معتقلان أردنيان في مصر: زيارة اعتيادية تنتهي بالاعتقال و«الاعتراف» على الشاشة

الخميس 26 أيلول 2019
عبد الرحمن الرواجبة (يمين) وثائر مطر (يسار) أردنيان معتقلان في مصر حاليًا. عن صفحتيهما على فيسبوك.

في الثاني من شهر أيلول الجاري، خرج الممثّل وصاحب شركة المقاولات محمد علي إلى العلن بفيديو يُطالب فيه الجيش المصري بمستحقّات ماليّة ترتّبت على الأخير مقابل الخدمات الإنشائيّة التي قدّمها محمد علي في عدّة مشاريع. وعلى مدى عدّة أيام متواصلة، تستمرّ إلى اليوم، واظب محمد علي على نشر فيديوهات أشار فيها إلى فساد السلطة الحاكمة في مصر، واستئثارها بموارد الدولة المصريّة لحساب مشاريع شخصية تقتصر على المقرّبين منها.

مؤخرًا، دعا محمد علي المصريين إلى التظاهر يوم الجمعة 20 أيلول، ما حذا بمئات من المواطنين إلى الخروج إلى الشارع ذلك اليوم، في محافظات القاهرة والإسكندرية وغيرها، مندّدين بالفساد ومطالبين برحيل الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي. استمرّت هذه المظاهرات لليوم التالي، السبت 21 أيلول، على نطاق محافظة السويس، حيث تظاهر مئات من المواطنين مطالبين برحيل الرئيس المصريّ. وفي يومي المظاهرات، وعلى امتداد الأيام الذي تلته، قامت السلطات المصريّة باعتقال مئات من المشاركين في تلك المظاهرات.

مساء الثلاثاء، خرج الإعلامي المصري عمرو أديب في برنامجه «الحكاية» ليعرض مجموعة من الملفّات والتسجيلات التي تُظهر اعتقال مجموعة من الأجانب الزائرين لمصر، و«اعترافاتهم» بأفعال اشتملت على «جمع المعلومات لمنظّمات خارجيّة»، و«تصوير المظاهرات والاشتراك في صفحات إثاريّة»، «والانتماء لأحزاب سياسية مناهضة للنظام المصري»، وغيرها. عرض أديب في برنامجه معلومات و«اعترافات» سبعة معتقلين، كان من ضمنهم مواطنان أردنيّان هما ثائر حسام مطر وعبد الرحمن علي الرواجبة.

في الفيديو الذي ظهر فيه ثائر، يقول إنه «من المعارضين لسياسة الحكومة الأردنية وكنت عضوًا في الحزب الديمقراطي الشيوعي الأردني، تابعت ثورة يناير 2011 وأيّدت سقوط نظام الحكم حتى يوم ثورة 30 يونيو وشفت إنها انقلاب عسكري على الحكومة الشرعية بتاعت محمّد مرسي»، ويتابع: «نزلت ومعاي صاحبي الصحفي عبد الرحمن علي علشان نحضر مظاهرات يوم الجمعة اللي دعا لها محمد علي ونأخذ صور وفيديوهات وننشر صور وفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي حتى الناس تعمل ثورة نفس 25 يناير».

أما المقطع الذي يظهر فيه عبد الرحمن، فيقول فيه إنه «عضو في الحزب الشيوعي الأردني ومعارض لنظام الحكم هناك (..) أنا كنت معارض لثورة 30 يونيو وبعتبرها انقلاب على نظام الحكم الشرعي»، وتابع: «نزلت أنا وصاحبي ثائر إلى ميدان التحرير وتظاهرنا مع الناس وكنت أصوّر فيديوهات وصور أنزّلها على الفيسبوك».

من هما ثائر وعبد الرحمن؟

بحسب صديقهما عبد الجبّار زيتون، فثائر وعبد الرحمن صديقا طفولة، ونشآ في الحارة نفسها. وُلد عبد الرحمن عام 1995، ومنذ بدايات حياته كان شغوفًا بالسينما بحسب صديقه زيتون. وأثناء دراسته الصحافة والإعلام في جامعة اليرموك، كان عبد الرحمن عضوًا في اللجنة الطلابية للحزب الشيوعي في جامعته، لكنه استقال من الحزب قبل عامين، عند تخرّجه من الجامعة. يصف زيتون تلك التجربة قائلًا إنها «عمل طلابي، فعليًا لا يُعتبر حزبي بالمعنى الكبير، هو ترك الحزب وهو عمره 23 سنة».

وبحسب زيتون، فقد زار عبد الرحمن مصر من قبل، أكثر من مرة، وشارك في ورشة مطوّلة لصناعة الأفلام التسجيليّة مع المخرج باسل رمسيس في شهر كانون الأول من العام الفائت، وعاد ليشارك في ورشة أخرى معه في نيسان هذا العام، كما يؤكد المخرج على صفحته على فيسبوك. وجاء عبد الرحمن هذه المرّة إلى مصر، بحسب زيتون والمخرج رمسيس، بهدف الانخراط بشكل أكبر في عالم السينما والتعلّم من خلال الممارسة، حيث لدى عبد الرحمن أصدقاء في المجال يحضّرون لإنتاج فيلم كان سيشارك في صناعته.

فيديو تعريفي بعبد الرحمن، نشرته صفحة على فيسبوك أُسست للمطالبة بإطلاق سراح عبد الرحمن وثائر.

أما ثائر، مواليد عام 1995، فدرس الهندسة الميكانيكيّة في الجامعة الهاشمية. وبحسب أخيه نجم مطر، بدأ ثائر تعلّم اللغة الألمانية بعد تخرّجه من الجامعة بهدف إكمال الدراسات العليا في ألمانيا، ونصحه أستاذه في الأردن بأن يُكمل تعلّم الألمانية في مصر بسبب جودة دراسة الألمانيّة هناك وكلفتها المادية القليلة نسبيًا. سافر ثائر إلى مصر في شباط من هذا العام، بحسب أخيه، وقضى خمسة شهور هناك حتى أتمّ صفّ اللغة الألمانية في معهد غوته في القاهرة ومن ثم عاد إلى الأردن. بداية شهر أيلول الحالي، سافر ثائر لمصر بهدف السياحة وزيارة أصدقائه في صفّ الألمانيّة، وكانت لديه نية في مواصلة دراسة الألمانية في معهد غوته.

«بحثٌ عن حياةٍ في السينما» وزيارة للأصدقاء 

بحسب عبد الجبار زيتون، زار الصديقان، ثائر وعبد الرحمن، مصر «لتغيير الجوّ»، وكان هدف عبد الرحمن هو «البحث عن حياة في السينما»، بعيدًا عن عمله هنا في الأردن في مجال تصوير الإعلانات والفيديوهات التجاريّة، حيث عمل زيتون وعبد الرحمن سويًّا على إنتاج مجموعة من الفيديوهات الدعائيّة لعدّة مؤسسات تجارية. وكانت نيّة عبد الرحمن زيارة مهرجان الجونة المنعقد حاليًا، مع أصدقائه المتواجدين هناك، لكنه امتنع عن ذلك حدادًا على جدّته التي توفّيت قبل أيام معدودة.

وأكّد نجم، أنّ أخاه ثائر أراد زيارة أصدقائه في صفّ اللغة الألمانية، وأن ثائر ليس عضوًا في أي حزب ولا ينخرط في أي نشاط سياسيّ في الأردن أو خارجه. «الاعترافات اللي صوّروه وهو بحكيها كلها كذب بكذب. بالـ2011 هو كان صف تاسع ما بيعرف المظاهرات ولا شو عم بصير بمصر ولا إله دخل بهالشغلات»، يقول نجم.

يوم الأحد 22 أيلول، أثناء تجوّل ثائر في منطقة ميدان التحرير، اعتُقل من قِبل الشرطة المصريّة دون إبداء الأسباب، وأَرسَلَ، بحسب أخيه نجم، إلى صديقه عبد الرحمن لكي يتحرّى الأمر ويبلّغ السفارة الأردنيّة في مصر عن اعتقاله.

من طرفه، ذكر المخرج رمسيس في منشوره على فيسبوك، تَعرُّضَ عبد الرحمن للتفتيش من قِبل الشرطة المصرية في الشارع لمدة ربع ساعة مساء يوم الأحد، ضمن حملة تفتيش ورقابة في المنطقة، ومن ثم أخلوا سبيله، حسبما أخبره عبد الرحمن أثناء تواصله معه. تواصل عبد الرحمن مع زيتون، بحسب الأخير، فجر الإثنين، وأخبره باعتقال صديقهما ثائر، وأعرب عن قلقه وخوفه إزاء ذلك الأمر.

تحدّث زيتون وعبد الرحمن قرابة الساعة الثانية من فجر الإثنين، ليطمئن الأول على حالة الأخير النفسيّة بعد وفاة جدّته، وحاول زيتون معاودة الاتصال بعبد الرحمن قرابة الرابعة والنصف دون أن يجد ردًّا. صبيحة اليوم التالي، بحسب نجم مطر، زار أصدقاء عبد الرحمن شقّته كي يرافقوه إلى السفارة الأردنية، بعد أن حاول الأخير الاتصال بالخطّ الساخن الخاص بالسفارة دون ردّ، لكن أخبرهم حارس العمارة باعتقال عبد الرحمن.

علم إخوة المعتقلَين، أنس الرواجبة ونجم مطر، باعتقال إخوتهم من خلال أصدقائهم المصريّين الذين أخبروهم أن كلّ ما استطاعوا معرفته أن ثائر وعبد الرحمن معتقلان لدى أمن الدولة المصريّة. توجّه أهل ثائر وعبد الرحمن إلى وزارة الخارجية يوم الإثنين، لحظة معرفتهم بالخبر، وقدّموا بلاغًا رسميًّا باعتقال أولادهم، ولاقوا تطمينات من قبل الخارجيّة بأنهم «يومين وبروّحوهم» بحسب محمد الرواجبة، أخو عبد الرحمن.

صدمة وتطمينات

تفاجأت كلتا العائلتين بما عرضه عمرو أديب في برنامجه أمس، بعد التطمينات التي تلقّوها من وزارة الخارجيّة. فتواصلوا مع الخارجية يوم الأربعاء، حيث أكّد المسؤولون في الوزارة، بحسب محمد الرواجبة، أن العمل لا يزال جارٍ من أجل الإفراج عن المعتقلَين، وأنّهم تلقّوا تأكيدات من السلطات المصرية بسلامة ثائر وعبد الرحمن.

يؤكّد زيتون ورمسيس على أن شغف عبد الرحمن الوحيد هو السينما، وهو سبب تواجده في مصر. كما يقول أهل ثائر إنه زار مصر من قبل ومكث فيها عدة شهور دون أن يفتعل مشكلةً واحدة. ويعتقد زيتون أن الفيديوهات التي تسجّل اعترافاتهم، من خلال خبرته في مجال التصوير، تُظهر بشكل واضح أنهم يقرأون تلك الاعترافات، «مبين إنهم بقرأوا ومبين إنهم خايفين».

من جانبها، أكّدت وزارة الخارجية في بيان صحفيّ أمس الأربعاء أنّ «مركز العمليات في الوزارة والسفارة الأردنية في القاهرة يتابعان حيثيات اعتقال المواطنَين الأردنيَّين» وأنّ المواطنيْن «قيد التحقيق». وقال محمد الرواجبة أن السفارة الأردنية تواصلت مع الخارجية وأكّدت عملها على الإفراج عنهما، إلا أن ذوي المعتقلَين اشتكوا من عدم قدرتهم على التواصل مع ثائر وعبد الرحمن للاطمئنان عليهما.

وفي البيان نفسه، أعلنت الخارجية عن أن السلطات المصريّة أفرجت عن معتقل أردني آخر، هو محمد النظامي، الذي اعتُقل أثناء تواجده في ميدان التحرير، بالتزامن مع اعتقال ثائر وعبد الرحمن. 

وبحسب محمّد الرواجبة، هنالك عدّة محامين متطوّعين يعملون على قضيّة ثائر وعبد الرحمن. وأكّد سفيان القضاة، الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية، في بيان الوزارة أن «مركز العمليات والسفارة سيتابعان مع السلطات المصرية تفاصيل هذا الموضوع، والقيام بتقديم الخدمات القنصلية والقانونية اللازمة والتأكد من أنهما بصحة جيدة ويتلقيان معاملة حسنة».

تعليقًا على ما أشار إليه الفيديو المنشور في برنامج عمرو أديب، شكّك عمر عواد، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الأردني، في صحة ما جاء في الفيديو، واعتبر أن البرنامج المذكور «يعتمد الإثارة ويفتقد الموضوعية»، مستنكرًا أن يُوظفّ الاعتقال إعلاميًا في خدمة أي سلطة سياسية.

واعتبر أن المعتقليْن «مواطنين أردنيين بغض النظر كانوا عنا بالحزب ولا خارج صفوف الحزب»، وأن المهم الاطمئنان على سلامتهما وتوضيح ملابسات اعتقالهما، مطالبًا الحكومة الأردنية بمتابعة القضية لضمان حصول المعتقلين على إجراءات عادلة، تقود إلى عودتهم للأردن.

بدورها، أكّدت المحامية لين الخيّاط أن ما ظهر في الفيديوهات «لا يُعتبر اعتراف قضائي ولا قيمة قانونية له ولا يمكن الاعتداد به (..) الاعتراف القضائي لا يكون على التلفاز وإنما أمام قاضي، وبده يكون مندوب الدولة موجود (..) وبده يكون المتهم تم تمكينه من التواصل مع ممثل دولته، وبده يكون هناك ما يؤكد إنه الاعتراف [لم يتم] بالإكراه، وتمكين المتهم من الاتصال بممثل قانوني عنه».

وفي آخر تحديث من قبل المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وصل إجمالي عدد الموقوفين (المحبوسين، والمفرَج عنهم لاحقًا، والمختفين) على إثر المظاهرات الأخيرة في مصر إلى 1909 أشخاص من بينهم عدد من غير المصريين.