قصة مصطفى الخاروف، أو كيف تخيّط «إسرائيل» قوانينها لطرد العرب من القدس؟

الإثنين 02 أيلول 2019
صورة لمصطفى الخاروف، الصورة الأصلية بعدسة عطا جبر

عند سيره في شوارع المدينة الرئيسة؛ شارع الزّهراء، أو شارع صلاح الدين، وصولًا إلى مكانه المُفضَّل في القدس؛ باب العامود، يُسلّم مصطفى الخاروف (32 عامًا) عادةً على كثيرٍ من المارّة، يعرفونه ويعرفهم. «سلامات يا زلمة.. كيف حالك؟»، يقول، أو «وييين يا فلان؟» يمطّ الياء مطًّا طويلًا تعبيرًا عن افتقاده أحدهم.

كاميرته على كتفه، وفي يده يحمل قهوة من كشك الضاوي القريب، وبيده الثانية سيجارته، عادةً ما يقضي الخاروف أوقات الفراغ بين مهام عمله كمصور صحفيّ في وكالة الأناضول التركيّة، جالسًا على الدرج المؤدي إلى باب العامود، أحد أبواب البلدة القديمة، كما يجلسُ شابٌ على عتبة بيته. يعيش هنا منذ عشرين عامًا، وهو ابنُ المكان وشاهدٌ عليه، حتّى قال أحدهم إنّ مصطفى «مَعلَمٌ» من معالم هذا الباب. إلى ذلك المستوى من الارتباط يمتدّ تعريف مصطفى كـ«مقدسيّ»، وإلى هذه الدرجة من الذوبان يتشكّل ارتباطه بالمدينة. 

لكنه مستوى ارتباط غير كافٍ بالنسبة لوزارة الداخليّة الإسرائيليّة، إذ ترفض منح مصطفى، الذي لا يحمل أي ورقة رسميّة إسرائيليّة «حقّ» الإقامة في المدينة. تدّعي الداخليّة أنّ لدى جهاز الأمن العام الإسرائيليّ – «الشاباك» ملفًا أمنيًّا ضدّ مصطفى، الأمر الذي يجعل مسألة إصدار بطاقة هوية له شبه مستحيلة، فأمن «إسرائيل» فوق كلّ شيء!

هكذا، وبعد منتصف ليلة الثاني والعشرين من كانون الثاني 2019، داهمت «سلطة السّكان والهجرة والحدود» الإسرائيليّة، ترافقها قوّةٌ من شرطة الاحتلال، منزلَ مصطفى في وادي الجوز، وسط القدس. واقتادته من بين عائلته؛ زوجته تمام نوفل، وابنته آسيا (عامان)، إلى سجن الرملة، وهو سجنٌ يُحتجز فيه من تعتزم سلطة الهجرة الإسرائيليّة ترحيله وطرده من فلسطين، بحجة «الإقامة غير الشّرعية». 

قال له موّظف تلك السّلطة بنبرة المتأكد أن يحضر هاتفه وملابسه وأغراضه، لأنه على وشك أن يُرحّل خارج فلسطين. رفض مصطفى ذلك، مُتمسّكًا بكل ما يمكنه التعلّق به حتى يبقى هنا، حتى وإن كان ذلك بضعة ملابس.

ذنب مصطفى أنّه لا يملك حتى اللحظة أيّ ورقةٍ رسميّةٍ تُعرِّفُ به، أيّ لا يحمل بطاقة هوية، لا هوية إسرائيليّة كالتي تُصدرها وزارة الداخليّة الإسرائيليّة لفلسطينيّ القدس، ولا هوية فلسطينيّة كالتي توّزعها السّلطة الفلسطينيّة بعد أن توافق عليها «إسرائيل». 

والسّبب هو السياسة التي تحكم إجراءات وزارة الداخليّة الإسرائيليّة في «تنظيمها» للوجود الفلسطينيّ في القدس، وهي السّياسة التي تريد بطبيعة الحال عربًا أقلّ في المدينة، والتي تضع الاعتبارات الأمنيّة فوق كلّ المعايير. ينجم عن هذه السّياسة سلسلة من الإجراءات والمعايير المُعقّدة التي تضع الفلسطيني في القدس أمام تحديّ إثبات «وجوده» في المدينة، حتى لا «يستحقّ» بلغة القانون «إلغاء إقامته» فيها.

العودة إلى البداية

وُلِد مصطفى في الجزائر بتاريخ 21 أيلول 1987 لأمّ جزائريّة وأبٍّ فلسطينيّ من القدس. كان والده إياد يعمل في الجزائر حينها مُدرِّسًا للغة العربيّة، حيث تعرّف على آسيا الجزائريّة وتزوجا. أنجب الزوجان جميع أبنائهما: مصطفى، وأنسام، وياسمين، ورحاب، وأسماء في الجزائر، ما عدا أصغرهم معتصم الذي وُلِد في القدس.

في العام 1999، قرر الأبّ إياد، أن يلّم متاعه ويقفل عائدًا إلى مدينته وبلده، هذه المرّة، مع عائلته. إلى هنا تبدو القصة عاديّة، كأيّ مغترب يُقرر العودة إلى مسقط رأسه. إلّا أن هذه العودة إشكالية أمام دولة الاحتلال، خاصّة بالنسبة للفلسطينيّين من مدينة القدس. 

نعود إلى البداية.

الصّفة القانونيّة للفلسطينيين في القدس

عام 1967، وبعد أن استكملت «إسرائيل» احتلال ما تبقى من فلسطين، ومنها شرقيّ القدس، قررت أن تضمّ المساحات المُحتلة حديثًا وأن تفرض فيها القانون الإسرائيليّ. 

بعد قرار الضمّ هذا، وبعد إجراء الإحصاء الإسرائيليّ الأول لأهالي القدس في 26 حزيران 1967، أعطت سلطات الاحتلال الأهاليَ بطاقات هوية إسرائيليّة. من كان في القدس وتم إحصاؤه حصل عليها، ومن لم يكن في القدس يومها كان عليه أن يُقدّم طلبًا يُعرف بـ«لم الشّمل» مع عائلته، ليُنظر فيه، ومن ثم يحصل على البطاقة.

تُعرّف هذه البطاقة الفلسطينيّ في القدس كـ«مُقيم دائم في إسرائيل». هكذا، تحوّل ما يقارب 67 ألف فلسطينيّ كانوا يعيشون في شرق القدس آنذاك، والذين توارثوا العيش والبناء فيها قرونًا بعد قرون، من مواطنين أردنيّين حيث كان الجزء الشرقي من محافظة القدس تحت الحكم الأردني في الفترة بين الـ(48) والـ(67))، إلى «مقيمين إسرائيليّين»، على عكس فلسطيني الـ(48) مثلًا، الذين يعتبرون بلغة القانون «مواطنين إسرائيليين». 

كما يشرح منير نسيبة، مدير مركز العمل المجتمعيّ- جامعة القدس، فإنّ «حقّ» الإقامة ذلك يشابه إلى حدٍّ كبيرٍ الصّفة القانونيّة التي تُعطَى لمهاجر ما إلى بلد ما، أيّ أنها تُعطي «حقّ» السّكن والعمل. بلغة القانون الصرفة، فإن الإقامة التي يحملها المقدسيّ تعني: حريّة التنقل داخل حدود فلسطين دون الحاجة لاستصدار تصاريح إسرائيليّة، وحقّ العمل داخل «إسرائيل»، وبالتالي ما يترافق مع ذلك مع دفعٍ للضرائب، إضافة إلى حقوقٍ اقتصاديّة واجتماعيّة، كالحصول على مخصصات الضمان الاجتماعيّ والرعاية الصّحيّة.

إقامة مشروطة 

تسقط هذه الإقامة في حال استقرّ صاحبها في بلدٍ آخر. أمّا صفة هذا الاستقرار فتُحددها تفاصيل البند رقم 11 من قانون الدخول إلى «إسرائيل»، الصادر عام 1952، ويشرحها نسيبة كما يلي.

في حال تقدّم المقدسيّ بطلب الحصول على جنسيّةِ بلد آخر، أو في حال حصل المقدسيّ على إقامة دائمة في بلد آخر، أو في حال قضى مدة سبع سنوات متواصلة فأكثر خارج فلسطين، فإنّ إقامته الإسرائيليّة مُهددة بالإلغاء.

منتصف التسعينيات، بدأت وزارة الداخليّة بتطبيق معيار جديد يعتمد على تعريف ما يُسمّى «مركز الحياة»، وينصّ على أنّ الإقامة تبقى صالحة ويمكن تجديدها ما دامت «إسرائيل»، بما فيها القدس في حالتنا هنا، هي مركز حياة صاحب الإقامة، وهي المكان الذي يقضي فيه معظم نشاطاته الإنسانيّة اليوميّة. 

بناء على ذلك، قد تُلغى إقامة مقدسيّ حتى لو لم ينطبق عليه أي مُحدّد من المحددات الثلاث السّابقة، ويكفي أن لا يكون «مركز حياته» القدس أو أي منطقة أخرى تُعرفها دولة الاحتلال على أنها «إسرائيلية».

بناء على ذلك، ألغيت أو هددت بالإلغاء في النصف الأخير من التسعينيات آلاف بطاقات الإقامة للمقدسيين ممن سكنوا وعاشوا في مناطق الضّفة الغربيّة. منذ عام 67، حتى اليوم، أُلغيت بناء على هذه المعايير الأربعة إقامات أكثر من 15 ألف مقدسيّ.

الأسوأ من ذلك أن التعامل مع وزارة الداخليّة الإسرائيليّة في القدس يعني التعامل مع مجموعة طويلة ومعقّدة من القوانين واللوائح التفسيريّة والإجراءات الداخليّة، والتي غالبًا ما تكون غير معروفة أو غير مفهومة عند جمهور المقدسيين، وتُجدّد وتبدّل بشكل دوريّ. هذا يعني أن الباب يبقى مفتوحًا على مصراعيه أمام تفسيرات واستثناءات وحالات تفصيلية كثيرة. 

كما أن الوضع القانونيّ الإسرائيليّ للمقدسيين مُعرضّ لتفسيرات وإضافات جديدة، نابعة من التفسيرات التي يُقدمها قضاة المحكمة العليا الإسرائيلية، عند نظرهم في قضايا ذات صلة. 

فمثلًا جرى تغيير في آذار 2018 على تعريف «إقامة المقدسيين» إسرائيليًا، وتضمّن التغيير تعديل البند رقم 11 من القانون، وأضيف إليه أن الإقامة الدائمة تُلغى في حال قام صاحبها «بخرق الولاء لدولة إسرائيل». و«خرق الولاء» يعني «القيام بعمل إرهابيّ، أو المساعدة في تنفيذ عمل إرهابيّ، أو أن الشّخص عضو فعّال في منظمة إرهابيّة»، وغيرها من التعريفات. 

جاء هذا التعديل من قبل الكنيست، بعد أن أصدرت وزارة الداخليّة عام 2006 قرارًا بإلغاء إقامات ثلاثة مقدسيين (محمد طوطح، محمد أبو طير، أحمد عطون) ترشّحوا عن مدينة القدس في الانتخابات التشريعيّة الفلسطينيّة، ومثّلوا قائمة «الإصلاح والتغيير»، التابعة لحركة «حماس»، ومقدسي رابع شغل منصب وزير القدس في الحكومة العاشرة، هو خالد أبو عرفة. السبب المقدم كان: «أنّهم ينتمون إلى حركة إرهابية». بدأت وزارة الداخلية بتطبيق هذا القرار على بعض الحالات مؤخرًا، عندما أصدرت في نيسان 2018 وفي نيسان2019 قرارات بإلغاء إقامات أربعة أسرى مقدسيّين بذريعة مشاركتهم في عمليات المقاومة.

«حق» الإقامة لا يوُرث 

ماذا حصل مع مصطفى إذًا؟ يمكن إحالة قصّة مصطفى الذي ما زال مسجونًا في سجن الترحيل حتى اليوم إلى قضيتين اثنتين، تتفرعان من التعريف القانوني للمقدسيين، وما يترتب على هذا التعريف من إجراءات. 

القضية الأولى، هي ما يُعرف بـتسجيل الأطفال. يقول نسيبة إنّه بما أن المقدسيّ ليس «مواطنًا»، فإنّ صفته القانونية في عرف «إسرائيل» لا تُمرّر بشكل أوتوماتيكي لأطفاله، خاصّة إذا وُلِدَ هؤلاء الأطفال خارج حدود «إسرائيل»، أو إذا كان أحد أبويهم لا يحمل بطاقة هوية إسرائيليّة.

يشرح المحامي راضي درويش، الذي يترافع في قضايا من هذا النّوع أمام المحاكم الإسرائيليّة في القدس، أنّه في «الوضع الطبيعيّ» عندما يكون الأب والأم من حاملي بطاقة الإقامة الإسرائيلية، فإن أولادهم تلقائيًا يحصلون على الإقامة. «عندما تلد الأم في المستشفى، يُعطيها موظفو المستشفى رقمًا لابنها، يكون لاحقًا رقم هويته، ويمكنها بسهولة مراجعة الداخلية والحصول على شهادة ميلاد له». البند رقم 12 من قانون «الدخول إلى إسرائيل- 1952» يُنظّم هذا الأمر، ويقول بأنّ «الأطفال الذين يولدون في إسرائيل يجب أن يحظوا بنفس الصفة القانونيّة التي يحملها آباؤهم وأمهاتهم».

لكن عند الوصول إلى وزارة الداخلية، قد تطلب الأخيرة إثباتات على كون العائلة تلتزم بشروط «مركز الحياة»، وأنها تعيش فعلًا في القدس، أو في أراضي الـ(48)، أو بتعبير آخر: لا تعيش خارج «إسرائيل». قد تشمل هذه الإثباتات: أوراق عقد إيجار البيت وعنوانه، وفواتير الكهرباء والماء، فواتير الهاتف الأرضي، ضريبة المسقوفات، إلخ، وسلسلة طويلة من التعقيدات البيروقراطيّة.

لكن هذه الحالة هي أبسطهم وأقلّهم إثارةً للتعقيدات، كما يصف درويش في حديثه مع حبر. تتعقد الأمور في حال كان أحد الأبوين غير حامل لبطاقة الإقامة الإسرائيليّة، بمعنى آخر: كان الأب أو الأم فلسطينيًا من الضّفة الغربيّة (يحمل بطاقة هوية السّلطة الفلسطينيّة)، أو أي شخص خارج فلسطين لا يحمل بطاقة هوية إسرائيليّة. وهي حالات كثيرة في القدس.

تتعقد الحالة أكثر، في حال ولد الطفل خارج حدود فلسطين، إذ لا يوجد قانون مُحدد يُنظم كيفية تسجيل الأطفال في حال ولدوا لآباء مقدسيين خارج فلسطين كحالة مصطفى. ولكن يتم تنظيم ذلك وفق الإجراءات الداخلية وقرارات الوزير. هذه الإجراءات الداخليّة تقول إنه يمكن تنظيم أمر تسجيل أي طفل والحصول على حق الإقامة له حتى عمر 18 عامًا. تُشير تقديرات مؤسسات حقوق الإنسان في القدس إلى وجود ما يقارب 10 ألف شخص غير مُسجلين ولا يحملون أية بطاقات هوية، لأسباب مختلفة، تتعلق غالبها بإثبات مركز حياتهم لوزارة الداخليّة الإسرائيليّة. 

كيف عطّلت هذه الإجراءات والقوانين حياة مصطفى؟

إذن، كان بإمكان إياد، والد مصطفى، الذي تزوج من امرأة غير حاملة للهوية الإسرائيلية، وأنجب أبناءه خارج فلسطين، أن يتقدم فور وصوله إلى فلسطين بطلب لوزارة الداخليّة الإسرائيليّة لتسجيل جميع أولادهم، ومنهم مصطفى الذي لم يكن عمره حينها يتجاوز الـ12 عامًا. فماذا حصل؟

بما أن والد مصطفى، قضى فترة من عمره خارج القدس، ولأنه مجرّد «مُقيم دائم» لا مواطن، كان عليه أن يُقدّم المزيد من الأوراق والإثباتات على عودته، والتي تكون كافية لإقناع وزارة الداخلية بتجديد إقامته وتثبيتها. بعد أن قدّم الوالد أوراقه المطلوبة، استغرقت وزارة الداخلية حوالي ست سنوات لتردّ عليه بقبول طلبه. عام 2005، جُددت إقامته، وسمح له بتسجيل أطفاله. إلّا أن مصطفى وأخته أنسام كانا قد بلغا عمر الـ(18). وبما أن القانون يسمح بتنظيم أمور تسجيل الأطفال حتى عمر 18، استُثني مصطفى وأنسام من طلب تسجيل الأطفال.

حصل الجميع على بطاقات هوية إسرائيلية، ما عدا الأخوين البكرين، مصطفى وأنسام. تزوجت أنسام لاحقًا من شاب مقدسيّ، وهي تنتظر تنظيم أوراقها من خلال طلب لم الشمل مع زوجها وأطفالها. فيما بقي مصطفى دون «حل». أثر عدم الحصول على هوية على تطوّر مصطفى الوظيفيّ، وعلى تعليمه ورعايته الصّحية، وعلى تنقلاته بين الأحياء والمدن الفلسطينيّة. 

مسارات الحصول على هوية

قدّم مصطفى طلبًا لوزارة الداخليّة ضمن ما يُعرف بـ«لجنة القضايا الإنسانيّة» للنظر في قضيته، باعتبارها «قضية إنسانيّة» فجميع أفراد عائلته يعيشون هنا، ويحملون بطاقات الهوية وهو لا، فأين يذهب؟ لكن قصته لم تكن «إنسانية» بما يكفي لتوافق عليها تلك اللجنة. وهو الأمر المعتاد في حالة هذه اللجنة، بحسب درويش.

تزوّج مصطفى عام 2016 من المقدسيّة تمام نوفل، وكان حينها يشعر أن الفرجَ قد اقترب. قدّم مصطفى في شباط 2017 طلبًا للم شمله مع زوجته التي تحمل بطاقة هوية مقدسيّة. خلال مراحل التقديم المختلفة للم الشمل، سأله ممثلو وزارة الداخليّة عن عمله كمصورٍ صحفيّ، وقيل له أن يتوقف عن نشر صور «تشجع الإرهاب»، كما قالوا، على الفيسبوك، وهي في غالبها صور صحفيّة التقطها مصطفى من أحداث المدينة المختلفة. 

مصطفى الخاروف وزوجته وابنتهما 

في آب 2018 ردّت الداخلية برفض طلبه، واعتبرت أنه «مواطن أردنيّ» ويمكنه أن يذهب ويعيش في الأردن. وهكذا بدأ مشوار جديد لمصطفى ليس فقط في محاولة الحصول على بطاقة هوية، وإنما كذلك في محاولة حماية نفسه من الترحيل من بلده ومدينته. في كانون الأول 2018، رُفِض أول استئناف قدّمه مصطفى للمحاكم ضدّ رفض لمّ شمله. وبعد الاعتقال في كانون الثاني هذا العام، استمرّت المحاكم واستمرّ الأمل والتوتر في الوقت نفسه.

سبعة أشهر من السجن

عاش مصطفى في الشهور السبعة الماضية أصعب مراحل حياته. من ناحية، تحوّل الشّخص المرح كثير الحركة والتنقل والتفاعل مع النّاس، إلى شخص مُقيّد ومسجون داخل سجن للترحيلات، برفقة عشرات الآسيويين والأوروبيين والأفارقة الذين جاؤوا هنا بحثًا عن عمل، والذين تعتقلهم «إسرائيل» دوريًّا وتُرحلهم إلى بلادهم.

من ناحية ثانية، أثّرت حالة الترقب الدائم لأي «مفاجأة» على نفسيته؛ فهو في حالة انتظار لأي قرار جديد من المحكمة أو وزارة الداخليّة، وفي حالة تفكير مستمر حول مستقبل بقائه في القدس وبالتالي مستقبل عائلته. 

بعد اعتقاله في كانون الثاني الماضي، ترافعت عن مصطفى مؤسسة حقوقية إسرائيليّة، ومرّ بثلاث محاكم رئيسة، محكمة الاستئنافات، والمحكمة الإسرائيليّة المركزيّة، والمحكمة الإسرائيلية العليا. عدا عن المحاكم الداخليّة التي كانت تُعقد له كلّ شهر تقريبًا في السّجن. 

في كلّ مرة تتداول فيها القضية أمام المحاكم، كان الردّ هو رفض إطلاق سراحه، وتجديد الداخليّة عدم موافقتها على طلبه للم الشمل مع زوجته، والسبب دومًا هي تلك الأوراق التي يحملها جهاز الشاباك والتي لا يُعلم عنها سوى عنوان «ملف سريّ»، أو كلمات متقطعة مثل: «مساندة جهات محظورة»، أو «علاقات مع أعضاء في حركات إرهابية». 

في المحكمة المركزية مثلًا، التي عُقدت جلستها في آذار الماضي، طُلِب من الحضور ومحامية مصطفى الخروج من القاعة، ليبقى فيها القاضي ومحامي وزارة الداخلية. بعدها بدقائق دخل ممثلون عن الشاباك ليُقدّموا ما لديهم ضدّ مصطفى، أمام القاضي فقط. هكذا يمنع مصطفى ومحاميته من الردّ على ادعاءات أمنية يقدمها الشاباك ضدّه. 

حسب ما يمكن فهمه من الكلام العام الذي يُردد في المحكمة، فإن تلك الادعاءات تتعلق بعمله في التصوير الصحافيّ وتوثيقه للمواجهات والأحداث المختلفة في مدينة القدس، وفي بعض الأحيان كانت تقال على لسان المحكمة أو محامي الداخلية ادعاءات تتعلق بـ«علاقات» ينسجها مصطفى مع أعضاء فيما تصنفه «إسرائيل» على أنّه «جماعات إرهابيّة»، وهي الادعاءات التي يرفضها مصطفى وينفيها.

محاولة ترحيل فاشلة إلى الأردن

بعد أن مرّت قضية مصطفى على مختلف المحاكم الإسرائيليّة، والتي بدورها رفضت أن تُجبر وزارة الداخليّة على لم شمل مصطفى، وتنظيم وجوده في القدس، وانحازت للاعتبارات الإسرائيلية الأمنية، فإنّ الخطوة التي كان مصطفى بانتظارها متوجسًا، هي خطوة ترحيله إلى الأردن. لماذا الأردن؟ يحمل مصطفى الخاروف، مثل بقية المقدسيين، بطاقة سفر أردنيّة (وهي بحسب تعريف القانون الأردني: جواز سفر مؤقت لا يمنح صفة المواطنة). ادعت وزارة الداخلية أمام المحكمة، رغم علمها الأكيد أنّ ما تقوله غير صحيح، أن هذا الجواز يُمكّن مصطفى من العيش في الأردن، وأنه أردنيّ الجنسيّة، وعليه، بما أن «إسرائيل» لا تريد منحه بطاقة هوية، وبما أنه لا يمكن أن يبقى داخل السجن، إذن يمكن ترحيله إلى الأردن. 

مساء السبت 21 تموز، وبعد أن قالت أعلى جهة قضائية إسرائيلية قولها في قضية مصطفى بالرفض، أُخرج مصطفى من سجن الرملة. صباح اليوم التالي، دفع به موظفو سلطة الهجرة الإسرائيلية إلى الجهة الأردنيّة من معبر العقبة-إيلات. 

وصل مصطفى المنطقة الأردنيّة من الجسر، وهناك التقى ممثلين عن مختلف الجهات الرسميّة الأردنيّة، وعرّفهم بتفاصيل قضيته. كان الهاجس الأكبر لدى مصطفى وعائلته، بحسب ما قاله لمعدّة هذا التقرير، هو أن يستقبله الأردن، وبالتّالي تنعدم -تقريبًا- احتمالات عودته إلى مدينته، وعائلته المستقرة فيها. بعد ساعات طويلة من الانتظار، منها ثلاث ساعات قضاها مصطفى وحيدًا ومتروكًا تحت أشعة الشمس بين الجسرين، في المنطقة بين الأردن وفلسطين، أُجبرت سلطات الاحتلال على إعادته إلى فلسطين، بعد أن رفضت إدارة المعابر الأردنيّة إدخاله إلى الأردن. 

كان ذلك الخبر الأول الذي أعطى نوعًا من الأمل والراحة لمصطفى وعائلته. مصطفى لم يدخل الأردن. بعد ذلك، عُقدت لمصطفى جلسة محكمة داخل السّجن، وكان القرار من القاضي بإمهال سلطات الهجرة مدة 60 يومًا إضافيًّا، لتحاول فيها من جديد تهجيره إلى الأردن، أو البحث عن أي بلدٍ آخر يمكن أن يستقبله.

يوم الثلاثاء الماضي، عُقدت آخر جلسة محكمة لمصطفى، داخل السجن أيضًا، طالبت فيها محاميته بالإفراج عنه خاصة بعد فشل سلطات الاحتلال في ترحيله إلى أي بلد كان، وعدم وجود أي صلة له مع أي دولة يمكن أن يعيش فيها. في ظل ذلك، يتأرجح الأمل لدى مصطفى وعائلته بين توقع خبر الإفراج عنه، وبين القلق من مراوغات سلطة الهجرة والمحاكم الإسرائيلية. في حال أفرج عنه، يبقى الهمّ الأكبر أن يضمن مصطفى ألا يعتقل مرة أخرى بعدها، وأن يضمن أن تسير عملية حصوله على بطاقة الهوية بسلاسة، دون تعقيدات إضافيّة.

تعكس قصة مصطفى بكافة تفاصيلها شكلًا من أشكال الوجود الفلسطينيّ في القدس. الوجود الذي تُعتبر فيه الأوراق الرسميّة على رأس قائمة هموم الفلسطينيّ وانشغالاته. وتعكس حالة معركة الوجود التي يخوضها يوميًا على الصعيد الشخصيّ.