، كانت الوحدة خطوة مهمة كذلك من أجل تفادي كثير من المشكلات التي ستثار بين الولايات على الثروة الجديدة، خاصة وأن السنة التي سبقت إعلان الوحدة شهدت محاولة لانقلاب عسكري. 

لكن هذه الخطوة المهمة خلقت كذلك انعكاسات مختلفة وذات حساسية لم يُنتبه إلى آثارها في ذلك التاريخ.[3] فمع انقلاب العقيد معمّر القذافي، الذي دشّن عهدًا جديدًا بعد عقد من إنهاء النظام الفيدرالي وإعلان النظام المركزي، تم تعميق نظام الجماهيرية، وخلال فترة حكمه الممتدة لأربعة عقود تم تكريس حكم الريع النفطي للعلاقات الاجتماعية القبلية والولاء لشخصه كرمز وزعيم.

بعد انهيار سلطة نظام العقيد، فإن الأعيان المحليين في كل منطقة والمجموعات القبلية والأجنحة المسلّحة تنافسوا جميعًا لمنع قيام أي سلطة مركزية من بسط حكمها

إن قوة الأطراف الليبية المتصارعة اليوم ومنذ سنوات تنبع من طبيعة الثورة والمسار الزمني للنزاع في مواجهة نظام القذافي آنذاك، ذلك المسار الذي استغرق ثمانية أشهر. ففي البداية، نجح شرق ليبيا (برقة) في طرد قوات القذافي بعد أيام معدودة فقط من بدء الاحتجاجات في منتصف شباط/فبراير. وبرزت بنغازي كمركز سياسي للثوار على حكم العقيد. أمّا الغرب الليبي، وفي مدنه الرئيسة كمصراتة والزنتان والزاوية والزوراء وغريان، تمكن الثوار أوّل الأمر من طرد القوات الموالية للنظام من مدنهم، ليجدوا أنفسهم فيما بعد محاصرين بقوات نظامية وشبه نظامية ومليشيات مختلفة على أطراف مدنهم، حيث سقطت بعض المدن وصمدت آخرى. وبعد فرض منطقة حظر طيران بقيادة منظمة حلف شمال الأطلسي وبموافقة الأمم المتحدة، أُحبطت محاولة القذافي لاستعادة شرق ليبيا في منتصف آذار/مارس. بينما تواصلت المعارك على الطريق الساحلي الذي يربط بين أجادابيا وسِرت، دون أن تعتبر تلك المعارك أساس نجاح الثورة. تحمّلت المدن الكبرى في الغرب عبء القتال مع دعم قليل من «المجلس الوطني الانتقالي» الذي تشكّل في بنغازي لينتقل للعاصمة طرابلس بعد تحريرها. وتصدرت المجموعات الثوار المسلحة في العاصمة والغرب المشهدَ السياسي والإعلامي آنذاك، خاصةً لتمكنها من تحرير طرابلس وقتل معمر القذافي وإلقاء القبض على ابنه سيف الإسلام. وكانت التضحيات التي قدمها الثوار وانتصارهم النهائي على النظام في عاصمته ما جعلهم أبطالًا للوطن ولقبائلهم ومدنهم.

هذه الحالة التي كشفت عنها الثورة في ليبيا منذ 2011 ليست جديدة. فإحدى السمات المتكررة في التاريخ الليبي حضورُ المناطق وممثّليها من قبائل وشخصيات مؤثرة وما يعكسه ذلك من صراع في مواجهة سلطة مركزية لا تحكم، وإن حكمت فإمّا عبر القمع والتخويف أو عبر المحافظة على مراعاة التوازنات والترضيات. فمنذ القرن التاسع عشر أثناء الفترة العثمانية، لم يتمكن باشا طرابلس، حاكم ليبيا، رغم جهوده، من نيل نفوذ كبير في برقة التي اعترف فيها بنفوذ للدعوة السنوسية، في حين كان في حاجة إلى تمديد نفوذه للمناطق البعيدة عن مركز حكمه.[4] ومع نهاية فترة الاستعمار الإيطالي عام 1943، حَكمت ليبيا في الواقع جهاتٌ مختلفة، وفق خصوصية المناطق وتركيباتها الحضرية والقبلية، وهو ما مكّن أطرافًا جديدة من بلوغ درجات مختلفة من التأثير السياسي والاجتماعي، بعدما حرم بعضها من ممارسة أي سلطة في فترة الاستعمار الإيطالي. 

حين تقاسمت قوى الحلفاء الدولَ التي كانت تحت سلطة استعمار دول المحور، دخلت قوات فرنسا الحرة إلى إقليم فزّان. وفي برقة أعطت القوات البريطانية بعض المرونة الإدارية للإقليم، وتولّت بعض الشخصيات الليبية إدارة بعض المرافق فيه. واحتكرت القوات البريطانية في طرابلس كل أمور الإدارة. أمّا في إقليم فزّان، فمارست القوات الفرنسية أساليب استعمارية عنيفة، خاصة أن فرنسا كانت تطمع في إلحاق إقليم فزّان بالجزائر الفرنسية.

بعد ذلك، ومع الاستقلال، حافظ النظام الملكي السنوسي المرتكز في برقة (1951-1969) على دورٍ للنخب والوجهَات القبلية، سواءً في المرحلة الفيدرالية أو مع إعلان النظام المركزي، وهو ما استمر مع نظام معمر القذافي، ومكّنه من الاستمرار حتى سنة 2011. وكان نظام القذافي قد تجنب بناء مؤسسات بيروقراطية مركزية إضافة لتمكّنه من القوة بما يكفي لقمع أي محاولة لتوحيد مراكز القوى المنافسة.

أمّا بعد انهيار سلطة نظام العقيد، فإن الأعيان المحليين في كل منطقة والمجموعات القبلية والأجنحة المسلّحة تنافسوا جميعًا لمنع قيام أي سلطة مركزية من بسط حكمها على كل مربعات نفوذها، خاصة وأن «المجلس الوطني الانتقالي» و«الحكومة» و«المؤتمر الوطني العام»، كأجهزة مركزية محدثة للدولة بعد ثورة 17 فبراير، لم ترِث مؤسسات وطنية وظيفية، ويعتبر ذلك أحد معالم الاختلاف بين ليبيا ما بعد الثورة والأنظمة المجاورة في تونس ومصر التي قامت فيهما الدولة على جهاز مركزي إداري بوليسي في الأولى وعسكري في الثانية.

من له مصلحة بحكومة مركزية؟

أمّا اليوم، فسواءً في الشرق الليبي حيث المجموعات المسلحة بقيادة حفتر، أو في جنوب البلاد، أو في المناطق التي تدعي أنها تابعة للسلطة الشرعية المتمثلة في حكومة الوفاق الوطني، لا خضوع لسلطة مركزية. ورغم الادعاء بوجود جيش يقوده حفتر، فإن هذه المجموعات المسلحة منفلتة من سلطة حفتر ومتناقضة الولاءات والتوجهات. فمثلًا، أحد قادة حفتر العسكريين البارزين وهو محمود الورفلي مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بتصفية معارضين خارج القانون، وقد أثار خبر تسليم الورفلي نفسه للتحقيق احتجاجات أدّت لإغلاق الطرق في بنغازي من قبل مسلحين مؤيدين له ليعلن فيما بعد عن إطلاق سراحه.[5]

وكان الجيش الوطني الليبي، وقائده حفتر، قد حصلا على دعم من مجلس النواب المنحلّ الذي اتخذ من مدينة طبرق في الشرق الليبي مقرًّا له، وكان هذا المجلس قد حل مكان المؤتمر الوطني العام. وقد قدّم حفتر نفسه منذ العام 2014 على أنه منقذ للبلاد عبر تسجيل تلفزيوني، وخاصة في الفترة التي سيطرت فيها جماعة أنصار الشريعة على مدينة بنغازي، ليقود عملية عسكرية مضادة لها. وكان الجنرال المتقاعد حفتر قد عاد من المنفى إلى ليبيا عام 2011، وسرعان ما أصبح واحدًا من القادة الرئيسيين لقوات المعارضة التي كانت تتشكل في شرق البلد ثمّ ليقدّم نفسه كقائد مناهض للفصائل المحسوبة على القوى الإسلامية التي أنهى وجودها في بنغازي منذ 2015.[6]

 ساهمت سياسة غلق الحدود التي يتبناها الاتحاد الأوروبي في تعزيز واقع الحرب وانتهاكات حقوق الأشخاص، بل في توفير وتسهيل ظروف الاحتجاز والمتاجرة بالبشر

أمّا المجموعات المسلحة في غرب البلاد، فينظر إليها منذ البداية على أنها ذات طابع أمني ولا تتجاوز ذلك لتمثّل جهازًا عسكريًا. وهي تتصرف في إطار مصالحها الأمنية بالسيطرة على المدن التي تتواجد فيها والطرق الرابطة نحو طرابلس إضافة للمصالح الاقتصادية المباشرة عبر وضع اليد على ما يمكنها من مغانم، كفصائل مدينة الزنتان جنوب غرب طرابلس التي تسيطر على حقول النفط في غرب البلاد.[7]  الأمر الذي يجعل كل هذه المجموعات بعيدة عن سلطة حكومة الوفاق رغم كل شعارات تبعيتها لوزارة الداخلية أو الدفاع أو الحرس الرئاسي.

وكانت حكومة الوفاق الوطني قد تشكلت في فبراير/شباط 2016 بموجب اتفاق الصخيرات برعاية الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات المغربية، واختار تشكيلتها المجلسُ الرئاسي الليبي، وهو مجلس منبثق عن الاتفاق ذاته ويضم تسعة أعضاء يمثلون مناطق ليبية مختلفة.[8]

وتدرك المجموعات المسلحة في العاصمة، والمحسوبة على الإسلاميين، أن أي تقدم على صعيد تنظيم الترتيبات الأمنية ومركزتها سيفضي لإنهاء نفوذها وسلطتها تدريجيًا. من جهة أخرى، فإن الحلول والخطط تركز على العاصمة كأساس لأي حلٍ سياسيٍ وأمني، مما جعل بقية الجغرافيا الليبية خارج الاهتمام الأمني لحكومة الوفاق الوطني.

ففي الجنوب الليبي الشاسع، تتكون التركيبة الاجتماعية من مجموعات إثنيّة تشمل التبو والعرب والطوارق، التي حافظت على اتصال مع أجزاء من النيجر وشمال تشاد وجنوب الجزائر ومالي، خاصة مع انتقال آلاف الأشخاص من هذه البلدان لجنوب ليبيا منذ 2011. فهذا الجنوب، الذي سمّي تاريخيًا إقليم فزّان، يستقبل الآلاف من الجنسيات الإفريقية باعتباره يمثّل الجسر الواصل بين إفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا في طريق الهجرة غير النظامية، مما يجعله ممرًا لتهريب الأشخاص والنفط والذهب والأسلحة والمخدرات. كان هذا سببًا في تغذية النزاع على مصادر النفط وعلى تقاسم مداخيله بين الأطراف المتصارعة، وبين المجموعات المسلحة داخل الطرف الواحد، خاصةً مع تدخل قوى خارجية وقوى إقليمية، ومرتزقة أجانب، وتنظيمات جهادية عابرة للدول، إما بالانضمام إلى الصراعات المحلية أو باستخدام الجنوب كمنطقة عبور.[9] 

وقد ساهمت سياسة غلق الحدود التي يتبناها الاتحاد الأوروبي في تعزيز واقع الحرب وانتهاكات حقوق الأشخاص، بل في توفير وتسهيل ظروف الاحتجاز والمتاجرة بالبشر.[10] فادعاءات الاتحاد الأوروبي بتبنّي سياسة تستهدف ظروفًا أفضل للمهاجرين، عبر التصريحات الموجهة للتداول الإعلامي، لا تخفي الإجراءات التي يتخذها الاتحاد ويعزّزها صعود اليمين في إيطاليا منذ 2018. تقوم هذه الإجراءات على احتواء المهاجرين بعيدًا عن أراضي الاتحاد الأوروبي، وجعل ليبيا بمثابة المحتشد الكبير للمهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، خاصة منذ التقرير الذي بثته شبكة CNN وكشف فضيحة «مزاد العبيد».[11]

خاتمة

إن تاريخ السياسة والدولة في ليبيا، وفشل دولة ما بعد الاستعمار في التعبير عن عموم الليبيين كانت بين الأسباب العميقة لاندلاع الثورة في 17 شباط/فبراير 2011. وقد ارتبط ذلك بتاريخٍ من الصراعات المتوالدة التي انطلقت منذ رسم القوى الاستعمارية الأوروبية لخرائط مزّقت مجموعاتٍ بشرية تتحرك في جغرافيا واسعة. كما ساهم اكتشاف النفط بالدفع في ليبيا إلى إعلان النظام المركزي وإنهاء العمل بنظام الأقاليم الإدارية مخافة نشوب صراعات بينها قد تؤدي إلى الانقسام أو الانشقاق. ومع تشكل دولة استبدادية حافظت على النظام عبر القوة واقتصاد الريع النفطي والحضور القوي للقبائل والزعامات المحلية، التي عبّرت عن شعور سياسي داعم لتوزيع السلطة بشكل لامركزي، لم تستطع الثورة في ليبيا حلّ إشكاليات موروثة من قرون، لكنّها أظهرتها للعلن. فالواقع الليبي بكلّ تعقيداته هو وليد الدولة القطرية الحديثة ونتيجة لانعدام التوازنات الاجتماعية فيها. وعجز هذه الدولة ومثيلاتها يأتي من عجز الاستعمار الذي رسم حدود هذه الدول ورعى نخبها في مواجهة مجتمعاتها التي ما زالت تبحث عن توازن اجتماعي وسياسي جديد يتجاوز الشكل الاستعماري. لكنّ هذه المجتمعات تصطدم مرة أخرى بالاستعمار نفسه، بأشكال مختلفة وجديدة تتلاءم مع طبيعة القرن الحالي.

  • الهوامش

    [1] مؤتمر برلين: توافق بين الليبيين أم إعادة للتوازن بين الغربيين؟ مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان. الرابط: https://bit.ly/2U2bsit

    [2] حول حول التخطيط لإقامة مراكز احتفاظ لطالبي اللجوء الفارين من تدهور الوضع الأمني في ليبيا ببئر الفطناسية، بيان المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية الاقتصادية،  الرابط: https://bit.ly/2RN6i8t

    [3] ليبيا الهوية… وحدة الدولة الريعية، عبد الرحمن شلقم، صحيفة الشرق الاوسط. الرابط: https://bit.ly/37qTiKN

    [4] جاسم محمد العبيدي، إقليم برقة بين الحكم العثماني الثاني والدعوة السنوسية، 1835-1911، دار الأيام للنشر والتوزيع،, 2018، عمان الاردن.

    [5] قضية قائد مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية تثير شقاقا بين قوات شرق ليبيا، وكالة رويترز. الرابط: https://bit.ly/2RWAsWL

    [6] عن خليفة حفتر، الرابط: https://bbc.in/39V2los

    [7] حول الفصائل المسلحة في ليبيا، الرابط: https://bit.ly/2vYsN1t

    [8] عن حكومة الوفاق الوطني، الرابط: https://bit.ly/2T8MLyu

    [9] كيف أصبح إقليم فزان الليبي أحد الحدود الجديدة لأوروبا، تقرير لمجموعة الازمات الدولية، الرابط: https://bit.ly/36Qp3fu

    [10] لا مفرّ من الجحيم،سياسات الاتحاد الأوروبي تساهم في الانتهاكات بحق المهاجرين في ليبيا، تقرير لهيومن رايتس وتش، الرابط: https://bit.ly/2uhyjvP

    [11] Libya slave trade – CNN, link : https://cnn.it/2RUA8aQ