«يوم سمخ»: كايد المفلح العبيدات ونهاية حلم الدّولة الواحدة في بلاد الشّام

كايد المفلح العبيدات، بحسب صورة منشورة في كتاب محمود عبيدات، وفي الخلفية خريطة بريطانية لمنطقة سمخ قرب بحيرة طبريا. تصميم ندى جفال.

«يوم سمخ»: كايد المفلح العبيدات ونهاية حلم الدّولة الواحدة في بلاد الشّام

السبت 10 تشرين الأول 2020

ما حَضَرْتِنْ يُوم سَمَخ يا بَنَات         لَوْ حَضَرْتِن كَانْ جِيتِنْ فَارْعَاتْ
طَيّارَه بْوَسْطْ السَّمَا يا حِيفِي               ضَرْبَت عَ كايد على لَمْعَ السِّيفِ
طَيَّارهْ وَسْطْ السَّمَا طيَّارهْ                    ضَرْبَت عَ كَايِد يُوم قَادْ الغَارَهْ.(1) 

بهذا المعيد(2) ودّعت نساء كفر سوم شيخهنّ الشّهيد كايد المفلح العبيدات، شيخ ناحية الكفارات، وأحد أركان قضاء عجلون (محافظتي عجلون وإربد اليوم)، والذي كان يبلغ من العمر لحظة وفاته 52 عامًا، بعد أن كان قد سقط بنيران رشّاشات طائرات إنجليزيّة في اليوم السّابق، يوم 20 نيسان 1920.

كان العبيدات يومها قد قاد مجموعة مسلّحة من القضاء تجمّعت صباحًا في المخيبة قرب الحمّة الأردنية،(3) وعبرت نهر اليرموك بعد أن قسمها القائد إلى خمس مجموعات في شكل مثلث بقاعدتين متوازيتين، لكل مجموعة مهمّة،(4) قاصدةً معسكر الإنجليز ومحطة القطار ومستوطنات الصهاينة في منطقة سمخ، على الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبريا، لتلتقي هناك بقوّات من فلسطين على رأسها عبد الله الفاهوم ومحمود شتيوي،(5) فتنغلق بذلك فكّا الكمّاشة على العدو. كان التنسيق مع أحد الضباط العرب (هو الملازم أول محمد الهندي) في المعسكر الإنجليزيّ بأن يُسلّم المعسكر دون إطلاق نار،(6) وأن تأخذ مجموعة العبيدات ما فيها من أسلحة وعتاد وتستكمل الهجوم، لكن اشتباكًا مسلّحًا وقع في المعسكر على غير المتوقّع، واشتبكت المجموعة مع جنود وفرسان هنود جاءتهم تعزيزات سريعة بالطائرات وبقوات إضافية من طبريّا،(7) وخلال ذلك سقط أوّل شهيدين من القوّة المُهاجمة: فندي المفلح العبيدات وفندي القفطان العبيدات.(8) أمام هذه المفاجأة، والتعزيزات، والطائرات، وعدم التكافؤ في القوى، قرّر كايد المفلح الانسحاب، لكنّه افتقد المجموعة التي يقودها ابنه تركي، وفيها أحد أهم فرسان القوّة عبد الرحمن العبويني (الملقّب بـ«الأقرع»)، فخشي كايد المفلح أن تستفرد التعزيزات بهذه المجموعة فعاد لنجدتها، وفي تلك العودة رصدته طائرة إنجليزية ورشقته بنيرانها الرشّاشة فاستشهد.(9) وخلال المعركة، كان سلطان الجبر المفلح العبيدات قد أصيب بجروح بليغة، فأُخلي إلى سحم، واستشهد في الطريق أو بعد وصوله، ليكون رابع الشهداء في هذه المعركة.(10) ليلًا، استعادت مجموعة من درعا جثامين الشّهداء،(11) وشيّعوا في كفر سوم في اليوم التالي.

حضر الجنازة قادةٌ وشيوخٌ ووفودٌ مثّلوا جميع نواحي عجلون وحوران والجولان،(12) ودلّوا بتركيبتهم تلك على عظمة المُصاب والمناسبة، كما دلّوا على مرحلة تاريخيّة بأكملها انطوت اليوم، ولم يعد يذكرها أحد، على الأقلّ: بالشّكل الذي كانت عليه، وعبّرت عن نفسها من خلاله.

مرجعيّات ما قبل «شرق الأردن»: عجلون، حوران، والدولة الواحدة في سوريّة الطبيعية

كثيرًا ما يوصف كايد المفلح بأنه «أول شهيد أردنيّ على تراب فلسطين»،(13) وفي هذا عدم دقّة من جهة (فقد سبقه الفنديّان في الشّهادة)، وتصغيرٌ لما كان الشّهيد يمثّله في ذلك الوقت من جهةٍ أخرى، إضافةً لكونه إسقاطٌ كيانيٌّ هويّاتيٌّ لاحقٌ، إن أخذنا بعين الاعتبار إنّ «الدّولة» الأردنيّة وهويّتها المعاصرة التي نعرفها اليوم –بتعبيراتها المختلفة– لم تكن موجودةً حينها، بل إنّ إمارة شرق الأردن نفسها (التي تأسّست عام 1921) لم تكن موجودةً أيضًا.

في خلفيّة الحدث الكبير والجلل، والتي سنأتي على بعض تفاصيلها، حضرت مرجعيّات عدّة متداخلة، أوّلها وأهمّها: دولة الشّرق العربيّة/المملكة السوريّة، دولة الأمير/الملك فيصل قصيرة العمر في سوريّة الداخليّة، الممتدّة من حلب شمالًا حتّى معان جنوبًا، باستثناء المناطق الساحليّة التي احتلّها الاستعمار بشكل مباشر، إذ تواجد الفرنسيّون فيما أصبح الساحل السوريّ ولبنان، فيما تواجد البريطانيّون فيما صار فلسطين. مثّلت هذه الدولة حلم الكيانيّة السياسيّة الموحّدة في كامل سوريّة الطبيعيّة، واستمرّت من أواخر عام 1918 وحتى منتصف عام 1920، وهو العام الذي قاد فيه كايد المفلح غارته على المعسكرات الإنجليزيّة والمستوطنات الصهيونيّة في منطقة سمخ – طبريّا، ولم يرجع منها حيًّا.

المرجعيّة الثانية كانت حورانيّة، بالمعنيين السياسيّ والاجتماعيّ: فكايد المفلح كان جزءًا من شبكة اتصلت مع بعضها منذ نهاية الحرب العالميّة الأولى، وكانت مرتبطة بشكل مباشر بالمرجعيّة الأولى أعلاه، ومثّل أقطابها علي خلقي الشّرايري، ابن إربد الذي كان قائد العمليّات العسكريّة للاستقلاليّين السوريّين في منطقة حوران والجولان،(14) وهي منطقة التماسّ المباشر مع الاستعمار الفرنسيّ الذي كان يعدّ العدّة حينها للهجوم على دمشق؛ وأحمد مريود، والأمير محمود الفاعور من مناطق تقع اليوم في جنوب غرب سوريّة. ولعلّ خير من يعبّر عن هذه المرجعيّة الحورانيّة الشّاعر الدوقراني،(15) الذي حضر يوم سمخ وكان في عداد المقاتلين، ونظم قصيدة طويلة في رثاء كايد المفلح تعتبر شهادة عيانيّة نادرة وفريدة عن المعركة.(16) فحوران هي بلاد الشّاعر،(17) ويظهر ذلك جليًّا في مواقع كثيرة جدًّا من قصائده،(18) مثلما تظهر أسماء زعامات النّواحي (ومنهم كايد المفلح) في كلّ قصيدة من قصائده تقريبًا، الأمر الذي يدلّ على أن هذه النواحي المحليّة (التي تشكّل المرجعيّة الثالثة) كانت ترى نفسها جزءًا من محليّة أوسع هي حوران.

هذه المرجعيّة الثالثة محليّة، لوائيّة عجلونيّة، تمثّلت بعلاقات مستمرّة، اجتماعيّة في البداية، وسياسيّة لاحقًا، بين شيوخ نواحي عجلون الرئيسيّين وهم سليمان السّودي الرّوسان شيخ ناحية السرو، وكايد المفلح العبيدات شيخ ناحية الكفارات، وكليب الشريدة شيخ ناحية الكورة، وناجي العزّام شيخ ناحية الوسطيّة، وراشد الخزاعي زعيم جبل عجلون،(19) يضاف إليهم مجموعة من شيوخ إربد والرّمثا، وشخصيّات سياسيّة؛ ويرتبط جميع هؤلاء بعلاقات متينة مع علي خلقي الشّرايري وأحمد مريود الذين يربطانهم بالمرجعيّتين الثانية والأولى أعلاه.

الخطّ الزمنيّ للتطوّر السياسيّ لشيخ ناحية الكفارات: من كفر سوم إلى سان ريمو

تشكّل هذه المرجعيّات الثلاث المقدّمة المنطقيّة لفهم «الغارة»، الهجوم الذي قاده كايد المفلح العبيدات، يوم 20 نيسان 1920، على منطقة سمخ جنوب طبريّا، على رأس قوّات تشكّل أغلبها من ناحيته، الكفارات، ومن عشيرته، العبيدات،(20) بمشاركة مجموعات من عشائر وقرى منطقة عجلون. 

ولنرتّب الأحداث ومعانيها ومآلاتها، ولنفهمها في سياق زمنها، سنضع خطًّا زمنيًّا لها قبل أن نُحلّلها:

عام 1868 – ولد كايد مفلح جبر فندي العبيدات في قرية كفر سوم، أبوه كان زعيم عشيرة العبيدات، وأمّه هي عائشة الداوود من قرية حرثا،(21) تعلّم القراءة والكتابة على يد الشيخ عبد الله العمري،(22) وأصبح شيخًا لعشيرته بعد وفاة أخيه الأكبر محمد المفلح الذي ورث الزعامة عن أبيه،(23) وكان ذلك كلّه في سياق الدّولة العثمانية وباعترافها.(24)

عام 1910 – 1911 تعمّق نشاط كايد المفلح السياسي عبر اتصاله بأعضاء وقيادات من جمعيّة المنتدى الأدبي، وحزب اللامركزيّة الإداريّة العثماني، والجمعيّة القحطانيّة، وجمعيّة العربيّة الفتاة،(25) وكان «الشعورّ القوميّ العربيّ» والإحساس بالمظلوميّة من الحكم العثمانيّ، خصوصًا تحت ولاية جمال باشا (السفّاح) في سوريّة الطبيعيّة والحجاز حينها، يتنامى ويأخذ اتّجاهين: استقلاليّ كامل، أو حكم ذاتيّ واسع ضمن إدارة لا مركزيّة داخل الدّولة العثمانيّة، وهو ما تعبّر عنه المنظّمات المذكورة. 

عام 1912 – نقطة التحوّل الأولى في حياة كايد المفلح، حيث التقى بأحمد مريود في بلدته «جباتا الخشب» (تقع اليوم في جنوب غرب سوريّة، قضاء القنيطرة، على السفح الشرقي لجبل الشيخ)، تحت غطاء تقديم العزاء بوالدته، وهناك التقى بشخصيّات وازنة منهم الأمير محمود الفاعور، وسلطان الأطرش، ونبيه العظمة، وعادل أرسلان، وغيرهم، وفي ذلك اللقاء، طلب نبيه العظمة جلسة سريّة مع كايد المفلح حضرها أحمد مريود، وتمّ فيها الاتفاق على أن تكون منطقة الكفارات ملاذًا للثوّار والشخصيّات الذين تلاحقهم السّلطات العثمانيّة؛(26) وهو الاتفاق الذي تم تنفيذه عام 1915 حين قام أحمد مريود بتهريب جلال البخاري وعز الدين التنوخي (المطلوبين لجمال باشا السفّاح) إلى كفر سوم حيث استضافهم كايد المفلح قبل أن يغادرا إلى الزرقاء، فالموقّر، فالجوف.(27)

عام 1917 – نقطة التحوّل الثانية في حياة كايد المفلح، وفيه انعقد اجتماع عجلون لمواجهة وعد بلفور، وقد حضره عدد كبير جدًّا من الشخصيّات منها سليمان السودي، وراشد الخزاعي، وناجي العزّام، وكليب الشريدة، وعبد الرحمن الرشيدات، وعارف العنبتاوي، وغيرهم، واختار الحضور كايد المفلح رئيسًا للاجتماع، وكلّفوه بأن ينوب عنهم بمراسلة زعماء العشائر في بقية المناطق للتعبئة ضد وعد بلفور،(28) وذلك (على ما يبدو) لعلاقته القويّة بأحمد مريود ومحمود الفاعور وتنسيقه المباشر معهما.

تشرين الأول 1918 – دخول الجيش العربي إلى دمشق ووصول الأمير فيصل إليها وتشكيل أول حكومة عربيّة تدير البلاد السوريّة الداخليّة من حلب إلى معان برئاسة علي رضا الركابي.(29)

نهاية 1919 – بعد اتّضاح نيّة الفرنسيين والبريطانيّين اقتسام المنطقة والقضاء على مشروع الدولة السوريّة، قاد علي خلقي الشرايري العمل المسلّح ضد الفرنسيّين والبريطانيّين انطلاقًا من شمال ما أصبح الأردن، بعد اتفاقٍ حول ذلك مع محمود الفاعور وأحمد مريود وشكري القوّتلي، وقد راسل علي خلقي زعماء النواحي (ومنهم كايد المفلح) لإسناد هذا التوجّه؛(30) وشكّل كايد المفلح قوّة مسلّحة من 20 شخصًا من القرى التابعة له للمشاركة في «ثورة الجولان» التي ينظّمها علي خلقي،(31) وهي نواة القوّة التي قامت بعمليّة سمخ.

عدد من زعماء الاستقلاليين في عمان عام 1922. من اليمين، الصف الأمامي: رشيد طليع، أحمد مريود، عادل أرسلان. الصف الخلفي: جميل المدفعي، نبيه العظمة. من كتاب سليمان الموسى، «صور من البطولة»، ص 111.

6 آذار 1920 – انعقاد المؤتمر السوريّ بممثّلين من جميع أنحاء سوريّة الطبيعيّة في دمشق.(32)

8 آذار 1920 – المؤتمر السوريّ يقرّر إعلان الدّولة العربيّة المستقلّة في سوريّة الطبيعيّة، وعلى رأسها فيصل ملكًا،(33) وكايد المفلح يذهب إلى دمشق في نفس اليوم ويقدّم التهنئة له،(34) ولم تعترف أيّ من القوى الكبرى (بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة) بهذه الدّولة. أتى هذا الإعلان استباقًا لمؤتمر سان ريمو، وهو امتداد لمؤتمر باريس للسلام، والذي سيقرّر فيه المنتصرون في الحرب العالميّة الأولى اقتسام المنطقة.

بداية آذار – بداية نيسان 1920 كايد المفلح يقود مجموعة كبيرة من الحوارات والاتصالات مع شيوخ النواحي في قضاء عجلون لطرح فكرة العمل المسلّح ضد البريطانيّين والمستوطنات الصهيونيّة.(35) 

6 نيسان 1920 – اجتماع حاشد في بلدة «قم» بضيافة ناجي العزّام، حضره شيوخ وشخصيّات نواحي عجلون، وقيادات من فلسطين،(36) لدعم توجّه كايد المفلح بالعمل المسلّح، وقد وافق المجتمعون على شنّ غارات هجوميّة تستهدف معسكرات الجيش البريطاني والمستوطنات الصهيونية،(37) وتاليًا قرارات الاجتماع: يتحمّل زعماء ومشايخ لواء عجلون مسؤولية الهجوم المسلح على معسكرات الجيش البريطاني والمستوطنات اليهودية في الأراضي التابعة لمنطقة سمخ؛ يكون موعد الهجوم على هذه المواقع في الساعة الثامنة من صباح يوم 20 نيسان 1920؛ يسمى الشيخ كايد المفلح العبيدات رئيسًا وقائدًا للمجاهدين، وتأتمر القوّات بأمره؛ تنطلق القوّات من مناطقها فجر يوم 20 نيسان، وتلتقي في قرية المخيبة، ومنها تنطلق إلى سمخ؛ يتم الاتصال بذوي الخبرة العسكرية للنصح؛ يتم إعلام علي خلقي الشرايري بخطة الهجوم؛ يتم تشكيل فرقة لإخلاء القتلى والجرحى.(38)

19 نيسان 1920 – بداية مؤتمر سان ريمو الذي سيحدّد فيه الاستعمارين الفرنسي والبريطاني مناطق نفوذهما في المشرق العربي. 

20 نيسان 1920 – عمليّة سمخ بقيادة كايد المفلح العبيدات، واستشهاده مع ثلاثة من رفاقه هم فندي المفلح وفندي القفطان وسلطان الجبر؛ تزامنت العملية مع اليوم الثاني من مؤتمر سان ريمو الذي استغرقت أعماله ثمانية أيام، وصدرت قراراته في اليوم قبل الأخير منه.

26 نيسان 1920 – انتهاء مؤتمر سان ريمو بتثبيت تقسيم سوريّة الطبيعية بين الاستعمارين الفرنسي والبريطاني.

14 تموز 1920 – الجنرال الفرنسي غورو ينذر الملك فيصل خطيًّا بقبول الانتداب الفرنسي على سوريّة الداخليّة وبعدم معارضة جنوده الذين سيزحفون لاحتلال المناطق المخصصة لهم في اتفاقيّة سان ريمو.(39)

21 تموز 1920 – بدء زحف القوات الفرنسيّة إلى دمشق.(40) 

24 تموز 1920 – معركة ميسلون، وسقوط دمشق في اليوم التالي، ونهاية المملكة السوريّة.

غارة واحدة أم التأسيس لحرب عصابات؟ تقسيم الجبهات بين كايد المفلح وأحمد مريود وعلي خلقي

يضع الخطّ الزمنيّ أعلاه، وتفاصيل الأحداث فيه، وشبكة العلاقات التي أدارتها، هجوم كايد العبيدات ضمن قراءة تختلف تمامًا عن السّائد، وسأفصّلها تاليًا.

يبدو واضحًا أن هناك تقسيمًا للعمليّات الاشتباكيّة مع القوى الاستعماريّة –التي أخذت بتثبيت نفسها للتوّ في المنطقة– قد اشتقّ نفسه من طبيعة التّهديد المباشر على خطوط التماسّ بين الاستعمارين الفرنسي والبريطانيّ. فبينما شكّل الاستقلاليّون قوّة ضاربة ضد الفرنسيّين على خطّ الجولان–القنيطرة بقيادة علي خلقي وأحمد مريود، كان ثمة حاجة لتشكيل قوّة في مواجهة الإنجليز والصهاينة على خطّ موازٍ وقريب هو خطّ بيسان–سمخ–طبريّا. ويأخذ تقسيم العمل العسكريّ هذا صداه في الكلمة التي ألقاها العبيدات في اجتماع قم، فهو يقول: «إن إخواننا في دمشق يعانون من المواقف الفرنسية (…) وعلينا هنا مهمّات لا تقلّ عن مهمّاتهم، وهي تكمل بعضها بعضًا، فنحن نتصدّى للإنجليز واليهود، وهم سيتصدّون للفرنسيّين، عندها سيعرف الحلفاء أننا أبناء أمة واحدة. لن نسمح بمصادرة حرّيتنا، ويجب أن تعلم أوربا أننا نريد الاستقلال التام، وسنضحي من أجله [بـ]كل شيء».(41) خطّا الاشتباك هذان أجدهما في منتهى الذكاء، فهما قريبان جدًّا من بعضهما بما يسهّل الإسناد المتبادل، في نفس الوقت الذي يشتبكان فيه مع كل أشكال الاستعمار في المنطقة (الفرنسي والبريطاني والصهيوني)، ويقعان أيضًا على خط التماسّ بين الاستعمارين الفرنسيّ والبريطانيّ، مما يعزّز المشاكل والتوتّرات بينهما، وهما لم يكونا أبدًا على وفاقٍ في المنطقة، بل كانا متنافسين على الدّوام، وحتى خروجهما من المنطقة.(42)

من الواضح أن ثمّة تنسيقًا عسكريًّا بين القطاعين، يتمثّل في قرار اجتماع قم إعلام علي خلقي بالعمليّة، وتشجيع علي خلقي للعبيدات على القيام بعمليّته بأسرع ما يمكن «لدعم موقف الملك فيصل في مفاوضات مؤتمر السلام [مؤتمر سان ريمو]» الذي بدأ يوم 19 نيسان 1920.(43)

هذا يعني أيضًا أنّ هناك تخطيطًا سياسيًّا واضحًا بين الأطراف، يتعلّق أولًا بفهم حقيقة عزم الاستعمارين البريطانيّ والفرنسيّ على تقسيم المنطقة بينهما رغم الوعود التي أعطيت قبلها للعرب من قبل البريطانيّين، وثانيًا من خلال فهم أن العمل العسكريّ هو أداة مباشرةٌ لتحقيق مكاسب سياسيّة لصالح المملكة السوريّة التي كانت تترنّح، ولإفهام بريطانيا أن مهمّتها لن تكون نزهة في مناطق سيطرتها، ولإفهام المستوطنات الصهيونيّة أنها لن تكون خارج خطّ النّار، وبالتالي العمل على إيقاف أو إبطاء النشاط الصهيونيّ في شمال فلسطين.

وبتقديري أن الهدف الطويل المدى لكايد المفلح من عمليّة سمخ كان إطلاق ما يشبه حرب العصابات، ضد المعسكرات البريطانيّة والمستوطنات الصهيونيّة، أمّا مؤشّرات هذا الاستنتاج فهو ما يلي: التّنسيق المستمرّ مع علي خلقي الشرايري وأحمد مريود وهما قادة العمل العسكري ضد الفرنسيّين على نفس خطّ التماسّ؛ تشكيل قوّة من ناحية الكفارات للمشاركة في «ثورة الجولان»، أبرز فرسانها عبد الرحمن العبويني «الأقرع»، والحفاظ على هذه القوّة كنواة لعمليّات مستقبليّة؛ حشد كلّ هذا العدد من الزّعامات والشّخصيات في اجتماع قم، وهو اجتماع تمخّض عن إنشاء مجموعة مسلّحة تعهّد الجميع بالمشاركة فيها، فمن غير المعقول أن اجتماعًا من هذا النوع وبهذا الاتساع قد انعقد فقط لمباركة عمليّة واحدة صغيرة نسبيًّا؛ استشارة كايد المفلح لمن هم من ذوي الخبرة العسكريّة لتدريب القوّة الجديدة المتشكّلة؛ التقسيم العسكري للقوّة المُهاجمة وتشكيل فرقة إخلاء للجرحى والقتلى؛ والأهمّ من كل ذلك: «مفاتحته بعض الضباط [العرب في الجيش البريطاني] بخطته الهجوميّة»، وإقناعه لهم بضرورة تقديم المساعدة لقوّاته بتسهيل مهمة دخولهم يوم سمخ إلى المعسكرات الإنجليزية دون قتال للاستيلاء على الأسلحة من مستودعاتها،(44) هذه الترسانة من الأسلحة كانت –برأيي– ستكون خزّانًا لعمليّات قادمة، ومقدّمة لحرب عصابات ضد الإنجليز والصهاينة، على شاكلة تلك التي استمرّ علي خلقي الشرايري وأحمد مريود والاستقلاليّين في شنّها على الفرنسيّين انطلاقًا من شمال الأردن حتى عام 1924، وهو العام الذي طرد فيه الأمير عبد الله –تحت تهديدات البريطانيين– الاستقلاليين من إمارة شرق الأردن،(45) إثر احتجاج الفرنسيّين الشديد على مثل هذه العمليّات.

 مستوطنة ديجانيا أ التي كانت تستهدفها قوّات كايد المفلح العبيدات عام 1920 دون أن تصلها، وتظهر سمخ في الخلفية. وجنود أستراليّون أمام محطة سمخ للقطارات عام 1918، وهي المحطة التي شهدت أجزاء من المعركة مع قوّات العبيدات. المصدر: ويكيميديا.

عمليّة استشهاديّة عفويّة، أم تخطيط محسوب لاستمراريّة مُستقبليّة؟

يورد المؤرّخ محمود عبيدات في كتابه عن كايد المفلح ما يفيد بأن عمليّة سمخ كانت عمليّة محكومة بالهزيمة المُسبقة، أو شكل من أشكال الانتحار النضاليّ: «كان يجب أن يموت كما قرّر، لأن التحدّي [لجيش] انتصر في الحرب العالمية الأولى، بمنزلة انتحار … الانتحار بإرادة وشموخ وكبرياء»،(46) وهو في هذا يتوافق بشكلٍ ما مع رؤية السير أليك كيركبرايد للحادثة، وقد كان حينها ضابطًا في الجيش البريطانيّ المرابط في فلسطين، وتصادف وجوده في المنطقة وشارك في صدّ الهجمة، وهو يصف الغارة بأنها «من أكثر الغارات العربيّة خبلًا»،(47) وأن «المهاجمين كانوا يسعون إلى الهزيمة بأنفسهم حين وجّهوا هجومهم إلى معسكرات الجيش»،(48) لكن قراءتي لهذه الهجمة تبتعد بها كثيرًا عن فكرة «الخبل» والسّعي إلى الهزيمة، والتّضحية المجّانية بالنفس.

فالغارة كانت هي التجربة التعميديّة الأولى للقوّة التي وُضعت تحت أمر كايد المفلح بعد اجتماع قم، وكانت جزءًا من تقسيم ميدانيّ عسكريّ مُنسّق مع علي خلقي وأحمد مريود، وجزءًا من عملية إسناد سياسيّ للدولة السوريّة الوليدة في مواجهة مؤتمر سان ريمو، وجزءًا من الضّغط على القوى الاستعماريّة المجتمعة فيه لعلّها تقدّم بعض التنازلات للملك فيصل. 

وإن أخذنا عدّة عوامل لم تكن في الحسبان، وفرق الإمكانيّات الكبير بين المجموعة المُهاجِمة والجيش البريطاني، فسنصل إلى نتيجة مفادها الغارة كانت ناجحة إلى حد معقول؛ فالاعتبارات التي لم تكن في الحسبان تتلخّص في أمرين أساسيّين، الأول منهما عدم وفاء بقيّة النواحي بإرسال أعداد كبيرة من الرّجال، وهو ما يُستنتج ممّا يُلمح إليه سليمان الموسى: «وفي نهاية الأمر لم يعبر نهر اليرموك غربًا إلا الجماعة التي كان يقودها الشيخ كايد، وأكثر أفرادها من أبناء عشيرته العبيدات».(49) وممّا خالفه فيه جزئيًّا محمود عبيدات الذي يقول: «قطع نهر اليرموك معظم الذين حضروا من نواحيهم، إلا أن الغالبية 85% تقريبًا هم من عشيرة العبيدات».(50) فبحساب بسيط: تجمع أمام مضافة العبيدات في كفر سوم فجر يوم الهجوم أكثر من 300 شخص بين فارس وراجل بشهادة تركي العبيدات،(51) ابن الشهيد، والذي شارك في الهجوم على رأس إحدى المجموعات الخمس، إذًا –واستنادًا إلى تقديرات المؤرخ محمود عبيدات– كان عدد المهاجمين 350 شخصًا، 300 منهم من العبيدات، وخمسون فقط من جميع نواحي عجلون، وفي هذا خذلان للقائد المكلّف بالهجوم، والذي يفترض أن يتلقّى من كل ناحية عددًا مقاربًا لمن خرج من ناحيته، أي كان المتوقع أن يكون تحت إمرته 1200 رجل، وهو عدد كان سيُحدث فرقًا كبيرًا لو تجمّع.

الأمر الثاني الذي لم يكن في الحسبان هو الخيانة التي تعرّض لها كايد المفلح من الضابط العربيّ المسؤول عن المعسكر الإنجليزي (وهو الملازم أول محمد الهندي)، الذي وعده بتسليم المعسكر في موقع تل الثعالب بأسلحته دون قتال،(52) فتعرّضت قوّة كايد المفلح لإطلاق النار من البداية، واشتبكت مع المعسكر الذي أُرسلت إليه قوّات إسناد جويّة.

إن أخذنا بعين الاعتبار الفارق النوعيّ في العتاد والتدريب والتسليح بين قوّة العبيدات وقوات الجيش البريطاني في الموقع، والتي كان على رأسها –بمحض الصّدفة– ضابطان رفيعان هما أليك كيركبرايد وفِتْزرُوي سُمرست،(53) عجّل وجودهما على ما يبدو بإرسال المزيد من التعزيزات؛(54) وإن أخذنا بعين الاعتبار حجم الخسائر التي وقعت في القوّة المُهاجِمة (أربعة شهداء فقط)، وتمكّنهم من إرهاب الخصم وإرباكه، وإحداث عدد من الإصابات في الجنود، «كان أحدهم ضابط، إشارة أطلّ من النافذة فأصابته طلقة في صدره»،(55) بل وتمكّنهم من إصابة طيّار «بجرح خطير من طلقة بندقيّة» اضطرّ بعدها للهبوط بطائرته،(56) ومن ثمّ تمكّنهم من الانسحاب بنجاح، والعودة لاستعادة جثامين الشهداء ليلًا؛ إن أخذنا كلّ تلك الأمور في عين الاعتبار، فإن الاستنتاج الوحيد الممكن هو أن العمليّة كانت ناجحة نسبيًّا، وربّما تكون صدفتها القاتلة والحاسمة هي استشهاد القائد نفسه في الانطلاقة الأولى، فاندفنت معه الإمكانيّات اللاحقة كلّها. 

العبيدات في طبريّا: الحركة الطبيعيّة داخل المجال الحيويّ الطبيعيّ

لم يكن كايد مفلح العبيدات في قراءته للمشهد، وتحرّكه العسكريّ، ينتقل من بلدٍ إلى آخر، من «الأردن» إلى «فلسطين»، بل كان يتحرّك داخل المجال الحيوي الطبيعيّ لوجوده الذي يتشكّل من نواحي منطقة عجلون وحاضنتها الحورانيّة (كانت المنطقة بالتقسيم الإداري العثماني جزءًا من متصرّفيّة حوران)، وامتداداتها في الجولان وطبريّا وبيسان. 

في التقسيم الإداري في العهد الإسلامي الأوّل، الذي استمرّ لأقلّ قليلًا من خمسة قرون* حتى غزوات الفرنجة 1095 ميلاديّة، كانت الوحدات الإداريّة المسمّاة «جند فلسطين» و«جند الأردن» عرضيّة، وتشكّلت من جغرافيّة شملت كل واحدة منهما أجزاء مما هو الآن الأردن وفلسطين، فيما شمل جند الأردن أيضًا أجزاء من جنوب ما صار لاحقًا سوريّة ولبنان،(57) وتقع فيه مناطق مثل درعا والجولان وبيسان وطبريّا وسمخ وصولًا إلى صور، وكانت عاصمة جند الأردن هي طبريّا،(58) التي هاجمت منطقتها قوّات كايد العبيدات، دون أن ننسى أن طبريّا ومنطقتها ملاصقةٌ تمامًا لناحية الكفارات (العبيدات) وناحية السرو (الروسان)، فسمخ، التي تقع أقصى جنوب بحيرة طبريّا، تبعد 20 كيلومترًا عن كفر سوم، وتبعد أربعة كيلومترات فقط عن نهر اليرموك، ولم يكن على كايد المفلح وقوّته سوى أن يعبروا ذلك النهر ليصيروا فيها، بمعنى أن النشاط الاستيطاني الصهيوني الاستراتيجيّ في المنطقة، مباشرةً عند منبع نهر الأردن الذي يغذّي كل الأراضي التي يمرّ بها إلى الجنوب بالمياه (مستعمرة ديجانيا أ التي أنشئت عام 1910، وتوسّعت لاحقًا لتُفرِّخ مستعمرتين أخريين ديجانيا ب و ديجانيا ج  في العام 1920 نفسه الذي حصلت في غارة سمخ). ووجود معسكر بريطاني ومهبط للطائرات فيها(59) كان يعني تهديدًا مباشرًا لمنطقة الكفارات وسكّانها، وعموم قضاء عجلون ومنطقة الجولان.

 دولة الشرق العربيّة/المملكة السوريّة (المنطقة الخضراء الغامقة) نهاية 1918 – منتصف 1920، والتقسيم الإداري في العهد الإسلامي الأوّل – جند الأردن وجند فلسطين. المصدر: قضيّة فلسطين في خرائط، المركز الجغرافي الأردني، 1984، ط 4، خريطة 2 و9.

ينعكس هذا الفهم (المختلف تمامًا عن الرؤية القُطريّة الأردنيّة التي تروّج عن هذا اللقاء اليوم) في اجتماع أم قيس لقيادات أهالي عجلون وإربد برئاسة علي خلقي الشرايري،(60) والرسالة الناتجة عنه بتاريخ 2 أيلول 1920، بعد خمسة أشهر من هجوم سمخ، إذ وجّهوا أسئلة وطلبات مكتوبة للمعتمد البريطاني الميجر سمرست (هو نفسه الذي شارك ضمن القوّات البريطانيّة في قيادة معركة سمخ، وصار بعدها المسؤول عن لواء عجلون)، وتلقّوا أجوبته عليها، وطلبوا من خلالها أن تكون بريطانيا هي القوّة الانتدابيّة على عموم سوريّة لضمان وحدتها (في مقدّمة الرّسالة، وتم تكرار الطلب في الفقرة «ل» من الرسالة)،(61) وإلى أن يتحقّق ذلك، طلب الوجهاء إنشاء حكومة عربيّة تحت الانتداب البريطاني، تشمل لوائيّ السّلط والكرك، وقضائيّ عجلون وجرش، وأيضًا لواء حوران، وقضاء القنيطرة، وقضائيّ مرجعيون وصور.(62) من الواضح أن انقلابًا استراتيجيًّا حصل في تقييم الوضع بعد مؤتمر سان ريمو، إذ بات الاستقلاليّون الذين طُردوا من دمشق على يد الفرنسيّين، ينظرون للإنجليز باعتبارهم داعمًا محتملًا لقضيّتهم، فيما عمل الإنجليز على استخدام الاستقلاليين لإزعاج الفرنسيّين في سياق التنافس الاستعماري بين الطرفين(63) حتى العام 1924، حينما طرد البريطانيون الاستقلاليّين من الحكم في شرق الأردن، وحلّ مكانهم موظّفون بيراقراطيّون عرب من حكومة فلسطين الانتدابيّة تم انتدابهم لهذا الأمر.(64) لكن هذا لا يُلغي، ضمن كلّ هذه المتغيّرات المتسارعة، أن المجال الحيويّ الطبيعيّ لنواحي منطقة عجلون، بالمعنى الاجتماعيّ–الاقتصاديّ، ولاحقًا السياسيّ، قد شمل (أو كان جزءًا من) حوران، والجولان، ومنطقة بيسان وطبريا، وصولًا إلى ما صار جنوب لبنان. 

خاتمة: العبيدات وإعادة التّفكير في الكيانات الوظيفيّة وهويّاتها

مثل محمد حمد الحنيطي،(65) لا يحظى كايد المفلح العبيدات باحتفاءٍ كبير، لا في الأوساط الرسميّة الأردنيّة ولا الفلسطينيّة، ولنفس الأسباب، فكلا البطلين من شرق النّهر، واستشهدا غربه، خارج إطار السرديّة الرسميّة، وفي إطار حرب العصابات الشعبيّة، فهما يُشكّلان مشكلة هويّاتيّة لدعاة الانعزاليّة من الطّرفين، خصوصًا وأن الكيانات السياسيّة الحاليّة تجهد (منذ مئة عام) لتثبيت قداسة نهائيّة وحاسمة على نطاقها الجغرافيّ، باعتباره المنطقة الحصريّة لسيطرة المجموعة الحاكمة، ومجال تسلّطها ووظيفيّتها، واشتقاق الهويّة الولائيّة لها منها؛ وكلا البطلين ناضلا في مناطق صارت اليوم جزءًا «شرعيًّا» من «إسرائيل» المعترف بها دوليًّا، والمعترف بها من قبل المجموعة الحاكمة في الأردن، ومن قبل السلطة الفلسطينيّة ومنظمة التحرير، باعتبار أن هذه المناطق تقع خارج حدود الرابع من حزيران عام 1967؛ وكلا البطلين ناضل بالسّلاح، وهذا يقع اليوم خارج موضة «المقاومة السلميّة» المنتشرة بشكل وبائيّ في أوساط الحركات التحرريّة والتغييريّة المعاصرة، وفي خانة «الإرهاب» بتعريف جميع السّلطات محليًّا ودوليًّا (تخيّلوا ماذا سيحدث لو أن كايد المفلح قام بعمليّته الآن)؛ يضاف لذلك سبب خاصّ بالعبيدات وحده: أنّه يمثّل الماضي ما قبل القطريّ–الكيانيّ الوظيفيّ للمنطقة، ووجودها الطبيعيّ، وعلاقاتها وطموحاتها وآمالها، ويمثّل مشاريع تحرريّة كبرى تحطّمت اليوم أمام التبعيّة للقوى الخارجيّة البريطانيّة والفرنسيّة، ولاحقًا: الأميركيّة، والخنوع للمشروع الصهيونيّ وتمدّده وتداعياته، والانضباط في مجال السيطرة للكيانات الوظيفيّة التي أنشأها الاستعمار وتركها خلفه. 

لا يمكن اختصار كايد المفلح العبيدات –بهذه المعاني الكبيرة والتاريخيّة– بعبارة: «أول شهيد أردني على أرض فلسطين»، فقد سبقه إلى الشّهادة يوم سمخ أخوه فندي المفلح، وقريبه فندي القفطان، ولحقهم في الشهادة ابن أخيه سلطان الجبر المفلح؛ هي كوكبةٌ من أربعة شهداء إذًا، كانت حصيلةً تراجيديّة لمشروعٍ طموحٍ لحرب عصابات انتهت في بدايتها بمقتل قائدها ومحرّكها؛ مشروعٌ دَعَم رؤيةً سياسيّةً قوامها دولة واحدة في سوريّة الطبيعيّة، وكانت أداتها شبكة من القيادات الحورانيّة والعجلونيّة والجولانيّة التي بدأت بالتشكّل منذ نهايات الدولة العثمانيّة، ليسقط كلّ ذلك على مذبح القوّة الغاشمة والصّلف للاستعمارين البريطانيّ والفرنسيّ، والحركة الصهيونيّة، وتواطؤ المجموعات الحاكمة وكياناتها الوظيفيّة، وصولًا إلى الحال الذي نحن فيه اليوم.

* ورد خطأً في هذا المقال أن هذا التقسيم الإداري امتد نصف قرن، والصحيح هو خمسة قرون، وعليه تم التعديل.

  • الهوامش
    1. محمود عبيدات، سيرة الشهيد كايد المفلح العبيدات: أول شهيد أردني على التراب الفلسطيني 1868 – 1920، دار بشار، دون تاريخ نشر، ص 143.
    2. المعيد هو بكائيّة تقولها النّساء عند تلقّي خبر وفاة شخصٍ عزيز في غفلة من الأمر، انظروا: محمد غوانمة، أغاني النساء في الأردن، المجلة الأردنية للفنون، مجلد 2، عدد 1، 2009، ص ص 1 – 36.
    3. عبيدات، مذكور سابقًا، ص 133.
    4. نفس المرجع أعلاه، ص 134.
    5. نفسه، ص 133.
    6. نفسه، ص 129.
    7. Alec Seath Kirkbride, An Awakening: The Arab Campaign 1917–1918, University Press of Arabia, 1971, pp. 111 – 112، مقتبس بترجمة إلى العربية في: سليمان الموسى، صور من البطولة، منشورات وزارة الثقافة والتراث القومي، ط 2، 1988 (1968)، ص ص 164 – 166.
    8. عبيدات، مذكور سابقًا، ص 135.
    9. نفس المرجع أعلاه، ص 139.
    10. نفسه، ص 136، وص 140 هامش 2.
    11. نفسه، ص 140.
    12. عبيدات، مذكور سابقًا، ص 142.
    13. أول من أعطى كايد المفلح العبيدات هذا اللقب كان منيب الماضي وسليمان الموسى في كتابهما: تاريخ الأردن في القرن العشرين الصادر عام 1959، «إذ نشر مؤلّفا الكتاب صورة الشيخ كايد المفلح مع شرح يقول (أول شهيد أردني في سبيل عروبة فلسطين عام 1920)». انظروا: الموسى، مذكور سابقًا، ص 161، وأعاد الموسى نشر الصورة مع اللقب في نفس الكتاب صفحة 163.
    14. انظروا: Mustafa B. Hamarneh, Social and Economic Transformations of Trans–Jordan 1921 – 1946, PhD dissertation, Georgetown University, 1985, unpublished، ص 137؛ وأيضًا: تيسير ظبيان، الملك عبد الله كما عرفته، المطبعة الوطنيّة، 1967، ص ص 8 – 9.
    15. الشاعر الدوقراني (حوالي 1830 – 1927): هو إبراهيم عبد الرزاق الشلول من قرية دوقرة، شمال غرب إربد، وهو من أبرز شعراء المحكيّة في قضاء عجلون ومنطقة حوران.
    16. الشاعر الدوقراني (إبراهيم عبد الرزاق الشلول)، ديوان الشاعر الدوقراني، جمع وتحقيق وإعداد: أحمد الشاعر الدوقراني، دون ناشر، 1985، ص ص 45 – 48.
    17. الشاعر الدوقراني، مذكور سابقًا، ص 17.
    18. من النماذج البارزة على هذا الشعور الطبيعيّ الحورانيّ المتكرّر في قصائد الدوقراني، هذا النموذج من قصيدة يخاطب بها الأمير عبد الله للإفراج عن كليب الشريدة بعد اعتقاله إثر ثورة الكورة، وفيها يقول:
    يا مِيْر جَتْنَا دولة أجنبيّة من البحر فاضوا علينا طوابير
    فيهم مجوس وبعضهم سامريّه دِجٍّ ولا نِفْهَم لُغَتْهُم طناجير
    اطيورْ فوقٍ بالسّما مِعْتليّهْ صارُو هُم العِقبان وِحْنا الشّنانير
    وِرْدوا على حوران وِرْد الظَّمِيِّهْ وِرْدَ الجَهامْ اللّي تِعارَك على بير
    تقاطعوها مثل لحم الضحيّة قصّوها قصّ الخشب بالمناشير
    حوران مِثْل البِنْت حُرَّه تقيّه ما حَدْ كشف سِترهْ على دور باكير
    اجْنينةٍ مَصْيونةٍ مِحْتميِّة اشيوخها بالسِّيف لِيها نَواطير
    (ص 42 من الديوان، مذكور أعلاه)
    19. عبيدات، مذكور سابقًا، ص 19.
    20. الموسى، مذكور سابقًا، ص 162؛ وعبيدات، مذكور سابقًا، ص 169 هامش 1.
    21. عبيدات، مذكور سابقًا، ص 15.
    22. نفس المرجع أعلاه، ص 25.
    23. نفسه، ص ص 26 – 27.
    24. نفسه، ص 15، وص ص 73 – 75.
    25. نفسه، ص 77.
    26. نفسه، ص 20 و81.
    27. الموسى، مذكور سابقًا، ص ص 108 – 109.
    28. عبيدات، مذكور سابقًا، ص 103.
    29. حسن الأمين، سراب الاستقلال في بلاد الشام 1918 – 1920، رياض الريس للكتب والنشر، 1998، ص ص 15 – 22.
    30. عبيدات، مذكور سابقًا، ص ص 108 – 109.
    31. نفس المرجع أعلاه، ص 110 و118.
    32. الأمين، مذكور سابقًا، ص 167.
    33. الأمين، ص 168.
    34. عبيدات، مذكور سابقًا، ص 117.
    35. عبيدات، ص ص 119 – 123.
    36. نفس المرجع أعلاه، ص 120.
    37. نفس المرجع أعلاه، ص 127.
    38. نفسه، ص ص 126 – 127.
    39. الأمين، ص ص 238 – 246.
    40. الأمين، ص 259.
    41. عبيدات، مذكور مسبقًا، ص ص 124 – 125.
    42. لقراءة تفاصيل هذا التنافس الاستعماري، انظروا: James Barr, A Line in the Sand: Britain, France and the Struggle That Shaped the Middle East, Simon and Schuster, 2011
    43. عبيدات، ص 128.
    44. نفس المرجع أعلاه، نفس الصفحة.
    45. الموسى، مذكور سابقًا، ص 115.
    46. عبيدات، مذكور مسبقًا، ص 9.
    Kirkbride .47 في الموسى، مذكور سابقًا، ص 164.
    48. Kirkbride في الموسى، مذكور سابقًا، ص 166.
    49. الموسى، مذكور سابقًا، ص 162.
    50. عبيدات، مذكور سابقًا، ص 169 هامش 1.
    51. عبيدات، نفس المرجع أعلاه، ص 133.
    52. عبيدات، نفسه، ص 129.
    53. Kirkbride في الموسى، مذكور سابقًا، ص 165.
    54. عبيدات، مذكور سابقًا، ص 138.
    55. Kirkbride في الموسى، مذكور سابقًا، ص 165.
    56. نفس المرجع أعلاه، نفس الصفحة.
    57. قضيّة فلسطين في خرائط، المركز الجغرافي الأردني، 1984، ط 4، خريطة 2.
    58. Nur Masalha, Palestine: A Four Thousand Year History, Zed Books, 2018، ص 15.
    59. سلمان أبو ستة، أطلس فلسطين 1917 – 1966، هيئة أرض فلسطين، 2011، جدول 2 – 24، ص 55.
    60. Hamarneh, Social and Economic Transformations of Trans–Jordan، ص 111.
    61. منيب الماضي وسليمان الموسى، تاريخ الأردن في القرن العشرين: 1900 – 1959، دار ورد، 2017 (1959)، ص 158 – 159.
    62. نفس المرجع أعلاه، ص 158.
    63. لقراءة تفاصيل هذا التنافس الاستعماري، انظروا: James Barr, A Line in the Sand: Britain, France and the Struggle That Shaped the Middle East, Simon and Schuster, 2011
    64. علي محافظة، تاريخ الأردن المعاصر: عهد الإمارة 1921 – 1946، دون ناشر، 1973، ص 34.
    65. هشام البستاني، محمد الحنيطي.. مالَك والفلسطينيين؟، العربي الجديد، 15 أيار 2015.