ملف: سرديات الهجرة خارج الجداول والبيانات

تصوير سناء السبوعي.

ملف: سرديات الهجرة خارج الجداول والبيانات

الثلاثاء 30 نيسان 2019

بين ضفتي المتوسط، وعلى امتداد قرون مضت، شهد هذا الحوض البحري الذي مثّل مركز العالم وحدوده الأولى موجات تنقّل بشرية هائلة، تمخضت عنها ولادة حضارات وأفول أخرى. موجات الهجرة التي لم تتوقف منذ بدأ الإنسان الأول يتلمس خطاه ويكتشف محيطه، تطورت مع تطور الإنسانية بما أنتجته من حاجيات وأخطار جديدة، لتتنوع أسباب الهجرة ووجهاتها وليجد المهاجر نفسه مع كل مرحلة في مواجهة تحديات مختلفة عن تلك التي عرفها سابقوه.

مع اقتراب نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، تزدحم الذاكرة بعدد لا يحصى من الصور لمهاجرين من مختلف الأعراق والأديان، تجمعهم حقيبة السفر وتختلف حكاياتهم ومسارات تحركاتهم وأسباب هجرتهم ونهايات رحلتهم. فهذه الظاهرة التي شابتها تصورات المغلوطة حول طبيعة وأنماط ومسببات موجات الهجرة حول العالم، تحولت إلى هدف يسعى وراءه ملايين البشر وأرقٍ يقض مضاجع الحكومات ويضع أمامها تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، ويشكل مادة دسمة لدراسات المنظمات الدولية المعنية بهذا الشأن، وللتقارير الإعلامية. إذ يشير تقرير الهجرة في العالم لسنة 2018، الصادر عن وكالة الأمم المتحدة للهجرة عن تطور عدد المهاجرين على الصعيد الدولي بين سنوات 1970 و2015 من 84 مليونًا إلى 244 مليون مهاجر ومهاجرة، بما يمثل 3.3% من إجمالي سكان العالم. إلا أن مسارات المهاجرين لم تقتصر على التنقلات بين الدول، حيث يشير نفس التقرير إلى أن أكثر من 740 مليون شخص هاجروا عام 2015 داخل بلدان مولدهم، لأسباب تعود في معظمها إلى الفقر أو التغيرات المناخية والكوارث البيئية. هذه الحركة الداخلية تمثل العامل الرئيسي في نمو ودينامية المدن، كما تطرح في الآن نفسه معضلات جديدة تتعلق بنمو أحزمة العشوائيات والأحياء المُقصاة من منظومة الحكم.

من هذا المنطلق، يأتي هذا الملف المشترك الذي تم إنجازه كجزء من نشاط شبكة مواقع إعلامية مستقلة تُعنى بالعالم العربي، في إطار تعاون إقليمي تشارك فيه «نواة»، «الجمهورية»، «السفير العربي»، «مدى مصر»، «باب الماد»، «ماشا الله نيوز»، «حبر» و«أوريان 21»، محاولًا تسليط الضوء على هذه الظاهرة. إلا أن الصحفيين والصحفيات الذين شاركوا في إعداد هذه المقالات، لم يقتصروا على التعريفات الجاهزة ولم يبحثوا فقط في تفكيك الأرقام والمعطيات، بل حاولوا التعاطي مع الموضوع عبر مرافقة نماذج مختلفة من المهاجرين من خلال زوايا متنوعة، تتناول اختلاف الدوافع ومسببات الهجرة إضافة إلى مساراتها، منذ مرحلة الإعداد، مرورًا بتفاصيل رحلاتهم وصولًا إلى مرحلة الاندماج والظروف الاجتماعية والاقتصادية في دول المضيفة.

تكون البداية مع ملاك الأكحل، من موقع نواة، التي تتمحور مقالتها حول دوافع الهجرة، من خلال عينات من «الساعين إلى الهجرة» التونسيين من فئات اجتماعية وطبقية ومستويات دراسية مختلفة. تحاول ملاك عبر لقاءات مباشرة مع الشخصيات التي سردتها في مقالها أن تفهم الدوافع الحقيقية لبحث هؤلاء عن «حياة حقيقية» خارج تونس، وأن تفكك مغزى مساعي جزء من الشباب التونسي المرفه نوعًا ما في البحث عما أسموه «المستقبل» خارج حدود بلاده وبالتالي كسر النمطية السائدة حول اليأس كعنوان أوحد للهجرة.

تونس: لِمَ الرحيل بأي ثمن؟

ملاك الأكحل – نواة

أما كمال شاهين، من جريدة السفير العربي، فيسعى لتفكيك الظاهرة وسط صخب المدافع التي لم تهدأ حتى هذه اللحظة في سوريا عبر تحقيق استقصائي حول الهجرة القسرية ليتناول أسبابها وعوامل تحرك السوريين وانتقالهم في تهجيرهم القسري إلى هذه الجهة أو تلك. كما ويسعى من خلال هذا التحقيق إلى التقصي عن مسارات نزوحهم وتأثير العوامل المحلية في اتجاهات الهجرة داخل وجوار البلاد. هذا يستند كاتب المقال إلى قاعدة بيانات ثرية ليبين التغييرات الديموغرافية التي أحدثتها الأدفاق المهاجرة في المدن السورية التي تم منها وإليها انتقال المهاجرين إضافةً لتناول أحجام هذه الهجرات وشرائحها الاجتماعية.

ندى عرفات، من مجلة مدى مصر، وإن تناولت بدورها قضية الهجرة الداخلية، إلا أنها ارتكزت على العامل البيئي وسياسات الدولة في التهجير القسري للسكان. يستعرض مقالها قصة قبيلة العبابدة في صحراء مصر الشرقية الذين دفعتهم التغييرات المناخية في بادئ الأمر لتغيير أماكن إقامتهم بحثًا عن الماء والمرعى، لتجبرهم الدولة مرة أخرى على الرحيل من أراضيهم بدعوى مخططات التنمية والاستثمار. تحالف الطبيعة والسياسات العمياء للدولة أجبر العبابدة على ممارسة التنقيب عن الذهب والانغماس في أنشطة غير قانونية لتأمين أرزاقهم. بين الحنين لحياة أجدادهم، وشعورهم بالإقصاء والظلم من دولة لفظتهم وشردتهم ، تحاول ندى عرفات أن تنقل من خلال ما عايشته وسط العبابدة صدى معاناتهم الذي تلاشى في الصحراء.

تنتقل بنا سناء السبوعي من باب الماد من محور دوافع الهجرة ومسبباتها، إلى مغامرة الرحلة ومخاطرها. يعود هذا المقال إلى 11 شباط 2011، و8 تشرين الأول 2017، محاولًا المقارنة بين ملابسات حادثتي غرق لقوارب تقل مهاجرين «غير شرعيين» من السواحل التونسية نتيجة تدخل الجيش البحري التونسي. تغوص سناء السبوعي في ذاكرة الناجين من الحادثتين لتلتقط أوجه التشابه وأدوار مختلف الأطراف والتعاطي الحكومي ووزارة الدفاع بالأخص مع القضيتين. لتفتح بابًا آخر للتساؤل حول دور الجيش التونسي في حماية السواحل الأوروبية من موجات الهجرة في جنوب المتوسط.

تونس: امنعوهم من العبور… بأي ثمن

سناء السبوعي – باب الماد

من ألمانيا، حيث يعيش أكثر من 700 ألف لاجئ سوري، تقل أعمار أكثر من نصفهم عن 25 سنة، يتناول ياسين السويحة من الجمهورية قصة المهاجرين منذ محطة الوصول. إذ يبحث المقال في قضية التعليم الجامعي للاجئين السوريين في ألمانيا عبر تسليط الضوء على قصص سوريات وسوريين توقف تعليمهم في سوريا بسبب ظروف الثورة والحرب، ليتتبع محاولاتهم لترميم واستئناف حياتهم الأكاديمية حيث توقفت، أو إعادة بنائها من جديد.

أما في الأردن، فيطرح عمار أحمد الشقيري من حبر، قضية عمال المياومة المهاجرين المصريين. إذ يسعى هذا التحقيق الميداني إلى تلمس تفاصيل حياة المهاجرين المصريين الذين يعمل معظمهم في أشغال البناء والبحث في دوافع الهجرة ومحاولة الغوص أكثر معاناتهم اليومية عبر الكشف عن واقعهم المعيشي والصعوبات الاقتصادية التي يعيشونها والتي لم تستطع الهجرة أن تضع لها حدا.

مقال جيني غوستفسون، من موقع ما شاء الله نيوز، يفتح قصة الهجرة على فصل جديد، هو مرحلة تجميع الشتات. إذ يتناول هذا التحقيق ما يمكن تسميته بأرض اللقاء في السودان. حيث ما يزال هذا البلد لا يشترط على السوريين تأشيرات للدخول إلى أراضيه. من هذا المنطلق تتمحور الفكرة حول ظاهرة تنظيم السوريين الذين شردتهم الحرب في أصقاع الأرض مواعيد للقاء وتجميع شملهم ولو مؤقتًا في السودان لتجنب تعقيدات منح تأشيرات الدخول التي تفرضها باقي دول العالم. كما يسلط الوضع على الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها السودان والتي طالت ارتداداتها اللاجئين السوريين أسوة بالسودانيين لتخلق تحديات ومصاعب إضافية في بلد يتململ شعبه منذ شهور ضد نظام البشير.

السودان: ملاذ غير متوقع للاجئين السوريين

جيني غوستفسون – ما شاء الله نيوز

هربًا من قسوة الطبيعة، أو سطوة الأنظمة أو الارتدادات الكارثية للسياسات الاقتصادية الجائرة في دول المنشأ، أو حتى طمعًا في رفاهية أفضل، تتنوع سرديات المهاجرين الذين تناولهم هذا الملف. لكن ما يميز هذا العمل أن كتاب المقالات لم يتعاطوا مع ظاهرة الهجرة كمجرد أرقام أو بيانات جافة ولم ينظروا للمهاجرين من ثقب الباب، بل دونوا قصصًا حية اقتربوا منها وعايشوها عن قرب، محاولين الحفر عميقًا في دواخل من تحدثوا إليهم لينقلوا بصدق ما استطاعوا، كم المعاناة والأحلام والخيبات التي يختزنها المهاجر في صدره.