مصر بعد التعديلات الدستورية: المزيد من الفجاجة والاستبداد

الأربعاء 01 أيار 2019
الصورة من موقع مدى مصر

بموافقة أغلبية المشاركين في الاستفتاء على التعديلات الدستورية تعمّقت الأزمة الكبرى التي تعيشها مصر؛ شعبًا ودولة ونظامًا سياسيًا. تتصل هذه الأزمة مباشرة بوقائع التحولات والتفاعلات السياسية والدستورية التي أعقبت ثورة المصريين في 25 يناير على واحدة من نسخ النظام السياسي الذي ظل يحكم مصر منذ 23 يوليو 1952، وهي النسخة التي كانت الآمال منعقدة على أن تكون أخيرة، لكن فشل الثورة في إنجاز مهامها التاريخية أفضى إلى أن تكتسب «جمهورية يوليو» عمرًا إضافيًا، وأن تصبح النسخة الحالية، بقوة هذه التعديلات، النسخة الأكثر فجاجة واستبدادًا. والأزمة الحالية متصلة، أيضًا، وإن بصورة أعمق أثرًا وأبعد مدى، بطبيعة المسار المتعرج لتطور الحياة السياسية والدستورية لأكثر من قرن ونصف، تطور يمكن وصفه بأنه ذو طابع «حلزوني»، حيث أصبح لكل مرحلة دستورها، علامة على «عدم الاستقرار» المزمن، وعلى المراوحة بين محاولات النهوض غير المنجز والسقوط في هزيمة ممتدة.

هنا أمامنا، إذن، ثلاثة مستويات: طبيعة وإجراءات ونتائج التعديلات الدستورية الأخيرة، وقائع السنوات التسع السابقة، السياقات المتعثرة الأقدم؛ مع التركيز على «نسخ» جمهورية يوليو.

لنبدأ من المستوى الثاني، ففي السنوات التسع الماضية ذهب المصريون للتصويت على دستورهم أربع مرات: (مارس/ آذار، 2011)، و(ديسمبر/ كانون الأول، 2012)، و(يناير/ كانون الأول، 2014)، و(مارس/ آذار، 2019)، بنسب مشاركة: 41%، 32%، 38%، 44%، وبنسب موافقة: 77%، 63%، 98%.، 88%. وإذا أضفنا ثلاث انتخابات برلمانية، وثلاث رئاسية، سيكون المجموع عشرًا، نصفها شاركت فيها جماعة الإخوان المسلمين.

هل يمكن أن نستخلص شيئًا له دلالة من هذه الجردة الكمية، أم أنها لا تكفي بمفردها؟ أيحق القول أن شعبية نظام 30 يونيو تتراجع؛ وإن بنسبة بسيطة وغير مؤثرة؟ فهناك فارق 10% بين التعديلين الدستوريين اللذين تما في ظله، وهل هذا الفارق ينسحب على شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي حاز على نسبة قبول 96% و97% في الانتخابات الرئاسية عامي 2014 و2018؟ أيكون من الصواب القول أن حضور ومشاركة «الإخوان» هي السبب الرئيسي فيما يبدو وكأنه حيوية وتنافسية وشفافية وديمقراطية في الاستحقاقات العشر.

كان القطاع الأعظم من المصريين عام 2011 يحلم بإسدال الستار على جمهورية يوليو، ويبحثون عن إمكانية بناء «الجمهورية الثانية»، فكان خروج المصريين للمطالبة بإسقاط النظام لا يعني فقط نظام حسني مبارك الذي حكم مصر لمدة ثلاثين عامًا «وإنما نظام تمتد جذوره لما أبعد من ذلك. فلم تكن استراتيجية تجريف السياسة واستئثار الحاكم بالسلطة من صنائع مبارك ونظامه، بل كانت أسلوبًا انتهجه من سبقوه في حكم مصر. ولم يكن تركيز السلطات في يد رئيس الجمهورية بأمر استحدثه مبارك، وإنما هي ظاهرة ورثها ممن رأسوا البلد قبله. ولم تكن الممارسات القمعية والحلول الأمنية للمشكلات السياسية والاجتماعية أسلوبًا تفرد به النظام السابق، وإنما اشترك فيه مع من سبقوه».(1)

«قننت» التعديلات الدستورية الاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان، فباتت النسخة الأخيرة من جمهورية يوليو أكثر فجاجة واستبدادًا

لكن تلك الأحلام تبددت عبر الحلقات العشر من الذهاب إلى صناديق اقتراح وفق معادلات وموازين قوى مختلة، ناتجة عن فشل الثورة في حسم الخيار الديمقراطي، ومواصلة حمايته. والتعديلات الأخيرة على الدستور تمد في عمر جمهورية يوليو بصورة لم يحلم بها مؤسسوها مطلقًا. وهي بصورة ما تشبه النكوص الكبير الذى جرى في الفترة الملكية، حين أقدم الملك فؤاد عام 1930 على إلغاء دستور 1923 وأصدر دستورًا جديدًا، كان دستورًا استبداديًا ظل يحكم مصر لست سنوات حتى تم إلغاؤه نتيجة حركة جماهيرية كبرى تشبه إلى حد كبير ثورة 1919، لكنها كانت موجهة بالأساس للمطالبة بعودة الدستور كشرط حتمي للمطالبة بجلاء الاحتلال البريطاني. ولا غرابة في أن مبررات الاستبداد «الملكية» تشبه إلى حد كبير مبررات استبداد نظام 30 يونيو/حزيران، فقد اعتبر الملك أن «دستور 1923 يعتبر صورة سوية لما بلغته الديمقراطية في أوروبا في العصر الحاضر، مع أن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في مصر- خصوصًا من حيث التعليم ونوع الثروة العامة وتوزيعها- لا تشبه كثير أحوال البلاد التي تنقل عنها، ومن ثم فلم يحقق ما عقد عليه من الآمال»، تماما كما اعتبر السيسي من قبل إن «الكثير من مواد الدستور كُتبت بحسن نية، وأن البلاد لا تُحكم بحسن النوايا»، وتمامًا كما ساجل الصحافة الفرنسية، أنه في موضوع حقوق الإنسان «لسنا كأوروبا وأمريكا».

ظل حديث «النوايا الحسنة» مجرد احتمال، أو رغبة، حتى نهاية العام الماضي، حين افتتح رئيس تحرير «أخبار اليوم»، ياسر رزق، حملة الترويج للتعديلات الدستورية، بمقال «عام الإصلاح السياسي الذي تأخر»، مرتكزًا في دعوته للتعديلات الدستورية إلى زعمه أن الجميع (عموم الناس، الصفوة المثقفة، النخبة السياسية) «يساورهم القلق على مستقبل الحكم فيما بعد 2022، أي في أعقاب انتهاء مدة الرئاسة الثانية الحالية للرئيس عبد الفتاح السيسي». وزاد على ذلك: «أزعم أنه لا يُحبّذ تعديل الدستور في المواد الخاصة بسنوات المدة الرئاسية أو عدد المدد حتى لو كان يرى أن هناك مواد أخرى تحتاج إلى تعديل، وأزعم أن الرئيس لا يريد البقاء في السلطة بعد عام 2022 مثلما أعرف أنه لم يكن يريد الترشح لانتخابات الرئاسة عام 2014».

بعد نحو شهرين من مقال رزق دارت آلة الدولة بكامل عدتها، وأصبحت التعديلات في حوزة مجلس النواب، والرسالة الترويجية هي أن التعديلات: «تأتي في إطار الحفاظ على مكتسبات دستور 2014، ولتأكيدها من خلال ضمانات جديدة بزيادة الحريات».

بعد أسبوعين من دوران «الآلة»، نشر الكاتب شريف يونس مقالًا بعنوان «التعديلات الدستورية: مأسسة شرعية التفويض» حاول فيه بحث منطق التعديلات الدستورية المقترحة، واضعًا السيسي في مكانة تفوق كل تصور قدمه رزق، إذ يرى يونس أن هناك دولة جديدة بُنيت في مصر خلال عامي 2013 – 2014 على شرعية مستجدة أطلق عليها «شرعية التفويض»، إشارة إلى الحدث الذي أسسها، وهو تفويض «السيسي»، حين كان وزيرًا للدفاع، «لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل» في يوليو 2013. في هذه «الدولة الجديدة» أصبح السيسي «يعلو على جهاز الدولة ككل ومصدرًا لشرعيته. فقد رفعه الشارع بالتفويض فوق كل قوى 30 يونيو. عمليًّا، ارتضت القوى المختلفة المتنوعة، بل والمتناقضة، التي تجمعت وقتها وبعدها للإطاحة بالإخوان، بتسليم القيادة لفرد واحد، يصبح هو تجسيد الدولة المصرية ولهذه القوى التي تريد إعادة بنائها. أصبح السيسي، إذن، تجسيدًا للدولة (لا مجرد النظام)، وحاملًا للشرعية، والمسؤول السياسي الأوحد أمام الجماهير في شأن كيفية أداء الدولة وقيامها بمهماتها المختلفة. لقد أصبح حامل الشرعية ومرتكزها الرئيسي، ومصدر شرعية كل مؤسسة أخرى».

الصورة التي يرسمها يونس للسيسي قد تستدعي للذهن كلمات كارل ماركس في كتابه «18 برومير لويس بونابرت»؛ الذي درس فيه أسباب فشل ثورة 1848 في فرنسا وصعود نابليون الثالث، والتي تصلح لمقاربة منهجية لوقائع السنوات التسع في مصر: «في البداية تكون هناك أزمة ثورية أجهضت. وهذه الأزمة تنمو، عامة، ضمن أشكال ديموقراطية، وهكذا تدنو الديموقراطية، في سرعة، من وضع حاسم: فإمّا أن تتعمق ثوريًا وينتقل الحكم إلى الأكثر تقدمًا، وإمّا أن يسحق الجناح التقدمي وتكسب الرجعية السياسية المعركة. والرجعية السياسية، في جهدها للاحتفاظ بالحكم، ترى نفسها مجبرة على طلب العون من عناصر مشبوهة، عسكريين طامحين ومغامرين، (…) وهؤلاء مستعدون لأن يؤجّروا أنفسهم للقيام بجميع المهمات. وسرعان ما تتخطى هذه العناصر المشبوهة حدود الطبقة الحاكمة وتطغى عليها».

هذه المشابهة قد تجد من يعزز قيمتها عند الحديث عن أن السيسي لا يريد البقاء في السلطة بعد عام 2022 أو أنه لم يكن يريد الترشح لانتخابات الرئاسة عام 2014، أو التذكير بالعديد من أحاديثه عن احترام مدة السنوات الأربع والمدتين فقط، ساعتها قد تستدعي كلمات يونس ورزق كلمات ماركس: «يعلن القراصنة واللصوص، وهم يستولون على الحكم سيادة عهد من الشرف والاستقامة، و يعلن هؤلاء الدجالون سيادة القانون والشرعية، و«يعد المحتالون بعهد يسوده النظام» متنبئين هم وبقية رجال هذه الدولة بـ«السعادة والازدهار والسلام»، ولما كانت الوعود لا تكلف شيئًا، يعلنون نهاية الفقر والعوز» (2).

التعديلات التي تم الترويج لها على إنها «ضرورة» تفرضها ظروف «طارئة، قاهرة» يصعب مواجهتها بنصوص كتبت بـ«بنيات حسنة»، هي في التوصيف «الموضوعي» تعبير عن توازن القوى السياسية المختل بصورة مطلقة لصالح السلطة، وفي المحصلة تمثل تراجعًا هائلًا فيما يتعلق بثلاثة مجالات هامة: تداول السلطة، والفصل بين السلطات، والعلاقات المدنية العسكرية.

حازت التعديلات في بداية مشوارها على موافقة 96% من أعضاء مجلس النواب. وكانت وقائع جلسات المجلس تسير وفق إيقاع رتيب، لكن الجلسة النهائية حملت بعض الإثارة، فقد أدخل المجلس في جلسته العامة تعديلات على التعديلات التي أقرتها اللجنة التشريعية والدستورية؛ المختصة بإعداد مشروع التعديلات النهائي، في فقرة من المادة المتعلقة بالقضاء، حيث أصبح، بموجب التعديل المقترح، رئيس الجمهورية رئيسًا لمجلسٍ أعلى «للجهات والهيئات القضائية»، وكانت الفقرة التي أقرتها اللجنة قبلها بيومين تنص على أن قرارات المجلس «تصدر بموافقة أغلبية أعضائه، على أن يكون من بينهم رئيس المجلس أو من ينيبه»، فأتى التعديل ليحذف «أو من ينيبه» ليصبح لرئيس الجمهورية وحده سلطة مطلقة على «المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية»، الذي يختص «بالنظر في شروط تعيين أعضاء الجهات والهيئات القضائية وترقيتهم وتأديبهم، ويؤخذ رأيه في مشروعات القوانين المنظمة لشؤون هذه الجهات والهيئات». التعديل بهذه الصياغة جعل لرئيس الجمهورية، وحده، سلطة مطلقة على القضاء المصري بمجمله، فلن يستطيع المجلس الأعلى للهيئات القضائية أن يصدر أي قرار لا يوافق عليه رئيس الجمهورية، لكن الدلالة النفسية التي يجب البحث فيها هي لماذا تم حذف «أو من ينيبه»؟، ألا يجب أن يثق الرئيس في أحد من أعضاء «المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية»؛ الذي يضم في عضويته: رئيس المحكمة الدستورية العليا، ورؤساء الجهات والهيئات القضائية، ورئيس محكمة استئناف القاهرة، والنائب العام؟ الرئيس وفق التعديلات أصبح من حقه: تعيين رؤساء الجهات والهيئات القضائية، ومع ذلك لا يجب أن يثق فيمن ينيبه منهم.

تناقل المصريون أيام الاستفتاء الثلاثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد أغرب من الخيال خارج وداخل اللجان الانتخابية، مشاهد تبدو فيها آلة الدولة تعمل بلزوجة وفجاجة لا حدود لها

أقر البرلمان التعديلات ليلًا، ولم تترك الهيئة الوطنية للانتخابات للناخبين إلا أقل من 48 ساعة للتفكير 22 تعديلًا، بعضها يقلب النظام السياسي والبنية الدستورية تمامًا. هذه العجلة في دعوة الناخبين قانونية، حيث أن الهيئة «تختص دون غيرها بدعوة الناخبين للاستفتاءات والانتخابات وتحديد مواعيدها ووضع الجدول الزمني لكل منها»، لكنها بدت غير مفهومة للكثيرين، كأن السلطة لا تريد الدخول في إي إجراء قانوني ممكن يطالب بوقف الاستفتاء مثل التقدم بطلبات للقضاء الإداري لوقف مسار الاستفتاء لحين البت في الاعتراضات على عدم دستورية التعديلات، ثم منع أي إمكانية للتواصل وللنقاش العام قد يؤثر على النتيجة.

أي حديث أو تحليل للتعديلات الدستورية لا بد أن يبدأ من السيسي، فقد منحته إمكانية حكم مصر لثماني سنوات إضافية، عبر نص لا سابق له في أي دستور عرفه الإنسان الحديث (تنتهي مدة رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء ست سنوات من تاريخ إعلان انتخابه رئيسًا للجمهورية في 2018، ويجوز إعادة انتخابه لمرة تالية). لكنها تذهب فعلًا أبعد من السيسي، تذهب إلى وضع تصبح فيها القوات المسلحة، وليس السيسي كما كتب شريف يونس، فوق الدولة والمؤسسات والشعب. فإذا كان الدستور قد منحها التحكم في شؤونها بمفردها ودون تدخل أو سلطة لأي مؤسسة أخرى، فإن التعديلات تضيف إلى مهامها «الطبيعية»: «حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها»، مهامّ جديدة تصبح معها، منفردة، لها الحق في التدخل في كل كبيرة وصغيرة: «صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد».

التعديلات المتعلقة بمدد وفترات الرئاسة ومهام القوات المسلحة «الجديدة» عمّقت الأزمة الكبرى التي تعيشها مصر جراء فشل ثورة 2011 في المحافظة على مسار التحول الديمقراطي والشروع في بناء «الجمهورية الثانية»، فالتعديلات تنهي فترة «أحلام» الإصلاح التدريجي، وتجعل إمكانية التغيير الثوري شديدة التكلفة، وتدفع بالجميع؛ أحزاب وقوى سياسية علنية وسرية، وحركات ومراكز قوى، وربما آحاد الأشخاص، إلى العمل على جذب، وربما اختراق القوات المسلحة، أو مناشدتها ودعوتها واستدعائها، فقد أصبحت بمفردها موكولة بـ«صون حريات الأفراد».

في الشهور الثلاثة التي ظلّت فيها التعديلات بين يدي البرلمان، فعلَ ميزان القوى السياسية المختل فعله، السلطة فعّلت بحزم سيطرتها وهيمنتها على مجمل الفضاء العام فطغت الدعاية المؤيدة للمشاركة وللتصويت بالموافقة، ولم يُسْمح بلافتة واحدة رافضة، والمعارضة المنضوية في إطار «االحركة المدنية الديمقراطية» سعت للتعاطي مع «الممكن» في حده الأدنى، فتقدمت بطلب لتنظيم وقفة احتجاجية للتعبير عن رفضها للتعديلات الدستورية التي يناقشها مجلس النواب، فرفضت الداخلية الموافقة متعللة بأن الوقفة الاحتجاجية المطلوب التصريح بها أمام مجلس النواب تمثل «تهديدًا للأمن والسلم العام»، وقبل الدعوة للتصويت على التعديلات، وبعد استنفاد كل «الممكنات» القانونية، أعلنت الحركة موقفها بالدعوة للمشاركة في الاستفتاء ورفض التعديلات، مؤكدة على أن «مجرد طرحها يعد انتهاكًا صريحًا للدستور وتحدي لإرادة الشعب وضرب للحريات وللديموقراطية في مقتل، وهدم لكيان الدولة المدنية، والتأسيس الصريح للدكتاتورية والاستبداد ولحكم الفرد المطلق»، وكانت جماعة الإخوان المسلمين قد دعت لمقاطعة الاستفتاء، وبات السؤال الوحيد متعلقًا بمسألة نسبة المشاركة.

تناقل المصريون أيام الاستفتاء الثلاثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد أغرب من الخيال خارج وداخل اللجان الانتخابية، مشاهد تبدو فيها آلة الدولة تعمل بلزوجة وفجاجة لا حدود لها: قوات الأمن تستوقف ركاب وسائل النقل العام والخاص وتجبرهم على المشاركة في التصويت، الرشاوى الانتخابية تنقلها عربات الجيش، آلاف المقاطع المصورة، والشهادات تقطع بتدخل سافر لتمرير التعديلات. وكان مشهد الختام أكثر دلالة، فتم منع إعلان النتيجة في اللجان الفرعية، وتم منع الصحافيين من الدخول إلى اللجان العامة، وأعلنت النتائج قبل الموعد المعلن سلفًا بثلاثة أيام كاملة.

مرت التعديلات بنسبة مشاركة أبهجت رموزًا سياسية وإعلامية قريبة بشدة من السلطة، فتفاخروا بأنها الأعلى، وعبرت أصوات من المعارضة بدورها عن «فخر» بنسبة المعارضين، في حين اكتفى أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بمشاهد عبوات المواد الغذائية والرشى الظاهرة وإجراءات الهيئة المشرفة على الاستفتاء، التي لا تقبل إلا تفسيرًا وحيدًا: هناك ما يجب أن يخفى عن الجميع.

تعقدت، إذن، الأزمة الناتجة عن فشل الثورة، بإضافة هذه التعديلات الدستورية إلى مجمل القوانين التي تم تمريرها خلال السنوات الست الماضية، والتي «قننت» الاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان، فباتت النسخة الأخيرة من جمهورية يوليو أكثر فجاجة واستبدادًا، عن الأصل والنسخ السابقة، وأمامها عقد كامل إضافي، والمدهش، وربما الطبيعي، أن تعود القوات المسلحة لدور شبيه بدورها التأسيسي: فوق الدولة والمجتمع والأفراد.


المصادر:

1-الجمهورية الثانية في مصر، محمود شريف بسيوني، محمد هلال، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 2012

2- كارل ماركس، 18 برومير لويس بونابرت