رأي

في رثاء الحلم: كيف سيكتبنا التاريخ

الإثنين 25 كانون الثاني 2016

من العسير على أحدنا أن يكتب عن الخامس والعشرين من يناير دون أن يضع في رأسه وعلى طرف لسانه تحذيرًا ذاتيّا من تحويل النص إلى بكائية تسهم في مزيد من الحزن الذي نعرف جميعًا أنه لا ينقص العالم منذ زمن. لكن مرور خمس سنوات على ميلادنا الحقيقيّ موجب للكتابة، وفاءً لمكان في القلب لا يزال حيّا، وقادرًا على الحلم.

عندما يكتب المؤرخون بعد سنوات من الآن، أو بعد قرون، عن هذه السنوات الخمس التي عرفناها في هذا الجزء المرهَق والمرهِق من العالم، فإنهم لن ينصفوا أبناء هذه المرحلة، إذ لن يتعدى ما سيكتبونه أسطر قليلة، وسنشعر نحن الذين كنّا جزءًا ما من هذه الأعوام الخمسة ساعتها بالحزن والغبن الشديديْن لأننا نظن أن ما أنفق من دم وعرق وجهد ومال وأعمار في هذه السنوات الخمس يستحق مجلّدات لا سطورًا خمسة. لكنها غلطة جيل فجيل، وسبق لنا أن فعلناها مع من صاروا اليوم في عالم الغيب، فاختزلناهم في أسطر من شتائم، أو في أفضل الأحوال في قصائد وأغانٍ لا تسمن ولا تغني من جوع.

اليوم، وبعد فشل المشروع الثوري الذي حلمنا به، نؤمن بأن كتب التاريخ كما السياسة لن تنصفنا يومًا، ولأننا خسرنا معركة الشارع فإننا لا شك سنخسر معركة الرواية، سيكتب المنتصر، رغم كونه أمّيًا، تاريخنا وتاريخه وتاريخ الدم. سيقولون عملاء، سيقولون أجندات، وستسجل كتب التاريخ قولهم، وسيحتفي التاريخ، وما هو إلّا عبد ذليل، بزيفهم.

لأننا خسرنا معركة الشارع فإننا لا شك سنخسر معركة الرواية، سيكتب المنتصر التاريخ، رغم كونه أمّيًا

لذا، فإننا نراهن على كتّاب الأدب، أعني على الروائيين وكتاب القصة والشعراء على أن يمنحونا جزءًا من العدل الذي حلمنا بتحقيقه. صحيح أننا فشلنا، لكن الأمل، كل الأمل أن يرى الأبناء أننا على الأقل حاولنا، أن يرى الأدباء السطور التي خُطّت على الفيسبوك وتويتر وغيرها من مواقع التدوين، أن يشاهدوا الكلمات التي خطّها أطهرنا على جدران الزنازين التي امتلأت بهم عن آخرها، أن يقرؤوا ما كتبه الرفاق على شواهد قبور رفاقهم، أن يقرؤوا الدموع التي عرفتها اللحى والخدود والشوارع في 28 يناير، وفي 11 فبراير، وفي 21 آب، وفي 14 أغسطس، وفي أيام أخرى كثيرة، أيام فرح، وسنوات حداد.

أملنا منعقد على النصوص التي لن تحصل على الجوائز، على الكتب التي سيعلوها الغبار، لكنها مؤلفات ستكتب بمحبة وصدق، سيكتبها أولئك الذين سيضعون أنفسهم مكاننا، فسيجدون أن الأخطاء التي حصلت، وهي كثيرة، إنما حصلت بحسن نيّة، وأن التجربة كانت أولى، ولذا كان فيها الكثير من الأخطاء والمزاودة والأحزاب والمعارك التي كان من الواجب تجنّبها، والحجارة التي اتجهت إلى المكان الخطأ، والاشتباكات التي كان من الواجب التبكير فيها، والهتافات البذيئة التي حاولت خدش حياء الواقع.

تعلمنا في المدارس أن الصينيين القدماء كانوا عند كل كسوف للشمس يخرجون إلى الشوارع يقرعون طناجر الطهو ليخيفوا التنين الذي ابتلع شمسهم. وهكذا فعلت الملايين التي خرجت للشارع لتخيف التنين القابع في قصر الحكم، الحاكم الذي أراد لنا أن نعامله على أنه نصف إله ونصف نبي، فنسجد له آناء الليل وأطراف النهار وفي كل ميدان وعلى كل رصيف. لكن طفلًا عابثًا بالتراب اكتشف أن هذا الحاكم بشر، مثلنا، لا بل أقل، فصرخ في الحاكم وأفزعه، فعرفنا أن هذا الإله خائف جدًا، ولذا وضع بيننا وبينه آلافًا من العسس والجنود والمخابرات والجيش والأسلحة التي أخبرنا كثيرًا أنها موجودة لحمايتنا من العدو المتربّص بنا على الأبواب. هل كنّا نصدق كذبته هذه ونحن نراه يقبل العدو؟ ونحن نراه يحمي العدو وينفق عليه من أموال أبنائنا؟ البعض منّا ببلاهة صدّق، والبعض الآخر تكلم هامسًا، آملًا بيوم كيوم الخامس والعشرين.

هل يمكن الحديث عن أملٍ حقيقيّ في آخر النفق الطويل، أم سيقال لنا أن هذا الضوء الذي نراه إنما هو ضوء القطار الذي سيدهسنا وينهي الحكاية نهايةً تليق بنا؟

سيكتب المؤرخون والمثقفون والمفكرون طويلًا عن الأسباب التي دعت إلى الخامس والعشرين من يناير. والخامس والعشرين من يناير هو علم على يوم لا تاريخ له، الخامس والعشرين من يناير هو السابع عشر من فبراير في مكان، والثامن عشر من مارس في مكان. سيكتب المؤرخون كما ستزيّن لهم أهواؤهم، وسيكون لديهم جميعًا ما يدلّلون به على أقوالهم. سيقول بعضهم: خرج هؤلاء لتحكيم شرع الله، وسيقول آخرون: إنما خرجوا هربًا من الكبت الجنسي، وسيقول غيرهم: لم يخرجوا إلّا لأننا فصلنا عنهم الإنترنت، أو: إنما خرجوا حتى يجدوا شيئًا يدافعون به عن أنفسهم أمام أولادهم ساعة يتم سؤالهم: ما الذي فعلتموه لتجعلوا من العالم مكانًا أفضل؟ أو: إنما خرجوا لِمَا هتفوا له: عيش حريّة عدالة اجتماعية. لكن يحلو لي، أنا الذي لا أعتبر نفسي أحد هؤلاء، أن أقول أن الذين تركوا بيوتهم ودفئها وأهاليهم وحنانهم قد خرجوا لأسباب كثيرة على رأسها استعادة الشمس التي ابتلعها التنين.

قلت أن هذا النص يجب عليه ألّا يتحول إلى لطمية أخرى. حسنًا، هو لا يحاول أن يكون كذلك، لكنه لا يمكنه تجاهل أنه بينما نقرأ هذه السطور فإن آلافًا غيرنا لا تستطيع قراءتها، لأن نصف الآله قرّر نقلها إلى العالم الآخر قبل الأوان، وآلافًا أخرى تكدّست في زنازينه حتى فاضت، وآخرين هربوا نحو البحر فابتلع معظمهم. لا يمكنه تجاهل أنه لم يبقَ اليوم من الخامس والعشرين من يناير سوى زنازين وسياط ومثقفون خونة وإعلام باع للشيطان روحه ودولٌ تقسّمت أو تكاد، و«شعر أبيض على الكراسي، وشعر أسود في القبور».

بعد خمس سنوات على الخامس والعشرين من يناير، هل يمكن الحديث عن أملٍ حقيقيّ في آخر النفق الطويل، أم سيقال لنا أن هذا الضوء الذي نراه إنما هو ضوء القطار الذي سيدهسنا وينهي الحكاية نهايةً تليق بنا؟ قبل الخامس والعشرين من يناير، ومع كل مظاهرة كانت تنزل الشارع مهما صغرت، كنّا نقول أن الأمل واجب، واليأس يا سادة خيانة، كنا نتحدث عن أن لأولادنا علينا حقًا، وأبسط أشكال هذا الحق هو ألّا نفقد الأمل، إن كنا غير قادرين على هدم الجدار فواجبنا على الأقل ألّا نجعل منه أعلى وأمتن. كان من سبقونا بالتجربة يقولون لنا أن اليأس يمنح الجدار مزيدًا من الصلابة، أن اليأس يمنح التنين مزيدًا من النار، أن اليأس خيانة لدم من جاد بدمه.

هذا ما كنّا نفكر فيه ذات ثورة امتدت فلم تعترف بالحدود أو ربما كان أول ما أسقطته هو الحدود، فشارك بها حتى أولئك الجالسون خلف شاشات الفضائيات، حتى أولئك الذين جبنوا فما امتلكوا إلّا حواسيبهم فهتفوا عليها، وكتبوا وغرّدوا وأنشدوا لميادين التحرير التي انتشرت وعمّت.

أين نحن الآن بعد خمسة أعوام على الخامس والعشرين من يناير؟ سيقول أولئك الذين فضّلوا المشي إلى جوار الحائط لا هدمه «قلنا لكم منذ البداية لكنكم سرتم وراء أوهامكم، قلنا لكم أن هذا الشعب غير جاهز للحرية، قلنا لكم أنكم شعب لا يستحق الحريّة». لكن من ذاق حلاوة الميدان يومًا سيهز رأسه مبتسمًا ويقول: حسنًا، فلتعترفوا لنا على الأقل أنه لولا هذه الحناجر التي هتفت، والأكف التي اشتبكت لما عرفنا مقدار العفن الذي نخر أرواحنا حتى اهترأت، أو كادت.

سيكتب الكثير عن أيام الله هذه التي شهدنا، لكننا نؤمن أنه وإن كثرت الأقلام التي ستلوم الضحية، وستؤنب من حاول رفع غطاء «البلّاعة»، فسيكون هناك أيضًا من سيكتب أن أولئك الذين عرفوا الشوارع وعرفتهم، هم أول من حطم الأصنام الموجودة في الشوارع، والأهم، الأصنام المعبودة في الرؤوس.