ما الذي جرى في سوق النفط بالضبط؟

الثلاثاء 21 نيسان 2020
مصفاة نفط في هيوستن في تكساس، 20 نيسان 2020. تصوير مارك فيلكس. أ ف ب.

شهدت أسواق النفط العالمية بالأمس لحظة استثنائية مع تراجع بعض الأسعار إلى مستويات تاريخية، لتشغل تلك الأسعار، التي وصلت ما دون الصفر، المتابعين والمتفرجين المحجورين في منازلهم، ممن لربما لم تكن أسعار النفط قد شغلتهم من قبل. لفهم ما جرى بالأمس، سأحاول الإجابة على مجموعة الأسئلة التي برزت في الساعات الأخيرة، في إطار آليات ومعايير استخراج النفط وتداوله.

ما هي أنواع النفوط المتداولة في السوق العالميّ؟

يتم التفريق بين أنواع النفوط المُتداولة في السوق العالميّ على أساس معيارين رئيسيين هُما: الكثافة النوعيّة للخام الأسود (كثافة البترول بالنسبة لكثافة الماء) من جهة، ونسبة الكبريت في الخام من جهة أخرى. وقد اتُّفق على استخدام المؤشّر الذي وضعه معهد البترول الأمريكيّ بهذا الشأن تحت اسم «API Gravity» كمعيارٍ للتفريق بين «النفط الخفيف» و«النفط الثقيل»، إذ كلّما ارتفع هذا المؤشّر، اعتُبر الخام خفيفًا والعكس صحيح. كما تمّ التفريق بين «النفط الحلو» و«النفط الحامض» بناء على نسبة الكبريت المتواجدة في الخام، إذ تزداد حموضة النفط كلما زادت نسبة الكبريت فيه على 0.5% والعكس صحيح إذا كانت هذه النسبة أقل من 0.5%. وكقاعدة عامّة، يعتبر النفط الخفيف الحلو أعلى سعرًا في الأسواق العالميّة لأنّ عمليّة تكريره لتخليصه من الشوائب أسهل من تكرير النفط الثقيل الحامض، ما يعني إمكانيّة استخلاص كميّات أكبر من الوقود عالي الجودة منه.

ما هي المؤشّرات المُستخدمة لتسعير النفط الخام؟

هناك مؤشّران رئيسيّان لتسعير النفط الخام في الأسواق العالميّة. الأوّل هو مؤشّر «غرب تكساس الوسيط» (WTI)، ويشير إلى مزيج من النفوط الخفيفة الحلوة المستخرجة من حقول تكساس ولويزيانا وداكوتا الشماليّة. أما المؤشر الآخر فهو مؤشّر «برنت»، ويرتكز إلى مزيج من النفوط الخفيفة الحلوة المُستخرجة من مجموعة من الحقول في بحر الشمال. يُعدّ مؤشّر «غرب تكساس» مؤشّرًا محليًّا خاصًا بالسوق الأمريكيّ ويجري تداول نفطه من خلال بورصة نيويورك التجاريّة المعروفة باسم «نايمكس». أما مؤشّر «برنت» فهو مؤشّر عالميّ، إذ يُستخدم لتسعير أكثر من ثلثي إنتاج العالم من الخام الأسود، ويتم تداول نفطه في بورصة «إنتركونتيننتال» في لندن. بالإضافة لذلك، فإنّ النفوط المرتبطة بمؤشّر «غرب تكساس» تُنتج في أماكن داخليّة بعيدة عن الموانئ البحريّة ويتم نقلها عبر خطوط الأنابيب والقطارات، وهو ما يجعل تسويقها عالميًّا أكثر صعوبة وكُلفة، وذلك على العكس من النفوط المرتبطة بمؤشّر «برنت» التي تُنتج في البحر أو بالقرب من الموانئ، والتي يُمكن بالتالي تحميلها مباشرة على الناقلات لتنطلق إلى وجهاتها في الأسواق العالميّة المُختلفة. 

كيف يتمّ بيع وشراء النفط في السوق العالمي؟ 

يتم بيع وشراء الخام الأسود في العالم من خلال نوعين من الأسواق. السوق الأول هو السوق الفوريّ، وفيه تُعقد صفقة مباشرة أو من خلال سمسار لبيع كميّة معيّنة من النفط جاهزة للشحن من ميناء المنتج إلى ميناء المشتريّ (وفي بعض الأحيان تكون الشحنة موجودة في أعالي البحار ويتم توجيهها لمسارات جديدة مختلفة لتصل إلى المشتري الذي طلبها). وفي هذا النوع من الصفقات، يتمّ الاتفاق على السعر ومواصفات الخام لكل شحنة على حدة بناء على ديناميكيّات العرض والطلب في السوق العالميّ. أما السوق الثاني فهو سوق العقود طويلة الأجل، وفيه يوافق المُنتج على بيع كميّات كبيرة من النفط للمشتري بناء على عقدٍ طويل الأجل، بحيث يتم توريد الشحنات على مدار فتراتٍ زمنيّة مُحددة في العقد وبالاعتماد على السعر السائد لمؤشّر «برنت» مع هامش يمثّل نسبة مئويّة تزيد أو تنقص عن السعر المُتفق عليه وذلك لحماية البائع والمشتري في حالة تقلّبات الأسعار. ويجري بيع وشراء غالبية النفط المُنتج في منطقة الخليج العربيّ بهذه الطريقة. 

ما الذي جرى في سوق النفط الأمريكيّ يوم أمس؟ 

بالنظر للتحوّلات الهيكليّة التي طالت الاقتصاد العالميّ خلال العقود الأربعة الأخيرة ودخوله الحقبة النيوليبراليّة التي أتاحت تداول الكثير من السلع بما فيها البترول في السوق الماليّ كما لو كانت مُجرّد أوراق ماليّة كالأسهم والسندات، فقد نشأ في الثمانينيّات سوق جديدٌ للتعاقدات الآجلة الشهريّة للخام الأسود يُسمى بسوق «بترول الورق» (بدأ الأمر في نيويورك في العام 1983 لتداول عقود «غرب تكساس» وفي لندن في العام 1988 لتداول عقود «برنت»). في هذا السوق، يوافق المشتري على شراء كميّة من البترول في المستقبل مقابل سعرٍ مُحدّد مُتّفق عليه مسبقًا، على أن يسلّم البائع هذه الكميّة عند تاريخ استحقاق العقد، بغض النظر عن مستوى السعر القائم في حينه. يُمكن تقسيم المتعاملين بهذا النوع من العقود إلى فئتين. الأولى صناديق الاستثمار والتحوّط والشركات (تحديدا شركات الطيران)، ويكون الحافز للشراء أو البيع هنا الحصول على حماية من التقلّبات المستقبلّيّة المتوقّعة في أسعار الخام. أما الفئة الثانية فتضمّ المضاربين الذين يطمحون لتحقيق الأرباح من الفارق بين السعر الذي وافقوا على دفعه والسعر المستقبليّ. النقطة المهمّة هنا هي أن هؤلاء لا يريدون أصلًا الحصول على الخام، وبعضهم لا يعرف طبيعة وخصائص النفط الذي اشتروه، وجلّ اهتمامهم هو بيع العقد إلى مضارب آخر أو لمصفاة نفط قبل استحقاق العقد. بمعنى آخر، فهم يشترون الخام على الورق فقط، ومن هنا جاء اسم «بترول الورق»، ولهذا السبب أيضًا فإن عدد براميل الورق يزيد عشرات الأضعاف عن البراميل الحقيقيّة في السوق!

ما جرى بالأمس هو أن موعد استحقاق عقود شهر أيّار/مايو قد حلّ من دون أن يتمكّن المضاربون من بيعها بالنظر للتخمة الهائلة في سوق النفط، وبالتالي فقد أصبحوا ملزمين باستلام الخام. يتم في هذه الحالات تخزين الخام المشترى في منطقة «Cushing» في ولاية أوكلاهوما، ولكن بالنظر إلى امتلاء المخزونات هناك، وبالنظر لتعطّل المصافي بسبب انخفاض الطلب، فإنّ تكلفة التخزين أصبحت مرتفعة للغاية أو غير ممكنة أصلًا، ومن هنا برزت ظاهرة السعر السلبيّ التي شاهدناها على الشاشات يوم أمس.

الاستخلاص المهم هنا هو أن ما جرى أمرٌ مؤقّت وأنّه يمسّ السوق الأمريكيّ بالدرجة الأولى ولن يؤثّر بشكلٍ كبيرٍ على أساسيّات الطلب والعرض في السوق العالميّ، بدليل أنّ أسعار خام «غرب تكساس» للعقود المستقبليّة في الأشهر القادمة لا زالت متماسكة نسبيًّا والأمر نفسه ينطبق أيضًا على خام «برنت» الذي لم يتأثر بشكلٍ كبير بهذا الهبوط. فالتغيير حصل أوّلًا وأخيرًا في سوق الورق ومن غير المتوقع أن يؤثّر كثيرًا على السعر الذي ندفعه لملء سياراتنا بالوقود. لكنّ هذا كلّه لا يمنع القول إن الأثر النفسي على الأسواق كان كبيرًا، وأنّ ما جرى يعكس النظرة السلبيّة تجاه توازن أسواق النفط في المستقبل القريب. 

ماذا عن اتّفاق خفض الإنتاج الذي وافقت عليه مجموعة «أوبك +» قبل بضعة أيّام؟ 

الاتفاق الذي وافقت عليه مجموعة «أوبك +» والذي يقضي بخفض إنتاجها بمقدار 9.7 مليون برميل يوميّا سيدخل حيّز التنفيذ في مطلع أيّار/مايو المُقبل. هذا الاتفاق لن يؤدّي بتقديري إلى تأثير محسوس على السوق، بل يُمكن الادّعاء بأنّ الأسعار ربما تشهد موجة هبوطيّة جديدة. فالمشكلة اليوم لا تتعلّق بجانب العرض، بل بجانب الطلب، إذ أدّى الإغلاق المفروض على الحياة العامة في أكثر دول العالم بسبب جائحة «كورونا» وتعطّل حركة النقل الجويّ على نطاق واسع إلى انخفاض الطلب على الخام الأسود بمقدار يزيد عن 30 مليون برميل يوميّا (أي حوالي ثلث الاستهلاك العالميّ من النفط). وهذا يعني ببساطة أنّه حتى لو اشتركت دولٌ أخرى في خفض الإنتاج لتصل به إلى 20 مليون برميل يوميّا مثلًا، أي حوالي خُمس الإنتاج الحالي، فإنّ ذلك قد لا يكون كافيًا لإعادة التوازن للسوق قريبًا. أقصى ما سيتمخّض عن الخفض هو التأثير على التخمة في المخزونات في المدى القريب. إذ ستبدأ المخزونات بالتناقص تدريجيًّا وقد يؤدّي ذلك إلى انتعاشٍ جزئيّ في الأسعار في المدى المتوسّط، لكن لا شيء مضمون فعليّا في ظلّ هذا الوضع الاستثنائيّ الذي يعيشه الطلب على الطاقة. وتبقى مهمّة التنبؤ هنا عسيرة للغاية بالنظر إلى أنّ أحدًا لا يعرف متى سيتم إرخاء القيود التي فرضتها حكومات العالم لمحاربة «كورونا»، وما إذا كان إرخاء هذه القيود سيكون كافيًا لإعادة الطلب إلى مستوياته قبل الجائحة وخاصّة في ظلّ التباطؤ الذي دخله الاقتصاد العالميّ والذي سيؤثّر حتمًا على الأنشطة الاستهلاكيّة والصناعيّة المختلفة. 

ما الذي سيحدث لشركات النفط الصخريّ الأمريكيّة؟ 

لقد كانت شركات النفط الصخريّ الأمريكيّ تُعاني أصلًا قبل أن تجتاح العالم أزمة «كورونا» والكثير منها كان على وشك الإفلاس. فالبيئة السعريّة التي كانت سائدة في السوق خلال العام الماضي وحتّى مطلع العام الحاليّ لم تكن مُناسبة لها على الإطلاق ووضعتْ عليها ضغوطا هائلة، وخاصّة إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الوضع الماليّ لهذه الشركات كان سيئًا للغاية بالنظر لامتلاء دفاترها المحاسبيّة بالديون (وبعضها كان يُنتج من أجل خدمة هذا الدين لا أكثر). 

وبالإضافة لذلك، فإنّ إنتاج آبار النفط الصخريّ ترافق في السنوات القليلة الماضية مع ازدياد في كميّات الغاز الطبيعيّ المستخرجة مع النفط وقد أدّى هذا الأمر من جهة إلى انهيار أسعار الغاز الطبيعيّ في السوق الأمريكيّ بسبب فائض المعروض منه، وإلى انخفاض الكميّة المتبقية من النفط الذي يمكن لشركات الصخري بيعه من جهة أخرى. بمعنى آخر، أدّى ازدياد كميّات الغاز المُستخرجة من آبار النفط إلى التأثير بشكلٍ سلبيّ على ربحيّة شركات النفط الصخريّ. يُمكن لغالبيّة شركات النفط الصخريّ العاملة في الحقول الأمريكيّة أن تُحقّق أرباحًا عند سعر برميل يتراوح بين 50-60 دولارًا، ولذلك، ستؤدّي الموجة الهبوطيّة الحاليّة إلى إخراج العشرات من هذه الشركات من السوق ولن تُبقي إلا على الشركات الكبيرة التي تمنحها التكنولوجيا المتطوّرة التي تمتلكها القدرة على الاستمرار في بيئة الأسعار المنخفضة، وحتى هذه الشركات ستكون مجبرة على تخفيض إنتاجها في المستقبل القريب. 

النقطة المهمّة هنا هي أنّ الشركات لا تُحبّ إغلاق آبارها حتّى مع وجود إمكانيّة إعادة فتحها مجددًا، لأنّ هذا النوع من الإغلاقات قد يؤثّر على جودة الحوض الطبيعيّ والضغط فيه، ما يترتّب عليه تكاليف إصلاح وتشغيل جديدة. وتبرز هذه المشكلة بشكلٍ خاص في حالة النفط الصخري، حيث يتم استخراج غالبيّة مخزون البئر خلال فترة قياسيّة لا تزيد عن سنة ونصف في أغلب الأحيان، وبالتالي فإنّ أي إغلاق للبئر سيؤدّي حتمًا إلى التأثير على إنتاجيّته أو حى تخريبه عند إعادة فتحه مجددًا في حالة ارتفاع الأسعار

ما الآفاق المستقبليّة لأسواق الطاقة العالميّة وصناعة النفط؟ 

الصناعة النفطيّة هي صناعة كثيفة برأس المال (Capital-Intensive Industry)، بمعنى أنّ التكاليف الاستثماريّة التي يتطلّبها إطلاق المشروع النفطيّ من حفرٍ للآبار وإنشاءٍ للمرافق الهندسيّة ستكون أكبر بكلّ الأحوال من التكاليف التشغيليّة اللازمة لتسيير المشروع طوال دورة حياته. هذا العامل يجعل إطلاق مشروعٍ نفطيّ أمرًا مُكلفًا للغاية من ناحية الموارد والوقت (في أغلب الأحيان يحتاج بدء الإنتاج بالطاقة القصوى في المشروع النفطي الكبير 5-7 سنوات وربما أكثر من ذلك). بسبب هذه البنية المُعقدة، فإنّ عرض النفط غير مرن، أي أنّ ارتفاع سعر الخام لا يؤدّي إلى زيادة المعروض منه بنفس النسبة. 

من هُنا، فإنّ انخفاض الأسعار يدفع الشركات إلى تقليص الإنفاق الرأسماليّ وإلى تجميد وتأجيل إطلاق الكثير من المشروعات المُخطّط لها سلفا (وقد بدأ هذا الأمر فعلًا إذ تُشير التقديرات الأوّلية إلى أن شركات النفط العالميّة قد خفضت إنفاقها الرأسماليّ بمقدار 100 مليار دولار حتّى الآن). هذا بذاته يقود إلى دورة تاريخيّة تعرفها أسواق النفط. فحين ينتعش الطلب مستقبلًا، تكون قدرة الشركات على مواكبته محدودة، وهو ما يؤدّي إلى ارتفاع الأسعار بشكلٍ كبير بسبب الفجوة بين العرض والطلب، وهي الفجوة التي يستفيد منها في الغالب المنتجون أصحاب التكاليف المنخفضة. المجزرة التي وقعت في أسواق النفط خلال الأشهر الأخيرة بسبب انهيار الطلب عليه بفعل جائحة «كورونا» وبسبب تخمة المعروض الناجمة عن حرب الأسعار بين روسيا والسعوديّة، تعني أنّ الكثير من المنتجين الحاليين سيضطرون إلى الخروج من السوق تمامًا أو تخفيض إنتاجهم في المدى الطويل وهو ما قد يفتح الباب إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار في المستقبل.