هل يبقى الدولار ملكًا للأبد؟

جوان وونغ، فورن بوليسي.

هل يبقى الدولار ملكًا للأبد؟

الثلاثاء 26 تموز 2022

الكثير يتغير في العالم اليوم. يجتاح التضخم معظم البلدان، وتتعمق أزمة اقتصادية شاملة. لم تنته تداعيات الجائحة وأثرها على أسعار الطاقة والغذاء، حتى رفعت الحرب في أوكرانيا من هذه الأسعار أكثر وزادت الضغط على العديد من الاقتصادات، لا سيما النامية منها. لكن عاملًا إضافيًا يؤجج هذه الأزمة منذ أشهر، ويكشف كيف يستخدم رأس النظام العالمي عملَته وأدواته المالية لتعزيز هيمنته وحصد ثروات الكوكب: رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لسعر الفائدة.

كانت سريلانكا أبرز مثال على وصول الأزمة لمستوى حرج، إذ فقدت الروبية السريلانكية 80% من قيمتها منذ منتصف أيار الماضي فحسب، وجفت احتياطيات البلد من العملات  الأجنبية، وأعلنت عن تخلفها عن سداد ديونها لأول مرة في تاريخها، قبل أن تلد الأزمة الاقتصادية أزمةً سياسية. إلّا أن دولًا كثيرة في آسيا وإفريقيا تقترب من اللحظة السريلانكية. لكن الأزمة لا تقتصر على الاقتصادات الأصغر؛ فكل الاقتصادات الصناعية الكبرى -باستثناء الصين- باتت تحقق عجوزات في ميزانها التجاري في الأشهر الأخيرة، وأصبح عجز الصادرات والتضخم القياسي ومخاوف الركود قاسمًا مشتركًا بين الاقتصادات الأوروبية. سجلت ألمانيا في أيار عجزًا تجاريًا لأول مرة منذ ثلاثين عامًا، فيما بلغ العجز في الربع الأول من العام في كل من بريطانيا وفرنسا أعلى مستوى في تاريخهما. وإذا كان هذا حال أكبر ثلاث اقتصادات في القارة، فلن تكون دول غارقة بالديون كاليونان والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا أفضل حالًا.

تأثّر دول العالم على اختلاف عافيتها الاقتصادية وطبيعتها السياسية برفع سعر الفائدة الأمريكية يقدم دليلًا إضافيًا على أن النظام الاقتصادي العالمي مصمم بشكل يمنح الولايات المتحدة قوة هائلة، يجسدها الدولار.

كان انخفاض سعر اليورو إلى أدنى مستوى منذ تدشينه رسميًا عام 2002، متعادلًا مع الدولار، تعبيرًا واضحًا عن هذه المؤشرات. فعلى وقع حرب أوكرانيا ورفع الولايات المتحدة سعر الفائدة، تضاءلت أكثر فأكثر جاذبية اليورو وصورته كملاذ آمن لرؤوس الأموال. على إثر ذلك، اضطر البنك المركزي الأوروبي للسير وراء واشنطن، كما أصبحت العادة في أوروبا، ورفع سعر الفائدة بمقدار 50 نقطة. هبط الجنيه الإسترليني كذلك إلى أدنى مستوى منذ الجائحة مقابل الدولار في حزيران الماضي، ليرفع بنك إنجلترا المركزي سعر الفائدة أيضًا بمقدار 25 نقطة.

في الطرف الآخر من العالم، تعاني اقتصادات شرق آسيا أوضاع مشابهة، إن لم تكن أسوأ. فقد حققت عجوزات تجارية كبيرة في الأشهر الماضية، بلغت في حزيران 10 مليارات دولار في اليابان و2.5 مليار دولار في كوريا الجنوبية؛ والاقتصادان يعتمدان أكثر من أوروبا على الفائض التجاري الذي يخلقه التصدير، خاصة للمنتجات الإلكترونية والسيارات. فقدَ الين قرابة ربع قيمته مقابل الدولار مقارنة بالعام الماضي، أما الوون الكوري فهبط الشهر الماضي إلى أدنى مستوى له منذ 13 عامًا. وبينما قد يعمل انخفاض قيمة العملة على رفع تنافسية صادرات البلد، إلا أن تنافس البلدين الآسيويين في الصناعات ذاتها يخلق جولات من التخفيض التنافسي القصدي، ما يستنزف بالمحصلة احتياطيات العملة الصعبة، ويرفع كلفة الديون الخارجية.[1] 

لا يمكن اختزال هذه المصاعب الاقتصادية المتصاعدة في غرب العالم وشرقه بعامل واحد، لكن تأثّر كل هذه البلدان على اختلاف عافيتها الاقتصادية وطبيعتها السياسية برفع سعر الفائدة الأمريكية يقدم دليلًا إضافيًا على أن النظام الاقتصادي العالمي مصمم بشكل يمنح الولايات المتحدة قوة هائلة، يجسدها الدولار.

كما يحدث باستمرار، تستخدم الولايات المتحدة عملتها أداةً لجني الثروة العالمية، وحل مشاكلها على حساب الدول الأخرى. فحين يرتفع سعر الفائدة، تصبح جاذبية سندات الخزينة الأمريكية أعلى، مما يدفع رؤوس الأموال في الكثير من البلدان إلى مغادرتها للاستثمار في سندات الخزينة، أي عمليًا تقديم الديون للولايات المتحدة سعيًا وراء هامش ربح أكبر مما قد يحققه لهم الاستثمار في بلادهم. وفي دورة حصاد الثروة هذه، ترتفع قيمة الدولار مقابل غيره من العملات، مما يُفترض أن يخفف من أزمة التضخم في الولايات المتحدة، ويضخ الدماء في اقتصادها (الأمر الذي قد لا ينجح بالضرورة).

بطبيعة الحال، الدول التي تتضرر بذلك بشكل أحدّ هي التي لا تمتلك احتياطيات كبيرة من العملة الصعبة. فهجرة الدولار منها تعني انخفاضًا في قيمة عملاتها المحلية، وهو ما يرفع التضخم ويضرب القدرة الشرائية ويعرقل نمو الاقتصاد. ونظرًا إلى أن المزيد من البلدان تقترب من الإفلاس، فإن المزيد من الدولارات ستعود إلى الولايات المتحدة، لمواصلة دورة حياة الديون الأمريكية، في حين لن يكون هناك ما يكفي من الدولارات في الدول النامية لشراء السلع الضرورية والاستمرار بالإنتاج. ارتفاع الدولار يعني كذلك ارتفاع قيمة الديون الخارجية المقومة غالبًا به، ما يجعل خدمة الدين تحتل حصصًا متعاظمة من موازنات هذه الدول، وهو ما يأتي عادة على حساب الإنفاق العام والرعاية الاجتماعية، ويدفع باتجاه رفع الضرائب والدخول في حالة من التقشف، مما يقلل جاذبية الاستثمار في هذه البلدان ويرفع مخاطره.

عمليًا، تمنح دورة تخفيض ورفع سعر الفائدة الولايات المتحدة القدرة على سلب ثروات العالم، مستغلةً الوضع الفريد للدولار كعملة احتياطية عالمية، في سيناريو تكرر مرارًا في العقود الخمسة الماضية، دافعًا بلدانًا عدة للإفلاس. أكثر فأكثر، تتجلى هيمنة الدولار كحبل مشنقة يلتف حول أعناق مختلف البلدان، وتتأكد من جديد مقولة جون كونالي، وزير الخزانة الأمريكية في عهد نيكسون عام 1971: «الدولار عملتنا، لكنه مشكلتكم».

ماذا عن الصين؟

كانت الصين الأقل تأثرًا بهذه الدورة من بين الاقتصادات الصناعية وواحدة من أقل دول العالم تأثرًا بشكل عام. فقد حققت في النصف الأول من السنة فائضًا تجاريًا بلغ أكثر من 391 مليار دولار، وإذا استمر بنفس المستوى خلال النصف الثاني من العام، فسيبلغ مستوى قياسيًا جديدًا بعدما كان فائض 2021 الأعلى في تاريخ البلاد. ففي حين ما تزال معظم دول العالم في طور التعافي، تمكنت الصين التي ما تزال تتمسك بسياسة «صفر حالة» من تقليل أثر الجائحة على أنشطتها الاقتصادية، فضلًا عن إنقاذ حياة ملايين البشر.

لكن التأثير المحدود لرفع سعر الفائدة في الولايات المتحدة على الصين يعود لأسباب أعمق من ذلك. فهي عمليًا البلد الوحيد في العالم الذي يمتلك سيادة مالية شبه كاملة، إذ تفرض قيودًا على حركة رأس المال مما يمنع هروبه إلى «الملاذات الآمنة» التي تخلقها واشنطن. كما أن سعر اليوان يحدد بشكل مركزي بالاستناد إلى سلة عملات -بهامش حركة يبلغ 2%- أي أنه لا يخضع لتقلبات السوق أو يتحرك وفقًا لحركة الدولار وحده. لذا، وكما يقول سمير أمين، يمكن لبكين أيضًا أن تقول لواشنطن: «اليوان عملتنا ومشكلتكم».

رغم ذلك، اضطر البنك المركزي الصيني لخفض سعر العملة في أيار للحفاظ على تنافسية الصادرات الصينية في ظل ارتفاع الدولار. لكن على عكس ما يحدث في الكثير من الدول، فإن انخفاض اليوان لا يعني ارتفاعًا موازيًا في التضخم وانخفاضًا في القدرة الشرائية؛ فالصين تزرع وتصنع معظم ما تحتاجه، مما يقلل اعتمادها على الاستيراد، وتتنوع مصادرها المحلية والخارجية من الطاقة، كما أنها تملك احتياطيًا من العملة الصعبة هو الأكبر في العالم، فضلًا عن أن مديونيتها لا تقارن بمديونيات الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. كل ذلك يقلل من مخاطر التضخم والتأثر بارتفاع الدولار.

بَنت الصين هذه الجدر التي تصد غزوات الدولار وتحمي معيشة مواطنيها بالدرجة الأولى عبر الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي، وهنا تكمن الأفضلية التي تتمتع بها أمام غيرها من الاقتصادات الكبرى. ففي حين وجهت أموالها نحو الاستثمار الصناعي والتنمية، تذهب أموال الرأسماليات المُؤَمْوَلة نحو الاقتصاد الافتراضي أو الوهمي متمثلًا في أسواق الأسهم: نما الناتج المحلي الإجمالي الصيني بين عامي 2008 و2021 بنسبة 399%، ليبلغ 17.7 تريليون دولار، بينما نما الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في الفترة نفسها بأقل من 60% ليبلغ 23 تريليونًا. لكن في المقابل، نما سوق الأسهم الأمريكية في الفترة ذاتها[2] بنسبة 315% مقابل 50% في سوق الأسهم الصينية.[3] ما الذي يعنيه ذلك؟ بعيدًا عن ما يمكن أن يكشفه الحجم الكلي لاقتصاد ما، فإن وجهة رؤوس الأموال داخل هذا الاقتصاد هي فارق أساسي يحدد المستفيد من النمو: هل هو طبقة مالية تتضاءل نسبةً وتزداد ثروة؟ أم هو الجزء الأكبر من العامة الذين يحتاجون التنمية وما تقدمه من وظائف وسلع وخدمات؟

على مدى عقود، وظفت الولايات المتحدة الهيكل الاقتصادي العالمي الذي تمارَس عبره سلطة الدولار لإبقاء الصين تحت سقف تكنولوجي لا يسمح بتطوير صناعاتها ويحبسها في موقعها كمصنع ضخم للسلع الرخيصة التي تدعم استهلاك الأمريكيين وترفع هامش ربح شركاتهم التي تنتج منتجاتها بأيدي وعرق الصينيين، لتكريس التقسيم العالمي للعمل الذي يحافظ على وضع الولايات المتحدة بأكملها كطبقة ريعية عالمية. لكن رغم الضرر الذي ألحقه ذلك بالصين، إلا أنها استطاعت أن تحقق اختراقات حيث لم تُرِد الولايات المتحدة. فقد تجاوزت الكثير من صناعاتها المستويات المنخفضة والمتوسطة من السلسلة الصناعية، وتمكنت من دخول الصناعات عالية التقنية. عام 2015، أقرت خطة «صنع في الصين 2025»، التي تسعى عبرها لرفع قدرة وجودة التصنيع التكنولوجي، والتي سيُستثمر بموجبها في هذا القطاع أكثر من 1.4 تريليون دولار بنهاية 2025، من أجل إنهاء الاعتماد على التقنيات الغربية بالكامل.

أكثر فأكثر، تتجلى هيمنة الدولار كحبل مشنقة يلتف حول أعناق مختلف البلدان، وتتأكد من جديد مقولة جون كونالي، وزير الخزانة الأمريكية في عهد نيكسون عام 1971: «الدولار عملتنا، لكنه مشكلتكم».

إضافة لارتفاع كلف الطاقة، تفسر هذه الاختراقات جزئيًا العجز التجاري الحاصل في دول صناعية أوروبية وآسيوية، فضلًا عن الولايات المتحدة. فبينما لم تزد صادرات أوروبا للصين في الأشهر الخمس الأولى من السنة مقارنة بالسنة الماضية، زادت واردات الاتحاد الأوروبي منها بنسبة 42%. أما كوريا الجنوبية، فما تزال تصدّر للصين أشباه الموصلات عالية الدقة، التي تعرقل الولايات المتحدة إنتاج الصين لها عبر منع الشركة الوحيدة في العالم المنتجة للآلات التي تصنّع هذه الرقائق -شركة ASML الهولندية- من التصدير للصين. مع ذلك، فإن واردات كوريا من الرقائق الصينية الأقل دقة -14 أو 28 نانومتر بدلًا من 7- في ارتفاع مستمر، إلى حد حققت معه في أيار لأول مرة في تاريخها عجزًا في الميزان التجاري مع الصين، شريكها التجاري الأكبر. ورغم أن واردات الصين من أشباه الموصلات الكورية ما تزال أكبر من واردات كوريا من أشباه الموصلات الصينية، إلا أن الأخيرة تتعاظم بسرعة أكبر.[4] ويستمر العمل في الصين على قدم وساق لتوظيف الذكاء الاصطناعي لصنع أشباه موصلات أدق وأدق، في حين بدأت بالفعل الأنباء ترد عن تمكن شركة SMIC في شنغهاي -كبرى شركات الرقائق الصينية التي يعود الجزء الأكبر من ملكيتها للدولة- من صناعة أشباه موصلات بدقة 7 نانومتر، رغم الحظر الأمريكي.

إن فقدان الولايات المتحدة وحلفائها احتكار التكنولوجيا المتقدمة، خاصة لمصلحة الصين، مسألة جوهرية في الصراع الدائر اليوم. فقدرة الولايات المتحدة على الهيمنة تستند، إلى جانب الدولار والقوة العسكرية، على احتكار التفوق التكنولوجي. يقول الكاتب الصيني لي غوانغمان إن هذه المؤشرات تظهر أن المنتجات الصناعية المتقدمة -بالإضافة للموارد الطبيعية كما أظهرت حرب أوكرانيا- باتت عملة صعبة في التجارة الدولية. تعكس محدودية تأثر الصين والبلدان المصدرّة للطاقة بدورة الدولار، نسبيًا على الأقل، أن قوة أي اقتصاد ما تزال مرتبطة إلى حد كبير بوجود هذه مثل الصناعات والموارد، وأن الاقتصاد المالي، وبدرجة أقل الخدمي، لا يشكل ضمانة أمام الأزمات العالمية. فرغم أن الانطباع السائد قبل الحرب كان أن اقتصاد روسيا غير متنوع وآخذ بالانكماش، وأنها تستنفد ميزتها الوحيدة عبر الخيار العسكري، كان تصدير الطاقة والمعادن والغذاء أهم عامل في قدرتها على الحد من تأثير العقوبات الغربية.

اليوم، يدفع الغرب أكبر قوة صناعية وأكبر مستهلك للطاقة في العالم وثالث أكبر منتج للطاقة في العالم للتقارب أكثر فأكثر. الشهر الماضي، كانت صادرات الطاقة الروسية للصين أعلى بـ72% مما كانت عليه في حزيران 2021، في الوقت الذي دفعت فيه العقوبات على روسيا فاتورة الطاقة الأوروبية للتحليق. وتحاول الصين تقليل وارداتها من الغاز المسال القادم من أستراليا، أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة، الذي يشكل 40% من مجمل وارداتها منه، في ظل تطوير مشروع خط أنابيب «قوة سيبيريا 2» الذي ستستورد عبره من روسيا 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، بعدما بدأ خط «قوة سيبيريا 1» بالعمل نهاية 2019 بضخ 38 مليار متر مكعب سنويًا.

لن يكون بالإمكان حل هذا الصراع المتصاعد بين الصين والغرب دبلوماسيًا طالما أنه صراع بنيوي يأتي فيه كل اختراق للصين على حساب الهيمنة الغربية. وفي ظل «العزلة» التي يحاول الغرب فرضها على روسيا، فإن تقارب البلدين يصبح أمرًا حتميًا، لا يتوقف عند الصناعة والموارد، بل يرتبط بمواجهة السلاح الذي ما يزال فعالًا في التأثير على الاقتصاد العالمي، أي هيمنة الدولار.

كف اليد الأمريكية

إلى جانب الهندسات المالية التي تسمح لها بحصد ثروات العالم، بات واضحًا أن الولايات المتحدة تستخدم عملتها كسلاح لفرض العقوبات ومصادرة الاحتياطيات في نهب علني. في شباط الماضي، قرر بايدن ببساطة «وضع اليد» على سبعة مليارات دولار من أموال أفغانستان المودعة في مصارف أمريكية، والتصرف بها كما يحلو له. لكن المثال الأوضح جاء مع تجميد أكثر من 300 مليار دولار من احتياطيات روسيا من الذهب والنقد الأجنبي. هنا كان من الطبيعي أن تشعر الصين أنها باتت الهدف القادم.

أحد المخاوف الصينية يتمثل في أن جزءًا مهمًا من احتياطياتها من العملة الصعبة محفوظ في سندات خزينة أمريكية، ما يجعلها عرضة للمصادرة في حال فرض عقوبات عليها. لطالما كانت الصين الضحية طويلة الأمد لهيمنة الدولار، ولم يكن اتجاهها نحو شراء السندات اختياريًا بالكامل، فمع منعها من الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، وفي ظل مراكمتها لفوائض تجارية ضخمة في العقدين الماضيين، مثلت السندات استثمارًا «آمنًا» أساسيًا لهذه الأموال. كان كسر دورة استبدال الثروة الصينية الملموسة بكومة من الأوراق الخضراء ثم إعادتها للولايات المتحدة على شكل ديون، الشغل الشاغل لصناع القرار في الصين منذ سنوات. ومحاولات عكس هذا المسار لم تبدأ مع حرب أوكرانيا، فحيازاتها من سندات الخزينة تتناقص ببطء منذ سنوات، لتقل في أيار عن تريليون دولار لأول مرة منذ عام 2010. ينادي الكثير من المحللين الصينيين بالاستمرار ببيع هذه الحيازات حتى تصل إلى «حد آمن» يتمثل في قيمة الاستثمارات الأمريكية في الصين، بحيث تشكل ضمانة يمكن تأميمها في حال مصادرة الاحتياطي الصيني. على أن تُحول الدولارات المتولدة من هذا البيع إلى ذهب أو سندات بعملة «دول صديقة» أو تُستخدم للاستحواذ على شركات أجنبية في الصين، مع الإبقاء على كمية من الدولار واليورو وغيره من العملات كاحتياطي، على ألا تكون مودعة في بنوك أجنبية.

لكن ليست الصين وروسيا وحدهما من بات يدرك أهمية «التخلص» من سندات الخزينة الأمريكية. على الرغم من أن رفع سعر الفائدة في الولايات المتحدة يعمل على جذب رؤوس الأموال الخاصة، إلا أن كثيرًا من حكومات العالم تبيع سنداتها. فحتى دول حليفة للولايات المتحدة كاليابان، وهي أكبر مالك حكومي أجنبي لسندات الخزينة الأمريكية، تبيع سنداتها بوتيرة أعلى من الصين، إذ باعت ما قيمته 93.5 مليار دولار بين شباط وأيار من هذه السنة فحسب. في الفترة نفسها، انخفض مجمل الحيازات الحكومية لسندات الخزينة الأمريكية بقيمة 289.3 مليار دولار. لقد خلقت الولايات المتحدة ناديًا للمتضررين من هيمنة دولارها. وبينما قد لا ينضم الجميع إليه، فإن من يدركون خطورة الاعتماد المفرط على الدولار يزدادون، ويبحثون عن سبل أخرى لضمان مصالحهم: لقد بدأ عصر تحدي الدولار.

لقد خلقت الولايات المتحدة ناديًا للمتضررين من هيمنة دولارها. وبينما قد لا ينضم الجميع إليه، فإن من يدركون خطورة الاعتماد المفرط على الدولار يزدادون، ويبحثون عن سبل أخرى لضمان مصالحهم.

أحد أشكال هذا الانفضاض البطيء هو تزايد التبادل بالعملات المحلية، أو بعملة ثالثة غير الدولار. أولى المحطات الفارقة هذه السنة كانت أمر الدفع بالروبل الذي فرضت روسيا بموجبه على الدول الأوروبية الدفع بعملتها لقاء الغاز الذي تبيعهم إياه. وخلال الأشهر الماضية، تتالت أمثلة استبعاد الدولار شيئًا فشيئًا من بعض التبادلات: أصدرت كل من الصين والهند أوامر شبيهة لتعزيز استخدام اليوان والروبية لبيع صادراتهما، لكن بشكل غير إلزامي. وبعدما انخفض استخدام الدولار في التبادل التجاري بين روسيا والصين من 90% عام 2015 إلى 46% عام 2020، تضاعفت تبادلات اليوان والروبل منذ الحرب عشر مرات. وتدرس تركيا استخدام الليرة لاستيراد الطاقة الروسية، بحيث تستخدم روسيا تلك المبالغ لشراء مستورداتها من تركيا، التي بلغت العام الماضي 6.5 مليار دولار. بينما اتفقت روسيا وإيران في قمة طهران الأخيرة على رفع التبادل بين البلدين بعملاتهما المحلية، على وقع توقيعهما أكبر صفقة نفطية في تاريخ إيران، بقيمة 40 مليار دولار، ستطور شركة غازبروم الروسية بموجبها حقولًا غازية ونفطية إيرانية. واتفقت كل من ماليزيا وإندونيسيا وتايلاند وسنغافورة والفلبين على ربط أنظمة الدفع الإلكتروني فيها، بحيث يتمكن أي من مواطنيها من الدفع إلكترونيًا في أي من هذه الدول بعملة بلده. وفي اجتماع البريكس الشهر الماضي، اتفقت الدول الخمسة[5] على رفع التبادل التجاري بينها وتعزيز استخدام عملاتها المحلية، وبناء بنية تحتية مالية عالمية بديلة غير مدولرة، تسمح للقوى الصاعدة بالحفاظ على روابط اقتصادية ومالية مباشرة مع البلدان الأخرى في العالم دون اللجوء إلى النظام القائم على الدولار.

لكن بمعزل عن التبادلات التجارية، قد يكون كسر هيمنة الدولار كعملة احتياطية دولية هو الجزء الأصعب من عملية إزالة الدولرة. فما تسميه الولايات المتحدة نظامًا دوليًا قائمًا على القواعد، هو نظام مشوه يقوم على قاعدة واحدة: هيمنة الولايات المتحدة على العالم، وإلا كيف نفسر أن أكبر منتج وقوة تجارية في العالم ما تزال حصة عملته من احتياطيات النقد الأجنبي عالميًا دون 3%؟ ضآلة حصة اليوان هي انعكاس لتضخم حصة الدولار، الذي تستطيع الولايات المتحدة فرضه كوسيط عالمي دون أن يتناسب حجمه وقوته مع حجم الاقتصاد الحقيقي الأمريكي. وطالما استمرت هذه السيطرة المالية، سيظل العالم كله عمليًا يعمل لدى الولايات المتحدة ويمّول استهلاكها.

مع ذلك، فإن محاولات تحدي موقع الدولار كعملة احتياطية أولى تتعاظم، وحصته من الاحتياطيات العالمية من النقد الأجنبي تتضاءل ببطء لكن بشكل مستمر، لتبلغ العام الماضي أدنى مستوى لها منذ 25 عامًا بأقل من 59%. ليس هذا سوى انعكاس مباشر لإدراك عدد متزايد من الدول، من أعداء الولايات المتحدة ومن أصدقائها، بأن عليهم تنويع احتياطياتهم (حتى «إسرائيل»، التي تسعى على ما يبدو لضمان وجودها في عالم ما بعد أمريكي، أعلنت مطلع العام عن تقليل حصة الدولار من احتياطياتها ورفع حصص الدولار الأسترالي والكندي والين واليوان). في هذا السياق، جاء إعلان بوتين عن أن دول البريكس تسعى لإنشاء عملة مشتركة، تستند إلى سلة من عملات الدول الأعضاء، تلعب دور عملة احتياطية دولية. فيما تستمر محاولات الصين لتدويل اليوان ورفع حصته من الاحتياطيات الأجنبية العالمية، عبر تعزيز استخدام اليوان الرقمي، وإنشاء احتياطي مشترك باليوان تساهم فيه كل إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وهونغ كونغ وتشيلي، لتوفير التمويل والسيولة للمشاركين، عبر بنك التسويات الدولية ومؤسسات أخرى. في الوقت نفسه، يعود الاهتمام بالذهب كاحتياطي للتصاعد، فكل من روسيا والصين تبنيان مخزونهما منه منذ سنوات، كما يجري الحديث في روسيا عن روبل مدعوم بالذهب يمكن استخدامه للتبادل التجاري.

لن تكون إزاحة الدولار عن عرش الاقتصاد العالمي أمرًا هينًا أو وشيكًا، خاصة في ظل أن انخفاضه اليوم يعني انخفاض قيمة الثروات والأصول العالمية المقومة بالدولار. لذلك، لا يمكن أن تتم هذه الإزاحة بضربة قاصمة واحدة أو قريبة، ولا يبدو أن أيًا من العملات المتداولة حاليًا سيحل محل الدولار في المدى المنظور. لكن تحول العالم من نظام سياسي أحادي القطب إلى متعدد الأقطاب سيترافق حتمًا مع تشظي النظام المالي وولادة نظام مختلف قد لا تتسيده عملة واحدة قاهرة كما يفعل الدولار الآن. المؤكد هو أن قوة هذه الورقة الخضراء هي من قوة الإمبراطورية وجيشها، ولن يكون في وسعها لعب دور العملة العالمية في العصر الما بعد أمريكي.

  • الهوامش

    [1] اضطرت كوريا إلى رفع أسعار الفائدة بقوة على الرغم من العجز، فيما ما زالت اليابان تتمسك حتى الآن بسعر فائدة سلبي، أملًا في تنشيط الاقتصاد.

    [2] بناء على سعر إغلاق نهاية السنة لمؤشر داو جونز في 2008 و2021.

    [3] بناء على سعر إغلاق نهاية السنة لمؤشر شنغهاي في 2008 و2021.

    [4] زاد استيراد الصين لأشباه الموصلات الكورية في أيار بنسبة 11% بينما زادت استيراد كوريا الجنوبية لأشباه الموصلات الصينية 41% في الفترة نفسها.

    [5] البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية