إلى أين وصلت مفاوضات استعادة الباقورة والغمر؟

الجمعة 18 تشرين الأول 2019
جندي ومستوطن إسرائيليان على مدخل منطقة الغمر، 23 تشرين الأول 2018. تصوير جاك غويز، أ ف ب.

نفت وزارة الخارجيّة وشؤون المغتربين الأردنيّة صباح أمس الأربعاء ما نشرته وسائل الإعلام الإسرائيليّة بخصوص إرجاء إعادة أراضي الغمر الأردنيّة لمدة عامٍ كامل. وقد وضّح الناطق باسم الوزارة سفيان القضاة أنّ ما يجري الآن بين الطرفين الأردنيّ والإسرائيليّ هو «مشاورات حول الإنهاء وليس حول التجديد». 

البداية كانت عند إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيليّ، التي قالت إن الملك عبد الله الثاني «وافق على تمديد فترة استخدام أراضي الغمر لمدة عامٍ واحدٍ». تحدّث مراسل الإذاعة للشؤون العربيّة قائلًا إنّ طواقم وزارتي الخارجيّة الأردنيّة والإسرائيليّة توصلت إلى هذا التأجيل، وتساءل عن المُقابل الذي سيُقدّم للملك لقاء موافقته هذه، وعن ردّة فعل الشّارع الأردنيّ على ذلك. 

تقع أراضي الغمر الأردنيّة، حوالي 70 كم جنوب البحر الميت، في منطقة وادي عربة، وتصل إلى ما يقارب 4000 دونمًا. توّسعت «إسرائيل» شرق وادي عربة بعد حرب الـ67 تحت ذريعة حماية أمنها من «تسلل» الفدائيين. وخلال المحادثات التي سبقت توقيع اتفاقية السّلام مع الأردن، اتفق الطّرفان على وضع الغمر ضمن «نظام خاصّ»، بحيث تعترف «إسرائيل» بالسيادة الأردنية عليها، وتعترف الأردن بما سُمّي «حقوق الاستعمال الإسرائيليّة في الأرض»، وهو ما ضَمِن استمرار المزارعين الإسرائيليين في زراعتها والاستفادة منها. تبلغ مساحة الأراضي المزروعة تقريبًا 1100 دونم، أغلبها مزروعة بالزهور والفلفل الحلو والكوسا. وتقول المصادر الإسرائيليّة إنّ فيها 30 مصلحة زراعيّة على الأقل، تندرج أغلبها ضمن مستوطنة تسوفار.

كما تندرج ضمن هذا «النظام الخاصّ»، أراضي الباقورة الواقعة في الأغوار الشماليّة، جنوب بحيرة طبريا، وتبلغ مساحتها أكثر من 1390 دونمًا، منها ما يقارب 830 دونمًا مُسجلة ضمن «ملكية إسرائيليّة خاصّة».

وكان الملك قد أعلن في تشرين الأول 2018 عن عدم نيّة الأردن تجديد الملاحق الخاصّة بأراضي الغمر والباقورة في اتفاقية وادي عربة. تنص ذات الملاحق على أن تبقى تلك الأراضي ضمن الاستخدام الإسرائيليّ لمدة 25 سنة، وهي المدة التي تنتهي نهاية الشهر الجاريّ. وفي حال رغبة أحد الطرفين، الأردن أو «إسرائيل»، بعدم تجديد الاستخدام بعد انتهاء الـ25 عامًا، فعليه إخبار الطرف الآخر قبل ذلك بعام، وهو ما حصل فعليًّا.

بالعودة إلى التطورات الأخيرة، كانت إذاعة الجيش أول من أذاع الخبر بخصوص التأجيل، وبحسب مراسلها فإنّ الوقائع في الميدان «تُثبت» ذلك. يقول المراسل إنّ المستوطنين في أراضي الغمر كانوا غالبًا على علمٍ باحتمالية حدوث هكذا تأجيل، إذ أنهم رغم اقتراب موعد إعادة الأراضي إلى الأردن، في تشرين الثاني المقبل، إلا أنّهم استمروا في الزراعة، ولم يبادروا إلى تفكيك ممتلكاتهم أو إخلاء أيّ منها. 

بعد نشر الخبر على إذاعة جيش الاحتلال، تداولته مواقع وصحف إعلاميّة إسرائيليّة أخرى. وفي حين ذكر الخبر الأول أن التأجيل سيكون لمدة عامٍ كامل، ذكرت صحيفتا «هآرتس» و«يديعوت أحرونوت» أنّ التأجيل سيكون «لموسمٍ زراعيّ واحد»، أي لفترة تتراوح بين خمسة إلى سبعة أشهر، لا أكثر.

وبالنظر إلى السبب المطروح لاحتمالية هذا الإرجاء بخصوص الغمر، قالت هآرتس، إن ذلك ينبع من الحاجة إلى مزيد من الوقت للتفاوض على آليات استمرار دخول المزارعين الإسرائيليّين إلى تلك الأراضي واستخدامها، حتى بعد إعادتها للسيادة الأردنيّة. وهو الهدف الذي تم التعبير عنه بالقول إن هناك بحثًا عن «نماذج تجاريّة مُستقبليّة تُتيح استمرار عمل المزارعين الإسرائيليين». وفي ذلك ما قد يدل أنّه حتى بعد إعادة الأراضي، قد يُسمح باستمرار عمل الإسرائيليين فيها في الزراعة. 

أما فيما يخصّ أراضي الباقورة، جنوب طبريا، فقد تضاربت الأنباء حول مصيرها في أخبار الإعلام الإسرائيلي يوم أمس. فيما قالت صحيفة «هآرتس» إنّ تسليمها سيبقى على موعده، في الثامن من تشرين الثاني القادم، ذكرت «معاريف» و«يديعوت أحرونوت» إنّه «لا يوجد اتفاق بخصوصها بعد». 

وفي إطار تغطيتها للخبر، استضافت إذاعة جيش الاحتلال إيلي أرزاي، وهو أحد المستوطنين المقيمين في مستوطنة «أشدوت يعكوف» القريبة من أراضي الباقورة، وكان عضوًا في فريق المفاوضات الإسرائيليّ مع الأردن، وما زال مطلعًا إلى اليوم إلى ترتيبات استعادة الأراضي. قال أرزاي إنّه من الأفضل بقاء المشاورات بعيدة عن النشر الإعلاميّ سعيًا لإنجاحها. كما لمح إلى أن التأجيل قد يكون مرتبطًا بعدم تشكيل الحكومة الإسرائيلية حتى الآن، وهو ما قد يؤخر قرارات مهمة ربما تحتاج «إسرائيل» لاتخاذها تجاه الأردنّ مقابل موافقته على تمديد «حقوق الاستخدام».

كما لم ينفي أرزاي إمكانية تحقيق «تقدّم مماثل» فيما يتعلق بالباقورة، قائلًا: «في الباقورة لدينا قوّة أكبر [من الغمر] من ناحية قانونيّة. يمكن للملك أن يمنعنا من دخول الباقورة، ولكن من الواضح له كذلك أن لدينا ملكية إسرائيلية خاصّة على الأراضي هناك». 

يذكر أنه بعد الإعلان الأردني قبل عام من اليوم، عبّر عدد من المستوطنين المزارعين في أراضي الغمر، عن احتجاجهم على هذا القرار، قائلين إن «هكذا خيار لم يكن مطروحًا أبدًا على المستوى المحليّ لديهم». حينها قال أحد مسؤولي المستوطنة إن إعادة هذه الأراضي للأردن يعني «الحكم بالموت على 35 مزارعًا إسرائيليًا يفلحونها، والحكم بالموت على المستوطنة كلّها». وهو ما اتفق عليه المتحدثون في إذاعة الجيش صباحًا، إذ قالوا إنّ الطاقم الإسرائيليّ المفاوض حول المنطقتين بذل جهودًا أكبر فيما يتعلق بالغمر أكثر من الباقورة، بناءً على هذه الأهميّة الزراعيّة.

يُذكر أن قضية الغمر والباقورة عادت إلى منصات الإعلام الإسرائيلي في أيلول الماضي، عندما أثارت تصريحات وزير الطاقة في حكومة الاحتلال يوفال شطاينز، حول إعادة أراضي الباقورة والغمر للأردن، وعدم جدوى إجراء مفاوضات لتمديد فترة استخدامها، سخطًا في بعض الأوساط الإسرائيليّة. ومنها، عيدان غرينبأوم، رئيس «المجلس الإقليمي لغور الأردن» (الجهة الإداريّة الإسرائيليّة التي تتبع لها أراضي الباقورة)، الذي اعتبره تصريحًا غير مسؤول، وتمنى أن لا يكون مُعبرًا عن موقف حكومته.

وسعيًا لمزيد من الضغط، أرسل غرينبأوم نفسه، الذي يقول إنه على تواصل مباشر ويومي مع الجهات الأردنيّة، مطلع الشهر الجاريّ رسالةً إلى الملك عبد الله الثاني يطلب فيها لقاءه في الباقورة بشكلٍ شخصي، أو لقاء مبعوث منه. في رسالته قال غرينبأوم إن «الجيرة مع الشعب الأردنيّ هي تجربة طابعها السّلام… أنا أؤمن بكل قلبي أنكم مثلنا، إن لم يكن أكثر، تعرفون أنه لا يوجد شيء إجباريّ أكثر من ضرورة الحفاظ على الوضع كما هو»، مضيفًا أن «التعاون بيننا يمكن أن يؤدي إلى ازدهار اقتصادي وتطور في مجالات كثيرة».

ختامًا، ذكرت إذاعة الجيش، أن جلسة جديدة من المفاوضات بين الأردنيين والإسرائيليين ستُعقد الأسبوع القادم.

يُّذكر إن «هآرتس» نشرت في 13 تشرين الأول الجاري تقريرًا صحافيًّا مطوّلًا بمناسبة مرور 25 عامًا على توقيع اتفاقية وادي عربة، استعرضت فيه أهم التغييرات والتطورات على صعيد العلاقة بين الأردن و«إسرائيل». في ذات التقرير، ذُكِر أن «مفاوضات سريّة تجري بخصوص ترتيب وصول الإسرائيليين إلى تسوفار ونهرايم [الغمر والباقورة]، حتى بعد انتهاء موعد استخدام هذه الأراضي، أي أنّه يمكن للإسرائيليين أن يستمروا بالعمل هناك تحت سيادة أردنيّة».