هل تحولت الأحزاب العربية إلى حركات برلمانية؟ حوار حول المشاركة في انتخابات الكنيست

فعالية للقائمة المشتركة، التي تضم أربعة أحزاب فلسطينية في الداخل، قبيل انتخابات الكنيست الإسرائيلي، في بلدة كفر ياسيف في الجليل، 23 آب 2019. تصوير أحمد غرابلي. أ ف ب.

هل تحولت الأحزاب العربية إلى حركات برلمانية؟ حوار حول المشاركة في انتخابات الكنيست

الخميس 18 نيسان 2019

حصلت القائمتان العربيتان اللتان خاضتا انتخابات الكنيست التي جرت الأسبوع الماضي على عشرة مقاعد. حيث حصل تحالف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير على 4.49% من الأصوات، وحاز ست مقاعد، في حين حصل تحالف التجمع الوطني الديمقراطي والعربية الموحدة على 3.33% من الأصوات، وحاز أربع مقاعد. وشهدت هذه الانتخابات تراجعًا في نسبة التصويت عند العرب، حيث بلغت قرابة الـ50% بعد أن كانت قد وصلت إلى 62% في انتخابات عام 2015.

طرحت هذه الانتخابات أسئلة عديدة حول حجم المشاركة العربية وغاياتها والآلية التي خاضت بها الأحزاب العربية الانتخابات فضلًا عن شكل وطبيعة الجدل السياسي المصاحب لها. طرحنا هذه الأسئلة وغيرها على الكاتب والصحفي، مجد كيال، والحقوقية والناشطة السياسية، سهير أسعد، وعضو اللجنة الإعلامية في حملة مقاطعة انتخابات الكنيست، شذى شيخ يوسف، وأجرينا معهم الحوار التالي.

كما في كل دورة انتخابية، هناك من يدعو للمقاطعة لأسباب أيديولوجية أو سياسية، وهناك من يدعو للمشاركة لاعتبارات «واقعية» لها علاقة بممكنات العمل السياسي داخل دولة الاحتلال. بداية، ما رأيكم في النقاش الذي دار قبيل الانتخابات حول المقاطعة والمشاركة؟ وما هو الغائب في النقاش؟

سهير: النقاش الذي دار هذا العام ليس جديدًا، ولكنه شهد تصعيدًا في تحويل سؤال المقاطعة والمشاركة إلى سؤال حكم أخلاقي لا يتناول الأسئلة الجوهرية لهذه المرحلة السياسية.

فالغالبية إذا كنت من دعاة المشاركة ستحمّل من يدعو للمقاطعة مسؤولية إمكانية «صعود» اليمين وإمعانه في سياساته و«سقوط» الأحزاب العربية، وإذا كنت من دعاة المقاطعة سوف تحمّل من يشارك، المسؤولية في شرعنة الاحتلال من خلال شرعنة برلمانه أو شرعنة جرائمه. لم يتطرق نقاش المقاطعة والمشاركة لإشكاليات أكبر من هذه الثنائية المواقفية. الموضوع اليوم ليس أن يأخذ حزب من الأحزاب العربية في الداخل قرارًا بمقاطعة انتخابات الكنيست. السؤال هو أي مشروع سياسي تقدمه الحركات السياسية، المشارِكة والمقاطِعة، في الداخل للناس؟ لماذا وكيف تحولت الأحزاب العربية في الداخل إلى حركات برلمانية، وكيف تحولت الحركات المشاركة في حملات المقاطعة لمساهمة أساسية في تعزيز مركزية الكنيست، وماذا يعني هذا لشعب يعيش في واقع استعماري؟ هذا هي الأسئلة المركزية التي غابت عن نقاش المشاركة والمقاطعة.

الإجابة على هذه الأسئلة متعلقة بأي عمل سياسي نريده في الداخل، وفيما إذا كنا نريد حركات وأحزاب تعزز مركزية الكنيست أم حركات تطرح برامج سياسية تساهم في بلورة مشروع سياسي للحركة الوطنية.

كثيرًا ما تدعي الأحزاب أن الكنيست هي واحدة من ساحات نضالية عدة، لكنها للأسف أصبحت اليوم الساحة المركزية التي تحدد إيقاع العمل السياسي في الداخل وشكله. في السنوات الأخيرة، حصرت الأحزاب العربية المشاركة في البرلمان وظيفتها في السعي الحثيث لتأمين النجاة المتمحورة حول وصول ممثليها للكنيست. حيث ينحصر أدائهم في جهد خطابي لا يترجم لمشروع سياسي فعلي وعملية بناء مجتمعية خارجها وتتحول هموم الناس اليومية إلى مطالب برلمانية لا قضايا نضالية. ويكون عضو البرلمان وسيطًا لنقل هذه الهموم على صيغة مطالب تنقل إلى مؤسسة الكنيست والوزارات المختلفة دون التفكير في أدوات آفاق عمل تجعل من هذه القضايا رافعة لتنظيم المجتمع، وبهذا يتحول دور القائد السياسي تدريجيًا إلى دور لمختار تقليدي أيام الحكم العسكري بأدوات أكثر احكامًا وحداثةً، وهذه كارثة بالمعنى السياسي.

خذ مثلًا قضايا العمل أو العنف في الداخل التي تحولت لقضايا تناقش داخل لجان برلمانية بدلًا من أن تتحول لقضايا نضالية يكون شعبنا الفلسطيني في الداخل شريكًا في حملها وتنظيم نفسه من خلالها بنقابات وأجسام تناضل ضمن مشروع سياسي مناهض للمنظومة الاستعمارية.

مركزة الكنيست انعكست حتى على بنية الأحزاب العربية. التمثيل في الكنيست هو من يحدد من هو القائد السياسي داخل الحزب. وعضو الكنيست في الأحزاب العربية أهم من الأمين العام للحزب، وهذا حدث لأسباب عديدة منها، دخول البرلماني الفلسطيني الإعلام الإسرائيلي من بوابة الكنيست وتواصل مع أبناء شعبه من خلاله.

أنا مؤمنة بأن المشروع الوطني يجب أن يقوم على خلق جدل بين العمل السياسي المواجه للصهيونية وبين العمل المتعلق بحياة الناس وهمومها اليومية دون أي شكل من أشكال الفصل بينهما. على من يتذرع بعدم قدرته على التصعيد السياسي لكون المجتمع غير جاهز لانشغاله بقضاياه اليومية أن يسأل نفسه كيف ساهم في خلق مجتمع غير مدرك لطبيعة النظام الإسرائيلي ولهشاشة سؤال المواطنة في ظله وكيف ساهم في بناء إنسان فلسطيني هو خزان انتخابي أو متلقي خدمات. المطلوب من الحركات والأحزاب الفلسطينية في الداخل، مقاطعة أو مشاركة، أن تعيد السياسة للناس بكافة تفصيلها «الصغيرة – اليومية» و«الكبيرة» وأن تسعى لخلق مجتمع لا تقتصر فيه السياسة على من يجلس في مقرات الأحزاب أو الحركات المركزية بل يكون فيه الإنسان شريكًا في عملية البناء الداخلي للمجتمع وقادرًا على حمل قضاياه والنضال في سبيلها وبالتالي يشكل حاضنًا لحركاته وأحزابه في مواجهتها مع المنظومة الاستعمارية. هذه هي الأسئلة التي غابت عن النقاش الدائر حول المشاركة أو المقاطعة في الانتخابات.

مجد: من المهم أن نتساءل هل يوجد حركة مقاطعة منظّمة، أم أنها حملة تُحاكي تيّار واسع من غير المصوّتين على اختلاف مواقفهم السياسيّة. حملات المقاطعة تظهر في كل دورة انتخابية، وهي جزء لا يتجزّأ من الخيارات الشرعيّة للفلسطينيّ في الداخل. لكن التصويت من عدمه عند معظم الناس لا ينحصر بين مواقف ثنائية ثابتة تتعلق بالمشاركة أو المقاطعة بقدر ما يتحدد بالظرف السياسي القائم. مثلًا، إن ارتكب الاحتلال مجزرة ضد الفلسطينيين قبل الانتخابات، تنخفض نسبة التصويت بشكل شديد. إن كانت هناك قائمة عربيّة موحّدة كما حدث في انتخابات 2015، تزيد نسبة المشاركة وتضعف الأصوات المقاطعة بشكل واضح.

يوجد إشكالية مسميات وتصنيفات في نقاش المشاركة والمقاطعة، وتستغلها الأحزاب حتّى تهمّش وتحجّم خطاب المقاطعة. خذ مثلًا ما يوصف بالشريحة «اللامبالية»، من يسمونهم غير المكترثين بالانتخابات، ويتم اعتبارهم غير مصوتين لكنهم ليسوا مقاطعين. هذا اعتبار اشكالي، لأن الشخص الذي لا يشعر بأي أهمية للانتخابات، ولا يشعر بأهمية وصول نواب عرب إلى الكنيست أو عدم وصولهم، ولا يعتقد أنهم قادرون على إحداث أي تغيير في حياته، أو التعبير عن طموحاته وتوجّهاته، يعبر عن موقفه السياسي من خلال عدم التصويت. اللامبالاة تعبر عن موقف سياسي. في سبيل الهجوم على حملة المقاطعة، ينشأ نوع من الفصل بين المقاطعين أيديولوجيًا والبقيّة. داخل «تيار المقاطعة» هناك أطياف كثير ومختلفة، هناك من يقاطع لأسباب مبدئية أو طهرانية وهناك من يريد معاقبة الأحزاب العربية وهناك من لا يشعر بأي أهمية للانتخابات. وهذا الوضع الطبيعي في أي انتخابات، والأمر ينطبق على المصوتين للأحزاب العربيّة: هنالك من يصوت وهو غير مؤمن بالتصويت، وهنالك من يصوت لأسباب عائلية أو جهوية، وهنالك من هو مؤمن بمشاركة الأحزاب وأهمية وجودها بالكنيست، وهنالك من يصوّت لأنه مرتش ومقاول أصوات.

المشكلة بنقاش ثنائية المقاطعة والمشاركة أنه ينزلق إلى مساحة أخلاقية، وليس نقاشًا حول الأدوات السياسية. هو نقاش منزوع منه «السياسي». فعل التصويت عند دعاة المقاطعة يعني شرعنة لقصف غزة والمجازر وخيانة لدم الشهداء، وعدم التصويت عند دعاة المشاركة هو تسبب بالترانسفير وهدم البيوت وغيره. هذا خطاب ينحدر إلى مستويات متدنية تفرضها الانتخابات عمومًا، خاصةً في ظل غياب جدل سياسي جوهريّ. الكنيست وسيلة سياسيّة يجب أن نتناقش أي غايات تحرّريّة تخدم. المشكلة تبدأ عندما تنعدم الغاية السياسيّة ونفتقد أي رؤية نحو مستقبل شعبنا. الخطابان الأخلاقيّان ليسا جديدين، لكن هناك تصاعد في خطاب دعاة المشاركة، وهو تصاعد عام باستغباء الناخب بادعاءات غير منطقية وغير واقعية، كالدعوة للتصويت حتى نتمكن من رمي نتنياهو بالسجن.

شذى: برأيي كان النقاش الذي دار قبيل الانتخابات حول المشاركة أو المقاطعة صبيانيًا وفارغًا من الطرفين، إذ أن المؤمنين بالمشاركة ناقشوا بغرور، ولأجل دوافع شخصية وحزبية، وأيضًا من مكان دفاعي غير مقنع. أما المقاطعون فكانوا رومانسيين وليسوا عمليين بما يكفي لإقناع الشارع بأهمية المقاطعة. لكن من جهة أخرى أرى أن هذا النقاش مفيد جدًا للمرحلة القادمة؛ مرحلة ما بعد الانتخابات، حيث ستكون لكل طرف الفرصة القيام بفحص ذاتي، ومعرفة ما هي الخطوة القادمة بعد هذه النتائج. كان للنقاش في هذه الدورة أبعاد مختلفة عن دورات سابقة بسبب تجربة الأحزاب العربية منذ الانتخابات الاخيرة، فهم برأيي خذلوا ما نادوا به في الدورة السابقة من «إرادة الشعب». لكن الناس متخوفة، وليست جاهزة لاتخاذ خطوة جريئة وممكن أن تكون خطيرة [بعدم التصويت بالمطلق]، خاصة بعد قانون القومية، فهنالك الكثير من الفلسطينيين/ات في الداخل فقدوا إيمانهم بالنضال عبر الكنيست، وكان ذلك القانون نقطة تحول، إذ تحول النقاش حول المشاركة إلى ماهية حجم تأثيرنا في داخل هذا المنبر ومدى إيماننا بأحزابنا التي كان شغلها الشاغل خلال السنة الاخيرة التناوب و«من سيحصل على الكرسي» في الوقت الذي كان الاحتلال فيه يشرع قانونًا عنصريًا ومصيريًا بالنسبة للمجتمع الفلسطيني في الداخل.

لماذا تدنت نسبة المشاركة عند العرب مقارنة بانتخابات 2013 و2015؟ ما أثر حركة المقاطعة على تدني النسبة؟ وهل الكتلة التصويتية لقواعد وجمهور الأحزاب العربية التي تشارك عادةً قامت بمعاقبة هذه الأحزاب بعدم التصويت ولماذا؟ أم أن هنالك حالة عدم اكتراث عامة تجاه كل فكرة التصويت في انتخابات الكنيست؟

سهير: لا نستطيع أن نقول أن نسبة التصويت عند العرب قد تدنت بشكل جدي، تحديدًا إذا استثنينا انتخابات 2015 (نسبة التصويت 63%) لخصوصية مناخ تشكيل القائمة المشتركة. إذا ما قارنا الانتخابات الحالية بانتخابات الـ 2013 (57%) وانتخابات 2009 (53%) التي خاضت فيها الأحزاب الانتخابات بقوائم غير موحدة تكون نسب التصويت عند الفلسطينيين في الداخل متقاربة. مع هذا يمكننا بالطبع أن نقول أن هناك زيادة في حالة عدم الاكتراث عند الفلسطينيين تجاه الانتخابات والتصويت، الأمر الذي نستطيع أن نعاينه في البلدات العربية من حيث مظاهر وجود انتخابات كالتواجد في الشوارع والمقرات والنقاشات الدائرة أو الغائبة حولها وغيره. حالة عدم الاكتراث هذه لها أسباب عدة أهمها العودة عن القائمة المشتركة التي خاضت الأحزاب العربية الانتخابات الماضية من خلالها، كقائمة عربية موحدة لأول مرة في تاريخ المشاركة في الكنيست.

مجد: هنالك صحة لمقولة أن الناس قلت ثقتها ورغبتها بالمشاركة. السبب الرئيسي برأيي هو موضوع العودة عن تشكيل القائمة المشتركة كما حدث بالانتخابات السابقة. القائمة المشتركة طبخت السم الدعائيّ للناس واليوم تأكل منه. صورت الأحزاب العربية القائمة المشتركة كأهم إنجاز تاريخي في حياة الفلسطينيين في الداخل، وروجت له كأكبر حدث في حياتنا السياسية؛ الحدث الذي مكننا من أن نصبح القوى الثالثة في الكنيست ونحقق من خلالها كل أحلامنا الورديّة. في الانتخابات الحالية، أتت الأحزاب لتقول للناس فرطنا لكم الإنجاز، أنهيناه، ليس لأسباب سياسية جوهرية متعلقة باختلاف وجهات النظر على قضايا مصيرية، ولا حتّى بسبب تقسيم القوى، بل لأسباب تافهة تتعلق بترؤّس المشتركة – وهي رئاسة ليس لها أي قيمة أو معنى أو صلاحيّات حقيقيّة، غير رمزيّة «مين حـزبه أكبر». هذا هو الخلاف الرئيسي الذي منع تشكيل قائمة مشتركة تخوض الأحزاب العربية الانتخابات من خلالها. هذا سبب رئيسي في تململ الناس وعدم رغبتها بالمشاركة وفيه شيء من الرغبة لدى الكتلة التصويتية في معاقبة الأحزاب العربية على هذا الفعل.

سهير: واحدة من أهم مشاكل القائمة المشتركة أنه ترافق معها بيع أوهام للناس. بمعنى، حتى لو لم تصور الأحزاب تشكيل القائمة المشتركة كأعظم منجز سياسي للأحزاب العربية في الداخل، الجمهور سينظر لها باعتبارها كذلك. لم ينظر جزء كبير من الجمهور إلى المشتركة باعتبارها توافقًا انتخابيًا ووحدة برلمانية فقط بل وحدة سياسية قد تنعكس على شكل العلاقات بين الأحزاب العربية من جانب وبناء أفق لممكنات فعل سياسي جديد في الداخل الفلسطيني من جانب آخر. الذي حدث كان عكس ذلك، فالمحافظة على المشتركة في الدورة الماضية والتمسك بمفهوم ضيق لمعنى «الوحدة» كان على حساب قتل السياسة. العديد من القضايا السياسية الخلافية كزيارة أهالي الشهداء المحتجزة جثامينهم أو قرار عدم التعزية ببيرس وغيرها الكثير كانت تناقش في الغرف المغلقة بدلًا من أن تكون نقاشات عامة تساهم في الارتقاء بحالة الجدل السياسي وإشراك الناس في السياسة. لهذا، هناك تصور أن القائمة المشتركة لم تفشل فقط بأن تفي بوعودها، بل ساهمت بإرجاع «السياسة» إلى ما هو أقل من الحد الأدنى.

مجد: الأمر الثاني يتعلق بإمكانيات وإنجازات القائمة المشتركة في الدورة الماضية. برأيي، تشكل انطباع عند الناخب أن الأحزاب العربية وهي موحدة وفي ذروتها لم تستطع أن تمنع أكثر القوانين العنصرية وأوضحها، مثل قانون القومية، فكيف يمكن أن تستطيع وهي متفرقة. كان لقانون القومية أثر على سؤال القدرة عند الأحزاب بالنسبة للناخب العربي، فقانون بهذا الحجم من الخطورة وله معارضة عالمية ومرفوض حتى من قبل بعض الأحزاب الإسرائيلية العلمانية، ومع ذلك لم تسطع الأحزاب العربية إسقاطه من خلال الكنيست. هذا دليل واضح بالنسبة للناس على عجز وعبثيّة محاولة التأثير من خلال الكنيست، بعكس ما تدّعي الأحزاب كذبًا.

شذى: مع أنني ناشطة في حملة مقاطعة الكنيست الصهيوني، لكنني أؤمن أن نسبة التصويت تدنت هذه الدورة بسبب المقاطعة التكتيكية أو المرحلية وليست مقاطعة مبدئية، بسبب فشل القائمة المشتركة والأحزاب العربية بحماية منتخبيها وانشغالهم بأمور ثانوية ومصلحية. وقد شهدنا خلافات داخلية في الأحزاب بسبب الانقسام في القائمة المشتركة وهذا الأمر كان ملموسًا في الشارع الفلسطيني وأثر على عزيمة المنتخبين/ات ومنهم المحزبين/ات.

كانت هناك حالة من الفزع عند القيادات العربية قبل إغلاق الصناديق بساعات من تدني نسبة المشاركة والخوف من عدم الوصول لنسبة الحسم. ما رأيكم بخطاب القيادات العربية الذي استجدى الناخبين وادعى وجود مؤامرة مدعومة صهيونيًا أدت للاستنكاف عن التصويت، وبما قيل حول التداعيات السياسية لعدم وصول العرب إلى الكنيست، من باب الحث على التصويت؟

سهير: لمناقشة هذه النقطة علينا أن نأخذ بالاعتبار أمرًا يتعلق بالسلوك التصويتي عند العرب في الداخل، حيث أن ذروة التصويت عند العرب هي بين الساعة السابعة والعاشرة مساء. مع ذلك بإمكاننا أن نرصد وجود حالة من عدم رغبة الجمهور في التصويت في هذه الانتخابات. وهذه ليست المرة الأولى التي تنجح فيها بعض الأحزاب كالتجمع بعد أن تهب الناس لإنقاذه في الساعات الأخيرة خوفًا من عدم تجاوزه لنسبة الحسم. الجديد هو في توسع عدد الأحزاب التي كانت مهددة بأن لا تصل لنسبة الحسم، لتشمل قائمة الجبهة والعربية للتغيير.

فيما يتعلق بخطاب الاستجداء الصادر عن القيادة في الساعات الأخيرة، فعلينا أن نضعه في سياق خطاب الحملة الانتخابية ككل. حيث قامت خطابات الأحزاب على ادعاءات لا عقلانية وأخرى مبنية على التخويف والترهيب. حين ابتعدت الأحزاب العربية عن مخاطبة قواعدها بصراحة وعقلانية وعن المحاججة حول أسباب وجود أحزاب عربية بالكنيست وممكنات العمل من خلالها. كل هذا يعود لعدم تطوير الأحزاب العربية فهمًا للنظام الصهيوني وعدم بناء حصانة مجتمعية لمقاومته حيث يصبح خيارها الوحيد المتاح هو تخويف الناس من اندثار السياسة العربية ومن غول أسمه اليمين للنجاة في اللحظات الأخيرة. الناس عاقبت الأحزاب حتى اللحظات الأخيرة لأن هذه الأحزاب تتحمل مسؤولية تحويل السياسة من ممارسة تمنح المعنى للناس، لممارسة يشعر فيها الناس بأنهم خزان انتخابي تستخدمه الأحزاب لكي «تنجو» وتصل نسبة الحسم وتدخل البرلمان.

لا يعقل أن يخرج قائد سياسي للناس ليقول لها إذا لم تصوتوا لن نستطيع أن نقف في وجه التهجير وهدم البيوت، موحيًا لهم بأن ذلك ممكن من خلال الكنيست وحده، مع العلم أن العمل البرلماني غير قادر على إيقاف التهجير وهدم البيوت ولم يقدر يومًا على منع سن أي قانون عنصري بالعموم وتحديدًا منذ التصعيد في موجة تشريعات حكومات نتنياهو منذ عام 2011. هذا الخطاب يبيع للناس وهم «إنجازات برلمانية» غير ممكنة بسبب طبيعة النظام الصهيوني ويوجه رسالة للناس تفيد بأن نضال القيادة السياسية مع شعبها مرتبط حصريًا بالوصول للكنيست.

الأمر الآخر هو أن بعض الأحزاب العربية مارست مقولة إسقاط اليمين خداعًا للناخب العربي لإقناعه بضرورة التصويت. المقابل لنتنياهو في الانتخابات كان حزب «أزرق-أبيض» الذي تشكل بقيادة جنرالات عسكرية منهم بيني غانتس الذي افتتح دعايته الإنتخابية بالإشارة إلى عدد الفلسطينيين الذين قتلهم في غزة وعدد المباني التي هدمها متباهيًا بأنه أعاد غزة للعصر الحجري. الخطاب الصادر عن بعض الأحزاب يشكل تضليلًا مفاده أن المنافس لنتنياهو هو «أقل يمينية» منه، وكأن سؤال اليمين أو اليسار أو المركز في إسرائيل يعني للفلسطينيين أكثر من كونه سؤالًا حول حكومات تتنافس على من يمارس عنفًا أكبر ضد الفلسطينيين، وقد تتناقش في أحسن أحوالها حول أشكال قمع الفلسطينيين بين قمع محكم وآخر مباشر وصريح. وحتى لو تجاوزنا السؤال المبدئي السابق فيمكننا القول إن الأحزاب استخدمت خطابًا غير منطقي وهوّلت من قدرتها على إسقاط نتنياهو من خلال الانتخابات وهو أمر يعرف كل متابع للسياسة الإسرائيلية بأنه غير ممكن.

مجد: تخويف الناس باللحظات الأخيرة ومحاولة إقناعها بوجود مؤامرة هو امتداد لخطاب الحملة الانتخابية التي قامت على استغباء الناس وترهيبها. جوهر هذا الخطاب قائم على تحول الكنيست لقَدَر سياسي لفلسطينيي الداخل بالنسبة للأحزاب العربية. الخطير بالموضوع هو شكل المجتمع الذي تنتجه الأحزاب بالخوف والرعب وإعادة إنتاج تروما النكبة لأجل مصالح سياسية ضيقة. هذا يخلق جيلًا من الشباب حركته وفهمه السياسي قائمان على الخوف والمحافظة على الفتات والرضا بالموجود. من جهة أخرى، تريد الأحزاب العربية أن تقول للناس من خلال خطاب الخوف إننا في الداخل لا نملك أي وسيلة نضالية أخرى لتغيير الواقع السياسي سوى الذهاب لصناديق الاقتراع مرة كل أربع سنوات.

خطاب مطانس شحادة أمين عام التجمع قبل إغلاق الصناديق بساعات يرينا هذا بوضوح، ويجب أن يُشاهد لأنه أخطر ما قيل في هذه الانتخابات. يقول حرفيًا «إذا بتطلعوش تصوتوا، هذا انتحار سياسي، بيبطل فيه عمل سياسي لا بالسلطات المحلية، لا لجنة متابعة، لا مجتمع مدني، لا نضال، إذا بيت انهدم فش حدا يوقف معاه». قائد سياسي في حركة وطنيّة يقول كهذا التصريح لأبناء شعبه هو قائد لا يؤتمن. أولًا لأنّه يكذب على الناس، وثانيًا لأنه يقول إن حياتنا كلّه مربوطة بوجودنا في الكنيست، وهذا معناه أنه سيبقى يقدّم تنازلات سياسيّة ومبدئيّة بهدف البقاء في الكنيست، وأنّه لا يرى النضال وبناء الأفق السياسيّ للفلسطينيين إلا من خلال المؤسسة الإسرائيليّة.

من جانب آخر، تم تحويل الجدل السياسي إلى جدل قَبَلي أو عائلي يقوم على العاطفة ويصور القيادات العربية وكأنها آباء للجمهور العربي. المفترض أن الديمقراطية حاضرة حتى بتسمية الأحزاب العربية في الداخل لنفسها. لكن ما حدث من خلال الاستجداء العاطفي يثبت لنا عكس ذلك. كيف يمكن لقيادات ديمقراطية أن تخرج على الناس لتقول لهم «ول! بدكو تعاقبونا؟!» نعم، من حق الناس أن تعاقبكم، أو أن يقال «بنتحاسب بس مش إسا»، إن لم تحاسبكم الناس في الانتخابات متى يمكن لها أن تحاسبكم؟ هذا ألف باء ديمقراطية وانتخابات. بمعزل عن المسألة الوطنيّة عمومًا، هذه الحملة افتقرت لأبسط أسس الخطاب الديمقراطيّ.

شذى: هذا سلوك نشهده في كل دورة انتخابية وليس شيئًا مفاجئًا بالنسبة لي لأنني أرى كمية الاستخفاف بعقول المجتمع الفلسطيني، سواء من خلال عمل الأحزاب العربية أو خلال حملاتهم الانتخابية وكمية إيهام الناس بأكاذيب ليس لها وجود. وهذا يدل ويثبت أن الأحزاب العربية لم تعد منصة نضالية شعبية لها مشروع تحرري، إنما مجرد قوائم انتخابية تسعى للكم وليس الكيف، ولتحصيل أصوات الناس وليس لإسماع أصواتهم.

في نهاية اليوم الانتخابي، زادت نسبة المشاركة بشكل سريع وخلال ساعتين، الأمر الذي أدى إلى وصول القائمتين العربيتين إلى نسبة الحسم وحصولهما على 10 مقاعد في الكنيست. كيف نجحت الأحزاب بإقناع الناس بالتصويت في الوقت الضائع؟

شذى: هذا يبرهن جوابي السابق. هذه لعبة خطيرة أخرى من القيادات العربية باتهام الناس بالمساهمة في «فوز» اليمين أو إيهامهم بأنهم قد يقدرون على إسقاط اليمين من الحكم، وبأن هذا النضال الكنيستي المحدود هو أسمى طرق النضال. أُسمّي هذا التصرف لعبًا بمشاعر ومخاوف الناس واستغلالًا لتخوفهم من الثورة ضد منظومة التصويت.

سهير: كان هناك شكل من أشكال الفزعة في اللحظات الأخيرة بتأثير من الخطاب العاطفي والاستجداء والتخويف. ولكن علينا أن لا نغفل وجود شريحة تؤمن بضرورة بناء مشروع سياسي حقيقي خارج الكنيست تكون فيه الكنيست، لو كانت، جزءًا من أدواته لا الأداة الوحيدة والمركزية. هذه الشريحة كان عندها اعتبارات في اللحظات الأخيرة لها علاقة بأهمية التنظيم والعمل الحزبي وبقاء الأحزاب ووجودها لبناء هذا المشروع. وبسبب إدراك هذه الشريحة أن الوجود المادي للأحزاب؛ ومقراتها ومعاشات موظفيها وميزانيات عملها، مرهون بالكنيست قامت بالتصويت أو حشد الناس للتصويت لضمان نجاة الأحزاب. وقد ذلك يكون مفهومًا إلا أنه يغفل أن هذا النقاش ليس جديدًا وبأن الأحزاب امتنعت لسنوات طويلة عن بناء هذا المشروع خارج الكنيست، وبأن أي مراجعة قد تحدث داخل الأحزاب بعد الانتخابات تقف بالضرورة على أرضية الكنيست ومحكومة بمنطق حتمية المشاركة، حتى لو قيل غير ذلك، وبالتالي من الصعب أن تفسح مجالًا لممكنات أدوات عمل سياسي أخرى.

مجد: يُخلق جو في الساعات الأخيرة يشعر فيه الفلسطيني الذي لا يحمل أسباب أيديولوجية للمقاطعة بأنه يقوم بفعل مصيري عندما يذهب ويضع صوته في صندوق الاقتراع. فبسبب التعامل مع انتخابات الكنيست كشأن مصيري من قبل طرفي المقاطعة والمشاركة نتيجة الخطاب الأخلاقي المتصور عنها، يشعر الكثيرون بأن هناك شيئًا مصيريًا بين أن نكون «موجودين» أو لا نكون، وأن الفعل الوحيد المتاح في ظل غياب فعل مادي للمقاطعة هو فعل التصويت.

إضافة لهذا، هناك إرث طويل من تخيل الناس نفسها داخل منظومة المواطنة، حيث لا يوجد أدوات لتخيل كيف يمكن أن نمارس العمل السياسي خارج الكنيست. المشكلة ليست بوجودك بالكنيست من عدمه، المشكلة أن الحركة الوطنية لا تملك أفقًا سياسيًا خارج إطار المواطنة والكنيست. بالتالي، الناس أصبحت غير قادرة على تخيل نفسها إلا في قلب الخارطة الانتخابية الإسرائيلية، مما يخلق حالة خوف من المجهول تجاه عدم الذهاب للتصويت وسقوط الأحزاب العربية وعدم وصولها للكنيست. وهذا الخوف باعتقادي مفهوم وطبيعي جدًا.

ختامًا، كيف ترون مستقبل المشاركة العربية في الكنيست، في ضوء ما شهدته انتخابات هذه السنة؟ هل يمكن أن يكون هناك تحول نحو أشكال أخرى من العمل التنظيمي الفلسطيني خارج الكنيست؟

مجد: المشكلة أن فرضية العمل السياسي في الداخل يقوم على ما هو موجود. الجبهة تصيغه بمقولة «البقاء»، والتجمع يعبر عنه بمقولة «مشروع اعتراضي على الصهيونية» بمعنى الصمود في الأرض كسد لحين حدوث تغييرات إقليمية تنعكس على كل المشروع الصهيوني. مستقبل المشاركة في الكنيست لا يعتمد على القرار بالمشاركة أو عدمها، بل على إذا ما كان هناك تغيير بفرضية البقاء والصمود هذه. إذا لم تتغير هذه الفرضية سوف تبقى المواطنة «رخصة بقاء على الأرض» كما يقول عزمي بشارة، وهذا يعني عدم قدرة على التفكير بأدوات عمل وبناء سياسي خارج إطار الاندماج في المواطنة.

اليوم هناك واقع مختلف يعطي الفلسطينيين في الداخل مسؤولية سياسية أكبر لمواجهة الاستعمار الاسرائيلي ونظام الفصل العنصري. هذا يتطلب فهمًا مختلفًا لا يقوم على المحافظة على ما هو موجود والتمسك بـ«رخصة البقاء»، بل على تصور حالة نضالية لمجتمع يسعى لإسقاط الصهيونية ونظام الفصل العنصري. إذا لم نبدأ بهذا فسيبقى نقاش المشاركة والمقاطعة حاضرًا لسنوات.

شذى: الأحزاب العربية نفسها تقول إن الكنيست ليست المنصة الوحيدة وأنه مجرد وسيلة، وهي نفسها وأيضًا بنفسها تحدثت في السابق عن ضرورة خلق نضال جماهيري شعبي في الشارع. لكن أين هي الأحزاب من الشارع؟ علينا أن نناضل في الشارع لتشكيل قوة فلسطينية واحدة خارج الكنيست، لا تقتصر على الداخل المحتل. فحن لسنا مواطنين إسرائيليين ضجروا من النضال الكنيستي؛ نحن فلسطينيون في بلادهم المحتلة.

سهير: هناك فعل تذويت يتعلق بوجودنا في الداخل يقوم على أن لهذا الوجود وظيفة تنحصر بتشخيص طبيعة النظام الصهيوني وفضحه وكشف تناقضاته المتعلقة بهشاشة المواطنة والديمقراطية في داخله. هناك ترسيخ لممارسة السياسة ضمن هذا التصور غير الفاعل. الخطوة الأولى لكسر هذا التصور وتغييره هي المراجعات الحزبية التي لا تقوم على أرضية ومنطق الحركات البرلمانية، والفهم المختلف للمقاطعة الذي لا يقوم على تصنيف أخلاقي لمن يشارك في الانتخابات، بل يتعداه لسؤال الأفق السياسي الممكن للأحزاب والحركات السياسية المنادية بالمشاركة والمقاطعة على حد سواء. هذا الأفق لا يقف عند سؤال المشاركة والمقاطعة أو سؤال البديل عن المشاركة في الكنيست، بل سؤال بناء مشروع سياسي بمنطق لا يرى الإنسان الفلسطيني في الداخل كناخب لأحزاب تشارك كأقلية في برلمان دولة مستعمرة أو كمعاقب لهذه الأحزاب، بل يعيد السياسة ومعناها للناس ويجعل منهم فاعلين، لا عاجزين ومتلقين، في عملية بناء مجتمع قادر، بأحزابه ومؤسساته ونقاباته، على ابتكار أدوات جديدة للنضال وبلورة دوره السياسي، لا كأقلية بل كجزء من الشعب الفلسطيني. وهذا ليس وهمًا يتجاوز سؤال المواطنة وتركيبه، بل هو تفكير وسعي دائم نحو توسيع ممكنات العمل السياسي في الداخل وعدم «الانكماش» في مواجهة عنف المنظومة الإسرائيلية؛ الانكماش الذي أثبت عدم فعاليته ومراكمته على فقدان الناس للإيمان ليس بالنضال فقط بل حتى بالسياسة في الداخل.